الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٩٤٠
الحديث رقم ٤٩٤٠ من كتاب «سورة إذا السماء انشقت» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لتركبن طبقا عن طبق.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
﴿البُرُوجُ﴾
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿الأُخْدُودِ﴾ شَقٌّ فِي الْأَرْضِ ﴿فَتَنُوا﴾ عَذَّبُوا.
﴿الطَّارِقُ﴾
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ سَحَابٌ يَرْجِعُ بِالْمَطَرِ ﴿ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ تَتَصَدَّعُ بِالنَّبَاتِ.
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ ﴾
٤٩٤٠ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ النَّضْرِ ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ جَعْفَرُ بْنُ إِيَاسٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ :
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٢ - بَاب: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾
٤٩٤٠ - حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ النَّضْرِ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ جَعْفَرُ بْنُ إِيَاسٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾؛ حَالًا بَعْدَ حَالٍ، قَالَ: هَذَا نَبِيُّكُمْ ﷺ.
قَوْلُهُ: (بَابُ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ سَقَطَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾؛ حَالًا بَعْدَ حَالٍ، قَالَ: هَذَا نَبِيُّكُمْ ﷺ؛ أَيِ الْخِطَابُ لَهُ، وَهُوَ عَلَى قِرَاءَةِ فَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِهَا قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَالْأَعْمَشُ وَالْأَخَوَانِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هُشَيْمٍ بِلَفْظِ أنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقْرَأُ: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ؛ يَعْنِي: نَبِيَّكُمْ حَالًا بَعْدَ حَالٍ وَأَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْقِرَاءَاتِ عَنْ هُشَيْمٍ، وَزَادَ: يَعْنِي بِفَتْحِ الْبَاءِ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: قَرَأَهَا ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْكُوفَةِ بِالْفَتْحِ، وَالْبَاقُونَ بِالضَّمِّ عَلَى أَنَّهُ خِطَابٌ لِلْأُمَّةِ، وَرَجَّحَهَا أَبُو عُبَيْدَةَ لِسِيَاقِ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا. ثُمَّ أَخْرَجَ عَنِ الْحَسَنِ، وَعِكْرِمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَغَيْرِهِمْ قَالُوا: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾؛ يَعْنِي: حَالًا بَعْدَ حَالٍ. وَمِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ أَيْضًا وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَمَسْرُوقٍ قَالَ: السَّمَاوَاتُ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ قَالَ: السَّمَاءُ. وَفِي لَفْظٍ لِلطَّبَرِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: الْمُرَادُ أَنَّ السَّمَاءَ تَصِيرُ مَرَّةً كَالدِّهَانِ، وَمَرَّةً تُشَقَّقُ ثُمَّ تَحْمَرُّ ثُمَّ تَنْفَطِرُ. وَرَجَّحَ الطَّبَرِيُّ الْأَوَّلَ، وَأَصْلُ الطَّبَقِ الشِّدَّةُ، وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا مَا يَقَعُ مِنَ الشَّدَائِدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَالطَّبَقُ مَا طَابَقَ غَيْرَهُ، يُقَالُ: مَا هَذَا بِطَبَقِ كَذَا؛ أَيْ: لَا يُطَابِقُهُ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: حَالًا بَعْدَ حَالٍ؛ أَيْ حَالَ مُطَابَقَةٍ لِلَّتِي قَبْلَهَا فِي الشِّدَّةِ، أَوْ هُوَ جَمْعُ طَبَقَةٍ وَهِيَ الْمَرْتَبَةُ، أَيْ هِيَ طَبَقَاتٌ بَعْضُهَا أَشَدُّ مِنْ بَعْضٍ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ اخْتِلَافُ أَحْوَالِ الْمَوْلُودِ مُنْذُ يَكُونُ جَنِينًا إِلَى أَنْ يَصِيرَ إِلَى أَقْصَى الْعُمُرِ، فَهُوَ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ جَنِينٌ، ثُمَّ إِذَا وُلِدَ صَبِيٌّ، فَإِذَا فُطِمَ غُلَامٌ، فَإِذَا بَلَغَ سَبْعًا يَافِعٌ، فَإِذَا بَلَغَ عَشْرًا حَزَوَّرٌ، فَإِذَا بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ قُمُدٌّ، فَإِذَا بَلَغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ عَنَطْنَطٌ، فَإِذَا بَلَغَ ثَلَاثِينَ صُمُلٌّ، فَإِذَا بَلَغَ أَرْبَعِينَ كَهْلٌ، فَإِذَا بَلَغَ خَمْسِينَ شَيْخٌ، فَإِذَا بَلَغَ ثَمَانِينَ هِمٌّ، فَإِذَا بَلَغَ تِسْعِينَ فَانٍ.
٨٥ - سُورَةُ (الْبُرُوجِ)
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأُخْدُودُ؛ شَقٌّ فِي الْأَرْضِ. فَتَنُوا: عَذَّبُوا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْوَدُودُ؛ الْحَبِيبُ. الْمَجِيدُ: الْكَرِيمُ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ الْبُرُوجِ) تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرَ الْفُرْقَانِ تَفْسِيرُ الْبُرُوجِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿الأُخْدُودِ﴾؛ شَقٌّ فِي الْأَرْضِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِ: شَقٌّ بِنَجْرَانَ كَانُوا يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِيهِ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ صُهَيْبٍ قِصَّةَ أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ مُطَوَّلَةً، وَفِيهِ قِصَّةُ الْغُلَامِ الَّذِي كَانَ يَتَعَلَّمُ مِنَ السَّاحِرِ، فَمَرَّ بِالرَّاهِبِ فَتَابَعَهُ عَلَى دِينِهِ، فَأَرَادَ الْمَلِكُ قَتْلَ الْغُلَامِ لِمُخَالَفَتِهِ دِينَهُ، فَقَالَ: إِنَّكَ لَنْ تَقْدِرَ عَلَى قَتْلِي حَتَّى تَقُولَ إِذَا رَمَيْتَنِي: بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ. فَفَعَلَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، فَخَدَّ لَهُمُ الْمَلِكُ الْأَخَادِيدَ فِي السِّكَكِ وَأَضْرَمَ فِيهَا النِّيرَانَ لِيَرْجِعُوا إِلَى دِينِهِ. وَفِيهِ قِصَّةُ الصَّبِيِّ الَّذِي قَالَ لِأُمِّهِ: اصْبِرِي فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ. صَرَّحَ بِرَفْعِ الْقِصَّةِ بِطُولِهَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ. وَمِنْ طَرِيقِهِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَحْمَدُ. وَوَقَفَهَا مَعْمَرٌ، عَنْ ثَابِتٍ، وَمِنْ طَرِيقِهِ أَخْرَجَهَا التِّرْمِذِيُّ، وَعِنْدَهُ فِي آخِرِهِ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ﴾ - إِلَى - ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾
قَوْلُهُ: ﴿فَتَنُوا﴾ عَذَّبُوا)
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(العَرْضُ يُعْرَضُونَ) بأن تعرضَ عليه أعماله فيعرفُ الطَّاعة والمعصية، ثمَّ يثابُ على الطَّاعة ويتجاوزُ عن المعصيةِ، ولا يطالبُ بالعُذر فيه (وَمَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ) بضم النون وكسر القاف مبنيًّا للمفعول، و «الحسابَ» نصب بنزعِ الخافض، أي: من استقصَى أمرهُ في الحسابِ (هَلَكَ) بالعذابِ في النَّار، أو أنَّ نفسَ عرضِ الذُّنوب والتَّوقيف على قبيحِ ما سلفَ والتَّوبيخ عذابٌ، وفيه بحثٌ يأتي إن شاء الله تعالى في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٣٧].
وهذا الحديثُ أخرجه أيضًا في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٣٦]، ومسلمٌ في «صفة النَّار»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «التَّفسير».
(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قوله تعالى: (﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩]) أصلُه: لتركبوننَّ (١)، فحذفت نون الرفع لتوالي الأمثال، والواو لالتقاء السَّاكنين، وفتح الباء ابنُ كثيرٍ وحمزة والكِسائيُّ خطابًا للواحِد، والباقون بضمِّها خطابًا للجمعِ، وسقط لفظ «باب» وما بعده لغير أبي ذرٍّ (٢).
٤٩٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (سَعِيدُ بْنُ النَّضْرِ) بسكون الضاد المعجمة، البغداديُّ قال: (أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ) بضم الهاء مصغَّرًا، ابنُ بشيرٍ قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة (جَعْفَرُ بْنُ إِيَاسٍ) بكسر الهمزة وتخفيف التحتية (٣)، ابن أبي وحشيَّة (عَنْ مُجَاهِدٍ) المفسِّر، أنَّه (قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) في قولهِ تعالى: (﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾) بضم الموحدة، وفي «اليونينية» بفتحها (٤) (﴿طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩]) أي: (حَالًا بَعْدَ حَالٍ، قَالَ:
هَذَا نَبِيُّكُمْ ﷺ) يعني يكونُ لك (١) الظَّفر والغَلبة على المشركين حتَّى يُختَم لك بجميلِ العاقبة فلا يحزنك تكذيبهم وتماديهم في كفرهِم، وقيل: سماءً بعد سماءٍ، كما وقع في الإسراءِ، والمعنى على الجمعِ: لتركبنَّ أيُّها النَّاس حالًا بعد حالٍ، وأمرًا بعد أمرٍ، وذلك في موقفِ القيامةِ. أو الشَّدائدُ والأهوالُ الموتُ ثمَّ البعثُ ثمَّ العرضُ، أو حال الإنسان حالًا بعد حال؛ رضيعٌ، ثمَّ فطيمٌ، ثمَّ غلامٌ، ثمَّ شابٌّ، ثمَّ كهلٌ، ثمَّ شيخٌ.
(((٨٥))) (سورة البُرُوجِ) مكِّيَّة، وآيُها اثنتان وعشرون، وسقط لغير أبي ذرٍّ «سورة».
(قَالَ) ولغير أبي ذرٍّ (٢): «وقال» (مُجَاهِدٌ) فيمَا رواهُ عبدُ بنُ حميدٍ في قولهِ: (﴿الْأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤]) هو (شَقٌّ فِي الأَرْضِ) وقال غيرهُ: المستطيلُ في الأرضِ. وروى مسلمٌ عن صهيبٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «كانَ فيمَن كان قبلكُم مَلِكٌ، وكان لهُ ساحرٌ، فلمَّا كبِر قال للملكِ: إنِّي قد كَبرت، فابعث إليَّ غلامًا أعلِّمه السِّحر، فبعث إليهِ غلامًا يعلِّمه، وكانَ (٣) في طريقهِ إذا سلكَ راهبٌ، فقعدَ إليه وسمعَ كلامَه فأعجبَه، فكان إذا أتَى السَّاحر مرَّ بالرَّاهبِ وقعد إليهِ، فإذا أتى السَّاحر ضربَه، فشكا ذلك إلى الرَّاهب فقال لهُ (٤): إذا خشيتَ السَّاحر فقُل: حبسنِي أهلِي، وإذا خشيتَ أهلكَ فقلْ: حبَسني السَّاحر، فبينما هو كذلكَ إذ أتَى على النَّاس دابةٌ عظيمةٌ قد حبَست النَّاس، فقال: اليومَ أعلمُ آلسَّاحر أفضلُ أم الرَّاهبُ أفضلُ؟ فأخذَ حجرًا فقال: اللَّهمَّ إن كان أمرُ الرَّاهب أحبَّ
إليك من أمرِ (١) السَّاحر فاقتُل هذه الدَّابة حتَّى يمضي النَّاس، فرماهَا فقتَلها، ومضَى النَّاسُ فأتى الرَّاهبَ فأخبرَه، فقال له الرَّاهبُ: أي بنيَّ، أنت اليومَ أفضلُ منِّي، قد بلغَ من أمركَ ما أرَى، وإنَّك ستُبتلى، فإن ابتليتَ فلا تدلَّ عليَّ، وكان الغُلام يبرئُ الأكمَه والأبرصَ، ويُداوي النَّاس من (٢) سائرِ الأدواءِ، فسمع جليسٌ للملكِ (٣) كان قد عميَ فأتاه بهدايَا كثيرةٍ، فقال: ما ههنا لكَ أجمعُ إن أنتَ شفيتَني. قال: إنِّي لا أشفِي أحدًا، إنَّما يشفي الله ﷿، فإن آمنتَ باللهِ دعوتُ الله فشفاكَ، فآمنَ باللهِ فشفاهُ الله، فأتى الملِك فجلسَ إليهِ كما كان يجلسُ، فقال لهُ الملك: من ردَّ عليكَ بصركَ؟ فقال: ربِّي. قال: ولك ربٌّ غيري؟ قال: اللهُ ربِّي وربُّك، فأخذهُ فلم يزل يعذِّبه حتَّى دلَّ على الغلامِ، فجيءَ بالغلامِ فقال له الملك: أي بنيَّ، قد بلغَ من سحركَ ما تُبرئ الأكمَه والأبرصَ وتفعلُ وتفعلُ. قال: إنِّي لا أشفِي أحدًا، إنَّما يشفي الله، فأخذهُ فلم يزَل يعذِّبه حتَّى دلَّ على الرَّاهب، فجيءَ بالرَّاهب فقيل لهُ: ارجعْ عن دينِك فأبَى، فدعا (٤) بالمنشارِ فوضعَ المنشارَ في مَفْرِقِ رأسهِ فشقَّه بهِ (٥) حتَّى وقعَ شقَّاه، ثمَّ جيءَ بجليسِ الملك فقيل لهُ: ارجعْ عن دينِك فأبَى، فوضعَ المنشارَ في مَفْرقِ رأسهِ فشقَّه حتَّى وقع شقَّاه، ثمَّ جيءَ بالغلامِ فقيل لهُ: ارجعْ عن دينكَ فأبَى، فدفعهُ إلى نفرٍ من أصحابهِ، فقال: اذهبوا بهِ إلى جبلِ كذا وكذا فاصعدوا بهِ الجبلَ، فإذا بلغتُم بهِ ذُروته فإن رجعَ عن دينهِ وإلَّا فاطرحوهُ، فذهبوا بهِ فصعدوا بهِ الجبلَ، فقال: اللَّهمَّ اكفنيهِم بما شئتَ، فرجفَ بهم الجبَلُ فسقطوا، وجاءَ يمشِي إلى الملكِ، فقال لهُ الملِكُ: ما فعلَ أصحابُك؟ قال: كفانيهُم الله، فدفعهُ إلى نفرٍ من أصحابهِ، فقال: اذهبوا بهِ فاحملوهُ في قُرْقُورٍ
فتوسَّطوا به البحرَ، فإن رجعَ عن دينهِ وإلَّا فاقذِفوه، فذهبوا به، فقال: اللَّهمَّ اكفنيِهم بما شئتَ، فانكفأتْ بهمُ السَّفينة فغرقُوا، وجاءَ يمشي إلى الملكِ، فقال له الملِكُ: ما فعلَ أصحابكَ؟ فقال: كفانيهُم الله، فقال للملكِ: إنَّك (١) لستَ بقاتِلي حتَّى تفعلَ ما آمرك بهِ. قال: وما هو؟ قال: تجمعُ النَّاس في صعيدٍ واحدٍ وتصلبُني على جذعٍ، ثمَّ خُذ سهمًا من كِنانتي ثمَّ ضعِ السَّهم في كبدِ القَوس، ثمَّ قلْ: بسمِ الله ربِّ هذا (٢) الغُلام ثمَّ ارمِني، فإنَّك إذا فعلتَ ذلكَ قتلتَني، فجمعَ النَّاس في صعيدٍ واحدٍ فصلبهُ على جذعٍ، ثمَّ أخذَ سهمًا من كنانته، ثمَّ وضعَ السَّهم في كبدِ القَوس، ثمَّ قال: بسمِ اللهِ ربِّ هذا الغُلام (٣) ثمَّ رماهُ فوقَع السَّهم في صدغِه، فوضعَ يدهُ في صدغهِ موضَع السَّهم فمات، فقال النَّاس: آمنَّا بربِّ الغُلام، آمنَّا بربِ الغُلام (٤) فأُتيَ الملِكُ فقيل لهُ: أرأيتَ ما كنتَ تحذره؟ قد واللهِ نزلَ بكَ حذرُك، قد (٥) آمن النَّاس، فأمرَ بالأخدودِ بأفواهِ السِّكك فخُدَّت وأضرَم النِّيران، وقال: مَن لم يرجعْ عن دينهِ فأقحموهُ فيها، أو قيل لهُ: اقتحِمْ، ففعلوا حتَّى جاءت امرأةٌ ومعها صبيٌّ لها، فتقاعَستْ أن تقعَ فيها، فقال لها الغُلام: يا أُمَّهْ، اصْبِري فإنَّك على الحقِّ».
(﴿فَتَنُوا﴾ [البروج: ١٠]) أي: (عَذَّبُوا) قالَه مجاهدٌ فيمَا وصله الفِريابيُّ.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤]) هو (الحَبِيْبُ) المتوِّدد إلى أوليائهِ بالكرامَة.
(﴿الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥]) أي: (الكَرِيمُ) وقول ابنِ عبَّاس هذا ساقطٌ في الفَرْع كأصلهِ، ثابتٌ في روايةِ النَّسفيِّ وحده.
(((٨٦))) (سورة الطَّارِقِ) ثبتَ لفظ: «سورة» لأبي ذرٍّ، وهي مكِّيَّة، وآيُها سبع عشرة (١).
(هُوَ) أي: الطَّارق (النَّجْمُ، وَمَا أتَاكَ لَيْلًا فَهُوَ طَارِقٌ) ولا يسمَّى ذلك بالنَّهار، فسُمِّي به النَّجم لظهورهِ ليلًا.
(﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق: ٣]) هو (المُضِيءُ) وهذا كلُّه ثابتٌ للنَّسفيِّ وحدَه، ساقطٌ (٢) في (٣) الفَرْع كأصلهِ (٤).
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ): أي: فيمَا وصلَه الفِريابيُّ (﴿ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ [الطارق: ١١]) هي (سَحَابٌ يَرْجِعُ بِالمَطَرِ) ولأبي ذرٍّ: «تَرجع» بالفوقية بدل التحتية، وعلى هذا يجوزُ أن يرادَ بالسَّماء السَّحاب.
(﴿ذَاتِ﴾) ولأبي ذرٍّ: «وذات (٥)» (﴿الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١٢]) هي الأرضُ (٦) (تَتَصَدَّعُ بِالنَّبَاتِ) والعيون.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣]) أي: (لَحَقٌّ) وجِدٌّ يفصلُ بين الحقِّ والباطلِ.
(﴿لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤]) أي: (إِلَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ) وهذا (٧) التَّفسير على تشديدِ ميم ﴿لَّمَّا﴾ وهي قراءة عاصمٍ وابنِ عامرٍ وحَمزة، و ﴿إِن﴾ نافيةٌ، وثبتَ قوله: (وقالَ ابنُ عبَّاسٍ … ) إلى آخره للنَّسفيِّ وحدَه، وسقط من الفَرْع كأصلهِ (٨).
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٢ - بَاب: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾
٤٩٤٠ - حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ النَّضْرِ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ جَعْفَرُ بْنُ إِيَاسٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾؛ حَالًا بَعْدَ حَالٍ، قَالَ: هَذَا نَبِيُّكُمْ ﷺ.
قَوْلُهُ: (بَابُ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ سَقَطَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾؛ حَالًا بَعْدَ حَالٍ، قَالَ: هَذَا نَبِيُّكُمْ ﷺ؛ أَيِ الْخِطَابُ لَهُ، وَهُوَ عَلَى قِرَاءَةِ فَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِهَا قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَالْأَعْمَشُ وَالْأَخَوَانِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هُشَيْمٍ بِلَفْظِ أنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقْرَأُ: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ؛ يَعْنِي: نَبِيَّكُمْ حَالًا بَعْدَ حَالٍ وَأَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْقِرَاءَاتِ عَنْ هُشَيْمٍ، وَزَادَ: يَعْنِي بِفَتْحِ الْبَاءِ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: قَرَأَهَا ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْكُوفَةِ بِالْفَتْحِ، وَالْبَاقُونَ بِالضَّمِّ عَلَى أَنَّهُ خِطَابٌ لِلْأُمَّةِ، وَرَجَّحَهَا أَبُو عُبَيْدَةَ لِسِيَاقِ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا. ثُمَّ أَخْرَجَ عَنِ الْحَسَنِ، وَعِكْرِمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَغَيْرِهِمْ قَالُوا: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾؛ يَعْنِي: حَالًا بَعْدَ حَالٍ. وَمِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ أَيْضًا وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَمَسْرُوقٍ قَالَ: السَّمَاوَاتُ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ قَالَ: السَّمَاءُ. وَفِي لَفْظٍ لِلطَّبَرِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: الْمُرَادُ أَنَّ السَّمَاءَ تَصِيرُ مَرَّةً كَالدِّهَانِ، وَمَرَّةً تُشَقَّقُ ثُمَّ تَحْمَرُّ ثُمَّ تَنْفَطِرُ. وَرَجَّحَ الطَّبَرِيُّ الْأَوَّلَ، وَأَصْلُ الطَّبَقِ الشِّدَّةُ، وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا مَا يَقَعُ مِنَ الشَّدَائِدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَالطَّبَقُ مَا طَابَقَ غَيْرَهُ، يُقَالُ: مَا هَذَا بِطَبَقِ كَذَا؛ أَيْ: لَا يُطَابِقُهُ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: حَالًا بَعْدَ حَالٍ؛ أَيْ حَالَ مُطَابَقَةٍ لِلَّتِي قَبْلَهَا فِي الشِّدَّةِ، أَوْ هُوَ جَمْعُ طَبَقَةٍ وَهِيَ الْمَرْتَبَةُ، أَيْ هِيَ طَبَقَاتٌ بَعْضُهَا أَشَدُّ مِنْ بَعْضٍ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ اخْتِلَافُ أَحْوَالِ الْمَوْلُودِ مُنْذُ يَكُونُ جَنِينًا إِلَى أَنْ يَصِيرَ إِلَى أَقْصَى الْعُمُرِ، فَهُوَ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ جَنِينٌ، ثُمَّ إِذَا وُلِدَ صَبِيٌّ، فَإِذَا فُطِمَ غُلَامٌ، فَإِذَا بَلَغَ سَبْعًا يَافِعٌ، فَإِذَا بَلَغَ عَشْرًا حَزَوَّرٌ، فَإِذَا بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ قُمُدٌّ، فَإِذَا بَلَغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ عَنَطْنَطٌ، فَإِذَا بَلَغَ ثَلَاثِينَ صُمُلٌّ، فَإِذَا بَلَغَ أَرْبَعِينَ كَهْلٌ، فَإِذَا بَلَغَ خَمْسِينَ شَيْخٌ، فَإِذَا بَلَغَ ثَمَانِينَ هِمٌّ، فَإِذَا بَلَغَ تِسْعِينَ فَانٍ.
٨٥ - سُورَةُ (الْبُرُوجِ)
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأُخْدُودُ؛ شَقٌّ فِي الْأَرْضِ. فَتَنُوا: عَذَّبُوا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْوَدُودُ؛ الْحَبِيبُ. الْمَجِيدُ: الْكَرِيمُ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ الْبُرُوجِ) تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرَ الْفُرْقَانِ تَفْسِيرُ الْبُرُوجِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿الأُخْدُودِ﴾؛ شَقٌّ فِي الْأَرْضِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِ: شَقٌّ بِنَجْرَانَ كَانُوا يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِيهِ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ صُهَيْبٍ قِصَّةَ أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ مُطَوَّلَةً، وَفِيهِ قِصَّةُ الْغُلَامِ الَّذِي كَانَ يَتَعَلَّمُ مِنَ السَّاحِرِ، فَمَرَّ بِالرَّاهِبِ فَتَابَعَهُ عَلَى دِينِهِ، فَأَرَادَ الْمَلِكُ قَتْلَ الْغُلَامِ لِمُخَالَفَتِهِ دِينَهُ، فَقَالَ: إِنَّكَ لَنْ تَقْدِرَ عَلَى قَتْلِي حَتَّى تَقُولَ إِذَا رَمَيْتَنِي: بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ. فَفَعَلَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، فَخَدَّ لَهُمُ الْمَلِكُ الْأَخَادِيدَ فِي السِّكَكِ وَأَضْرَمَ فِيهَا النِّيرَانَ لِيَرْجِعُوا إِلَى دِينِهِ. وَفِيهِ قِصَّةُ الصَّبِيِّ الَّذِي قَالَ لِأُمِّهِ: اصْبِرِي فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ. صَرَّحَ بِرَفْعِ الْقِصَّةِ بِطُولِهَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ. وَمِنْ طَرِيقِهِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَحْمَدُ. وَوَقَفَهَا مَعْمَرٌ، عَنْ ثَابِتٍ، وَمِنْ طَرِيقِهِ أَخْرَجَهَا التِّرْمِذِيُّ، وَعِنْدَهُ فِي آخِرِهِ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ﴾ - إِلَى - ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾
قَوْلُهُ: ﴿فَتَنُوا﴾ عَذَّبُوا)
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(العَرْضُ يُعْرَضُونَ) بأن تعرضَ عليه أعماله فيعرفُ الطَّاعة والمعصية، ثمَّ يثابُ على الطَّاعة ويتجاوزُ عن المعصيةِ، ولا يطالبُ بالعُذر فيه (وَمَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ) بضم النون وكسر القاف مبنيًّا للمفعول، و «الحسابَ» نصب بنزعِ الخافض، أي: من استقصَى أمرهُ في الحسابِ (هَلَكَ) بالعذابِ في النَّار، أو أنَّ نفسَ عرضِ الذُّنوب والتَّوقيف على قبيحِ ما سلفَ والتَّوبيخ عذابٌ، وفيه بحثٌ يأتي إن شاء الله تعالى في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٣٧].
وهذا الحديثُ أخرجه أيضًا في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٣٦]، ومسلمٌ في «صفة النَّار»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «التَّفسير».
(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قوله تعالى: (﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩]) أصلُه: لتركبوننَّ (١)، فحذفت نون الرفع لتوالي الأمثال، والواو لالتقاء السَّاكنين، وفتح الباء ابنُ كثيرٍ وحمزة والكِسائيُّ خطابًا للواحِد، والباقون بضمِّها خطابًا للجمعِ، وسقط لفظ «باب» وما بعده لغير أبي ذرٍّ (٢).
٤٩٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (سَعِيدُ بْنُ النَّضْرِ) بسكون الضاد المعجمة، البغداديُّ قال: (أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ) بضم الهاء مصغَّرًا، ابنُ بشيرٍ قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة (جَعْفَرُ بْنُ إِيَاسٍ) بكسر الهمزة وتخفيف التحتية (٣)، ابن أبي وحشيَّة (عَنْ مُجَاهِدٍ) المفسِّر، أنَّه (قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) في قولهِ تعالى: (﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾) بضم الموحدة، وفي «اليونينية» بفتحها (٤) (﴿طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩]) أي: (حَالًا بَعْدَ حَالٍ، قَالَ:
هَذَا نَبِيُّكُمْ ﷺ) يعني يكونُ لك (١) الظَّفر والغَلبة على المشركين حتَّى يُختَم لك بجميلِ العاقبة فلا يحزنك تكذيبهم وتماديهم في كفرهِم، وقيل: سماءً بعد سماءٍ، كما وقع في الإسراءِ، والمعنى على الجمعِ: لتركبنَّ أيُّها النَّاس حالًا بعد حالٍ، وأمرًا بعد أمرٍ، وذلك في موقفِ القيامةِ. أو الشَّدائدُ والأهوالُ الموتُ ثمَّ البعثُ ثمَّ العرضُ، أو حال الإنسان حالًا بعد حال؛ رضيعٌ، ثمَّ فطيمٌ، ثمَّ غلامٌ، ثمَّ شابٌّ، ثمَّ كهلٌ، ثمَّ شيخٌ.
(((٨٥))) (سورة البُرُوجِ) مكِّيَّة، وآيُها اثنتان وعشرون، وسقط لغير أبي ذرٍّ «سورة».
(قَالَ) ولغير أبي ذرٍّ (٢): «وقال» (مُجَاهِدٌ) فيمَا رواهُ عبدُ بنُ حميدٍ في قولهِ: (﴿الْأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤]) هو (شَقٌّ فِي الأَرْضِ) وقال غيرهُ: المستطيلُ في الأرضِ. وروى مسلمٌ عن صهيبٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «كانَ فيمَن كان قبلكُم مَلِكٌ، وكان لهُ ساحرٌ، فلمَّا كبِر قال للملكِ: إنِّي قد كَبرت، فابعث إليَّ غلامًا أعلِّمه السِّحر، فبعث إليهِ غلامًا يعلِّمه، وكانَ (٣) في طريقهِ إذا سلكَ راهبٌ، فقعدَ إليه وسمعَ كلامَه فأعجبَه، فكان إذا أتَى السَّاحر مرَّ بالرَّاهبِ وقعد إليهِ، فإذا أتى السَّاحر ضربَه، فشكا ذلك إلى الرَّاهب فقال لهُ (٤): إذا خشيتَ السَّاحر فقُل: حبسنِي أهلِي، وإذا خشيتَ أهلكَ فقلْ: حبَسني السَّاحر، فبينما هو كذلكَ إذ أتَى على النَّاس دابةٌ عظيمةٌ قد حبَست النَّاس، فقال: اليومَ أعلمُ آلسَّاحر أفضلُ أم الرَّاهبُ أفضلُ؟ فأخذَ حجرًا فقال: اللَّهمَّ إن كان أمرُ الرَّاهب أحبَّ
إليك من أمرِ (١) السَّاحر فاقتُل هذه الدَّابة حتَّى يمضي النَّاس، فرماهَا فقتَلها، ومضَى النَّاسُ فأتى الرَّاهبَ فأخبرَه، فقال له الرَّاهبُ: أي بنيَّ، أنت اليومَ أفضلُ منِّي، قد بلغَ من أمركَ ما أرَى، وإنَّك ستُبتلى، فإن ابتليتَ فلا تدلَّ عليَّ، وكان الغُلام يبرئُ الأكمَه والأبرصَ، ويُداوي النَّاس من (٢) سائرِ الأدواءِ، فسمع جليسٌ للملكِ (٣) كان قد عميَ فأتاه بهدايَا كثيرةٍ، فقال: ما ههنا لكَ أجمعُ إن أنتَ شفيتَني. قال: إنِّي لا أشفِي أحدًا، إنَّما يشفي الله ﷿، فإن آمنتَ باللهِ دعوتُ الله فشفاكَ، فآمنَ باللهِ فشفاهُ الله، فأتى الملِك فجلسَ إليهِ كما كان يجلسُ، فقال لهُ الملك: من ردَّ عليكَ بصركَ؟ فقال: ربِّي. قال: ولك ربٌّ غيري؟ قال: اللهُ ربِّي وربُّك، فأخذهُ فلم يزل يعذِّبه حتَّى دلَّ على الغلامِ، فجيءَ بالغلامِ فقال له الملك: أي بنيَّ، قد بلغَ من سحركَ ما تُبرئ الأكمَه والأبرصَ وتفعلُ وتفعلُ. قال: إنِّي لا أشفِي أحدًا، إنَّما يشفي الله، فأخذهُ فلم يزَل يعذِّبه حتَّى دلَّ على الرَّاهب، فجيءَ بالرَّاهب فقيل لهُ: ارجعْ عن دينِك فأبَى، فدعا (٤) بالمنشارِ فوضعَ المنشارَ في مَفْرِقِ رأسهِ فشقَّه بهِ (٥) حتَّى وقعَ شقَّاه، ثمَّ جيءَ بجليسِ الملك فقيل لهُ: ارجعْ عن دينِك فأبَى، فوضعَ المنشارَ في مَفْرقِ رأسهِ فشقَّه حتَّى وقع شقَّاه، ثمَّ جيءَ بالغلامِ فقيل لهُ: ارجعْ عن دينكَ فأبَى، فدفعهُ إلى نفرٍ من أصحابهِ، فقال: اذهبوا بهِ إلى جبلِ كذا وكذا فاصعدوا بهِ الجبلَ، فإذا بلغتُم بهِ ذُروته فإن رجعَ عن دينهِ وإلَّا فاطرحوهُ، فذهبوا بهِ فصعدوا بهِ الجبلَ، فقال: اللَّهمَّ اكفنيهِم بما شئتَ، فرجفَ بهم الجبَلُ فسقطوا، وجاءَ يمشِي إلى الملكِ، فقال لهُ الملِكُ: ما فعلَ أصحابُك؟ قال: كفانيهُم الله، فدفعهُ إلى نفرٍ من أصحابهِ، فقال: اذهبوا بهِ فاحملوهُ في قُرْقُورٍ
فتوسَّطوا به البحرَ، فإن رجعَ عن دينهِ وإلَّا فاقذِفوه، فذهبوا به، فقال: اللَّهمَّ اكفنيِهم بما شئتَ، فانكفأتْ بهمُ السَّفينة فغرقُوا، وجاءَ يمشي إلى الملكِ، فقال له الملِكُ: ما فعلَ أصحابكَ؟ فقال: كفانيهُم الله، فقال للملكِ: إنَّك (١) لستَ بقاتِلي حتَّى تفعلَ ما آمرك بهِ. قال: وما هو؟ قال: تجمعُ النَّاس في صعيدٍ واحدٍ وتصلبُني على جذعٍ، ثمَّ خُذ سهمًا من كِنانتي ثمَّ ضعِ السَّهم في كبدِ القَوس، ثمَّ قلْ: بسمِ الله ربِّ هذا (٢) الغُلام ثمَّ ارمِني، فإنَّك إذا فعلتَ ذلكَ قتلتَني، فجمعَ النَّاس في صعيدٍ واحدٍ فصلبهُ على جذعٍ، ثمَّ أخذَ سهمًا من كنانته، ثمَّ وضعَ السَّهم في كبدِ القَوس، ثمَّ قال: بسمِ اللهِ ربِّ هذا الغُلام (٣) ثمَّ رماهُ فوقَع السَّهم في صدغِه، فوضعَ يدهُ في صدغهِ موضَع السَّهم فمات، فقال النَّاس: آمنَّا بربِّ الغُلام، آمنَّا بربِ الغُلام (٤) فأُتيَ الملِكُ فقيل لهُ: أرأيتَ ما كنتَ تحذره؟ قد واللهِ نزلَ بكَ حذرُك، قد (٥) آمن النَّاس، فأمرَ بالأخدودِ بأفواهِ السِّكك فخُدَّت وأضرَم النِّيران، وقال: مَن لم يرجعْ عن دينهِ فأقحموهُ فيها، أو قيل لهُ: اقتحِمْ، ففعلوا حتَّى جاءت امرأةٌ ومعها صبيٌّ لها، فتقاعَستْ أن تقعَ فيها، فقال لها الغُلام: يا أُمَّهْ، اصْبِري فإنَّك على الحقِّ».
(﴿فَتَنُوا﴾ [البروج: ١٠]) أي: (عَذَّبُوا) قالَه مجاهدٌ فيمَا وصله الفِريابيُّ.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤]) هو (الحَبِيْبُ) المتوِّدد إلى أوليائهِ بالكرامَة.
(﴿الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥]) أي: (الكَرِيمُ) وقول ابنِ عبَّاس هذا ساقطٌ في الفَرْع كأصلهِ، ثابتٌ في روايةِ النَّسفيِّ وحده.
(((٨٦))) (سورة الطَّارِقِ) ثبتَ لفظ: «سورة» لأبي ذرٍّ، وهي مكِّيَّة، وآيُها سبع عشرة (١).
(هُوَ) أي: الطَّارق (النَّجْمُ، وَمَا أتَاكَ لَيْلًا فَهُوَ طَارِقٌ) ولا يسمَّى ذلك بالنَّهار، فسُمِّي به النَّجم لظهورهِ ليلًا.
(﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق: ٣]) هو (المُضِيءُ) وهذا كلُّه ثابتٌ للنَّسفيِّ وحدَه، ساقطٌ (٢) في (٣) الفَرْع كأصلهِ (٤).
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ): أي: فيمَا وصلَه الفِريابيُّ (﴿ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ [الطارق: ١١]) هي (سَحَابٌ يَرْجِعُ بِالمَطَرِ) ولأبي ذرٍّ: «تَرجع» بالفوقية بدل التحتية، وعلى هذا يجوزُ أن يرادَ بالسَّماء السَّحاب.
(﴿ذَاتِ﴾) ولأبي ذرٍّ: «وذات (٥)» (﴿الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١٢]) هي الأرضُ (٦) (تَتَصَدَّعُ بِالنَّبَاتِ) والعيون.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣]) أي: (لَحَقٌّ) وجِدٌّ يفصلُ بين الحقِّ والباطلِ.
(﴿لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤]) أي: (إِلَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ) وهذا (٧) التَّفسير على تشديدِ ميم ﴿لَّمَّا﴾ وهي قراءة عاصمٍ وابنِ عامرٍ وحَمزة، و ﴿إِن﴾ نافيةٌ، وثبتَ قوله: (وقالَ ابنُ عبَّاسٍ … ) إلى آخره للنَّسفيِّ وحدَه، وسقط من الفَرْع كأصلهِ (٨).