الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٩٥٥
الحديث رقم ٤٩٥٥ من كتاب «سورة اقرأ باسم ربك الذي خلق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله خلق الإنسان من علق.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
قَوْلُهُ: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾
٤٩٥٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
كَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَجُئِثْتُ، وَفِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ فَرُعِبْتُ، وَفِي رِوَايَتِهِ فِي تَفْسِيرِ الْمُدَّثِّرِ فَجُئِثْتُ وَكَذَا لِمُسْلِمٍ وَزَادَ فَجُئِثْتُ مِنْهُ فَرَقًا، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ فِيهِ فَجُئِثْتُ وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ بِضَمِّ الْجِيمِ، وَذَكَرَ عِيَاضٌ أَنَّهُ وَقَعَ لِلْقَابِسِيِّ بِالْمُهْمَلَةِ قَالَ: وَفَسَّرَهُ بِأَسْرَعْتُ، قَالَ: وَلَا يَصِحُّ مَعَ قَوْلِهِ حَتَّى هَوَيْتُ أَيْ سَقَطْتُ مِنَ الْفَزَعِ.
قُلْتُ: ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ اللَّيْثِ فِي ذِكْرِ الْمَلَائِكَةِ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ وَلَكِنَّهَا بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ، ثُمَّ مُثَنَّاةٌ فَوْقَانِيَّةٌ، وَمَعْنَاهَا إِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَةً سَقَطْتُ عَلَى وَجْهِي حَتَّى صِرْتُ كَمَنْ حُثِيَ عَلَيْهِ التُّرَابُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَبَعْدَ الْجِيمِ مُثَلَّثَتَانِ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ، وَمَعْمَرٍ، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ وَهِيَ أَرْجَحُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: جُئِثَ الرَّجُلُ فَهُوَ مَجْئُوثٌ إِذَا فَزِعَ، وَعَنِ الْكِسَائِيِّ جَئِثَ وَجُثِثَ فَهُوَ مَجْئُوثٌ وَمَجْثُوثٌ أَيْ مَذْعُورٌ.
قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي) فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا وَكَأَنَّهُ رَوَاهَا بِالْمَعْنَى، وَالتَّزْمِيلُ وَالتَّدْثِيرُ يَشْتَرِكَانِ فِي الْأَصْلِ وَإِنْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا مُغَايَرَةٌ فِي الْهَيْئَةِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي، فَدَثَّرُونِي وَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ أَمَرَهُمْ فَامْتَثَلُوا. وَأَغْفَلَ بَعْضُ الرُّوَاةِ ذِكْرَ الْأَمْرِ بِالصَّبِّ، وَالِاعْتِبَارُ بِمَنْ ضَبَطَ، وَكَأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي الصَّبِّ بَعْدَ التَّدَثُّرِ طَلَبُ حُصُولِ السُّكُونِ لِمَا وَقَعَ فِي الْبَاطِنِ مِنَ الِانْزِعَاجِ، أَوْ أَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الرِّعْدَةَ تَعْقُبُهَا الْحُمَّى، وَقَدْ عُرِفَ مِنَ الطِّبِّ النَّبَوِيِّ مُعَالَجَتُهَا بِالْمَاءِ الْبَارِدِ.
قَوْلُهُ: (فَنَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ يُعْرَفُ مِنَ اتِّحَادِ الْحَدِيثَيْنِ فِي نُزُولِ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ عَقِبَ قَوْلِهِ: دَثِّرُونِي وَزَمِّلُونِي أَنَّ الْمُرَادَ بِزَمِّلُونِي دَثِّرُونِي، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ نُزُولُ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ حِينَئِذٍ لِأَنَّ نُزُولَهَا تَأَخَّرَ عَنْ نُزُولِ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ بِالِاتِّفَاقِ، لِأَنَّ أَوَّلَ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ الْأَمْرُ بِالْإِنْذَارِ وَذَلِكَ أَوَّلَ مَا بُعِثَ، وَأَوَّلَ الْمُزَّمِّلِ الْأَمْرُ بِقِيَامِ اللَّيْلِ وَتَرْتِيلِ الْقُرْآنِ فَيَقْتَضِي تَقَدُّمَ نُزُولِ كَثِيرٍ مِنَ الْقُرْآنِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْمُدَّثِّرِ أَنَّهُ نَزَلَ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ وَفِيهَا مُحَصَّلُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالرِّسَالَةِ، فَفِي الْآيَةِ الْأُولَى الْمُؤَانَسَةُ بِالْحَالَةِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا مِنَ التَّدَثُّرِ إِعْلَامًا بِعَظِيمِ قَدْرِهِ، وَفِي الثَّانِيَةِ الْأَمْرُ بِالْإِنْذَارِ قَائِمًا وَحُذِفَ الْمَفْعُولُ تَفْخِيمًا، وَالْمُرَادُ بِالْقِيَامِ إِمَّا حَقِيقَتُهُ أَيْ قُمْ مِنْ مَضْجَعِكَ، أَوْ مَجَازُهُ أَيْ قُمْ مَقَامَ تَصْمِيمٍ، وَأَمَّا الْإِنْذَارُ فَالْحِكْمَةُ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ هُنَا فَإِنَّهُ أَيْضًا بُعِثَ مُبَشِّرًا لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ، فَمُتَعَلَّقُ الْإِنْذَارِ مُحَقَّقٌ؛ فَلَمَّا أَطَاعَ مَنْ أَطَاعَ نَزَلَتْ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ وَفِي الثَّانِيَةِ تَكْبِيرُ الرَّبِّ تَمْجِيدًا وَتَعْظِيمًا، وَيُحْتَمَلُ الْحَمْلُ عَلَى تَكْبِيرِ الصَّلَاةِ كَمَا حُمِلَ الْأَمْرُ بِالتَّطْهِيرِ عَلَى طَهَارَةِ الْبَدَنِ وَالثِّيَابِ كَمَا تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ وَفِي الْآيَةِ الرَّابِعَةِ، وَأَمَّا الْخَامِسَةُ فَهِجْرَانُ مَا يُنَافِي التَّوْحِيدَ وَمَا يَئُولُ إِلَى الْعَذَابِ، وَحَصَلَتِ الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ الْمُبْتَدَأِ
بِهِمَا النُّزُولُ فِيمَا اشْتَمَلَتَا عَلَيْهِ مِنَ الْمَعَانِي الْكَثِيرَةِ بِاللَّفْظِ الْوَجِيزِ وَفِي عِدَّةِ مَا نَزَلَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا ابْتِدَاءً وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَهِيَ الْأَوْثَانُ الَّتِي كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْبُدُونَ) تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ الْمُدَّثِّرِ، وَتَقَدَّمَ الْكَثِيرُ مِنْ شَرْحِ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَجَابِرٍ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ، وَبَقِيَتْ مِنْهُمَا فَوَائِدُ أَخَّرْتُهَا إِلَى كِتَابِ التَّعْبِيرِ لِيَأْخُذَ كُلُّ مَوْضِعٍ سَاقَهُمَا الْمُصَنِّفُ فِيهِ مُطَوَّلًا بِقِسْطٍ مِنَ الْفَائِدَةِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ تَتَابَعَ الْوَحْيُ) أَيِ اسْتَمَرَّ نُزُولُهُ.
٢ - بَاب قَوْلُهُ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ
٤٩٥٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وَالأَرْضِ) و «جالس» رفع خبر عن «الملك» (فَفَرِقْتُ) بكسر الراء وسكون القاف، أي: خفتُ (مِنْهُ فَرَجَعْتُ) إلى أهلي بسببِ الفَرَق (فَقُلْتُ) لهم: (زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي) مرَّتين (فَدَثَّرُوهُ) بالهاء (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾) عن النَّجاسة أو قصرها (﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥]) دُمْ على هجرهَا.
(قَالَ أَبُو سَلَمَةَ) بن عبدِ الرَّحمن -بالسَّند السَّابق-: (وَ) الرِّجز (هْيَ الأَوْثَانُ الَّتِي كَانَ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يَعْبُدُونَ (١)، قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ الوَحْيُ) وأنَّث ضمير الرِّجز بقولهِ: «وهي» اعتبارًا بالجنس (٢).
(٢) (باب قَوْلِهِ) جلَّ وعلا: (﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢]) وثبت لفظ: «باب» لأبي ذرٍّ (٣).
٤٩٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ) يحيى بن عبدِ الله المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَوَّلُ) ولأبي ذرٍّ: «عن عائشة أوَّل» (مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ) أي: من الوحي (الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «الصَّادقة» زاد في روايةٍ: «في النَّوم» [خ¦٣] وهي تأكيدٌ، وإلَّا فالرُّؤيا مختصَّة بالنَّوم (فَجَاءَهُ المَلَكُ فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: ١ - ٣]) واستنبطَ السُّهيليُّ من هذا الأمرِ ثبوت البسملَة في أوَّل الفاتحة؛ لأنَّ هذا الأمر هو أوَّل شيءٍ نزل من القرآنِ، فأولى مواضع امتثاله أوَّل القرآن.
(٣) (قَوْلُهُ: ﴿اقْرَأْ﴾) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين «﴿اقْرَأْ﴾» (٤) (﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: ٣]).
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
كَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَجُئِثْتُ، وَفِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ فَرُعِبْتُ، وَفِي رِوَايَتِهِ فِي تَفْسِيرِ الْمُدَّثِّرِ فَجُئِثْتُ وَكَذَا لِمُسْلِمٍ وَزَادَ فَجُئِثْتُ مِنْهُ فَرَقًا، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ فِيهِ فَجُئِثْتُ وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ بِضَمِّ الْجِيمِ، وَذَكَرَ عِيَاضٌ أَنَّهُ وَقَعَ لِلْقَابِسِيِّ بِالْمُهْمَلَةِ قَالَ: وَفَسَّرَهُ بِأَسْرَعْتُ، قَالَ: وَلَا يَصِحُّ مَعَ قَوْلِهِ حَتَّى هَوَيْتُ أَيْ سَقَطْتُ مِنَ الْفَزَعِ.
قُلْتُ: ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ اللَّيْثِ فِي ذِكْرِ الْمَلَائِكَةِ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ وَلَكِنَّهَا بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ، ثُمَّ مُثَنَّاةٌ فَوْقَانِيَّةٌ، وَمَعْنَاهَا إِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَةً سَقَطْتُ عَلَى وَجْهِي حَتَّى صِرْتُ كَمَنْ حُثِيَ عَلَيْهِ التُّرَابُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَبَعْدَ الْجِيمِ مُثَلَّثَتَانِ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ، وَمَعْمَرٍ، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ وَهِيَ أَرْجَحُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: جُئِثَ الرَّجُلُ فَهُوَ مَجْئُوثٌ إِذَا فَزِعَ، وَعَنِ الْكِسَائِيِّ جَئِثَ وَجُثِثَ فَهُوَ مَجْئُوثٌ وَمَجْثُوثٌ أَيْ مَذْعُورٌ.
قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي) فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا وَكَأَنَّهُ رَوَاهَا بِالْمَعْنَى، وَالتَّزْمِيلُ وَالتَّدْثِيرُ يَشْتَرِكَانِ فِي الْأَصْلِ وَإِنْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا مُغَايَرَةٌ فِي الْهَيْئَةِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي، فَدَثَّرُونِي وَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ أَمَرَهُمْ فَامْتَثَلُوا. وَأَغْفَلَ بَعْضُ الرُّوَاةِ ذِكْرَ الْأَمْرِ بِالصَّبِّ، وَالِاعْتِبَارُ بِمَنْ ضَبَطَ، وَكَأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي الصَّبِّ بَعْدَ التَّدَثُّرِ طَلَبُ حُصُولِ السُّكُونِ لِمَا وَقَعَ فِي الْبَاطِنِ مِنَ الِانْزِعَاجِ، أَوْ أَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الرِّعْدَةَ تَعْقُبُهَا الْحُمَّى، وَقَدْ عُرِفَ مِنَ الطِّبِّ النَّبَوِيِّ مُعَالَجَتُهَا بِالْمَاءِ الْبَارِدِ.
قَوْلُهُ: (فَنَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ يُعْرَفُ مِنَ اتِّحَادِ الْحَدِيثَيْنِ فِي نُزُولِ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ عَقِبَ قَوْلِهِ: دَثِّرُونِي وَزَمِّلُونِي أَنَّ الْمُرَادَ بِزَمِّلُونِي دَثِّرُونِي، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ نُزُولُ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ حِينَئِذٍ لِأَنَّ نُزُولَهَا تَأَخَّرَ عَنْ نُزُولِ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ بِالِاتِّفَاقِ، لِأَنَّ أَوَّلَ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ الْأَمْرُ بِالْإِنْذَارِ وَذَلِكَ أَوَّلَ مَا بُعِثَ، وَأَوَّلَ الْمُزَّمِّلِ الْأَمْرُ بِقِيَامِ اللَّيْلِ وَتَرْتِيلِ الْقُرْآنِ فَيَقْتَضِي تَقَدُّمَ نُزُولِ كَثِيرٍ مِنَ الْقُرْآنِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْمُدَّثِّرِ أَنَّهُ نَزَلَ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ وَفِيهَا مُحَصَّلُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالرِّسَالَةِ، فَفِي الْآيَةِ الْأُولَى الْمُؤَانَسَةُ بِالْحَالَةِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا مِنَ التَّدَثُّرِ إِعْلَامًا بِعَظِيمِ قَدْرِهِ، وَفِي الثَّانِيَةِ الْأَمْرُ بِالْإِنْذَارِ قَائِمًا وَحُذِفَ الْمَفْعُولُ تَفْخِيمًا، وَالْمُرَادُ بِالْقِيَامِ إِمَّا حَقِيقَتُهُ أَيْ قُمْ مِنْ مَضْجَعِكَ، أَوْ مَجَازُهُ أَيْ قُمْ مَقَامَ تَصْمِيمٍ، وَأَمَّا الْإِنْذَارُ فَالْحِكْمَةُ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ هُنَا فَإِنَّهُ أَيْضًا بُعِثَ مُبَشِّرًا لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ، فَمُتَعَلَّقُ الْإِنْذَارِ مُحَقَّقٌ؛ فَلَمَّا أَطَاعَ مَنْ أَطَاعَ نَزَلَتْ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ وَفِي الثَّانِيَةِ تَكْبِيرُ الرَّبِّ تَمْجِيدًا وَتَعْظِيمًا، وَيُحْتَمَلُ الْحَمْلُ عَلَى تَكْبِيرِ الصَّلَاةِ كَمَا حُمِلَ الْأَمْرُ بِالتَّطْهِيرِ عَلَى طَهَارَةِ الْبَدَنِ وَالثِّيَابِ كَمَا تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ وَفِي الْآيَةِ الرَّابِعَةِ، وَأَمَّا الْخَامِسَةُ فَهِجْرَانُ مَا يُنَافِي التَّوْحِيدَ وَمَا يَئُولُ إِلَى الْعَذَابِ، وَحَصَلَتِ الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ الْمُبْتَدَأِ
بِهِمَا النُّزُولُ فِيمَا اشْتَمَلَتَا عَلَيْهِ مِنَ الْمَعَانِي الْكَثِيرَةِ بِاللَّفْظِ الْوَجِيزِ وَفِي عِدَّةِ مَا نَزَلَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا ابْتِدَاءً وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَهِيَ الْأَوْثَانُ الَّتِي كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْبُدُونَ) تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ الْمُدَّثِّرِ، وَتَقَدَّمَ الْكَثِيرُ مِنْ شَرْحِ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَجَابِرٍ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ، وَبَقِيَتْ مِنْهُمَا فَوَائِدُ أَخَّرْتُهَا إِلَى كِتَابِ التَّعْبِيرِ لِيَأْخُذَ كُلُّ مَوْضِعٍ سَاقَهُمَا الْمُصَنِّفُ فِيهِ مُطَوَّلًا بِقِسْطٍ مِنَ الْفَائِدَةِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ تَتَابَعَ الْوَحْيُ) أَيِ اسْتَمَرَّ نُزُولُهُ.
٢ - بَاب قَوْلُهُ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ
٤٩٥٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وَالأَرْضِ) و «جالس» رفع خبر عن «الملك» (فَفَرِقْتُ) بكسر الراء وسكون القاف، أي: خفتُ (مِنْهُ فَرَجَعْتُ) إلى أهلي بسببِ الفَرَق (فَقُلْتُ) لهم: (زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي) مرَّتين (فَدَثَّرُوهُ) بالهاء (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾) عن النَّجاسة أو قصرها (﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥]) دُمْ على هجرهَا.
(قَالَ أَبُو سَلَمَةَ) بن عبدِ الرَّحمن -بالسَّند السَّابق-: (وَ) الرِّجز (هْيَ الأَوْثَانُ الَّتِي كَانَ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يَعْبُدُونَ (١)، قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ الوَحْيُ) وأنَّث ضمير الرِّجز بقولهِ: «وهي» اعتبارًا بالجنس (٢).
(٢) (باب قَوْلِهِ) جلَّ وعلا: (﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢]) وثبت لفظ: «باب» لأبي ذرٍّ (٣).
٤٩٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ) يحيى بن عبدِ الله المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَوَّلُ) ولأبي ذرٍّ: «عن عائشة أوَّل» (مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ) أي: من الوحي (الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «الصَّادقة» زاد في روايةٍ: «في النَّوم» [خ¦٣] وهي تأكيدٌ، وإلَّا فالرُّؤيا مختصَّة بالنَّوم (فَجَاءَهُ المَلَكُ فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: ١ - ٣]) واستنبطَ السُّهيليُّ من هذا الأمرِ ثبوت البسملَة في أوَّل الفاتحة؛ لأنَّ هذا الأمر هو أوَّل شيءٍ نزل من القرآنِ، فأولى مواضع امتثاله أوَّل القرآن.
(٣) (قَوْلُهُ: ﴿اقْرَأْ﴾) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين «﴿اقْرَأْ﴾» (٤) (﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: ٣]).