«أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى الْبَطْحَاءِ، فَصَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٩٧٢

الحديث رقم ٤٩٧٢ من كتاب «سورة إذا جاء نصر الله» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٩٧٢ في صحيح البخاري

«أَنَّ النَّبِيَّ خَرَجَ إِلَى الْبَطْحَاءِ، فَصَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ فَنَادَى: يَا صَبَاحَاهْ، فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ، فَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ حَدَّثْتُكُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ مُصَبِّحُكُمْ أَوْ مُمَسِّيكُمْ، أَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ، فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا تَبًّا لَكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ إِلَى آخِرِهَا».

قَوْلُهُ: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾

إسناد حديث رقم ٤٩٧٢ من صحيح البخاري

٤٩٧٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٩٧٢: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٩٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) السُّلَمِيُّ مولاهم، البِيْكَنديُّ قال: (أَخْبَرَنَا (١) أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خَازم -بالخاء والزاي المعجمتين- الضَّرير قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ (عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ) الجَمَلي -بفتح الجيم والميم- (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) : (أَنَّ النَّبِيَّ خَرَجَ إِلَى البَطْحَاءِ) مسيلَ وادي مكَّة (فَصَعِدَ إِلَى الجَبَلِ) يعني: الصَّفا، ورقى عليهِ (فَنَادَى: يَا صَبَاحَاهْ. فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ، فَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ) أي: أخبروني (إِنْ حَدَّثْتُكُمْ أَنَّ العَدُوَّ مُصَبِّحُكُمْ أَوْ مُمَسِّيكُمْ؛ أَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي؟) ولأبي ذرٍّ: «تصدقونني» (قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ) منذرٌ (لَكُمْ (٢) بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) أي: قدَّامه (فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ) عليه اللَّعنة: (أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟!) بهمزة الاستفهام الإنكاري (تَبًّا لَكَ) أي: ألزمك الله تبًّا، وزاد في «سورةِ الشُّعراء»: سائرَ اليوم، أي: بقيَّته [خ¦٤٧٧٠] (فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ … ) إِلَى آخِرِهَا، أي: خسرت جملتهُ، وعادةُ العربِ أن تعبِّر ببعضِ الشَّيء عن كلِّه.

(٣) (قَوْلُهُ: ﴿سَيَصْلَى﴾) ولأبي ذرٍّ (٣): «بابٌ» بالتَّنوين، أي: في قوله تعالى: ﴿سَيَصْلَى﴾ (﴿نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ٣]) أي: تَلَهَّب وتَوَقَّد.

٤٩٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ بنُ غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) أنَّه قال: (قَالَ أَبُو لَهَبٍ) لعنهُ الله لمَّا صعدَ النَّبيُّ على الصَّفا واجتمعُوا إليه وقال: «إنِّي نذيرٌ لكُم بينَ يدي عذابٍ شديد»: (تَبًّا لَكَ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فَنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١])

وزادَ أبو ذرٍّ: «إلى آخرها» قيل: وخصَّ اليد؛ لأنَّه رمى النَّبيَّ بحجرٍ فأدمَى عقبه؛ فلذا ذكرهَا وإن كان المرادُ جملة بدنه (١).

وذكرهُ بكنيتهِ دونَ اسمهِ (٢) عبدُ العزَّى؛ لأنَّه لما كان من أهلِ النَّار ومآله إلى نارٍ ذاتِ لهب؛ وافقتْ حاله كنيته، فكان جديرًا أن يُذكرَ بها.

(٤) (﴿وَامْرَأَتُهُ﴾) ولأبي ذرٍّ (٣): «باب قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾» أمُّ جميلٍ العوراء بنتُ حرب بنِ أميَّة، أخت أبي سفيان بن حربٍ (﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٤]) الشَّوك والسَّعدان، تُلقيهِ في طريقِ النَّبيِّ وأصحابهِ لتعقرهُم بذلك، وهو قولُ ابن عبَّاس.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفِريابيُّ: (﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٤] تَمْشِي) إلى المشركينَ (بِالنَّمِيمَةِ) توقِعُ بها بين النَّبيِّ وبينهُم وتلقِي العداوة بينهُم، وتوقدُ نارها كما توقد النَّار بالحطبِ، فكنَّى عن ذلك بحملهَا (٤) الحطب.

(﴿فِي جِيدِهَا﴾) عنقها (﴿حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ [المسد: ٥] يُقَالُ: ﴿مِّن مَّسَدٍ﴾ لِيفِ المُقْلِ) وذلك هو (٥) الحبلُ الَّذي كانت تحتطبُ بهِ، فبينما هي ذاتَ يومٍ حاملة الحُزمة أعيتْ، فقعدَت على حجرٍ لتستريحَ؛ أتاها ملكٌ فجذبهَا من خلفِها فأهلكها (وَ) قيل: (هْيَ السِّلْسِلَةُ الَّتِي فِي النَّارِ) من حديدٍ، ذرعُهَا سبعونَ ذراعًا، تدخلُ في فمهَا وتخرجُ من دبرهَا، ويكونُ سائرها في عنقهَا، فُتِلت من حديدٍ فتلًا محكمًا، وهذهِ الجملة حالٌ من ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ الَّذي هو نعتٌ لـ ﴿امْرَأَتُهُ﴾، أو خبر مبتدأ مقدَّر (٦).

(((١١٢))) (قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]) ولأبي ذرٍّ: «سورةُ الصَّمد» وهي مكِّيَّة أو مدنيَّة، وآيُها أربع أو خمس.

(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطتِ البسملة لغير أبي ذرٍّ. (يُقَالُ) هو قولُ أبي عبيدةَ في «المجاز»: (لَا يُنَوَّنُ ﴿أَحَدٌ﴾) في الوصل، فيقال: (أحدُ الله) بحذف التَّنوين لالتقاء السَّاكنين، ورويت قراءة عن زيدِ بن عليٍّ، وأبان بن عُثمان، والحسن، وأبي عَمرو في روايةٍ عنه؛ كقوله:

عَمْرُو الَّذِي هَشَمَ الثَّريدَ لِقَومِهِ … ورِجَالُ مكَّةَ مُسْنِتُون عِجَافُ

وقوله:

فَألفَيْتُه غَيْرَ مُستَعْتِبٍ … ولَا ذَاكِرِ اللهَ إلَّا قَلِيلًا

على إرادةِ التَّنوين، فحذف لالتقاءِ السَّاكنين، فبقيَ «الله» منصوبًا لا مجرورًا للإضافةِ، و «ذاكر» (١) جرَّ عطفًا على «مستعتبٍ» أي: ذكَّرتُه ما كان بيننا من المودَّة فوجدتهُ غيرَ راجعٍ بالعتابِ عن قبحِ ما فعل، والجيِّد هو التَّنوين، وكسره لالتقاءِ السَّاكنين (أَيْ: وَاحِدٌ) يريدُ: أنَّ أحدًا وواحدًا بمعنًى، وأصل ﴿أَحَدٌ﴾ وَحَد -بفتحتين- قال:

كَأنَّ رَحْلِي وقَدْ زَالَ النَّهارُ بنَا … بِذِي الجَلِيلِ عَلَى مُسْتَأنِسٍ وَحَدِ

فأبدلت الواو همزة، وأكثر ما يكون في المكسورةِ والمضمومةِ؛ كوجوهٍ ووسادةٍ، وقيل: ليسا مُتَرادفين. قال في «شرح المشكاة»: والفرقُ بينهما من حيثُ اللَّفظ من وجوهٍ:

الأوَّل: أنَّ «أحدًا» لا يستعملُ في الإثباتِ على غيرِ الله تعالى، فيقالُ: الله أحدٌ، ولا يقالُ: زيد أحدٌ، كما يقال: زيد واحدٌ، وكأنَّه بُنيَ لنفي ما يذكرُ معهُ من العددِ (٢).

والثَّاني: أنَّ نفيهُ يعمُّ، ونفي الواحدِ قد لا يعمُّ؛ ولذلك صحَّ أن يقال: ليسَ في الدَّار واحد، بل فيها اثنان، ولا يصحُّ ذلك في أحدٍ؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء﴾ [الأحزاب: ٣٢] ولم يقلْ: كواحدةٍ.

الثَّالث: أنَّ (١) الواحد يفتحُ به العدد، ولا كذلكَ الأحد.

الرَّابع: أنَّ الواحد تلحقهُ التَّاء، بخلافِ الأحد.

ومن حيثُ المعنى أيضًا وجوهٌ:

الأوَّل: أنَّ «أحدًا» من حيث الثَّناء أبلغُ من «واحدٍ»، كأنَّه من الصِّفات المشبَّهة التي بُنيت لمعنى الثَّبات، ويشهدُ له الفروق اللَّفظيَّة المذكُورة.

الثَّاني: أنَّ الوحدة (٢) تطلقُ ويرادُ بها عدمُ التَّثنِّي والنَّظير؛ كوحدة الشَّمس، والواحدُ يكثرُ إطلاقهُ بالمعنى الأوَّل، والأحدُ يغلبُ استعمالهُ في الثَّاني ولذلك (٣) لا يجمعُ. قال الأزهريُّ: سُئل أحمدُ بنُ يحيى عن الآحادِ أنَّه جمع أحد، فقال: معاذَ الله! ليسَ للأحدِ جمعٌ، ولا يبعدُ أن يقال: جمع واحدٍ؛ كالأَشهَاد في (٤) جمع شاهدٍ، ولا يفتحُ بهِ الأحد.

الثَّالث: ما ذكرهُ بعضُ المتكلِّمين في صفاتِ الله تعالى خاصَّة؛ وهو أنَّ الواحد باعتبار الذَّات (٥)، والأحدُ باعتبارِ الصِّفات (٦)، وحظُّ العبدِ أن يغوصَ لجَّة التَّوحيد ويستغرقَ فيه حتَّى لا يَرى من الأزلِ إلى الأبدِ غير الواحدِ الصَّمدِ.

قال الشَّيخ أبو بكرٍ بن فَوْرك: الواحدُ في وصفهِ تعالى لهُ ثلاثة معانٍ (٧): أحدُها: أنَّه لا قسم

لذاتهِ، وأنَّه غيرُ متبعِّض ولا متحيِّز (١). والثَّاني: أنَّه لا شبيهَ له، والعربُ تقول: فلانٌ واحدٌ في عصرهِ، أي: لا شبيه له. والثَّالث: أنَّه واحدٌ على معنى أنَّه لا شريك لهُ في أفعاله (٢)، يقال: فلانٌ متوحِّد في هذا الأمرِ، أي: ليسَ يشركهُ فيه أحد. انتهى.

والضَّمير في ﴿هُوَ﴾ فيه وجهان:

أحدهما: أنَّه يعودُ على ما يُفهم من السِّياق، فإنَّه جاء في سببِ نزولها عن أبيِّ بن كعبٍ: أنَّ المشركين قالوا للنَّبيِّ : انسب لنَا ربَّك، فنزلتْ. رواه التِّرمذيُّ والطَّبريُّ (٣)، والأوَّل من وجهٍ آخر مرسلًا، وقال: هذا أصحُّ، وصحَّح الموصول ابنُ خزيمةَ والحاكم، وحينئذٍ فيجوز أن (٤) يكون ﴿اللهُ﴾ مبتدأ و ﴿أَحَدٌ﴾ خبره، والجملة خبر الأوَّل، ويجوز أن يكون ﴿اللهُ﴾ بدلًا (٥) و ﴿أَحَدٌ﴾ الخبر، وأن يكونَ ﴿اللهُ﴾ خبرًا أوَّل (٦)، و ﴿أَحَدٌ﴾ خبرًا ثانيًا، وأن يكون ﴿أَحَدٌ﴾ خبر مبتدأ محذوفٍ (٧)، أي: هو أحد.

والثَّاني: أنَّه ضميرُ الشَّأن؛ لأنَّه موضعُ تعظيمٍ، والجملة بعده خبره مفسِّرة، ولم يثبت لفظُ الأحد في «جامعِ التِّرمذي» و «الدَّعوات» للبيهقي. نعم؛ ثبتَ اللَّفظان في «جامعِ الأصولِ».

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٩٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) السُّلَمِيُّ مولاهم، البِيْكَنديُّ قال: (أَخْبَرَنَا (١) أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خَازم -بالخاء والزاي المعجمتين- الضَّرير قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ (عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ) الجَمَلي -بفتح الجيم والميم- (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) : (أَنَّ النَّبِيَّ خَرَجَ إِلَى البَطْحَاءِ) مسيلَ وادي مكَّة (فَصَعِدَ إِلَى الجَبَلِ) يعني: الصَّفا، ورقى عليهِ (فَنَادَى: يَا صَبَاحَاهْ. فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ، فَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ) أي: أخبروني (إِنْ حَدَّثْتُكُمْ أَنَّ العَدُوَّ مُصَبِّحُكُمْ أَوْ مُمَسِّيكُمْ؛ أَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي؟) ولأبي ذرٍّ: «تصدقونني» (قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ) منذرٌ (لَكُمْ (٢) بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) أي: قدَّامه (فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ) عليه اللَّعنة: (أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟!) بهمزة الاستفهام الإنكاري (تَبًّا لَكَ) أي: ألزمك الله تبًّا، وزاد في «سورةِ الشُّعراء»: سائرَ اليوم، أي: بقيَّته [خ¦٤٧٧٠] (فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ … ) إِلَى آخِرِهَا، أي: خسرت جملتهُ، وعادةُ العربِ أن تعبِّر ببعضِ الشَّيء عن كلِّه.

(٣) (قَوْلُهُ: ﴿سَيَصْلَى﴾) ولأبي ذرٍّ (٣): «بابٌ» بالتَّنوين، أي: في قوله تعالى: ﴿سَيَصْلَى﴾ (﴿نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ٣]) أي: تَلَهَّب وتَوَقَّد.

٤٩٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ بنُ غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) أنَّه قال: (قَالَ أَبُو لَهَبٍ) لعنهُ الله لمَّا صعدَ النَّبيُّ على الصَّفا واجتمعُوا إليه وقال: «إنِّي نذيرٌ لكُم بينَ يدي عذابٍ شديد»: (تَبًّا لَكَ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فَنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١])

وزادَ أبو ذرٍّ: «إلى آخرها» قيل: وخصَّ اليد؛ لأنَّه رمى النَّبيَّ بحجرٍ فأدمَى عقبه؛ فلذا ذكرهَا وإن كان المرادُ جملة بدنه (١).

وذكرهُ بكنيتهِ دونَ اسمهِ (٢) عبدُ العزَّى؛ لأنَّه لما كان من أهلِ النَّار ومآله إلى نارٍ ذاتِ لهب؛ وافقتْ حاله كنيته، فكان جديرًا أن يُذكرَ بها.

(٤) (﴿وَامْرَأَتُهُ﴾) ولأبي ذرٍّ (٣): «باب قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾» أمُّ جميلٍ العوراء بنتُ حرب بنِ أميَّة، أخت أبي سفيان بن حربٍ (﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٤]) الشَّوك والسَّعدان، تُلقيهِ في طريقِ النَّبيِّ وأصحابهِ لتعقرهُم بذلك، وهو قولُ ابن عبَّاس.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفِريابيُّ: (﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٤] تَمْشِي) إلى المشركينَ (بِالنَّمِيمَةِ) توقِعُ بها بين النَّبيِّ وبينهُم وتلقِي العداوة بينهُم، وتوقدُ نارها كما توقد النَّار بالحطبِ، فكنَّى عن ذلك بحملهَا (٤) الحطب.

(﴿فِي جِيدِهَا﴾) عنقها (﴿حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ [المسد: ٥] يُقَالُ: ﴿مِّن مَّسَدٍ﴾ لِيفِ المُقْلِ) وذلك هو (٥) الحبلُ الَّذي كانت تحتطبُ بهِ، فبينما هي ذاتَ يومٍ حاملة الحُزمة أعيتْ، فقعدَت على حجرٍ لتستريحَ؛ أتاها ملكٌ فجذبهَا من خلفِها فأهلكها (وَ) قيل: (هْيَ السِّلْسِلَةُ الَّتِي فِي النَّارِ) من حديدٍ، ذرعُهَا سبعونَ ذراعًا، تدخلُ في فمهَا وتخرجُ من دبرهَا، ويكونُ سائرها في عنقهَا، فُتِلت من حديدٍ فتلًا محكمًا، وهذهِ الجملة حالٌ من ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ الَّذي هو نعتٌ لـ ﴿امْرَأَتُهُ﴾، أو خبر مبتدأ مقدَّر (٦).

(((١١٢))) (قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]) ولأبي ذرٍّ: «سورةُ الصَّمد» وهي مكِّيَّة أو مدنيَّة، وآيُها أربع أو خمس.

(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطتِ البسملة لغير أبي ذرٍّ. (يُقَالُ) هو قولُ أبي عبيدةَ في «المجاز»: (لَا يُنَوَّنُ ﴿أَحَدٌ﴾) في الوصل، فيقال: (أحدُ الله) بحذف التَّنوين لالتقاء السَّاكنين، ورويت قراءة عن زيدِ بن عليٍّ، وأبان بن عُثمان، والحسن، وأبي عَمرو في روايةٍ عنه؛ كقوله:

عَمْرُو الَّذِي هَشَمَ الثَّريدَ لِقَومِهِ … ورِجَالُ مكَّةَ مُسْنِتُون عِجَافُ

وقوله:

فَألفَيْتُه غَيْرَ مُستَعْتِبٍ … ولَا ذَاكِرِ اللهَ إلَّا قَلِيلًا

على إرادةِ التَّنوين، فحذف لالتقاءِ السَّاكنين، فبقيَ «الله» منصوبًا لا مجرورًا للإضافةِ، و «ذاكر» (١) جرَّ عطفًا على «مستعتبٍ» أي: ذكَّرتُه ما كان بيننا من المودَّة فوجدتهُ غيرَ راجعٍ بالعتابِ عن قبحِ ما فعل، والجيِّد هو التَّنوين، وكسره لالتقاءِ السَّاكنين (أَيْ: وَاحِدٌ) يريدُ: أنَّ أحدًا وواحدًا بمعنًى، وأصل ﴿أَحَدٌ﴾ وَحَد -بفتحتين- قال:

كَأنَّ رَحْلِي وقَدْ زَالَ النَّهارُ بنَا … بِذِي الجَلِيلِ عَلَى مُسْتَأنِسٍ وَحَدِ

فأبدلت الواو همزة، وأكثر ما يكون في المكسورةِ والمضمومةِ؛ كوجوهٍ ووسادةٍ، وقيل: ليسا مُتَرادفين. قال في «شرح المشكاة»: والفرقُ بينهما من حيثُ اللَّفظ من وجوهٍ:

الأوَّل: أنَّ «أحدًا» لا يستعملُ في الإثباتِ على غيرِ الله تعالى، فيقالُ: الله أحدٌ، ولا يقالُ: زيد أحدٌ، كما يقال: زيد واحدٌ، وكأنَّه بُنيَ لنفي ما يذكرُ معهُ من العددِ (٢).

والثَّاني: أنَّ نفيهُ يعمُّ، ونفي الواحدِ قد لا يعمُّ؛ ولذلك صحَّ أن يقال: ليسَ في الدَّار واحد، بل فيها اثنان، ولا يصحُّ ذلك في أحدٍ؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء﴾ [الأحزاب: ٣٢] ولم يقلْ: كواحدةٍ.

الثَّالث: أنَّ (١) الواحد يفتحُ به العدد، ولا كذلكَ الأحد.

الرَّابع: أنَّ الواحد تلحقهُ التَّاء، بخلافِ الأحد.

ومن حيثُ المعنى أيضًا وجوهٌ:

الأوَّل: أنَّ «أحدًا» من حيث الثَّناء أبلغُ من «واحدٍ»، كأنَّه من الصِّفات المشبَّهة التي بُنيت لمعنى الثَّبات، ويشهدُ له الفروق اللَّفظيَّة المذكُورة.

الثَّاني: أنَّ الوحدة (٢) تطلقُ ويرادُ بها عدمُ التَّثنِّي والنَّظير؛ كوحدة الشَّمس، والواحدُ يكثرُ إطلاقهُ بالمعنى الأوَّل، والأحدُ يغلبُ استعمالهُ في الثَّاني ولذلك (٣) لا يجمعُ. قال الأزهريُّ: سُئل أحمدُ بنُ يحيى عن الآحادِ أنَّه جمع أحد، فقال: معاذَ الله! ليسَ للأحدِ جمعٌ، ولا يبعدُ أن يقال: جمع واحدٍ؛ كالأَشهَاد في (٤) جمع شاهدٍ، ولا يفتحُ بهِ الأحد.

الثَّالث: ما ذكرهُ بعضُ المتكلِّمين في صفاتِ الله تعالى خاصَّة؛ وهو أنَّ الواحد باعتبار الذَّات (٥)، والأحدُ باعتبارِ الصِّفات (٦)، وحظُّ العبدِ أن يغوصَ لجَّة التَّوحيد ويستغرقَ فيه حتَّى لا يَرى من الأزلِ إلى الأبدِ غير الواحدِ الصَّمدِ.

قال الشَّيخ أبو بكرٍ بن فَوْرك: الواحدُ في وصفهِ تعالى لهُ ثلاثة معانٍ (٧): أحدُها: أنَّه لا قسم

لذاتهِ، وأنَّه غيرُ متبعِّض ولا متحيِّز (١). والثَّاني: أنَّه لا شبيهَ له، والعربُ تقول: فلانٌ واحدٌ في عصرهِ، أي: لا شبيه له. والثَّالث: أنَّه واحدٌ على معنى أنَّه لا شريك لهُ في أفعاله (٢)، يقال: فلانٌ متوحِّد في هذا الأمرِ، أي: ليسَ يشركهُ فيه أحد. انتهى.

والضَّمير في ﴿هُوَ﴾ فيه وجهان:

أحدهما: أنَّه يعودُ على ما يُفهم من السِّياق، فإنَّه جاء في سببِ نزولها عن أبيِّ بن كعبٍ: أنَّ المشركين قالوا للنَّبيِّ : انسب لنَا ربَّك، فنزلتْ. رواه التِّرمذيُّ والطَّبريُّ (٣)، والأوَّل من وجهٍ آخر مرسلًا، وقال: هذا أصحُّ، وصحَّح الموصول ابنُ خزيمةَ والحاكم، وحينئذٍ فيجوز أن (٤) يكون ﴿اللهُ﴾ مبتدأ و ﴿أَحَدٌ﴾ خبره، والجملة خبر الأوَّل، ويجوز أن يكون ﴿اللهُ﴾ بدلًا (٥) و ﴿أَحَدٌ﴾ الخبر، وأن يكونَ ﴿اللهُ﴾ خبرًا أوَّل (٦)، و ﴿أَحَدٌ﴾ خبرًا ثانيًا، وأن يكون ﴿أَحَدٌ﴾ خبر مبتدأ محذوفٍ (٧)، أي: هو أحد.

والثَّاني: أنَّه ضميرُ الشَّأن؛ لأنَّه موضعُ تعظيمٍ، والجملة بعده خبره مفسِّرة، ولم يثبت لفظُ الأحد في «جامعِ التِّرمذي» و «الدَّعوات» للبيهقي. نعم؛ ثبتَ اللَّفظان في «جامعِ الأصولِ».

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله