الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٩٧٥
الحديث رقم ٤٩٧٥ من كتاب «سورة قل هو الله أحد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله الله الصمد.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿غَاسِقٌٍ﴾ اللَّيْلُِ، ﴿إِذَا وَقَبَ﴾ غُرُوبُ الشَّمْسِ، يُقَالُ: أَبْيَنُ مِنْ فَرَقِ وَفَلَقِ الصُّبْحِ، ﴿وَقَبَ﴾ إِذَا دَخَلَ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَأَظْلَمَ.
٤٩٧٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٢) (قَوْلُهُ: ﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢]) ولأبي ذرٍّ (١): «بابٌ» بالتَّنوين، أي: في قوله ﷿: ﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾ (وَالعَرَبُ تُسَمِّي أَشْرَافَهَا الصَّمَدَ. قَالَ (٢) أَبُو وَائِلٍ) بالهمز، شقيقُ بنُ سلمة ممَّا (٣) وصلهُ الفِريابيُّ: (هُوَ السَّيِّدُ الَّذِي انْتَهَى سُؤْدُدُهُ) وقال ابنُ عبَّاس: الَّذي تصمدُ إليهِ الخلائق في حوائجهم ومسائلهم. وهو من صمدَ؛ إذا قصدَ، وهو الموصوفُ به على الإطلاقِ، فإنَّه مستغنٍ عن غيرهِ مطلقًا، وكلُّ ما عداهُ محتاج (٤) إليه في جميعِ جهاتهِ. وقال الحسنُ وقتادة: هو الباقِي بعد خلقِهِ. وعن الحسنِ: ﴿الصَّمَدُ﴾: الحيُّ القيُّوم الَّذي لا زوال له. وعن عكرمةَ: الَّذي لم يخرجْ منه شيءٌ ولا يُطْعم. وعن الضَّحَّاك والسُّدِّي: الَّذي لا جوفَ لهُ. وعن عبدِ (٥) اللهِ بنِ يزيد: ﴿الصَّمَدُ﴾ نورٌ يتلألأُ. وكلُّ هذهِ الأوصاف صحيحةٌ في صفاتهِ تعالى على ما لا يخفى.
٤٩٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) المروزيُّ (قَالَ: وَ (٦) حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبَرنا» (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابنُ منبِّه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) زادَ أبو ذرٍّ والوقتِ والأَصيليُّ وابنُ عساكر: «قالَ الله تعالى» كمَا
في الفَرْع كأصله (١): (كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ) المنكرُ للبعثِ (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ) التَّكذيب (وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ) «الشَّتم» وثبتَ ذلك للكُشمِيهنيِّ (أَمَّا (٢)) ولأبي ذرٍّ: «فأمَّا» (تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ أَنْ يَقُولَ: إِنِّي لَنْ أُعِيدَهُ كَمَا بَدَأْتُهُ) بغير فاء قبل همزة «أن»، وبه استدلَّ من جوَّز حذف الفاء من جواب «أمَّا» (وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ أَنْ يَقُولَ) بغير فاء أيضًا: (اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا، وَأَنَا الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُؤًا أَحَدٌ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ولمْ يكُن لهُ» على طريقِ الالتفاتِ (﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٣ - ٤]) قدَّم ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ وإن كان العُرف سَبْق المولود؛ لأنَّه الأهمُّ؛ لقولهم (٣): ﴿وَلَدَ اللهُ﴾ [الصافات: ١٥٢] وقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ كالحجَّة على أنَّه لم يلد، وقال في هذهِ السُّورة: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ وفي الإسراءِ: ﴿لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ [الإسراء: ١١١] لأنَّ من النَّصارى من يقول: عيسى ولدُ الله حقيقةً، ومنهم من يقول: إنَّ الله اتَّخذه ولدًا تشريفًا، فنفى الأمرين، وسقط قوله: «﴿لَمْ يَلِدْ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ.
(﴿كُفُوًا﴾) بضمَّتين (٤) (وَكَفِيئًا) بفتح الكاف وبعد الفاء المكسورة تحتية فهمزة بوزن فعيل (وَكِفَاءً) بكسر الكاف وفتح الفاء ممدودًا (وَاحِدٌ) في المعنى.
ونقل في «فتوح الغيب» عن الغزاليِّ أنَّه قال: الواحدُ هو الواحدُ الَّذي هو مدفوع الشَّركة، والأحدُ الَّذي لا تركيبَ فيه، فالواحدُ نفيٌ للشَّريك والمِثْل، والأحدُ نفيٌ للكثرةِ في ذاتهِ، فالصَّمد الغنيُّ المحتاجُ إليه غيره، وهو أحديُّ الذَّات، وواحديُّ الصِّفات؛ لأنَّه لو كان له شريكٌ في ملكهِ لما كان غنيًّا يحتاجُ إليه غيرهُ، بل كان محتاجًا في (٥) قوامهِ ووجودهِ إلى أجزاء تركيبيَّةٍ (٦)، فالصَّمد (٧) دليلٌ على الوحدانيَّة (٨) والأحديَّة، و ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ دليلٌ على أنَّ وجودهُ المستمر ليس مثل وجودِ الإنسان
الَّذي يبقى نوعهُ (١) بالتَّوالد والتَّناسل، بل هو وجودٌ مستمرٌّ أزليٌّ أبديٌّ، و ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ دليلٌ على أنَّ وجودهُ ليسَ مثل وجودِ الإنسان (٢) الَّذي يتحصَّل بعد العدم، ويبقى دائمًا إمَّا في جنَّةٍ عاليةٍ لا يفنى، وإمَّا في هاويةٍ لا ينقطعُ ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] دليلٌ على أنَّ الوجودَ الحقيقيَّ الَّذي (٣) له تعالى هو الوجودُ الَّذي يُفيد وجود غيرهِ، ولا يستفيد (٤) الوجودَ من غيره، فقوله تعالى: ﴿اللهُ أَحَدٌ﴾ دليلٌ على إثباتِ ذاتهِ المقدَّسة (٥) المنزَّهة، والصَّمديَّة تقتضِي نفي الحاجة عنه، واحتياجَ غيرِه إليه، و ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ … إلى آخرِ السُّورة سلب ما يوصَف به غيرهُ عنه، ولا طريقَ في معرفتهِ تعالى أوضح من سلبِ صفاتِ المخلوقاتِ عنه.
ولمَّا اشتملتْ هذه السُّورة -مع قصرهَا- على جميعِ المعارفِ الإلهيَّة، والردِّ على من ألحدَ فيها؛ جاء أنَّها تعدلُ ثلثَ القرآنِ، كما سيأتي ذلك قريبًا إن شاء الله تعالى في «كتاب فضائلِ القُرآن» [خ¦٥٠١٣] وهل يحملُ ذلك على الإجزاءِ أم (٦) على غيرِها؟ فذهب الفقهاءُ والمفسِّرون إلى أنَّ لقارئها من الثَّواب ثلث ما لقارئ جملته، وليس في الجوابِ أكثر من أنَّ الله يهبُ ما يشاءُ لمن يشاء، وأجابَ المتكلِّفون بجوابٍ يمكنُ إرادتهُ، قالوا: القرآنُ ثلاثة أقسامٍ: قسمٌ فيما يجوزُ أن يوصفَ به وما لا يجوزُ، وقسمٌ من أمر الدُّنيا، وقسمٌ من أمرِ الآخرةِ، ولم تتضمَّن سورة الإخلاصِ غير القسمِ الواحد، فصارت تعدلُ ثلثهُ؛ ولهذا سمِّيت سورة الإخلاصِ؛ لأنَّها خلصت في صفاته خاصَّة، ويأتي مزيدٌ لذلك إن شاء الله تعالى في محلِّه قريبًا بعونِ الله وقوَّته، وسقط قوله: «كفؤًا وكفيئًا … » إلى آخره لغير أبي ذرٍّ.
(((١١٣))) (سورة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾) مكِّيَّة أو مدنيَّة، وآيُها خمس.
(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبت لفظ: «سورة» والبسملة لأبي ذرٍّ. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيمَا وصلهُ الفِريابيُّ: (﴿الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] الصُّبْحُ) لأنَّ اللَّيل يُفْلَقُ عنه ويُفْرَق، فَعَل بمعنى: مفعول، أي: مفلوقٌ، وتخصيصُه لما فيه من تغيُّر (١) الحالِ (٢)، وتبدُّل وحشةِ اللَّيل بسرور النُّور، وقيل: هو كلُّ ما يفلقهُ الله؛ كالأرض عن النَّبات، والسَّحاب عن المطرِ، والأرحامِ عن الأولادِ، وثبت قوله: «﴿الْفَلَقِ﴾: الصُّبح» لأبي ذرٍّ، وسقطَ لغيره.
(و ﴿غَاسِقٍ﴾) بالرَّفع وبالجرِّ، وهو الموافقُ للتَّنزيل: (اللَّيْلُ) أي: العظيم ظلامهُ (﴿إِ ذَا وَقَبَ﴾ [الفلق: ٣]) أي: (غُرُوبُ الشَّمْسِ، يُقَالُ (٣): أَبْيَنُ مِنْ فَرَقِ وَفَلَقِ الصُّبْحِ) الأوَّل بالرَّاء، والثَّاني باللَّام (﴿وَقَبَ﴾ إِذَا دَخَلَ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَأَظْلَمَ) بغروبِ الشَّمس، وقيل: المراد القمر؛ فإنَّه يكسِفُ فيغسِقُ، ووقُوبُهُ دخولُهُ في الكسوفِ. وفي حديث عائشة عند التِّرمذيِّ والحاكمِ: أنَّه ﷺ أخذَ بيدها فأراهَا القمرَ حين طلعَ، وقال: «تعوَّذي باللهِ مِن شرِّ هذا الغاسقِ إذا وقَبَ».
قال في «شرح المشكاة»: لمَّا سُحر النَّبيُّ ﷺ استشفَى بالمعوِّذتين؛ لأنَّهما من الجوامعِ في هذا البابِ، فتأمَّل في أولاهُما كيف خصَّ وصف المستعاذِ به (٤) ﴿بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] أي:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٢) (قَوْلُهُ: ﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢]) ولأبي ذرٍّ (١): «بابٌ» بالتَّنوين، أي: في قوله ﷿: ﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾ (وَالعَرَبُ تُسَمِّي أَشْرَافَهَا الصَّمَدَ. قَالَ (٢) أَبُو وَائِلٍ) بالهمز، شقيقُ بنُ سلمة ممَّا (٣) وصلهُ الفِريابيُّ: (هُوَ السَّيِّدُ الَّذِي انْتَهَى سُؤْدُدُهُ) وقال ابنُ عبَّاس: الَّذي تصمدُ إليهِ الخلائق في حوائجهم ومسائلهم. وهو من صمدَ؛ إذا قصدَ، وهو الموصوفُ به على الإطلاقِ، فإنَّه مستغنٍ عن غيرهِ مطلقًا، وكلُّ ما عداهُ محتاج (٤) إليه في جميعِ جهاتهِ. وقال الحسنُ وقتادة: هو الباقِي بعد خلقِهِ. وعن الحسنِ: ﴿الصَّمَدُ﴾: الحيُّ القيُّوم الَّذي لا زوال له. وعن عكرمةَ: الَّذي لم يخرجْ منه شيءٌ ولا يُطْعم. وعن الضَّحَّاك والسُّدِّي: الَّذي لا جوفَ لهُ. وعن عبدِ (٥) اللهِ بنِ يزيد: ﴿الصَّمَدُ﴾ نورٌ يتلألأُ. وكلُّ هذهِ الأوصاف صحيحةٌ في صفاتهِ تعالى على ما لا يخفى.
٤٩٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) المروزيُّ (قَالَ: وَ (٦) حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبَرنا» (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابنُ منبِّه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) زادَ أبو ذرٍّ والوقتِ والأَصيليُّ وابنُ عساكر: «قالَ الله تعالى» كمَا
في الفَرْع كأصله (١): (كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ) المنكرُ للبعثِ (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ) التَّكذيب (وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ) «الشَّتم» وثبتَ ذلك للكُشمِيهنيِّ (أَمَّا (٢)) ولأبي ذرٍّ: «فأمَّا» (تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ أَنْ يَقُولَ: إِنِّي لَنْ أُعِيدَهُ كَمَا بَدَأْتُهُ) بغير فاء قبل همزة «أن»، وبه استدلَّ من جوَّز حذف الفاء من جواب «أمَّا» (وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ أَنْ يَقُولَ) بغير فاء أيضًا: (اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا، وَأَنَا الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُؤًا أَحَدٌ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ولمْ يكُن لهُ» على طريقِ الالتفاتِ (﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٣ - ٤]) قدَّم ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ وإن كان العُرف سَبْق المولود؛ لأنَّه الأهمُّ؛ لقولهم (٣): ﴿وَلَدَ اللهُ﴾ [الصافات: ١٥٢] وقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ كالحجَّة على أنَّه لم يلد، وقال في هذهِ السُّورة: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ وفي الإسراءِ: ﴿لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ [الإسراء: ١١١] لأنَّ من النَّصارى من يقول: عيسى ولدُ الله حقيقةً، ومنهم من يقول: إنَّ الله اتَّخذه ولدًا تشريفًا، فنفى الأمرين، وسقط قوله: «﴿لَمْ يَلِدْ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ.
(﴿كُفُوًا﴾) بضمَّتين (٤) (وَكَفِيئًا) بفتح الكاف وبعد الفاء المكسورة تحتية فهمزة بوزن فعيل (وَكِفَاءً) بكسر الكاف وفتح الفاء ممدودًا (وَاحِدٌ) في المعنى.
ونقل في «فتوح الغيب» عن الغزاليِّ أنَّه قال: الواحدُ هو الواحدُ الَّذي هو مدفوع الشَّركة، والأحدُ الَّذي لا تركيبَ فيه، فالواحدُ نفيٌ للشَّريك والمِثْل، والأحدُ نفيٌ للكثرةِ في ذاتهِ، فالصَّمد الغنيُّ المحتاجُ إليه غيره، وهو أحديُّ الذَّات، وواحديُّ الصِّفات؛ لأنَّه لو كان له شريكٌ في ملكهِ لما كان غنيًّا يحتاجُ إليه غيرهُ، بل كان محتاجًا في (٥) قوامهِ ووجودهِ إلى أجزاء تركيبيَّةٍ (٦)، فالصَّمد (٧) دليلٌ على الوحدانيَّة (٨) والأحديَّة، و ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ دليلٌ على أنَّ وجودهُ المستمر ليس مثل وجودِ الإنسان
الَّذي يبقى نوعهُ (١) بالتَّوالد والتَّناسل، بل هو وجودٌ مستمرٌّ أزليٌّ أبديٌّ، و ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ دليلٌ على أنَّ وجودهُ ليسَ مثل وجودِ الإنسان (٢) الَّذي يتحصَّل بعد العدم، ويبقى دائمًا إمَّا في جنَّةٍ عاليةٍ لا يفنى، وإمَّا في هاويةٍ لا ينقطعُ ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] دليلٌ على أنَّ الوجودَ الحقيقيَّ الَّذي (٣) له تعالى هو الوجودُ الَّذي يُفيد وجود غيرهِ، ولا يستفيد (٤) الوجودَ من غيره، فقوله تعالى: ﴿اللهُ أَحَدٌ﴾ دليلٌ على إثباتِ ذاتهِ المقدَّسة (٥) المنزَّهة، والصَّمديَّة تقتضِي نفي الحاجة عنه، واحتياجَ غيرِه إليه، و ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ … إلى آخرِ السُّورة سلب ما يوصَف به غيرهُ عنه، ولا طريقَ في معرفتهِ تعالى أوضح من سلبِ صفاتِ المخلوقاتِ عنه.
ولمَّا اشتملتْ هذه السُّورة -مع قصرهَا- على جميعِ المعارفِ الإلهيَّة، والردِّ على من ألحدَ فيها؛ جاء أنَّها تعدلُ ثلثَ القرآنِ، كما سيأتي ذلك قريبًا إن شاء الله تعالى في «كتاب فضائلِ القُرآن» [خ¦٥٠١٣] وهل يحملُ ذلك على الإجزاءِ أم (٦) على غيرِها؟ فذهب الفقهاءُ والمفسِّرون إلى أنَّ لقارئها من الثَّواب ثلث ما لقارئ جملته، وليس في الجوابِ أكثر من أنَّ الله يهبُ ما يشاءُ لمن يشاء، وأجابَ المتكلِّفون بجوابٍ يمكنُ إرادتهُ، قالوا: القرآنُ ثلاثة أقسامٍ: قسمٌ فيما يجوزُ أن يوصفَ به وما لا يجوزُ، وقسمٌ من أمر الدُّنيا، وقسمٌ من أمرِ الآخرةِ، ولم تتضمَّن سورة الإخلاصِ غير القسمِ الواحد، فصارت تعدلُ ثلثهُ؛ ولهذا سمِّيت سورة الإخلاصِ؛ لأنَّها خلصت في صفاته خاصَّة، ويأتي مزيدٌ لذلك إن شاء الله تعالى في محلِّه قريبًا بعونِ الله وقوَّته، وسقط قوله: «كفؤًا وكفيئًا … » إلى آخره لغير أبي ذرٍّ.
(((١١٣))) (سورة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾) مكِّيَّة أو مدنيَّة، وآيُها خمس.
(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبت لفظ: «سورة» والبسملة لأبي ذرٍّ. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيمَا وصلهُ الفِريابيُّ: (﴿الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] الصُّبْحُ) لأنَّ اللَّيل يُفْلَقُ عنه ويُفْرَق، فَعَل بمعنى: مفعول، أي: مفلوقٌ، وتخصيصُه لما فيه من تغيُّر (١) الحالِ (٢)، وتبدُّل وحشةِ اللَّيل بسرور النُّور، وقيل: هو كلُّ ما يفلقهُ الله؛ كالأرض عن النَّبات، والسَّحاب عن المطرِ، والأرحامِ عن الأولادِ، وثبت قوله: «﴿الْفَلَقِ﴾: الصُّبح» لأبي ذرٍّ، وسقطَ لغيره.
(و ﴿غَاسِقٍ﴾) بالرَّفع وبالجرِّ، وهو الموافقُ للتَّنزيل: (اللَّيْلُ) أي: العظيم ظلامهُ (﴿إِ ذَا وَقَبَ﴾ [الفلق: ٣]) أي: (غُرُوبُ الشَّمْسِ، يُقَالُ (٣): أَبْيَنُ مِنْ فَرَقِ وَفَلَقِ الصُّبْحِ) الأوَّل بالرَّاء، والثَّاني باللَّام (﴿وَقَبَ﴾ إِذَا دَخَلَ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَأَظْلَمَ) بغروبِ الشَّمس، وقيل: المراد القمر؛ فإنَّه يكسِفُ فيغسِقُ، ووقُوبُهُ دخولُهُ في الكسوفِ. وفي حديث عائشة عند التِّرمذيِّ والحاكمِ: أنَّه ﷺ أخذَ بيدها فأراهَا القمرَ حين طلعَ، وقال: «تعوَّذي باللهِ مِن شرِّ هذا الغاسقِ إذا وقَبَ».
قال في «شرح المشكاة»: لمَّا سُحر النَّبيُّ ﷺ استشفَى بالمعوِّذتين؛ لأنَّهما من الجوامعِ في هذا البابِ، فتأمَّل في أولاهُما كيف خصَّ وصف المستعاذِ به (٤) ﴿بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] أي: