«كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٠

الحديث رقم ٥٠ من كتاب «كتاب الإيمان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان والإسلام.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «كان النبي ﷺ بارزا يوما للناس، فأتاه جبريل…

«كَانَ النَّبِيُّ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَبِلِقَائِهِ، وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ. قَالَ: مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: الْإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ. قَالَ: مَا الْإِحْسَانُ؟ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ. قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: إِذَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ رَبَّهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الْإِبِلِ الْبُهْمُ فِي الْبُنْيَانِ، فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللهُ. ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ : ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الْآيَةَ، ثُمَّ أَدْبَرَ، فَقَالَ: رُدُّوهُ. فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَقَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ، جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ.» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ الْإِيمَانِ.

سند حديث: ٥٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا…

٥٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «كان النبي ﷺ بارزا يوما للناس، فأتاه جبريل…

قَدِمَ رجلٌ مِن أهلِ الباديةِ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم لِيَدُلَّه على عَملٍ يُدخله الجنة،
فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بأنَّ دخول الجنة والنجاة من النار يَتَوَقَّفانِ على أداء أركان الإسلام، من عبادة الله وحده، وأن لا تشرك به شيئًا.
وتقيم الصلوات الخمس التي أوجبها الله على عباده في كل يوم وليلة.
وتعطي زكاة المال التي أوجبها الله عليك، وتدفعها لمستحقها.
وتحافظ على صيام شهر رمضان في وقته.
قال الرجل والذي نفسي بيده لا أزيد على العمل المفروض الذي سمعته منك شيئًا من الطاعات، ولا أنقص منه.
فلما انصرف قال النبي صلى الله عليه وسلم:
مَن سرَّه أن يَنظرَ إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا الأعرابي.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • توحيد الله تعالى بالعبادة أول ما يُبدأ به في الدعوة إلى الله.
  • الاكتفاء بتعليم الواجبات على مَن كان حديثَ عهدٍ بإسلام.
  • الدعوة إلى الله تعالى لا بُد فيها من التدرُّج.
  • حرص الرجل على تَعلُّم أمر دينه.
  • إذا اقتصر المسلم على الواجبات فإنه يفلح، ولكن لا يعني هذا التساهل بالتطوعات؛ لأن التطوع يُكمل به النقص بالفرائض.
  • تخصيص بعض العبادات بالذكر دليل على أهميتها والحض عليها، ولا يعني عدم وجوب غيرها.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «كان النبي ﷺ بارزا يوما للناس، فأتاه جبريل…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْعَرَبِيِّ بِأَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ تَحْصُلُ بِمَا لَمْ يُقْصَدْ فِي الثَّانِي إِذَا قُصِدَ فِي الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ مُرَاعَاةَ الْقَصْدِ إِنَّمَا هُوَ فِي الْأَوَّلِ ثُمَّ يَسْتَرْسِلُ حُكْمُ النِّيَّةِ الْأُولَى عَلَى مُؤْتَنَفِ الْعَمَلِ، وَإِنْ عَزَبَ الْقَصْدُ خَيْرًا كَانَ أَوْ شَرًّا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا) أَيْ: وَإِنْ كَانَ عَدَمُ الرَّفْعِ أَزْيَدَ خَيْرًا وَأَوْلَى مِنْهُ ; لِأَنَّهُ مُتَحَقِّقٌ فِيهِ، لَكِنْ فِي الرَّفْعِ خَيْرٌ مَرْجُوٌّ لِاسْتِلْزَامِهِ مَزِيدَ الثَّوَابِ ; لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِزِيَادَةِ الِاجْتِهَادِ فِي الْتِمَاسِهَا، وَإِنَّمَا حَصَلَ ذَلِكَ بِبَرَكَةِ الرَّسُولِ .

قَوْلُهُ: (فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ) كَذَا فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ بِتَقْدِيمِ السَّبْعِ الَّتِي أَوَّلُهَا السِّينُ عَلَى التِّسْعِ، فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ رَجَاءَهَا فِي السَّبْعِ أَقْوَى لِلِاهْتِمَامِ بِتَقْدِيمِهِ. وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ بِتَقْدِيمِ التِّسْعِ عَلَى تَرْتِيبِ التَّدَلِّي. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالتِّسْعِ وَغَيْرِهَا فَقِيلَ لِتِسْعٍ يَمْضِينَ مِنَ الْعَشْرِ، وَقِيلَ لِتِسْعٍ يَبْقَيْنَ مِنَ الشَّهْرِ، وَسَنَذْكُرُ بَسْطَ هَذَا فِي مَحَلِّهِ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الِاعْتِكَافِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٣٧ - بَاب سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ عَنْ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالْإِحْسَانِ وَعِلْمِ السَّاعَةِ وَبَيَانِ النَّبِيِّ لَهُ ثُمَّ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ، فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا، وَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ مِنْ الْإِيمَانِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾

٥٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قال: حدثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ فَأَتَاهُ رجل فَقال: ما الْإِيمَانُ؟ قَالَ: الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ قال: ما الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: الْإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ قال: ما الْإِحْسَانُ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قال: ما الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ، وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: إِذَا وَلَدَتْ الْأَمَةُ رَبَّهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الْإِبِلِ الْبُهْمُ فِي الْبُنْيَانِ فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الْآيَةَ، ثُمَّ أَدْبَرَ فَقَالَ: رُدُّوهُ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا فَقال: هذا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ، قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: جَعَلَ ذَلِك كُلَّهُ مِنْ الْإِيمَانِ.

[الحديث ٥٠ - طرفه في: ٤٧٧٧]

قَوْلُهُ: (بَابُ سُؤَالِ جِبْرِيلَ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ إِلَخْ) تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ يَرَى أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ عِبَارَةٌ عَنْ مَعْنًى وَاحِدٍ، فَلَمَّا كَانَ ظَاهِرُ سُؤَالِ جِبْرِيلَ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَجَوَابُهُ يَقْتَضِي تَغَايُرَهُمَا، وَأَنَّ الْإِيمَانَ تَصْدِيقٌ بِأُمُورٍ مَخْصُوصَةٍ، وَالْإِسْلَامَ إِظْهَارُ أَعْمَالٍ مَخْصُوصَةٍ، أَرَادَ أَنْ يَرُدَّ ذَلِكَ بِالتَّأْوِيلِ إِلَى طَرِيقَتِهِ.

قَوْلُهُ: (وَبَيَانِ) أَيْ: مَعَ بَيَانِ أَنَّ الِاعْتِقَادَ وَالْعَمَلَ دِينٌ، وَقَوْلُهُ: وَمَا بَيَّنَ أَيْ: مَعَ مَا بَيَّنَ لِلْوَفْدِ أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْإِسْلَامُ حَيْثُ فَسَّرَهُ فِي قِصَّتِهِمْ بِمَا فَسَّرَ بِهِ الْإِسْلَامَ هُنَا، وَقَوْلُهُ: وَقَوْلُ اللَّهِ أَيْ: مَعَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ أَنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ الدِّينُ، وَدَلَّ عَلَيْهِ خَبَرُ أَبِي سُفْيَانَ: أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الدِّينُ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الْإِسْلَامَ وَالْإِيمَانَ أَمْرٌ وَاحِدٌ. هَذَا مُحَصَّلُ كَلَامِهِ، وَقَدْ نَقَلَ أَبُو عَوَانَةَ الْإسْفَرَايِينِيُّ

فِي صَحِيحِهِ عَنِ الْمُزَنِيِّ صَاحِبِ الشَّافِعِيِّ الْجَزْمَ بِأَنَّهُمَا عِبَارَةٌ عَنْ مَعْنًى وَاحِدٍ، وَأَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ. وَعَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ الْجَزْمَ بِتَغَايُرِهِمَا، وَلِكُلٍّ مِنَ الْقَوْلَيْنِ أَدِلَّةٌ مُتَعَارِضَةٌ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: صَنَّفَ فِي الْمَسْأَلَةِ إِمَامَانِ كَبِيرَانِ، وَأَكْثَرَا مِنَ الْأَدِلَّةِ لِلْقَوْلَيْنِ، وَتَبَايَنَا فِي ذَلِكَ. وَالْحَقُّ أَنَّ بَيْنَهُمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا، فَكُلُّ مُؤْمِنٍ مُسْلِمٌ، وَلَيْسَ كُلُّ مُسْلِمٍ مُؤْمِنًا. انْتَهَى كَلَامُهُ مُلَخَّصًا. وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يُطْلَقُ عَلَى الِاعْتِقَادِ وَالْعَمَلِ مَعًا، بِخِلَافِ الْإِيمَانِ فَإِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِمَا مَعًا. وَيَرِدُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ هُنَا يَتَنَاوَلُ الْعَمَلَ وَالِاعْتِقَادَ مَعًا ; لِأَنَّ الْعَامِلَ غَيْرُ الْمُعْتَقِدِ لَيْسَ بِذِي دِينٍ مَرْضِيٍّ.

وَبِهَذَا اسْتَدَلَّ الْمُزَنِيُّ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ فَقَالَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ جِبْرِيلَ هَذَا: جَعَلَ النَّبِيُّ الْإِسْلَامَ هُنَا اسْمًا لِمَا ظَهَرَ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَالْإِيمَانَ اسْمًا لِمَا بَطَنَ مِنَ الِاعْتِقَادِ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ لَيْسَتْ مِنَ الْإِيمَانِ، وَلَا لِأَنَّ التَّصْدِيقَ لَيْسَ مِنَ الْإِسْلَامِ، بَلْ ذَاكَ تَفْصِيلٌ لِجُمْلَةٍ كُلُّهَا شَيْءٌ وَاحِدٌ وَجِمَاعُهَا الدِّينُ، وَلِهَذَا قَالَ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ وَقال : ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ وَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ وَلَا يَكُونُ الدِّينُ فِي مَحَلِّ الرِّضَا وَالْقَبُولِ إِلَّا بِانْضِمَامِ التَّصْدِيقِ. انْتَهَى كَلَامُهُ.

وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ مَجْمُوعِ الْأَدِلَّةِ أَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً، كَمَا أَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً، لَكِنْ كُلٌّ مِنْهُمَا مُسْتَلْزِمٌ لِلْآخَرِ بِمَعْنَى التَّكْمِيلِ لَهُ، فَكَمَا أَنَّ الْعَامِلَ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا كَامِلًا إِلَّا إِذَا اعْتَقَدَ، فَكَذَلِكَ الْمُعْتَقِدُ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا كَامِلًا إِلَّا إِذَا عَمِلَ، وَحَيْثُ يُطْلَقُ الْإِيمَانُ فِي مَوْضِعِ الْإِسْلَامِ أَوِ الْعَكْسِ، أَوْ يُطْلَقُ أَحَدُهُمَا عَلَى إِرَادَتِهِمَا مَعًا فَهُوَ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ. وَيَتَبَيَّنُ الْمُرَادُ بِالسِّيَاقِ، فَإِنْ وَرَدَا مَعًا فِي مَقَامِ السُّؤَالِ حُمِلَا عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَإِنْ لَمْ يَرِدَا مَعًا أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي مَقَامِ سُؤَالٍ أَمْكَنَ الْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوِ الْمَجَازِ بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ مِنَ الْقَرَائِنِ. وَقَدْ حَكَى ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ قَالُوا: إِنَّهُمَا تَخْتَلِفُ دَلَالَتُهُمَا بِالِاقْتِرَانِ، فَإِنْ أُفْرِدَ أَحَدُهُمَا دَخَلَ الْآخَرُ فِيهِ. وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ مَا حَكَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وَتَبِعَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ الْأَكْثَرِ أَنَّهُمْ سَوَّوْا بَيْنَهُمَا عَلَى مَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَمَا حَكَاهُ اللَّالِكَائِيُّ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا عَلَى مَا فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

قَوْلُهُ: (وَعِلْمِ السَّاعَةِ) تَفْسِيرٌ مِنْهُ لِلْمُرَادِ بِقَوْلِ جِبْرِيلَ فِي السُّؤَالِ مَتَى السَّاعَةُ؟ أَيْ: مَتَى عِلْمُ السَّاعَةِ؟ وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ آخَرَ، أَيْ: مَتَى عِلْمُ وَقْتِ السَّاعَةِ؟

قَوْلُهُ: (وَبَيَانِ النَّبِيِّ ) هُوَ مَجْرُورٌ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى عِلْمِ الْمَعْطُوفِ عَلَى سُؤَالِ الْمَجْرُورِ بِالْإِضَافَةِ. فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يُبَيِّنِ النَّبِيُّ وَقْتَ السَّاعَةِ، فَكَيْفَ قَالَ وَبَيَانِ النَّبِيِّ لَهُ. فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَيَانِ بَيَانُ أَكْثَرِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ فَأَطْلَقَهُ ; لِأَنَّ حُكْمَ مُعْظَمِ الشَّيْءِ حُكْمُ كُلِّهِ. أَوْ جَعَلَ الْحُكْمَ فِي عِلْمِ السَّاعَةِ بِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ بَيَانًا لَهُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ الْبَصْرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ عُلَيَّةَ، قال: أخبرنَا أَبُو حَيَّانَ التَّمِيمِيُّ. وَأَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ لُقْمَانَ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ الْمَذْكُورِ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَرِيرٍ أَيْضًا عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ أَيْضًا عَنْ أَبِي فَرْوَةَ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. زَادَ أَبُو فَرْوَةَ: وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ أَيْضًا، وَسَاقَ حَدِيثَهُ عَنْهُمَا جَمِيعًا. وَفِيهِ فَوَائِدُ زَوَائِدُ سَنُشِيرُ إِلَيْهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَلَمْ أَرَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ هَذَا عَنْهُ، وَلَمْ يُخَرِّجْهُ الْبُخَارِيُّ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَيَّانَ عَنْهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَفِي سِيَاقِهِ فَوَائِدُ زَوَائِدُ أَيْضًا. وَإِنَّمَا لَمْ يُخَرِّجُهُ الْبُخَارِيُّ لِاخْتِلَافٍ فِيهِ عَلَى بَعْضِ رُوَاتِهِ، فَمَشْهُورُهُ رِوَايَةُ كَهْمَسٍ - بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ قَبْلَهَا مِيمٌ مَفْتُوحَةٌ - ابْنِ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ - بِفَتْحِ الْمِيمِ أَوَّلُهُ يَاءٌ تَحْتَانِيَّةٌ مَفْتُوحَةٌ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عن أبيه عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَوَاهُ عَنْ كَهْمَسٍ جَمَاعَةٌ

مِنَ الْحُفَّاظِ، وَتَابَعَهُ مَطَرٌ الْوَرَّاقُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، وَتَابَعَهُ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، وَكَذَا رَوَاهُ عُثْمَانُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ لَكِنَّهُ قَالَ: عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، وَحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَعًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، زَادَ فِيهِ حُمَيْدًا، وَحُمَيْدٌ لَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ ذِكْرٌ لَا رِوَايَةٌ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ هَذِهِ الطُّرُقَ وَلَمْ يَسُقْ مِنْهَا إِلَّا مَتْنَ الطَّرِيقِ الْأُولَى وَأَحَالَ الْبَاقِيَ عَلَيْهَا، وَبَيْنَهَا اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ سَنُشِيرُ إِلَى بَعْضِهِ، فَأَمَّا رِوَايَةُ مَطَرٍ فَأَخْرَجَهَا أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا رِوَايَةُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ فَأَخْرَجَهَا ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا رِوَايَةُ عُثْمَانَ بْنِ غِيَاثٍ فَأَخْرَجَهَا أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ.

وَقَدْ خَالَفَهُمْ سُلَيْمَانُ بْنُ بُرَيْدَةَ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ فَرَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ النَّبِيِّ فَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ ابْنِ عُمَرَ لَا مِنْ رِوَايَتِهِ، عن أبيه. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا. وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، وَكَذَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ. وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَالْبُخَارِيُّ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وَعَنْ جَرِيرٍ الْبَجَلِيِّ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ وَفِي إِسْنَادِهِ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، وهو الْعُمَرِيُّ وَلَا يَصْلُحُ لِلصَّحِيحِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي عَامِرٍ الْأَشْعَرِيِّ أَخْرَجَهُمَا أَحْمَدُ وَإِسْنَادُهُمَا حَسَنٌ. وَفِي كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الطُّرُقِ فَوَائِدُ سَنَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الْبَابِ. وَإِنَّمَا جَمَعْتُ طُرُقَهَا هُنَا وَعَزَوْتُهَا إِلَى مُخَرِّجِيهَا لِتَسْهِيلِ الْحَوَالَةِ عَلَيْهَا فِرَارًا مِنَ التَّكْرَارِ الْمُبَايِنِ لِطَرِيقِ الِاخْتِصَارِ. وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

قَوْلُهُ: (كَانَ النَّبِيُّ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ) أَيْ: ظَاهِرًا لَهُمْ غَيْرَ مُحْتَجِبٍ عَنْهُمْ وَلَا مُلْتَبِسٍ بِغَيْرِهِ، وَالْبُرُوزُ الظُّهُورُ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا بَيَانُ ذَلِكَ، فَإِنَّ أَوَّلَهُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَجْلِسُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فَيَجِيءُ الْغَرِيبُ فَلَا يَدْرِي أَيُّهُمْ هُوَ، فَطَلَبْنَا إِلَيْهِ أَنْ نَجْعَلَ لَهُ مَجْلِسًا يَعْرِفُهُ الْغَرِيبُ إِذَا أَتَاهُ، قَالَ: فَبَنَيْنَا لَهُ دُكَّانًا مِنْ طِينٍ كَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهِ. انْتَهَى. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْقُرْطُبِيُّ اسْتِحْبَابَ جُلُوسِ الْعَالِمِ بِمَكَانٍ يَخْتَصُّ بِهِ وَيَكُونُ مُرْتَفِعًا إِذَا احْتَاجَ لِذَلِكَ لِضَرُورَةِ تَعْلِيمٍ وَنَحْوِهِ.

قَوْلُهُ: (فَأَتَاهُ رَجُلٌ) أَيْ: مَلَكٌ فِي صُورَةِ رَجُلٍ، وَفِي التَّفْسِيرِ لِلْمُصَنِّفِ: إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ يَمْشِي، وَلِأَبِي فَرْوَةَ: فَإِنَّا لَجُلُوسٌ عِنْدَهُ إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ أَحْسَنُ النَّاسِ وَجْهًا وَأَطْيَبُ النَّاسِ رِيحًا، كَأَنَّ ثِيَابَهُ لَمْ يَمَسَّهَا دَنَسٌ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ كَهْمَسٍ فِي حَدِيثِ عُمَرَ: بَيْنَمَا نَحْنُ ذَاتَ يَوْمٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ سَوَادِ اللِّحْيَةِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ. وَفِي رِوَايَةِ لِسُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ: لَيْسَ عَلَيْهِ سَحْنَاءُ السَّفَرِ، وَلَيْسَ مِنَ الْبَلَدِ، فَتَخَطَّى حَتَّى بَرَكَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ كَمَا يَجْلِسُ أَحَدُنَا فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رُكْبَتَيِ النَّبِيِّ ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي عَامِرٍ الْأَشْعَرِيِّ: ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رُكْبَتَيِ النَّبِيِّ .

فَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: عَلَى فَخِذَيْهِ يَعُودُ عَلَى النَّبِيِّ وَبِهِ جَزَمَ الْبَغَوِيُّ، وَإِسْمَاعِيلُ التَّيْمِيُّ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ وَرَجَّحَهُ الطِّيبِيُّ بَحْثًا لِأَنَّهُ نَسَقُ الْكَلَامِ خِلَافًا لِمَا جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ، وَوَافَقَهُ التُّورِبَشْتِيُّ لِأَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّهُ جَلَسَ كَهَيْئَةِ الْمُتَعَلِّمِ بَيْنَ يَدَيْ مَنْ يَتَعَلَّمُ مِنْهُ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا مِنَ السِّيَاقِ لَكِنْ وَضْعُهُ يَدَيْهِ عَلَى فَخِذِ النَّبِيِّ صَنِيعٌ مُنَبِّهٌ لِلْإِصْغَاءِ إِلَيْهِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ لِمَا يَنْبَغِي لِلْمَسْئُولِ مِنَ التَّوَاضُعِ وَالصَّفْحِ عَمَّا يَبْدُو مِنْ جَفَاءِ السَّائِلِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ الْمُبَالَغَةَ فِي تَعْمِيَةِ أَمْرِهِ لِيُقَوِّيَ الظَّنَّ بِأَنَّهُ مِنْ جُفَاةِ الْأَعْرَابِ، وَلِهَذَا تَخَطَّى النَّاسَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ. وَلِهَذَا اسْتَغْرَبَ الصَّحَابَةُ صَنِيعَهُ ; وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ، وَجَاءَ مَاشِيًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَثَرُ سَفَرٍ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ عَرَفَ عُمَرُ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْتَنَدَ فِي ذَلِكَ إِلَى ظَنِّهِ، أَوْ إِلَى صَرِيحِ قَوْلِ الْحَاضِرِينَ. قُلْتُ: وَهَذَا الثَّانِي أَوْلَى، فَقَدْ جَاءَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ

عُثْمَانَ بْنِ غِيَاثٍ فَإِنَّ فِيهَا: فَنَظَرَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَقَالُوا: مَا نَعْرِفُ هَذَا. وَأَفَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ سَبَبَ وُرُودِ هَذَا الْحَدِيثِ، فَعِنْدَهُ فِي أَوَّلِهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : سَلُونِي، فَهَابُوا أَنْ يَسْأَلُوهُ، قَالَ فَجَاءَ رَجُلٌ.

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، عَنْ كَهْمَسٍ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ يَخْطُبُ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ - فَكَأَنَّ أَمْرَهُ لَهُمْ بِسُؤَالِهِ وَقَعَ فِي خُطْبَتِهِ - وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَجِيءَ الرَّجُلِ كَانَ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ وَافَقَ انْقِضَاءَهَا أَوْ كَانَ ذَكَرَ ذَلِكَ الْقَدْرَ جَالِسًا وَعَبَّرَ عَنْهُ الرَّاوِي بِالْخُطْبَةِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ) زَادَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّفْسِيرِ: يا رسول الله، مَا الْإِيمَانُ؟ فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ بَدَأَ بِالسُّؤَالِ قَبْلَ السَّلَامِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُبَالَغَةً فِي التَّعْمِيَةِ لِأَمْرِهِ، أَوْ لِيُبَيِّنَ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ وَاجِبٍ، أَوْ سَلَّمَ فَلَمْ يَنْقُلْهُ الرَّاوِي. قُلْتُ: وَهَذَا الثَّالِثُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ، فَفِيهَا بَعْدَ قَوْلِهِ كَأَنَّ ثِيَابَهُ لَمْ يَمَسَّهَا دَنَسٌ حَتَّى سَلَّمَ مِنْ طَرَفِ الْبِسَاطِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، فَرَدَّ . قَالَ: أَدْنُو يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: ادْنُ. فَمَا زَالَ يَقُولُ أَدْنُو مِرَارًا وَيَقُولُ لَهُ ادْنُ. وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، لَكِنْ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يا رسول الله. وَفِي رِوَايَةِ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ فَقَالَ: يا رسول الله، أَدْنُو مِنْكَ؟ قَالَ: أدْنُو. وَلَمْ يَذْكُرِ السَّلَامَ. فَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ، هَلْ قَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ أَوْ يا رسول الله؟ هَلْ سَلَّمَ أَوْ لَا؟

فَأَمَّا السَّلَامُ فَمَنْ ذَكَرَهُ مُقَدَّمٌ عَلَى مَنْ سَكَتَ عَنْهُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ وَقال: يا مُحَمَّدُ: إِنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ التَّعْمِيَةَ فَصَنَعَ صَنِيعَ الْأَعْرَابِ. قُلْتُ: وَيُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّهُ بَدَأَ أَوَّلًا بِنِدَائِهِ بِاسْمِهِ لِهَذَا الْمَعْنَى، ثُمَّ خَاطَبَهُ بِقَوْلِهِ يا رسول الله. وَوَقَعَ عِنْدَ الْقُرْطُبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا مُحَمَّدُ، فَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلدَّاخِلِ أَنْ يُعَمِّمَ بِالسَّلَامِ ثُمَّ يُخَصِّصَ مَنْ يُرِيدُ تَخْصِيصَهُ، انْتَهَى. وَالَّذِي وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنَ الرِّوَايَاتِ إِنَّمَا فِيهِ الْإِفْرَادُ، وهو قَوْلُهُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ.

قَوْلُهُ: (مَا الْإِيمَانُ؟) قِيلَ: قَدَّمَ السُّؤَالَ عَنِ الْإِيمَانِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَثَنَّى بِالْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ يُظْهِرُ مِصْدَاقَ الدَّعْوَى، وَثَلَّثَ بِالْإِحْسَانِ لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِمَا. وَفِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ: بَدَأَ بِالْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ بِالْأَمْرِ الظَّاهِرِ، وَثَنَّى بِالْإِيمَانِ لِأَنَّهُ بِالْأَمْرِ الْبَاطِنِ. وَرَجَّحَ هَذَا الطِّيبِيُّ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّرَقِّي. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ فِي تَأْدِيَتِهَا، وَلَيْسَ فِي السِّيَاقِ تَرْتِيبٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ فَإِنَّهُ بَدَأَ بِالْإِسْلَامِ وَثَنَّى بِالْإِحْسَانِ وَثَلَّثَ بِالْإِيمَانِ، فَالْحَقُّ أَنَّ الْوَاقِعَ أَمْرٌ وَاحِدٌ، وَالتَّقْدِ مُ وَالتَّأْخِيرُ وَقَعَ مِنَ الرُّوَاةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ إِلَخْ) دَلَّ الْجَوَابُ أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ مُتَعَلِّقَاتِهِ لَا عَنْ مَعْنَى لَفْظِهِ، وَإِلَّا لَكَانَ الْجَوَابُ: الْإِيمَانُ التَّصْدِيقُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا يُوهِمُ التَّكْرَارَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ مُضَمَّنٌ مَعْنَى أَنْ تَعْتَرِفَ بِهِ، وَلِهَذَا عَدَّاهُ بِالْبَاءِ، أَيْ: أَنْ تُصَدِّقَ مُعْتَرِفًا بِكَذَا. قُلْتُ: وَالتَّصْدِيقُ أَيْضًا يُعَدَّى بِالْبَاءِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى دَعْوَى التَّضْمِينِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: لَيْسَ هُوَ تَعْرِيفًا لِلشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، بَلِ الْمُرَادُ مِنَ الْمَحْدُودِ الْإِيمَانُ الشَّرْعِيُّ، وَمِنَ الْحَدِّ الْإِيمَانُ اللُّغَوِيُّ قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إِنَّمَا أَعَادَ لَفْظَ الْإِيمَانِ لِلِاعْتِنَاءِ بِشَأْنِهِ تَفْخِيمًا لِأَمْرِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فِي جَوَابِ: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ يَعْنِي أَنَّ قَوْلَهُ: أَنْ تُؤْمِنَ يَنْحَلُّ مِنْهُ الْإِيمَانُ فَكَأَنَّهُ قَالَ: الْإِيمَانُ الشَّرْعِيُّ تَصْدِيقٌ مَخْصُوصٌ، وَإِلَّا لَكَانَ الْجَوَابُ: الْإِيمَانُ التَّصْدِيقُ، وَالْإِيمَانُ بِاللَّهِ هُوَ التَّصْدِيقُ بِوُجُودِهِ وَأَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ مُنَزَّهٌ عَنْ صِفَاتِ النَّقْصِ.

قَوْلُهُ: (وَمَلَائِكَتِهِ) الْإِيمَانُ بِالْمَلَائِكَةِ هُوَ التَّصْدِيقُ بِوُجُودِهِمْ وَأَنَّهُمْ كَمَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ وَقَدَّمَ الْمَلَائِكَةَ عَلَى الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ نَظَرًا لِلتَّرْتِيبِ الْوَاقِعِ ; لِأَنَّهُ أَرْسَلَ الْمَلَكَ بِالْكِتَابِ إِلَى الرَّسُولِ وَلَيْسَ فِيهِ مُتَمَسَّكٌ لِمَنْ فَضَّلَ الْمَلَكَ عَلَى الرَّسُولِ.

قَوْلُهُ: (وَكُتُبِهِ) هَذِهِ عِنْدَ الْأَصِيلِيِّ هُنَا، وَاتَّفَقَ الرُّوَاةُ عَلَى ذِكْرِهَا فِي التَّفْسِيرِ، وَالْإِيمَانُ بِكُتُبِ اللَّهِ التَّصْدِيقُ بِأَنَّهَا كَلَامُ اللَّهِ وَأَنَّ مَا تَضَمَّنَتْهُ

حَقٌّ.

قَوْلُهُ: (وَبِلِقَائِهِ) كَذَا وَقَعَتْ هُنَا بَيْنَ الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ، وَلَمْ تَقَعْ فِي بَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا مُكَرَّرَةٌ لِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي الْإِيمَانِ بِالْبَعْثِ، وَالْحَقُّ أَنَّهَا غَيْرُ مُكَرَّرَةٍ، فَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْبَعْثِ الْقِيَامُ مِنَ الْقُبُورِ، وَالْمُرَادُ بِاللِّقَاءِ مَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَقِيلَ اللِّقَاءُ يَحْصُلُ بِالِانْتِقال من دَارِ الدُّنْيَا، وَالْبَعْثُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا رِوَايَةُ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ فَإِنَّ فِيهَا وَبِالْمَوْتِ وَبِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِاللِّقَاءِ رُؤْيَةُ اللَّهِ، ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ. وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ أَحَدًا لَا يَقْطَعُ لِنَفْسِهِ بِرُؤْيَةِ اللَّهِ، فَإِنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِمَنْ مَاتَ مُؤْمِنًا، وَالْمَرْءُ لَا يَدْرِي بِمَ يُخْتَمُ لَهُ، فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ شُرُوطِ الْإِيمَانِ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْإِيمَانُ بِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَهَذَا مِنَ الْأَدِلَّةِ الْقَوِيَّةِ لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي إِثْبَاتِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْآخِرَةِ إِذْ جُعِلَتْ مِنْ قَوَاعِدِ الْإِيمَانِ.

قَوْلُهُ: (وَرُسُلِهِ) وَلِلْأَصِيلِيِّ: وَبِرُسُلِهِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ: وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ، وَكُلٌّ مِنَ السِّيَاقَيْنِ فِي الْقُرْآنِ فِي الْبَقَرَةِ، وَالتَّعْبِيرُ بِالنَّبِيِّينَ يَشْمَلُ الرُّسُلَ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، وَالْإِيمَانُ بِالرُّسُلِ التَّصْدِيقُ بِأَنَّهُمْ صَادِقُونَ فِيمَا أَخْبَرُوا بِهِ عَنِ اللَّهِ، وَدَلَّ الْإِجْمَالُ فِي الْمَلَائِكَةِ وَالْكُتُبِ وَالرُّسُلِ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِذَلِكَ فِي الْإِيمَانِ بِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، إِلَّا مَنْ ثَبَتَ تَسْمِيَتُهُ فَيَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ عَلَى التَّعْيِينِ. وَهَذَا التَّرْتِيبُ مُطَابِقٌ لِلْآيَةِ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ وَمُنَاسَبَةُ التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ وَإِنْ كَانَتِ الْوَاوُ لَا تُرَتِّبُ، بَلِ الْمُرَادُ مِنَ التَّقَدُّمِ أَنَّ الْخَيْرَ وَالرَّحْمَةَ مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ أَعْظَمِ رَحْمَتِهِ أَنْ أَنْزَلَ كُتُبَهُ إِلَى عِبَادِهِ، وَالْمُتَلَقِّي لِذَلِكَ مِنْهُمُ الْأَنْبِيَاءُ، وَالْوَاسِطَةُ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَهُمُ الْمَلَائِكَةُ.

قَوْلُهُ (وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ) زَادَ فِي التَّفْسِيرِ الْآخِرِ وَلِمُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ عُمَرَ: وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَأَمَّا الْبَعْثُ الْآخِرُ فَقِيلَ ذَكَرَ الْآخِرَ تَأْكِيدًا كَقَوْلِهِمْ أَمْسُ الذَّاهِبُ، وَقِيلَ لِأَنَّ الْبَعْثَ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ: الْأُولَى الْإِخْرَاجُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ أَوْ مِنْ بُطُونِ الْأُمَّهَاتِ بَعْدَ النُّطْفَةِ وَالْعَلَقَةِ إِلَى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَالثَّانِيَةُ الْبَعْثُ مِنْ بُطُونِ الْقُبُورِ إِلَى مَحَلِّ الِاسْتِقْرَارِ. وَأَمَّا الْيَوْمُ الْآخِرُ فَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ آخِرُ أَيَّامِ الدُّنْيَا أَوْ آخِرُ الْأَزْمِنَةِ الْمَحْدُودَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَالتَّصْدِيقِ بِمَا يَقَعُ فِيهِ مِنَ الْحِسَابِ وَالْمِيزَانِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ. وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِذِكْرِ الْأَرْبَعَةِ بَعْدَ ذِكْرِ الْبَعْثِ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا.

(فَائِدَةٌ): زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي مُسْتَخْرَجِهِ هُنَا: وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، وَهِيَ فِي رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ أَيْضًا، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، وَأَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ كُلِّهِ، وَفِي رِوَايَةِ كَهْمَسٍ، وَسُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ: وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ وَكَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وهو فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِزِيَادَةِ وَحُلْوِهِ وَمُرِّهِ مِنَ اللَّهِ، وَكَأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي إِعَادَةِ لَفْظِ وَتُؤْمِنَ عِنْدَ ذِكْرِ الْبَعْثِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُ نَوْعٌ آخَرُ مِمَّا يُؤْمَنُ بِهِ ; لِأَنَّ الْبَعْثَ سَيُوجَدُ بَعْدُ، وَمَا ذُكِرَ قَبْلَهُ مَوْجُودٌ الْآنَ، وَلِلتَّنْوِيهِ بِذِكْرِهِ لِكَثْرَةِ مَنْ كَانَ يُنْكِرُهُ مِنَ الْكُفَّارِ، وَلِهَذَا كَثُرَ تَكْرَارُهُ فِي الْقُرْآنِ، وَهَكَذَا الْحِكْمَةُ فِي إِعَادَةِ لَفْظِ وَتُؤْمِنَ عِنْدَ ذِكْرِ الْقَدَرِ كَأَنَّهَا إِشَارَةٌ إِلَى مَا يَقَعُ فِيهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ، فَحَصَلَ الِاهْتِمَامُ بِشَأْنِهِ بِإِعَادَةِ تُؤْمِنَ، ثُمَّ قَرَّرَهُ بِالْإِبْدَالِ بِقَوْلِهِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ وَحُلْوِهِ وَمُرِّهِ ثُمَّ زَادَهُ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ مِنَ اللَّهِ. وَالْقَدَرُ مَصْدَرٌ، تَقُولُ: قَدَرْتُ الشَّيْءَ بِتَخْفِيفِ الدَّالِ وَفَتْحِهَا أَقْدِرُهُ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ قَدْرًا وَقَدَرًا، إِذَا أَحَطْتُ بِمِقْدَارِهِ.

وَالْمُرَادُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلِمَ مَقَادِيرَ الْأَشْيَاءِ وَأَزْمَانَهَا قَبْلَ إِيجَادِهَا، ثُمَّ أَوْجَدَ مَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَنَّهُ يُوجَدُ، فَكُلُّ مُحْدَثٍ صَادِرٌ عَنْ عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ، هَذَا هُوَ الْمَعْلُومُ مِنَ الدِّينِ بِالْبَرَاهِينِ الْقَطْعِيَّةِ، وَعَلَيْهِ كَانَ السَّلَفُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَخِيَارِ التَّابِعِينَ، إِلَى أَنْ حَدَثَتْ بِدْعَةُ الْقَدَرِ فِي أَوَاخِرِ زَمَنِ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ الْقِصَّةَ فِي ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ كَهْمَسٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ، قَالَ فَانْطَلَقْتُ

أَنَا وَحُمَيْدٌ الْحِمْيَرِيُّ، فَذَكَرَ اجْتِمَاعَهُمَا بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَأَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ بِأَنَّهُ بَرِيءٌ مِمَّنْ يَقُولُ ذَلِكَ، وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالْقَدَرِ عَمَلًا. وَقَدْ حَكَى الْمُصَنِّفُونَ فِي الْمَقَالَاتِ عَنْ طَوَائِفَ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ إِنْكَارَ كَوْنِ الْبَارِئِ عَالِمًا بِشَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِ الْعِبَادِ قَبْلَ وُقُوعِهَا مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا يَعْلَمُهَا بَعْدَ كَوْنِهَا. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ: قَدِ انْقَرَضَ هَذَا الْمَذْهَبُ، وَلَا نَعْرِفُ أَحَدًا يُنْسَبُ إِلَيْهِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ. قَالَ: وَالْقَدَرِيَّةُ الْيَوْمُ مُطْبِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ قَبْلَ وُقُوعِهَا، وَإِنَّمَا خَالَفُوا السَّلَفَ فِي زَعْمِهِمْ بِأَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَقْدُورَةٌ لَهُمْ وَوَاقِعَةٌ مِنْهُمْ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِقْلَالِ، وهو مَعَ كَوْنِهِ مَذْهَبًا بَاطِلًا أَخَفُّ مِنَ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ.

وَأَمَّا الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْهُمْ فَأَنْكَرُوا تَعَلُّقَ الْإِرَادَةِ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ فِرَارًا مِنْ تَعَلُّقِ الْقَدِيمِ بِالْمُحْدَثِ، وَهُمْ مَخْصُومُونَ بِمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنْ سَلَّمَ الْقَدَرِيُّ الْعِلْمَ خُصِمَ. يَعْنِي يُقَالُ لَهُ: أَيَجُوزُ أَنْ يَقَعَ فِي الْوُجُودِ خِلَافُ مَا تَضَمَّنَهُ الْعِلْمُ؟ فَإِنْ مَنَعَ وَافَقَ قَوْلَ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَإِنْ أَجَازَ لَزِمَهُ نِسْبَةُ الْجَهْلِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.

(تَنْبِيهٌ): ظَاهِرُ السِّيَاقِ يَقْتَضِي أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى مَنْ صَدَّقَ بِجَمِيعِ مَا ذُكِرَ، وَقَدِ اكْتَفَى الْفُقَهَاءُ بِإِطْلَاقِ الْإِيمَانِ عَلَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَا اخْتِلَافَ ; لِأَنَّ الْإِيمَانَ بِرَسُولِ اللَّهِ الْمُرَادُ بِهِ الْإِيمَانُ بِوُجُودِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ عَنْ رَبِّهِ، فَيَدْخُلُ جَمِيعُ مَا ذُكِرَ تَحْتَ ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ) قَالَ النَّوَوِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْعِبَادَةِ مَعْرِفَةَ اللَّهِ فَيَكُونُ عَطْفُ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا عَلَيْهَا لِإِدْخَالِهَا فِي الْإِسْلَامِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْعِبَادَةِ الطَّاعَةَ مُطْلَقًا، فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الْوَظَائِفِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ عَطْفُ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ. قُلْتُ: أَمَّا الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ فَبَعِيدٌ ; لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ مِنْ مُتَعَلَّقَاتِ الْإِيمَانِ، وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَهُوَ أَعْمَالٌ قَوْلِيَّةٌ وَبَدَنِيَّةٌ، وَقَدْ عَبَّرَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ هُنَا بِقَوْلِهِ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِبَادَةِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ دَفْعُ الِاحْتِمَالِ الثَّانِي. وَلَمَّا عَبَّرَ الرَّاوِي بِالْعِبَادَةِ احْتَاجَ أَنْ يُوَضِّحَهَا بِقَوْلِهِ: وَلَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَيْهَا فِي رِوَايَةِ عُمَرَ لِاسْتِلْزَامِهَا ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: السُّؤَالُ عَامٌّ لِأَنَّهُ سَأَلَ عَنْ مَاهِيَّةِ الْإِسْلَامِ، وَالْجَوَابُ خَاصٌّ لِقَوْلِهِ أَنْ تَعْبُدَ أَوْ تَشْهَدَ، وَكَذَا قَالَ فِي الْإِيمَانِ أَنْ تُؤْمِنَ، وَفِي الْإِحْسَانِ أَنْ تَعْبُدَ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ لِنُكْتَةِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَصْدَرِ وَبَيْنَ أَنْ وَالْفِعْلِ ; لِأَنَّ أَنْ تَفْعَلَ تَدُلُّ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ، وَالْمَصْدَرُ لَا يَدُلُّ عَلَى زَمَانٍ.

عَلَى أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ أَوْرَدَهُ هُنَا بِصِيغَةِ الْمَصْدَرِ، فَفِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ غِيَاثٍ قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِمُخَاطَبَتِهِ بِالْإِفْرَادِ اخْتِصَاصَهُ بِذَلِكَ، بَلِ الْمُرَادُ تَعْلِيمُ السَّامِعِينَ الْحُكْمَ فِي حَقِّهِمْ وَحَقِّ مَنْ أَشْبَهَهُمْ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ، وَقَدْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي آخِرِهِ: يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ. فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَذْكُرِ الْحَجَّ؟ أَجَابَ بَعْضُهُمْ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فُرِضَ، وهو مَرْدُودٌ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بِإِسْنَادِهِ الَّذِي عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ فِي حَدِيثِ عُمَرَ أَوَّلُهُ أَنَّ رَجُلًا فِي آخِرِ عُمْرِ النَّبِيِّ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَآخِرُ عُمْرِهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَإِنَّهَا آخِرُ سَفَرَاتِهِ، ثُمَّ بَعْدَ قُدُومِهِ بِقَلِيلٍ دُونَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ مَاتَ، وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ بَعْدَ إِنْزَالِ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ لِتَقْرِيرِ أُمُورِ الدِّينِ - الَّتِي بَلَّغَهَا مُتَفَرِّقَةً - فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، لِتَنْضَبِطَ. وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ جَوَازُ سُؤَالِ الْعَالِمِ مَا لَا يَجْهَلُهُ السَّائِلُ لِيَعْلَمَهُ السَّامِعُ، وَأَمَّا الْحَجُّ فَقَدْ ذُكِرَ، لَكِنْ بَعْضُ الرُّوَاةِ إِمَّا ذَهَلَ عَنْهُ وَإِمَّا نَسِيَهُ.

وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ فِي ذِكْرِ بَعْضِ الْأَعْمَالِ دُونَ بَعْضٍ، فَفِي رِوَايَةِ كَهْمَسٍ: وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَفِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ لَمْ يَذْكُرِ الصَّوْمَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي عَامِرٍ ذَكَرَ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ حَسْبُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَزِيدًا عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ. وَذَكَرَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ فِي رِوَايَتِهِ الْجَمِيعَ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ وَتَحُجَّ

وَتَعْتَمِرَ، وَتَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَتُتَمِّمَ الْوُضُوءَ. وَقَالَ مَطَرٌ الْوَرَّاقُ فِي رِوَايَتِهِ: وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ قَالَ فَذَكَرَ عُرَى الْإِسْلَامِ، فَتَبَيَّنَ مَا قُلْنَاهُ: إِنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ ضَبَطَ مَا لَمْ يَضْبِطْهُ غَيْرُهُ.

قَوْلُهُ: (وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ) زَادَ مُسْلِمٌ: الْمَكْتُوبَةَ أَيِ: الْمَفْرُوضَةَ. وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالْمَكْتُوبَةِ لِلتَّفَنُّنِ فِي الْعِبَارَةِ، فَإِنَّهُ عَبَّرَ فِي الزَّكَاةِ بِالْمَفْرُوضَةِ، وَلِاتِّبَاعِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾

قَوْلُهُ: (وَتَصُومَ رَمَضَانَ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى قَوْلِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ إِضَافَةِ شَهْرٍ إِلَيْهِ، وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (الْإِحْسَانُ) هُوَ مَصْدَرٌ، تَقُولُ أَحْسَنَ يُحْسِنُ إِحْسَانًا. وَيَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ تَقُولُ: أَحْسَنْتُ كَذَا إِذَا أَتْقَنْتُهُ، وَأَحْسَنْتُ إِلَى فُلَانٍ إِذَا أَوْصَلْتُ إِلَيْهِ النَّفْعَ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُرَادُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إِتْقَانُ الْعِبَادَةِ. وَقَدْ يُلْحَظُ الثَّانِي بِأَنَّ الْمُخْلِصَ مَثَلًا مُحْسِنٌ بِإِخْلَاصِهِ إِلَى نَفْسِهِ، وَإِحْسَانُ الْعِبَادَةِ الْإِخْلَاصُ فِيهَا وَالْخُشُوعُ وَفَرَاغُ الْبَالِ حَالَ التَّلَبُّسِ بِهَا وَمُرَاقَبَةُ الْمَعْبُودِ، وَأَشَارَ فِي الْجَوَابِ إِلَى حَالَتَيْنِ: أَرْفَعُهُمَا أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ مُشَاهَدَةُ الْحَقِّ بِقَلْبِهِ حَتَّى كَأَنَّهُ يَرَاهُ بِعَيْنِهِ، وهو قَوْلُهُ: كَأَنَّكَ تَرَاهُ أَيْ:، وهو يَرَاكَ، وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَسْتَحْضِرَ أَنَّ الْحَقَّ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ يَرَى كُلَّ مَا يَعْمَلُ، وهو قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَرَاكَ. وَهَاتَانِ الْحَالَتَانِ يُثَمِّرُهُمَا مَعْرِفَةُ اللَّهِ وَخَشْيَتُهُ، وَقَدْ عَبَّرَ فِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ بِقَوْلِهِ: أَنْ تَخْشَى اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّكَ إِنَّمَا تُرَاعِي الْآدَابَ الْمَذْكُورَةَ إِذَا كُنْتَ تَرَاهُ وَيَرَاكَ، لِكَوْنِهِ يَرَاكَ لَا لِكَوْنِكَ تَرَاهُ فَهُوَ دَائِمًا يَرَاكَ، فَأَحْسِنْ عِبَادَتَهُ وَإِنْ لَمْ تَرَهُ، فَتَقْدِيرُ الْحَدِيثِ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَاسْتَمِرَّ عَلَى إِحْسَانِ الْعِبَادَةِ فَإِنَّهُ يَرَاكَ.

قَالَ: وَهَذَا الْقَدْرُ مِنَ الْحَدِيثِ أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، وَقَاعِدَةٌ مُهِمَّةٌ مِنْ قَوَاعِدِ الْمُسْلِمِينَ، وهو عُمْدَةُ الصِّدِّيقِينَ وَبُغْيَةُ السَّالِكِينَ وَكَنْزُ الْعَارِفِينَ وَدَأْبُ الصَّالِحِينَ، وهو مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ الَّتِي أُوتِيَهَا ، وَقَدْ نَدَبَ أَهْلُ التَّحْقِيقِ إِلَى مُجَالَسَةِ الصَّالِحِينَ لِيَكُونَ ذَلِكَ مَانِعًا مِنَ التَّلَبُّسِ بِشَيْءٍ مِنَ النَّقَائِصِ احْتِرَامًا لَهُمْ وَاسْتِحْيَاءً مِنْهُمْ، فَكَيْفَ بِمَنْ لَا يَزَالُ اللَّهُ مُطَّلِعًا عَلَيْهِ فِي سِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ؟ انْتَهَى. وَقَدْ سَبَقَ إِلَى أَصْلِ هَذَا الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي تَفْسِيرِ لُقْمَانَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(تَنْبِيهٌ): دَلَّ سِيَاقُ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا بِالْأَبْصَارِ غَيْرُ وَاقِعَةٍ، وَأَمَّا رُؤْيَةُ النَّبِيِّ فَذَاكَ لِدَلِيلٍ آخَرَ، وَقَدْ صَرَّحَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ بِقَوْلِهِ : وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا. وَأَقْدَمَ بَعْضُ غُلَاةِ الصُّوفِيَّةِ عَلَى تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَقَالَ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَقَامِ الْمَحْوِ وَالْفَنَاءِ، وَتَقْدِيرُهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ - أَيْ: فَإِنْ لَمْ تَصِرْ - شَيْئًا وَفَنِيتَ عَنْ نَفْسِكَ حَتَّى كَأَنَّكَ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فَإِنَّكَ حِينَئِذٍ تَرَاهُ. وَغَفَلَ قَائِلُ هَذَا - لِلْجَهْلِ بِالْعَرَبِيَّةِ - عَنْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ مَا زَعَمَ لَكَانَ قَوْلُهُ: تَرَاهُ مَحْذُوفَ الْأَلِفِ ; لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَجْزُومًا، لِكَوْنِهِ عَلَى زَعْمِهِ جَوَابَ الشَّرْطِ، وَلَمْ يَرِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ بِحَذْفِ الْأَلِفِ، وَمَنِ ادَّعَى أَنَّ إِثْبَاتَهَا فِي الْفِعْلِ الْمَجْزُومِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِذْ لَا ضَرُورَةَ هُنَا. وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ مَا ادَّعَاهُ صَحِيحًا لَكَانَ قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَرَاكَ ضَائِعًا لِأَنَّهُ لَا ارْتِبَاطَ لَهُ بِمَا قَبْلَهُ. وَمِمَّا يُفْسِدُ تَأْوِيلَهُ رِوَايَةُ كَهْمَسٍ فَإِنَّ لَفْظَهَا فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، فَسَلَّطَ النَّفْيَ عَلَى الرُّؤْيَةِ لَا عَلَى الْكَوْنِ الَّذِي حُمِلَ عَلَى ارْتِكَابِ التَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ: فَإِنْ لَمْ تَرَهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ وَنَحْوُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَكُلُّ هَذَا يُبْطِلُ التَّأْوِيلَ الْمُتَقَدِّمَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(فَائِدَةٌ): زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ قَوْلَ السَّائِلِ صَدَقْتَ عَقِبَ كُلِّ جَوَابٍ مِنَ الْأَجْوِبَةِ الثَّلَاثَةِ، وَزَادَ أَبُو فَرْوَةَ فِي رِوَايَتِهِ فَلَمَّا سَمِعْنَا قَوْلَ الرَّجُلِ صَدَقْتَ أَنْكَرْنَاهُ وَفِي رِوَايَةِ كَهْمَسٍ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ. وَفِي رِوَايَةِ مَطَرٍ: انْظُرُوا إِلَيْهِ كَيْفَ يَسْأَلُهُ وَانْظُرُوا إِلَيْهِ كَيْفَ يُصَدِّقُهُ وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ: انْظُرُوا، وهو يَسْأَلُهُ، وهو يُصَدِّقُهُ كَأَنَّهُ أَعْلَمُ

مِنْهُ. وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ: قَالَ الْقَوْمُ: مَا رَأَيْنَا رَجُلًا مِثْلَ هَذَا، كَأَنَّهُ يُعَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ ، يَقُولُ لَهُ: صَدَقْتَ صَدَقْتَ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّمَا عَجِبُوا مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ، وَلَيْسَ هَذَا السَّائِلُ مِمَّنْ عُرِفَ بِلِقَاءِ النَّبِيِّ وَلَا بِالسَّمَاعِ مِنْهُ، ثُمَّ هُوَ يَسْأَلُ سُؤَالَ عَارِفٍ بِمَا يَسْأَلُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ يُخْبِرُهُ بِأَنَّهُ صَادِقٌ فِيهِ، فَتَعَجَّبُوا مِنْ ذَلِكَ تَعَجُّبَ الْمُسْتَبْعِدِ لِذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (مَتَى السَّاعَةُ؟) أَيْ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ؟ وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ، وَالْمُرَادُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ.

قَوْلُهُ: (مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا) مَا نَافِيَةٌ. وَزَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ: فَنَكَسَ فَلَمْ يُجِبْهُ، ثُمَّ أَعَادَ فَلَمْ يُجِبْهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: مَا الْمَسْئُولُ.

قَوْلُهُ: (بِأَعْلَمَ) الْبَاءُ زَائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُشْعِرًا بِالتَّسَاوِي فِي الْعِلْمِ لَكِنَّ الْمُرَادَ التَّسَاوِي فِي الْعِلْمِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهَا لِقَوْلِهِ بَعْدَ: خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ وَسَيَأْتِي نَظِيرُ هَذَا التَّرْكِيبِ فِي أَوَاخِرِ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي قَوْلِهِ: مَا كُنْتُ بِأَعْلَمَ بِهِ مِنْ رَجُلٍ مِنْكُمْ فَإِنَّ الْمُرَادَ أَيْضًا التَّسَاوِي فِي عَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هُنَا فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، خَمْسٌ مِنَ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ تَلَا الْآيَةَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: يُسْتَنْبَطُ مِنْهُ أَنَّ الْعَالِمَ إِذَا سُئِلَ عَمَّا لَا يَعْلَمُ يُصَرِّحُ بِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ، وَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ نَقْصٌ مِنْ مَرْتَبَتِهِ، بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى مَزِيدِ وَرَعِهِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ مَقْصُودُ هَذَا السُّؤَالِ كَفُّ السَّامِعِينَ عَنِ السُّؤَالِ عَنْ وَقْتِ السَّاعَةِ ; لِأَنَّهُمْ قَدْ أَكْثَرُوا السُّؤَالَ عَنْهَا كَمَا وَرَدَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ، فَلَمَّا حَصَلَ الْجَوَابُ بِمَا ذُكِرَ هُنَا حَصَلَ الْيَأْسُ مِنْ مَعْرِفَتِهَا، بِخِلَافِ الْأَسْئِلَةِ الْمَاضِيَةِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَا اسْتِخْرَاجُ الْأَجْوِبَةِ لِيَتَعَلَّمَهَا السَّامِعُونَ وَيَعْمَلُوا بِهَا، وَنَبَّهَ بِهَذِهِ الْأَسْئِلَةِ عَلَى تَفْصِيلِ مَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ.

قَوْلُهُ: (مِنَ السَّائِلِ) عَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ لَسْتُ بِأَعْلَمَ بِهَا مِنْكَ إِلَى لَفْظٍ يُشْعِرُ بِالتَّعْمِيمِ تَعْرِيضًا لِلسَّامِعِينَ، أَيْ أَنَّ كُلَّ مَسْئُولٍ وَكُلَّ سَائِلٍ فَهُوَ كَذَلِكَ.

(فَائِدَةٌ): هَذَا السُّؤَالُ وَالْجَوَابُ وَقَعَ بَيْنَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَجِبْرِيلَ، لَكِنْ كَانَ عِيسَى سَائِلًا وَجِبْرِيلُ مَسْئُولًا. قَالَ الْحُمَيْدِيُّ فِي نَوَادِرِهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: سَأَلَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ جِبْرِيلَ (١) عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ فَانْتَفَضَ بِأَجْنِحَتِهِ وَقَالَ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ.

قَوْلُهُ: (وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا) وَفِي التَّفْسِيرِ وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُكَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ: وَلَكِنْ لَهَا عَلَامَاتٌ تُعْرَفُ بِهَا، وَفِي رِوَايَةِ كَهْمَسٍ: قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا فَأَخْبَرَهُ بِهَا فَتَرَدَّدْنَا فَحَصَلَ التَّرَدُّدُ هَلِ ابْتَدَأَهُ بِذِكْرِ الْأَمَارَاتِ أَوِ السَّائِلُ سَأَلَهُ عَنِ الْأَمَارَاتِ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ ابْتَدَأَ بِقَوْلِهِ: وَسَأُخْبِرُكَ، فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ: فَأَخْبِرْنِي. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ رِوَايَةُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ وَلَفْظُهَا وَلَكِنْ إِنْ شِئْتَ نَبَّأْتُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا، قَالَ: أَجَلْ وَنَحْوُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَزَادَ فَحَدِّثْنِي وَقَدْ حَصَلَ تَفْصِيلُ الْأَشْرَاطِ مِنَ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَأَنَّهَا الْعَلَامَاتُ، وَهِيَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ شَرَطٍ بِفَتْحَتَيْنِ كَقَلَمٍ وَأَقْلَامٍ، وَيُسْتَفَادُ مِنِ اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ التَّحْدِيثَ وَالْإِخْبَارَ وَالْإِنْبَاءَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا غَايَرَ بَيْنَهَا أَهْلُ الْحَدِيثِ اصْطِلَاحًا. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: عَلَامَاتُ السَّاعَةِ عَلَى قِسْمَيْنِ: مَا يَكُونُ مِنْ نَوْعِ الْمُعْتَادِ، أَوْ غَيْرِهِ. وَالْمَذْكُورُ هُنَا الْأَوَّلُ. وَأَمَّا الْغَيْرُ مِثْلُ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا فَتِلْكَ مُقَارِبَةٌ لَهَا أَوْ مُضَايِقَةٌ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْعَلَامَاتُ السَّابِقَةُ عَلَى ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (إِذَا وَلَدَتْ) التَّعْبِيرُ بِإِذَا لِلْإِشْعَارِ بِتَحَقُّقِ الْوُقُوعِ، وَوَقَعَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ بَيَانًا لِلْأَشْرَاطِ نَظَرًا إِلَى الْمَعْنَى، وَالتَّقْدِيرُ وِلَادَةُ الْأَمَةِ وَتَطَاوُلُ الرُّعَاةِ. فَإِنْ قِيلَ الْأَشْرَاطُ جَمْعٌ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ وَالْمَذْكُورُ هُنَا اثْنَانِ، أَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ: بِأَنَّهُ قَدْ تُسْتَقْرَضُ الْقِلَّةُ لِلْكَثْرَةِ، وَبِالْعَكْسِ.

أَوْ لِأَنَّ الْفَرْقَ بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ إِنَّمَا هُوَ فِي النَّكِرَاتِ لَا فِي الْمَعَارِفِ، أَوْ لِفَقْدِ جَمْعِ الْكَثْرَةِ لِلَفْظِ الشَّرْطِ. وَفِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَجْوِبَةِ نَظَرٌ، وَلَوْ أُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا دَلِيلُ الْقَوْلِ الصَّائِرِ إِلَى أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ لَمَا بَعُدَ عَنِ الصَّوَابِ. وَالْجَوَابُ الْمَرْضِيُّ أَنَّ الْمَذْكُورَ مِنَ الْأَشْرَاطِ ثَلَاثَةٌ، وَإِنَّمَا بَعْضُ الرُّوَاةِ اقْتَصَرَ عَلَى اثْنَيْنِ مِنْهَا لِأَنَّهُ هُنَا ذَكَرَ الْوِلَادَةَ وَالتَّطَاوُلَ، وَفِي التَّفْسِيرِ ذِكْرُ الْوِلَادَةِ وَتَرَؤُّسُ الْحُفَاةِ، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ الَّتِي أَخْرَجَ مُسْلِمٌ إِسْنَادَهَا وَسَاقَ ابْنُ خُزَيْمَةَ لَفْظَهَا عَنْ أَبِي حَيَّانَ ذِكْرُ الثَّلَاثَةِ، وَكَذَا فِي مُسْتَخْرَجِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَكَذَا ذَكَرَهَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ، وَوَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ، فَفِي رِوَايَةِ كَهْمَسٍ ذِكْرُ الْوِلَادَةِ وَالتَّطَاوُلُ فَقَطْ وَوَافَقَهُ عُثْمَانُ بْنُ غِيَاثٍ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ذِكْرُ الثَّلَاثَةِ وَوَافَقَهُ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وَكَذَا ذُكِرَتْ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي عَامِرٍ.

قَوْلُهُ: (إِذَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ رَبَّهَا) وَفِي التَّفْسِيرِ رَبَّتَهَا بِتَاءِ التَّأْنِيثِ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ، وَلِمُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ مِثْلُهُ وَزَادَ يَعْنِي السَّرَارِيَّ، وَفِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ: إِذَا رَأَيْتَ الْمَرْأَةَ تَلِدُ رَبَّهَا وَنَحْوُهُ لِأَبِي فَرْوَةَ، وَفِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ غِيَاثٍ: الْإِمَاءُ أَرْبَابُهُنَّ بِلَفْظِ الْجَمْعِ. وَالْمُرَادُ بِالرَّبِّ الْمَالِكُ أَوِ السَّيِّدُ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي مَعْنَى ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ، فَذَكَرَهَا لَكِنَّهَا مُتَدَاخِلَةٌ، وَقَدْ لَخَّصْتُهَا بِلَا تَدَاخُلٍ فَإِذَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ اتِّسَاعُ الْإِسْلَامِ وَاسْتِيلَاءُ أَهْلِهِ عَلَى بِلَادِ الشِّرْكِ وَسَبْيُ ذَرَارِيِّهِمْ، فَإِذَا مَلَكَ الرَّجُلُ الْجَارِيَةَ وَاسْتَوْلَدَهَا كَانَ الْوَلَدُ مِنْهَا بِمَنْزِلَةِ رَبِّهَا لِأَنَّهُ وَلَدُ سَيِّدِهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ: إِنَّهُ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ. قُلْتُ: لَكِنْ فِي كَوْنِهِ الْمُرَادَ نَظَرٌ ; لِأَنَّ اسْتِيلَادَ الْإِمَاءِ كَانَ مَوْجُودًا حِينَ الْمَقَالَةِ، وَالِاسْتِيلَاءُ عَلَى بِلَادِ الشِّرْكِ وَسَبْيُ ذَرَارِيِّهِمْ وَاتِّخَاذُهُمْ سَرَارِيَّ وَقَعَ أَكْثَرُهُ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ، وَسِيَاقُ الْكَلَامِ يَقْتَضِي الْإِشَارَةَ إِلَى وُقُوعِ مَا لَمْ يَقَعْ مِمَّا سَيَقَعُ قُرْبَ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَقَدْ فَسَّرَهُ وَكِيعٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ بِأَخَصَّ مِنَ الْأَوَّلِ.

قَالَ: أَنْ تَلِدَ الْعَجَمُ الْعَرَبَ، وَوَجَّهَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْإِمَاءَ يَلِدْنَ الْمُلُوكَ فَتَصِيرُ الْأُمُّ مِنْ جُمْلَةِ الرَّعِيَّةِ وَالْمَلِكُ سَيِّدُ رَعِيَّتِهِ، وَهَذَا لِإِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ، وَقَرَّبَهُ بأَنَّ الرُّؤَسَاءَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ كَانُوا يَسْتَنْكِفُونَ غَالِبًا مِنْ وَطْءِ الْإِمَاءِ وَيَتَنَافَسُونَ فِي الْحَرَائِرِ، ثُمَّ انْعَكَسَ الْأَمْرُ وَلَا سِيَّمَا فِي أَثْنَاءِ دَوْلَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَلَكِنَّ رِوَايَةَ رَبَّتَهَا بِتَاءِ التَّأْنِيثِ قَدْ لَا تُسَاعِدُ عَلَى ذَلِكَ.

وَوَجَّهَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ إِطْلَاقَ رَبَّتَهَا عَلَى وَلَدِهَا مَجَازٌ ; لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ سَبَبًا فِي عِتْقِهَا بِمَوْتِ أَبِيهِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَخَصَّهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ السَّبْيَ إِذَا كَثُرَ فَقَدْ يُسْبَى الْوَلَدُ أَوَّلًا، وهو صَغِيرٌ ثُمَّ يُعْتَقُ وَيَكْبَرُ وَيَصِيرُ رَئِيسًا بَلْ مَلِكًا ثُمَّ تُسْبَى أُمُّهُ فِيمَا بَعْدُ فَيَشْتَرِيهَا عَارِفًا بِهَا، أَوْ وهو لَا يَشْعُرُ أَنَّهَا أُمُّهُ، فَيَسْتَخْدِمُهَا أَوْ يَتَّخِذُهَا مَوْطُوءَةً أَوْ يُعْتِقُهَا وَيَتَزَوَّجُهَا. وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ بَعْلَهَا وَهِيَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَحُمِلَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْبَعْلِ الْمَالِكُ، وهو أَوْلَى لِتَتَّفِقَ الرِّوَايَاتُ. الثَّانِي أَنْ تَبِيعَ السَّادَةُ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِمْ وَيَكْثُرُ ذَلِكَ فَيَتَدَاوَلُ الْمُلَّاكُ الْمُسْتَوْلَدَةَ حَتَّى يَشْتَرِيَهَا وَلَدُهَا وَلَا يَشْعُرُ بِذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا فَالَّذِي يَكُونُ مِنَ الْأَشْرَاطِ غَلَبَةُ الْجَهْلِ بِتَحْرِيمِ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ أَوِ الِاسْتِهَانَةُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا فَلَا يَصْلُحُ الْحَمْلُ عَلَيْهَا ; لِأَنَّهُ لَا جَهْلَ وَلَا اسْتِهَانَةَ عِنْدَ الْقَائِلِ بِالْجَوَازِ، قُلْنَا: يَصْلُحُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى صُورَةِ اتِّفَاقِيَّةٍ كَبَيْعِهَا فِي حَالِ حَمْلِهَا، فَإِنَّهُ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ. الثَّالِثُ: وهو مِنْ نَمَطِ الَّذِي قَبْلَهُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: لَا يَخْتَصُّ شِرَاءُ الْوَلَدِ أُمَّهُ بِأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، بَلْ يُتَصَوَّرُ فِي غَيْرِهِنَّ بِأَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ حُرًّا مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا بِوَطْءِ شُبْهَةٍ، أَوْ رَقِيقًا بِنِكَاحٍ أَوْ زِنًا ثُمَّ تُبَاعُ الْأَمَةُ فِي الصُّورَتَيْنِ بَيْعًا صَحِيحًا وَتَدُورُ فِي الْأَيْدِي حَتَّى يَشْتَرِيَهَا ابْنُهَا أَوِ ابْنَتُهَا.

وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا تَفْسِيرُ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ بِأَنَّ الْمُرَادَ السَّرَارِيُّ لِأَنَّهُ تَخْصِيصٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ.

الرَّابِعُ: أَنْ يَكْثُرَ الْعُقُوقُ فِي الْأَوْلَادِ فَيُعَامِلُ الْوَلَدُ أُمَّهُ مُعَامَلَةَ السَّيِّدِ أَمَتَهُ مِنَ الْإِهَانَةِ بِالسَّبِّ

وَالضَّرْبِ وَالِاسْتِخْدَامِ. فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ رَبُّهَا مَجَازًا لِذَلِكَ. أَوِ الْمُرَادُ بِالرَّبِّ الْمُرَبِّي فَيَكُونُ حَقِيقَةً، وَهَذَا أَوْجَهُ الْأَوْجُهِ عِنْدِي لِعُمُومِهِ ; وَلِأَنَّ الْمَقَامَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ حَالَةٌ تَكُونُ مَعَ كَوْنِهَا تَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْأَحْوَالِ مُسْتَغْرَبَةً. وَمُحَصَّلُهُ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ السَّاعَةَ يَقْرُبُ قِيَامُهَا عِنْدَ انْعِكَاسِ الْأُمُورِ بِحَيْثُ يَصِيرُ الْمُرَبَّى مُرَبِّيًا وَالسَّافِلُ عَالِيًا، وهو مُنَاسِبٌ لِقَوْلِهِ فِي الْعَلَامَةِ الْأُخْرَى أَنْ تَصِيرَ الْحُفَاةُ مُلُوكَ الْأَرْضِ.

(تَنْبِيهَانِ): أَحَدُهُمَا قَالَ النَّوَوِيُّ: لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَلَا عَلَى جَوَازِهِ، وَقَدْ غَلِطَ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ لِكُلٍّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ ; لِأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا جُعِلَ عَلَامَةً عَلَى شَيْءٍ آخَرَ لَا يَدُلُّ عَلَى حَظْرٍ وَلَا إِبَاحَةٍ. الثَّانِي: يُجْمَعُ بَيْنَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ إِطْلَاقِ الرَّبِّ عَلَى السَّيِّدِ الْمَالِكِ فِي قَوْلِهِ رَبَّهَا وَبَيْنَ مَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ، وهو فِي الصَّحِيحِ (١): لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ، اسْقِ رَبَّكَ، وَلْيَقُلْ سَيِّدِي وَمَوْلَايَ بِأَنَّ اللَّفْظَ هُنَا خَرَجَ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ أَوِ الْمُرَادُ بِالرَّبِّ هُنَا الْمُرَبِّي، وَفِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ السَّيِّدُ، أَوْ أَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ مُتَأَخِّرٌ، أَوْ مُخْتَصٌّ بِغَيْرِ الرَّسُولِ .

قَوْلُهُ: (تَطَاوَلَ) أَيْ: تَفَاخَرُوا فِي تَطْوِيلِ الْبُنَيَانِ وَتَكَاثَرُوا بِهِ.

قَوْلُهُ: (رُعَاةَ الْإِبِلِ) هُوَ بِضَمِّ الرَّاءِ جَمْعُ رَاعٍ كَقُضَاةٍ وَقَاضٍ. وَالْبُهْمُ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ بِفَتْحِهَا وَلَا يَتَّجِهُ مَعَ ذِكْرِ الْإِبِلِ، وَإِنَّمَا يَتَّجِهُ مَعَ ذِكْرِ الشِّيَاهِ أَوْ مَعَ عَدَمِ الْإِضَافَةِ كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: رِعَاءَ الْبُهْمِ، وَمِيمُ الْبُهْمِ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ يَجُوزُ ضَمُّهَا عَلَى أَنَّهَا صِفَةُ الرُّعَاةِ، وَيَجُوزُ الْكَسْرُ عَلَى أَنَّهَا صِفَةُ الْإِبِلِ يَعْنِي الْإِبِلَ السُّودَ، وَقِيلَ: إِنَّهَا شَرُّ الْأَلْوَانِ عِنْدَهُمْ، وَخَيْرُهَا الْحُمْرُ الَّتِي ضُرِبَ بِهَا الْمَثَلُ فَقِيلَ: خَيْرٌ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ وَوَصْفُ الرُّعَاةِ بِالْبُهْمِ إِمَّا لِأَنَّهُمْ مَجْهُولُو الْأَنْسَابِ، وَمِنْهُ أُبْهِمَ الْأَمْرُ فَهُوَ مُبْهَمٌ إِذَا لَمْ تُعْرَفْ حَقِيقَتُهُ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُمْ سُودُ الْأَلْوَانِ لِأَنَّ الْأُدْمَةَ غَالِبُ أَلْوَانِهِمْ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ لَا شَيْءَ لَهُمْ كَقَوْلِهِ : يُحْشَرُ النَّاسُ حُفَاةً عُرَاةً بُهْمًا قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ قَدْ نَسَبَ لَهُمُ الْإِبِلَ، فَكَيْفَ يُقال: لا شَيْءَ لَهُمْ؟ قُلْتُ: يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهَا إِضَافَةُ اخْتِصَاصٍ لَا مِلْكٍ، وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ أَنَّ الرَّاعِيَ يَرْعَى لِغَيْرِهِ بِالْأُجْرَةِ، وَأَمَّا الْمَالِكُ فَقَلَّ أَنْ يُبَاشِرَ الرَّعْيَ بِنَفْسِهِ. قَوْلُهُ فِي التَّفْسِيرِ: وَإِذَا كَانَ الْحُفَاةُ الْعُرَاةُ، زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ: الصُّمُّ الْبُكْمُ. وَقِيلَ لَهُمْ ذَلِكَ مُبَالَغَةً فِي وَصْفِهِمْ بِالْجَهْلِ، أَيْ: لَمْ يَسْتَعْمِلُوا أَسْمَاعَهُمْ وَلَا أَبْصَارَهُمْ فِي الشَّيْءِ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ وَإِنْ كَانَتْ حَوَاسُّهُمْ سَلِيمَةً.

قَوْلُهُ رُءُوسُ النَّاسِ أَيْ: مُلُوكُ الْأَرْضِ، وَصَرَّحَ بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ مِثْلُهُ، وَالْمُرَادُ بِهِمْ أَهْلُ الْبَادِيَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ وَغَيْرِهِ. قَالَ: مَا الْحُفَاةُ الْعُرَاةُ؟ قَالَ: الْعُرَيْبُ. وهو بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى التَّصْغِيرِ. وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: مِنِ انْقِلَابِ الدِّينِ تَفَصُّحُ النَّبَطِ وَاتِّخَاذُهُمُ الْقُصُورَ فِي الْأَمْصَارِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْمَقْصُودُ الْإِخْبَارُ عَنْ تَبَدُّلِ الْحَالِ بِأَنْ يَسْتَوْلِيَ أَهْلُ الْبَادِيَةِ عَلَى الْأَمْرِ وَيَتَمَلَّكُوا الْبِلَادَ بِالْقَهْرِ فَتَكْثُرُ أَمْوَالُهُمْ وَتَنْصَرِفُ هِمَمُهُمْ إِلَى تَشْيِيدِ الْبُنْيَانِ وَالتَّفَاخُرِ بِهِ، وَقَدْ شَاهَدْنَا ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ. وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ: لَا تَقُومَ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ أَسْعَدَ النَّاسِ بِالدُّنْيَا لُكَعُ ابْنُ لُكَعٍ وَمِنْهُ: إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ - أَيْ: أُسْنِدَ - إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرُوا السَّاعَةَ وَكِلَاهُمَا فِي الصَّحِيحِ.

قَوْلُهُ: (فِي خَمْسٍ) أَيْ: عِلْمُ وَقْتِ السَّاعَةِ دَاخِلٌ فِي جُمْلَةِ خَمْسٍ. وَحَذْفُ مُتَعَلَّقِ الْجَارِّ سَائِغٌ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ أَيْ: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي جُمْلَةِ تِسْعِ آيَاتٍ، وَفِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ: قَالَ فَمَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: هِيَ فِي خَمْسٍ مِنَ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَا مَطْمَعَ لِأَحَدٍ فِي عِلْمِ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الْخَمْسَةِ لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ فَسَّرَ النَّبِيُّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ﴾

بِهَذِهِ الْخَمْسِ، وهو فِي الصَّحِيحِ. قَالَ: فَمَنِ ادَّعَى عِلْمَ شَيْءٍ مِنْهَا غَيْرَ مُسْنَدَةٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ كَانَ كَاذِبًا فِي دَعْوَاهُ. قَالَ: وَأَمَّا ظَنُّ الْغَيْبِ فَقَدْ يَجُوزُ مِنَ الْمُنَجِّمِ وَغَيْرِهِ إِذَا كَانَ عَنْ أَمْرٍ عَادِيٍّ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِعِلْمٍ. وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَحْرِيمِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ وَالْجُعْلِ وَإِعْطَائِهَا فِي ذَلِكَ، وَجَاءَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أُوتِيَ نَبِيُّكُمْ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ سِوَى هَذِهِ الْخَمْسِ. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا نَحْوُهُ أَخْرَجَهُمَا أَحْمَدُ، وَأَخْرَجَ حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ ذَكَرَ الْعِلْمَ بِوَقْتِ الْكُسُوفِ قَبْلَ ظُهُورِهِ فَأُنْكِرَ عَلَيْهِ فَقَالَ: إِنَّمَا الْغَيْبُ خَمْسٌ - وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ - وَمَا عَدَا ذَلِكَ غَيْبٌ يَعْلَمُهُ قَوْمٌ وَيَجْهَلُهُ قَوْمٌ.

(تَنْبِيهٌ): تَضَمَّنَ الْجَوَابُ زِيَادَةً عَلَى السُّؤَالِ لِلِاهْتِمَامِ بِذَلِكَ إِرْشَادًا لِلْأُمَّةِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ. فَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ فِي الْآيَة أَدَاةُ حَصْرٍ كَمَا فِي الْحَدِيثِ، أَجَابَ الطِّيبِيُّ بِأَنَّ الْفِعْلَ إِذَا كَانَ عَظِيمَ الْخَطَرِ وَمَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ الْفِعْلُ رَفِيعُ الشَّأْنِ فُهِمَ مِنْهُ الْحَصْرُ عَلَى سَبِيلِ الْكِنَايَةِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا لُوحِظَ مَا ذُكِرَ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ مِنْ أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَدَّعُونَ عِلْمَ نُزُولِ الْغَيْثِ. فَيُشْعِرُ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَةِ نَفْيُ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ وَاخْتِصَاصُهُ بِاللَّهِ .

(فَائِدَةٌ): النُّكْتَةُ فِي الْعُدُولِ عَنِ الْإِثْبَاتِ إِلَى النَّفْيِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ وَكَذَا التَّعْبِيرُ بِالدِّرَايَةِ دُونَ الْعِلْمِ لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّعْمِيمِ، إِذِ الدِّرَايَةُ اكْتِسَابُ عِلْمِ الشَّيْءِ بِحِيلَةٍ، فَإِذَا انْتَفَى ذَلِكَ عَنْ كُلِّ نَفْسٍ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ مُخْتَصَّاتِهَا وَلَمْ تَقَعْ مِنْهُ عَلَى عِلْمٍ كَانَ عَدَمُ اطِّلَاعِهَا عَلَى عِلْمِ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ بَابِ أَوْلَى. اهـ مُلَخَّصًا مِنْ كَلَامِ الطِّيبِيِّ.

قَوْلُهُ: (الْآيَةَ) أَيْ: تَلَا الْآيَةَ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ. وَلِمُسْلِمٍ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿خَبِيرٌ﴾ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ. وَأَمَّا مَا وَقَعَ عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ قَوْلِهِ إِلَى الْأَرْحَامِ فَهُوَ تَقْصِيرٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَالسِّيَاقُ يُرْشِدُ إِلَى أَنَّهُ تَلَا الْآيَةَ كُلَّهَا.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَدْبَرَ فَقَالَ: رُدُّوهُ) زَادَ فِي التَّفْسِيرِ: فَأَخَذُوا لِيَرُدُّوهُ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا. فِيهِ أَنَّ الْمَلَكَ يَجُوزُ أَنْ يَتَمَثَّلَ لِغَيْرِ النَّبِيِّ فَيَرَاهُ وَيَتَكَلَّمُ بِحَضْرَتِهِ، وهو يَسْمَعُ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ كَلَامَ الْمَلَائِكَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ) فِي التَّفْسِيرِ لِيُعَلِّمَ وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ: أَرَادَ أَنْ تَعْلَمُوا إِذَا لَمْ تَسْأَلُوا وَمِثْلُهُ لِعُمَارَةَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ: وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ مَا كُنْتُ بِأَعْلَمَ بِهِ مِنْ رَجُلٍ مِنْكُمْ، وَإِنَّهُ لَجِبْرِيلُ وَفِي حَدِيثِ أَبِي عَامِرٍ: ثُمَّ وَلَّى فَلَمَّا لَمْ نَرَ طَرِيقَهُ قَالَ النَّبِيُّ : سُبْحَانَ اللَّهُ، هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا جَاءَنِي قَطُّ وإِلَّا وَأَنَا أَعْرِفُهُ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمَرَّةُ، وَفِي رِوَايَةِ التَّيْمِيِّ: ثُمَّ نَهَضَ فَوَلَّى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : عَلَيَّ بِالرَّجُلِ، فَطَلَبْنَاهُ كُلَّ مَطْلَبٍ فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ. فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَنْ هَذَا؟ هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ لِيُعَلِّمَكُمْ دِينَكُمْ، خُذُوا عَنْهُ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا شُبِّهَ عَلَيَّ مُنْذُ أَتَانِي قَبْلَ مَرَّتِي هَذِهِ، وَمَا عَرَفْتُهُ حَتَّى وَلَّى. قَالَ ابْنُ حِبَّانَ تَفَرَّدَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ بِقَوْلِهِ خُذُوا عَنْهُ. قُلْتُ: وهو مِنَ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ، وَفِي قَوْلِهِ جَاءَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ إِشَارَةٌ إِلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ، فَمَا تَفَرَّدَ إِلَّا بِالتَّصْرِيحِ، وَإِسْنَادُ التَّعْلِيمِ إِلَى جِبْرِيلَ مَجَازِيٌّ ; لِأَنَّهُ كَانَ السَّبَبَ فِي الْجَوَابِ، فَلِذَلِكَ أَمَرَ بِالْأَخْذِ عَنْهُ. وَاتَّفَقَتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ أَخْبَرَ الصَّحَابَةَ بِشَأْنِهِ بَعْدَ أَنِ الْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ.

وَأَمَّا مَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ فِي رِوَايَةِ كَهْمَسٍ: ثُمَّ انْطَلَقَ، قَالَ عُمَرُ: فَلَبِثْتُ مَلِيًّا ثُمَّ قَالَ: يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ ; فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ بِأَنَّ قَوْلَهُ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا أَيْ: زَمَانًا بَعْدَ انْصِرَافِهِ، فَكَأَنَّ النَّبِيَّ أَعْلَمَهُمْ بِذَلِكَ بَعْدَ مُضِيِّ وَقْتٍ، وَلَكِنَّهُ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ. لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا الْجَمْعِ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ، وَالتِّرْمِذِيِّ: فَلَبِثْتُ ثَلَاثًا لَكِنِ ادَّعَى بَعْضُهُمْ فِيهَا التَّصْحِيفَ، وَأَنَّ مَلِيًّا صُغِّرَتْ مِيمُهَا فَأَشْبَهَتْ ثَلَاثًا لِأَنَّهَا تُكْتَبُ بِلَا أَلِفٍ، وَهَذِهِ الدَّعْوَى مَرْدُودَةٌ، فَإِنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٠ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سهمٍ، وأمُّه عُلَيَّة؛ بضمِّ العين المُهمَلَة وفتح اللَّام وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ) -بفتح الحاء المُهمَلَة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة- يحيى بن سعيد بن حيَّان (١) (التَّيْمِيُّ) نسبةً إلى تيم الرِّباب الكوفيُّ (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هرم بن عمرو بن جرير البجليِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ) وفي روايةٍ: «رسول الله» ( بَارِزًا) أي: ظاهرًا (يَوْمًا لِلنَّاسِ) غير محتجبٍ عنهم، و «يومًا» نُصِبَ على الظَّرفيَّة (فَأَتَاهُ رَجُلٌ) أي: مَلَكٌ في صورة رجلٍ، وهي (٢) رواية الأربعة، وفي روايةٍ في أصل متن فرع «اليونينيَّة» كهي، «جبريل» (فَقَالَ) بعد أن سَلَّم: يا محمَّد، كما في «مسلمٍ»، وإنَّما ناداه باسمه كما يناديه الأعراب تعميةً بحاله، أو لأنَّ له دالَّة المعلِّم: (مَا الإِيمَانُ؟) أي: ما مُتعلَّقاتُه؟ (قَالَ) : (الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ) أي: تصدِّق بوجوده، وبصفاته الواجبة له تعالى، وقد وقع

السُّؤال بـ «ما» ولا يُسأَل بها إلَّا عنِ الماهيَّة، لكنَّ الظَّاهر أنَّه علم أنَّه سأله عن متعلَّقات الإيمان لا عن حقيقته، وإِلَّا فكان الجواب: الإيمانُ: التَّصديقُ، وإنَّما فسَّر الإيمان بذلك؛ لأنَّ المُرَاد من المحدود الإيمان الشَّرعيُّ، ومن الحدِّ اللُّغويُّ، حتَّى لا يلزم تفسير الشَّيء بنفسه، وحَمَلَهُ الأُبِّيُّ على الحقيقة، معلِّلًا بأنَّ السُّؤال بـ «ما» بحسب الخصوصيَّة إنَّما يكون عن الحقيقة لا عن الحكم، وعلى هذا فقوله: «أن تؤمن … » إلى آخره؛ من حيث إنه جواب السُّؤال المذكور يتعيَّن أن يكون حدًّا؛ لأنَّ المقول في جوابه إنَّما هو الحدُّ، فإن قلت: لو كان حدًّا لم يَقُلْ جبريل في جوابه: «صدقتَ»، كما في «مسلمٍ» لأنَّ الحدَّ لا يقبل التَّصديق، أُجِيب: بأنَّه إذا قِيلَ في الإنسان: إنَّه حيوانٌ ناطقٌ، وقُصِدَ به التَّعريف؛ فهو لا يقبل التَّصديق كما ذكرت، وإن قُصِدَ به أنَّه الذَّات المحكوم عليها بالحيوانيَّة والنَّاطقيَّة فهو دعوى وخبر (١) فيقبل التَّصديق، فلعلَّ جبريلَ راعى هذا المعنى؛ فلذلك قال: «صدقتَ»، أو يكون قوله: «صدقت» تسليمًا، والحدُّ يقبل التَّسليم، ولا يقبل المنع لأنَّ المنع طلب الدَّليل، والدَّليل إنَّما يتوجَّه للخبر، والحدُّ تفسيرٌ لا خبرٌ، قاله أبو عبد الله الأُبِّيُّ (٢)، وأعاد لفظ «الإيمان» للاعتناء بشأنه وتفخيمًا لأمره (وَمَلَائِكَتِهِ) جمع مَلَكٍ، وأصله: مَلْأَكٌ «مَفْعَلٌ» مِنَ: الألوكة؛ بمعنى: الرِّسالة، زِيدَت فيه «التَّاء» لتأكيد معنى الجمع، أو لتأنيث الجمع، وهم

أجسامٌ (١) علويَّةٌ نورانيَّةٌ مُشكَّلةٌ بما شاءت من الأشكال، والإيمان بهم هو التَّصديق بوجودهم، وأنَّهم كما وصفهم الله تعالى: ﴿عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] أي: وأن تؤمن بملائكته (وَ) أن تؤمن (بِلِقَائِهِ) أي: برؤيته تعالى في الآخرة، كما قال الخطَّابيُّ، وتعقَّبه النَّوويُّ: بأنَّ أحدًا لا يقطع لنفسه بها؛ إذ هي مختصَّةٌ بمن مات مؤمنًا، والمرء لا يدري بِمَ يُختَم له؟ وأُجِيب: بأنَّ المُرَاد أنَّها حقٌّ في نفس الأمر، أو المُرَاد الانتقال من دار الدُّنيا (وَ) أن تؤمن (بِرُسُلِهِ) عليهم الصلاة والسلام، وفي رواية غير الأَصيليِّ: «ورسله» بإسقاط المُوحَّدة، أي: التَّصديق بأنَّهم صادقون فيما أخبروا به عن الله تعالى، وتأخيرهم في الذِّكر لتأخُّر إيجادهم لا لأفضليَّة الملائكة، وفي هامش فرع «اليونينيَّة» كهي زيادة: «وكتبه» للأَصيليِّ بإسقاط المُوحَّدة، أي: تصدِّق (٢) بأنَّها كلام الله تعالى، وأنَّ ما اشتملت عليه حقٌّ (وَ) أن (تُؤْمِنَ) أي: تصدِّق (بِالبَعْثِ) من القبور وما بعده؛ كالصِّراط والميزان، والجنَّة والنَّار، أو المُرَاد بعثة الأنبياء، وقد قِيلَ: إنَّ قوله: «وبلقائه» مُكرَّرةٌ لأنَّها داخلةٌ في الإيمان بالبعث، وتغايرُ تفسيرهما يحقِّق أنَّها ليست مُكرَّرةً، وإنما أعاد «تؤمن» لأنَّه إيمانٌ بما سيُوجَد، وما سبق إيمانٌ بالموجود في الحال، فهما نوعان، ثمَّ (قَالَ) أي: جبريل: يا رسول الله (مَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ) : (الإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ) أي: تطيعه مع خضوعٍ وتذلُّلٍ، أو تنطق بالشَّهادتين (وَلَا تُشْرِكَ بِهِ) بالفتح، وفي نسخة كريمة: «ولا تشركُ» بالضَّمِّ، زاد الأَصيليُّ: «شيئًا» (وَ) أن (تُقِيمَ) أي: تديمَ (الصَّلَاةَ) المكتوبة؛ كما صرَّح به في «مسلمٍ» (٣)، أو تأتيَ بها على ما ينبغي، وهو وتاليه من عطف الخاصِّ على العامِّ (وَ) أن (تُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ) قيَّد بها احترازًا من صدقة التَّطوُّع؛ فإنَّها زكاةٌ لغويَّةٌ، أو من

المُعجَّلة، أو لأنَّ العرب كانت تدفع المال للسَّخاء والجود، فنبَّه بالفرض على رفض ما كانوا عليه، قال الزَّركشيُّ: والظَّاهر أنَّها للتَّأكيد، وفي رواية مسلمٍ (١): «تقيم الصَّلاة المكتوبة، وتؤتي الزَّكاة المفروضة» (وَتَصُومَ رَمَضَانَ) ولم يذكر الحجَّ؛ إمَّا ذهولًا أو نسيانًا من الرَّاوي، ويدلُّ له مجيئه في رواية كَهْمَس: «وتحجَّ البيت إنِ استطعتَ إليه سبيلًا»، وقِيلَ: لأنَّه لم يكن فُرِضَ، ودُفِعَ بأنَّ في رواية ابن منده بسندٍ على شرط مسلمٍ: أنَّ الرَّجل جاء في آخر عمره ، ولم يذكر «الصَّوم» في رواية عطاء الخراسانيِّ، واقتصر في حديث أبي عامرٍ على «الصَّلاة والزَّكاة»، ولم يزد في حديث ابن عبَّاسٍ على «الشَّهادتين»، وزاد سليمان التَّيميُّ بعد ذكر الجميع: الحجَّ والاعتمار، والاغتسال من الجنابة، وإتمام الوضوء، وقد وقع هنا التَّفريق بين الإيمان والإسلام، فجعل الإيمان عمل القلب، والإسلام عمل الجوارح، فالإيمان لغةً: التَّصديق مُطلَقًا، وفي الشَّرع: التَّصديق والنُّطق معًا، فأحدهما ليس بإيمانٍ، أمَّا التَّصديق فإنَّه لا ينجِّي وحده من النَّار، وأمَّا النُّطق فهو وحده نِفَاقٌ، فتفسيره في الحديث «الإيمان» بالتَّصديق و «الإسلام» بالعمل إنَّما فسَّر به إيمان القلب والإسلام في (٢) الظَّاهر، لا الإيمان الشَّرعيَّ والإسلام الشَّرعيَّ، والمؤلِّف يرى أنَّهما والدِّين عباراتٌ عن واحدٍ، والمتَّضح أنَّ محلَّ الخلاف إذا أُفْرِدَ لفظُ أحدِهما، فإنِ اجتمعا تغايرا، كما وقع هنا، ثمَّ (قَالَ) جبريل: يا رسول الله (مَا الإِحْسَانُ؟) مبتدأٌ وخبرٌ، و «ال» للعهد، أي: ما الإحسان المتكرِّر في القرآن المترتِّب عليه الثَّواب؟ (قَالَ) رسول الله مُجِيبًا له: الإحسان: (أَنْ تَعْبُدَ اللهَ) أي: عبادتُك اللهَ تعالى حال كونك في عبادتك له (كَأَنَّكَ تَرَاهُ) أي: مثل حال كونك رائيًا له (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ) فاستمِرَّ على إحسان العبادة (فَإِنَّهُ) ﷿ (يَرَاكَ) دائمًا، والإحسان: الإخلاص، أو إجادة العمل، وهذا من جوامع كَلِمِهِ ؛ إذ هو شاملٌ لمَقام المُشاهَدَة ومقام المُراقَبَة، ويتَّضح لك

ذلك بأن تعرف أنَّ للعبد في عبادته ثلاثَ مقاماتٍ:

الأوَّل: أن يفعلها على الوجه الذي تسقط معه وظيفة التَّكليف؛ باستيفاء الشَّرائط والأركان.

الثَّاني: أن يفعلها كذلك وقد استغرق في بحار المُكاشَفَة، حتَّى كأنَّه يرى الله تعالى، وهذا مقامه ؛ كما قال: «وجُعِلَتْ قُرَّةُ عيني في الصَّلاة»؛ لحصول الاستلذاذ بالطَّاعة، والرَّاحة بالعبادة، وانسداد مسالك الالتفات إلى الغير باستيلاء أنوار الكشف عليه؛ وهو ثمرة امتلاء زوايا القلب من المحبوب، واشتغال السِّرِّ به، ونتيجته: نسيان الأحوال من المعلوم (١)، واضمحلال الرُّسوم.

الثَّالث: أن يفعلها وقد غلب عليه أنَّ الله تعالى يشاهده، وهذا هو مقام المُراقَبَة (٢).

فقوله: «فإن لم تكن تراه» نزولٌ عن مقام المُكاشَفَة إلى مقام المُراقَبَة، أي: إن لم تعبده وأنت من أهل الرُّؤية المعنويَّة فاعبده وأنت بحيث إنَّه يراك، وكلٌّ من المقامات الثَّلاثة إحسانٌ، إلَّا أنَّ الإحسان الذي هو شرطٌ في صحَّة العبادة إنَّما هو الأوَّل؛ لأنَّ الإحسان بالأخيرين (٣) من صفة الخواصِّ، ويتعذَّر من كثيرين، وإنَّما أخَّر السُّؤال عن الإحسان لأنَّه صفة الفعل، أو شرطٌ في صحَّته، والصِّفة بعد الموصوف، وبيان الشَّرط متأخِّرٌ عن المشروط، قاله أبو عبد الله الأُبِّيُّ، ثمَّ (قَالَ) جبريل: يا رسول الله (٤) (مَتَى) تقوم (السَّاعَةُ؟) اللَّام للعهد، والمُرَاد: يوم القيامة (قَالَ: مَا) أي: ليس (المَسْؤُولُ) زاد في رواية أبي ذَرٍّ: «عنها» (بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ) بزيادة «المُوحَّدة» في «أعلم» لتأكيد (٥) معنى النَّفيِ، والمُرَاد نفيُ علمِ وقتها لأنَّ عِلْمَ مجيئِها مقطوعٌ به، فهو علمٌ مُشتَرَكٌ، وهذا وإن أشعر بالتَّساوي في العلم إلَّا أنَّ المُرَاد التَّساوي في العلم

بأنَّ الله استأثر بعلم وقت مجيئها؛ لقوله بعد: «خمسٌ لا يعلمهنَّ إلَّا الله»، وليس السُّؤال عنها ليَعْلم الحاضرون كالأسئلة السَّابقة، بل لينزجروا عن السُّؤال عنها، كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأحزاب: ٦٣] فلمَّا وقع الجواب بأنَّه لا يعلمها إلَّا الله تعالى كفُّوا، وهذا السُّؤال والجواب وقعا بين عيسى ابن مريم وجبريل كما في «نوادر الحميديِّ»، لكن كان عيسى هو السَّائل، وجبريل هو المسؤول، ولفظه: حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا مالك بن مِغْوَلٍ، عن إسماعيل بن رجاء، عن الشَّعبيِّ قال: سأل عيسى ابن مريم جبريلَ عنِ السَّاعة قال: ما المسؤولُ عنها بأعلمَ من السَّائل (وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا) بفتح الهمزة، جمع شَرَطٍ بالتَّحريك، أي: علاماتها السَّابقة عليها، أو مقدِّماتها لا المقارنة لها؛ وهي: (إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ) أي: وقت ولادة الأمة (رَبَّهَا) أي: مالكها وسيِّدها، وهو هنا كنايةٌ عن كثرة أولاد السَّراري، حتَّى تصير الأمُّ كأنَّها أَمَةٌ لابنها؛ من حيث إنَّها ملكٌ لأبيه، أو أنَّ الإماء يلدن الملوك، فتصير الأمُّ من جملة الرَّعايا، والمَلِك سيِّد رعيَّته، أو كنايةٌ عن فساد الحال لكثرة بيع أمَّهات الأولاد، فيتداولهنَّ المُلَّاك، فيشتري الرَّجل أمَّه وهو لا يشعر، أو هو كنايةٌ عن كثرة العقوق بأن يعامل الولد أمَّه مُعامَلَة السَّيِّد أَمَتَهُ في الإهانة بالسَّبِّ والضَّرب والاستخدام، فأطلق عليه «ربَّها» مجازًا لذلك، وعُورِضَ بأنَّه لا وجه لتخصيص ذلك بولد الأَمَة إلَّا أن يُقَال: إنَّه أقرب إلى العقوق، وعند المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦٤٧٧٧]: «ربَّتها» بتاء التَّأنيث على معنى النَّسمة؛ ليشمل الذَّكر والأنثى، وقِيلَ: كراهة أن يقول: «ربَّها» تعظيمًا للفظ الرَّبِّ تعالى، وعبَّر بـ «إذا» الدَّالَّة على الجزم لأنَّ الشَّرط

مُحقَّق الوقوع، ولم يعبِّر بـ «إن» لأنَّه لا يصحُّ أن يُقَال: إن قامت القيامة كان كذا، بل يرتكب قائله محظورًا لأنَّه يُشْعِرُ بالشك فيه (وَ) من أشراط السَّاعة: (إِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ) بضمِّ الرَّاء (البُهْمُ فِي البُنْيَانِ) أي: وقت تفاخر أهل البادية بإطالة البنيان، وتكاثرهم به (١) باستيلائهم على الأمر، وتملُّكهم البلاد بالقهر، المقتضي لتبسُّطهم في الدُّنيا؛ فهو عبارةٌ عن ارتفاع الأسافل؛ كالعبيد والسَّفلة من الجمَّالين وغيرهم، وما أحسن قول القائل:

إذا التحقَ الأسافلُ بالأعالي … فقد طابتْ منادمةُ المنايا

وفيه: إشارةٌ إلى اتِّساع دين الإسلام، كما أنَّ الأوَّل فيه اتِّساعُ الإسلام، واستيلاء أهله على بلاد الكفر، وسبيُ ذراريهم، قال البيضاويُّ: لأنَّ بلوغَ الأمرِ الغايةَ مُنْذِرٌ بالتَّراجع المُؤْذِنِ بأن القيامة ستقوم؛ كما قِيلَ:

وعند التَّناهي يقصرُ المتطاولُ

والبُهمُ: -بضمِّ المُوحَّدة- جمع الأبهم؛ وهو الذي لاشِيَةَ له، أو جمع بهيمٍ؛ وهي رواية أبي ذرٍّ وغيره، ورُوِيَ عن الأَصيليِّ: الضَّمُّ والفتحُ، وكذا ضبطه القابسيُّ بالفتح أيضًا، ولا وجه له؛ لأنَّها صغار الضَّأن والمعز، وفي الميم الرَّفع نعتًا لـ «الرعاة» أي: السُّود، أوِ (٢)

المجهولون الذين لا يُعرَفُون، والجرُّ صفةً لـ «الإبل» أي: رعاة الإبل البهمِ (١) السُّود، وقد عدَّ في الحديث من الأشراط علامتين، والجمع يقتضي ثلاثةً؛ فإمَّا أن يكون على أنَّ أقلَّ الجمع اثنان، أو أنَّه اكتفى باثنين لحصول المقصود بهما في علم أشراط السَّاعة، وعلم وقتها داخلٌ (فِي) جملة (خَمْسٍ) من الغيب (لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا الله، ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ : ﴿إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]) أي: علم وقتها، وللأَصيليِّ: «﴿وَيُنَزِّلُ﴾ … » (الآيَةَ) بالنَّصبِ بتقدير: «اقرأ»، وبالرَّفع مبتدأ خبره محذوفٌ، أي: الآيةُ مقروءةٌ إلى آخر السُّورة، ولمسلمٍ: إلى قوله: ﴿خَبِيرٌ﴾ وكذا في رواية أبي فَرْوة، والسِّياق يرشد إلى أنَّه تلا الآية كلَّها، وسقط في رواية قوله «الآية» (٢) والجارُّ متعلِّقٌ بمحذوفٍ كما قدَّرته، فهو على حدِّ قوله تعالى: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ [النمل: ١٢] أي: اذهب إلى فرعون بهذه الآية في جملة تسع آياتٍ، وتمام الآية السَّابقة: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ أي: في أوانه المُقدَّر له، والمحلِّ المُعيَّن له ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ أذكرًا أم أنثى، تامًّا أم ناقصًا؟ ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ من خيرٍ أو شرٍّ، وربَّما يعزم على شيءٍ ويفعل خلافه ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ أي: كما لا تدري في أيِّ وقتٍ تموت، قال القرطبيُّ: لا مطمع لأحدٍ في علم شيءٍ من هذه الأمور الخمسة لهذا الحديث، فَمَنِ ادَّعى علم شيءٍ منها غير مستندٍ إلى الرَّسول كان كاذبًا في دعواه.

(ثُمَّ أَدْبَرَ) الرَّجل السَّائل (فَقَالَ) رسول الله : (رُدُّوهُ) فأخذوا ليردُّوه (فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا) لا عينه ولا أثره، قال ابن بَزِيْزَة: ولعلَّ قوله: «رُدُّوه عليَّ» إيقاظٌ للصَّحابة ليتفطَّنوا إلى أنَّه

مَلَكٌ لا بشرٌ (فَقَالَ) : (هَذَا) ولكريمة: «إنَّ هذا» (جِبْرِيلُ) (جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ) أي: قواعد دينهم، وهي جملةٌ وقعت حالًا مُقدَّرةً لأنَّه لم يكن مُعلِّمًا وقت المجيء، وأَسْنَدَ التَّعليمَ إليه -وإن كان سائلًا- لأنَّه لمَّا كان السَّبب فيه أسنده إليه، أو أنَّه كان من غرضه، وللإسماعيليِّ: «أراد أن تَعلَّموا إذ لم تسألوا»، وفي حديث أبي عامرٍ: «والَّذي نفسُ محمَّدٍ بيده؛ ما جاءني قطُّ إلَّا وأنا أعرفه، إلَّا أن تكون هذه المرَّة»، وفي رواية سليمانَ التَّيميِّ: «ما شُبِّهَ عليَّ منذ أتاني قبل مرَّتي هذه، وما عرفته حتَّى ولَّى».

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ رحمه الله تعالى: (جَعَلَ) النَّبيُّ (ذَلِكَ) المذكور في هذا الحديث (كُلَّهُ مِنَ الإِيمَانِ) أي: الكامل المشتمل على هذه الأمور كلِّها، وفي هذا الحديث: بيان عِظَمِ الإخلاص والمُرَاقَبَة، وفيه: أنَّ العالِمَ إذا سُئِلَ عمَّا لا يعلمه يقول: لا أدري، ولا يُنْقِصُ ذلك من جلالته، بل يدلُّ على ورعه وتقواه ووفور علمه، وأنَّه يسأل العالِمَ لِيعلمَ السَّامعون، ويحتمل أنَّ في سؤال جبريلَ النَّبيَّ في حضور الصَّحابة أنَّه يريد أنْ يُرِيَهم أنَّه مليءٌ من العلوم، وأنَّ علمه مأخوذٌ من الوحيِ، فتزيد رغبتهم ونشاطهم فيه، وهو المعنيُّ بقوله: «جاء يعلِّم النَّاس دينَهم»، وأنَّ الملائكة تَمثَّلُ بأيِّ صورةٍ شاؤوا من صور بني آدم، وأخرجه المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦٤٧٧٧] وفي «الزَّكاة» مُختصرًا [خ¦١٣٩٧]، ومسلمٌ في «الإيمان»، وابن ماجه في «السُّنَّة» بتمامه، وفي «الفتن» ببعضه، وأبو داود في «السُّنَّة»، والنَّسائيُّ في «الإيمان»، وكذا التِّرمذيُّ، وأحمد في «مُسنَده»، والبزَّار بإسنادٍ حسنٍ، وأبو عوانة في «صحيحه»، وأخرجه مسلمٌ أيضًا عن عمر بن الخطَّاب، ولم يخرجه البخاريُّ لاختلافٍ فيه على بعض رواته، وبالجملة: فهو حديثٌ جليلٌ، حتَّى قال القرطبيُّ: يصلح أن يُقَال له: أمُّ السُّنَّة لِمَا تضمَّنه من جُمَلِ علمها، وقال عياضٌ إنَّه اشتمل على جميع وظائف العبادات الظَّاهرة والباطنة من عقود الإيمان، ابتداءً وحالًا ومآلًا، ومن أعمال الجوارح، ومن إخلاص السَّرائر، والتَّحفُّظ من آفات الأعمال، حتَّى إنَّ علوم الشَّريعة كلَّها راجعةٌ إليه ومتشعِّبةٌ منه. انتهى.

(٣٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، مع سقوط التَّرجمة لأبي الوقت وكريمة، وسقط ذلك للأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ وابن عساكر، ورجَّح النَّوويُّ الأوَّل بأنَّ الحديث التَّالي لا تعلُّق له بالتَّرجمة السَّابقة، وأُجِيب: بأنَّه يتعلَّق بها من جهة اشتراكهما في جعل الإيمان دِينًا، لكن استُشكِل من جهة الاستدلال بقول هِرَقْلَ مع كونه غير مؤمنٍ، وأُجِيب: بأنَّ هِرَقْلَ لم يَقُلْهُ من قِبَلِ رأيه، إنَّما رواه عن الكتب السَّالفة (١)، وفي شرعهم كان الإيمان دينًا، وشرعُ مَنْ قَبْلَنا شَرْعٌ (٢) لنا ما لم يرد ناسخٌ، وتداولته الصَّحابة.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

بِكَسْر الْهمزَة عطف على قَوْله إِنِّي وَالضَّمِير فِيهِ للشان وَقَوله " تلاحى فلَان " جملَة فِي مَحل الرّفْع على انه خبر أَن قَوْله " فَرفعت " عطف على تلاحى وَالْفَاء تصلح للسَّبَبِيَّة قَوْله " وَعَسَى أَن يكون " قد علم أَن فَاعل عَسى على نَوْعَيْنِ أَحدهمَا أَن يكون اسْما نَحْو عَسى زَيْدَانَ يخرج فزيد مَرْفُوع بالفاعلية وَأَن يخرج فِي مَوضِع نصب لانه بِمَنْزِلَة قَارب زيد الْخُرُوج وَالثَّانِي أَن تكون أَن مَعَ جُمْلَتهَا فِي مَوضِع الرّفْع نَحْو عَسى أَن يخرج زيد فَتكون إِذْ ذَاك بِمَنْزِلَة قرب أَن يخرج أَي خُرُوجه إِلَّا أَن الْمصدر لم يسْتَعْمل وَقَوله عَسى أَن يكون من قبيل الثَّانِي وَالضَّمِير فِي يكون يرجع إِلَى الرّفْع الدَّال عَلَيْهِ قَوْله فَرفعت وَقَوله خير لنصب بِأَنَّهُ خبر يكون (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله " فتلاحى رجلَانِ " هما عبد الله بن أبي حَدْرَد بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وَفِي آخِره دَال اخرى وَكَعب بن مَالك كَانَ على عبد الله دين لكعب يَطْلُبهُ فتنازعا فِيهِ ورفعا صوتيهما فِي الْمَسْجِد قَوْله " فَرفعت " قَالَ النَّوَوِيّ أَي رفع بَيَانهَا أَو علمهَا والافهى بَاقِيَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة قَالَ وشذ قوم فَقَالُوا رفعت لَيْلَة الْقدر وَهَذَا غلط لِأَن آخر الحَدِيث يرد عَلَيْهِم فَأَنَّهُ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام " التمسوها " وَلَو كَانَ المُرَاد رفع وجودهَا لم يَأْمُرهُم بالتماسها لَا يُقَال كَيفَ يُؤمر بِطَلَب مَا رفع علمه لانا نقُول المُرَاد طلب التَّعَبُّد فِي مظانها وَرُبمَا يَقع الْعَمَل مصادفاً لَهَا أَنه مَأْمُور بِطَلَب الْعلم بِعَينهَا والاوجه أَن يُقَال رفعت من قلبِي بِمَعْنى نسيتهَا يدل عَلَيْهِ مَا جَاءَ فِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث أبي سعيد " فجَاء رجلَانِ يحتقنان " بتَشْديد الْقَاف أَي يدعى كل مِنْهُمَا أَنه المحق " مَعَهُمَا الشَّيْطَان فنسيتها " وَيعلم من حَدِيث عبَادَة ان سَبَب الرّفْع التلاحى وَمن حَدِيث أبي سعيد هُوَ النسْيَان وَيحْتَمل أَن يكون السَّبَب هُوَ الْمَجْمُوع وَلَا مَانع مِنْهُ قَوْله " وَعَسَى أَن يكون خير لكم " لتزيدوا فِي الِاجْتِهَاد وتقوموا فِي اللَّيَالِي لطلبها فَيكون زِيَادَة فِي ثوابكم وَلَو كَانَت مُعينَة لاقتنعتم بِتِلْكَ اللَّيْلَة فَقل عَمَلكُمْ قَوْله " التمسوها فِي السَّبع " أَي لَيْلَة السَّبع وَالْعِشْرين من رَمَضَان وَالتسع وَالْعِشْرين مِنْهُ وَالْخمس وَالْعِشْرين مِنْهُ وَهَكَذَا وَقع فِي مستخرج ابي نعيم فان قلت من أَيْن اسْتُفِيدَ التَّقْيِيد بالعشرين وبرمضان قلت من الْأَحَادِيث الآخر الدَّالَّة عَلَيْهِمَا وَقد مر فِي بَاب قيام لَيْلَة الْقدر الْأَقْوَال الَّتِي ذكرت فِيهَا بَيَان استنباط الْأَحْكَام الأول فِيهِ ذمّ الملاحاة وَنقص صَاحبهَا الثَّانِي أَن الملاحاة والمخاصمة سَبَب الْعقُوبَة للعامة بذنب الْخَاصَّة فَإِن الْأمة حرمت اعلام هَذِه اللَّيْلَة بِسَبَب التلاحى بِحَضْرَتِهِ الشَّرِيفَة لَكِن فِي قَوْله " وَعَسَى أَن يكون خيرا " بعض التأنيس لَهُم وَقَالَ النَّوَوِيّ ادخل البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب لِأَن رفع لَيْلَة الْقدر كَانَ بِسَبَب تلاحيهما ورفعهما الصَّوْت بِحَضْرَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَفِيهِ مذمة الملاحاة ونقصان صَاحبهَا وَقَالَ الْكرْمَانِي فَأن قلت إِذا جَازَ أَن يكون الرّفْع خيرا فلامذمة فِيهِ وَلَا شَرّ وَلَا حَبط عمل قلت أَن أُرِيد بِالْخَيرِ اسْم التَّفْصِيل فَمَعْنَاه أَن الرّفْع عَسى أَن يكون خيرا من عدم الرّفْع خير فلامذمة فِيهِ وَلَا شَرّ وَلَا حَبط عمل قلت أَن أُرِيد بِالْخَيرِ اسْم التَّفْضِيل فَمَعْنَاه أَن الرّفْع عَسى أَن يكون خيرا وَأَن عدم الرّفْع أَزِيد خيرا وَأولى مِنْهُ ثمَّ أَن خيرية ذَاك كَانَت مُحَققَة وخيرية هَذَا مرجوة لِأَن مفَاد عَسى هُوَ الرَّجَاء لَا غير. الثَّالِث فِيهِ الْحَث على طلب لَيْلَة الْقدر. الرَّابِع قَالَ القَاضِي عِيَاض فِيهِ دَلِيل على أَن الْمُخَاصمَة مذمومة وَأَنَّهَا مثل الْعقُوبَة المعنوية وَقَالَ بَعضهم فان قيل كَيفَ تكون الْمُخَاصمَة فِي طلب الْحق مذمومة قُلْنَا إِنَّمَا كَانَت كَذَلِك لوقوعها فِي الْمَسْجِد وَهُوَ مَحل الذّكر لَا اللَّغْو سِيمَا فِي الْوَقْت الْمَخْصُوص أَيْضا بِالذكر وَهُوَ شهر رَمَضَان قلت طلب الْحق غير مَذْمُوم لَا فِي الْمَسْجِد وَلَا فيا لوقت الْمَخْصُوص وَإِنَّمَا المذمة فِيهَا لَيست رَاجِعَة إِلَى مُجَرّد الْخُصُومَة فِي الْحق وَإِنَّمَا هِيَ رَاجِعَة إِلَى زِيَادَة مُنَازعَة حصلت بَينهمَا عَن الْقدر الْمُحْتَاج إِلَيْهِ وَتلك الزِّيَادَة هِيَ اللَّغْو وَالْمَسْجِد لَيْسَ بِمحل اللَّغْو مَعَ مَا كَانَ فِيهَا من رفع الصَّوْت بِحَضْرَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَافْهَم.

٣٧ - ( {بَاب سُؤال جِبْريلَ النَّبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنِ الإيمانِ والإسْلامِ والإحْسانِ وعِلْمِ السَّاعةِ} )

الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع. الأول: أَن التَّقْدِير: هَذَا بَاب فِي بَيَان سُؤال جِبْرَائِيل عَلَيْهِ السَّلَام الخ. وَالْبَاب مُضَاف إِلَى السُّؤَال، وَالسُّؤَال

إِلَى جِبْرِيل إِضَافَة الْمصدر إِلَى فَاعله، وَجِبْرِيل لَا ينْصَرف للعلمية والعجمة، وَقد تكلمنا فِيهِ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة فِي أَوَائِل الْكتاب. وَقَوله: (النَّبِي) مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول الْمصدر، وَقَوله: (عَن الْإِيمَان) يتَعَلَّق بالسؤال. الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول هُوَ الْمُؤمن الَّذِي يخَاف أَن يحبط عمله وَفِي هَذَا الْبَاب يذكر بِمَاذَا يكون الرجل مُؤمنا، وَمن الْمُؤمن فِي الشَّرِيعَة. الثَّالِث: قَوْله (وَعلم السَّاعَة) عطف على قَوْله: الْإِيمَان، أَي: علم الْقِيَامَة. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: سميت سَاعَة لوقوعها بَغْتَة، أَو لسرعة حِسَابهَا، أَو على الْعَكْس لطولها. فَهُوَ تمليح، كَمَا يُقَال فِي الْأسود كافورا، وَلِأَنَّهَا عِنْد الله تَعَالَى على طولهَا كساعة من السَّاعَات عِنْد الْخلق. فَإِن قلت: كَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول: وَوقت السَّاعَة، لِأَن السُّؤَال عَن وَقتهَا حَيْثُ قَالَ، مَتى السَّاعَة؟ وَكلمَة مَتى، للْوَقْت، وَلَيْسَ السُّؤَال عَن علمهَا. قلت: فِيهِ حذف تَقْدِيره: وَعلم وَقت السَّاعَة، بِقَرِينَة ذكر: مَتى، وَالْعلم لَازم السُّؤَال، إِذْ مَعْنَاهُ: أتعلم وَقت السَّاعَة؟ فَأَخْبرنِي، فَهُوَ مُتَضَمّن للسؤال عَن علم وَقتهَا.

وبيَانِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُ ثمَّ قَالَ جاءَ جِبْرِيلُ عليهِ السلامُ يُعَلِّمُكمْ دِينَكُمْ فَجَعلَ ذلِكَ كُلَّهُ دِينا. وَمَا بَيَّنَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ مِنَ الإيمانِ. وقَوْلِهِ تَعَالَى {ومَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ} (آل عمرَان: ٨٥) .

و: بَيَان، مجرور لِأَنَّهُ عطف على قَوْله: سُؤال، قَوْله: (لَهُ) أَي: لجبريل، عَلَيْهِ السَّلَام، وَقد أعَاد الْكرْمَانِي الضَّمِير إِلَى الْمَذْكُور من قَوْله: (عَن الْإِيمَان وَالْإِسْلَام والاحسان وَعلم السَّاعَة) ، وَهَذَا وهم مِنْهُ، ثمَّ تكلّف بِجَوَاب عَن سُؤال بناه على مَا زَعمه ذَلِك، فَقَالَ: فَإِن قلت: لم يبين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقت السَّاعَة، فَكيف قَالَ: وَبَيَان النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، لَهُ لِأَن الضَّمِير إِمَّا رَاجع إِلَى الْأَخير أَو إِلَى مَجْمُوع الْمَذْكُور؟ قلت: إِمَّا أَنه أطلق وَأَرَادَ أَكْثَره، إِذْ حكم مُعظم الشَّيْء حكم كُله، أَو جعل الحكم فِيهِ بِأَنَّهُ لَا يُعلمهُ إلَاّ الله بَيَانا لَهُ. قَوْله: (ثمَّ قَالَ) أَي: النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، وَهَذَا إِشَارَة إِلَى كَيْفيَّة استدلاله من سُؤال جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، وَجَوَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِيَّاه على جعل كل ذَلِك دينا، فَلذَلِك قَالَ: ثمَّ قَالَ، بِالْجُمْلَةِ الفعلية عطفا على الْجُمْلَة الاسمية، لِأَن الأسلوب يتَغَيَّر بِتَغَيُّر الْمَقْصُود، لِأَن مَقْصُوده من الْكَلَام الأول هُوَ التَّرْجَمَة، وَمن هَذَا الْكَلَام كَيْفيَّة الِاسْتِدْلَال، فلتغاير المقصودين تغاير الأسلوبان، وَفِي عطف الفعلية على الاسمية وعكسها خلاف بَين النُّحَاة. قَوْله: (فَجعل) أَي: رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَوْله: (ذَلِك) إِشَارَة إِلَى مَا ذكر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْآتِي. فَإِن قلت: علم وَقت السَّاعَة لَيْسَ من الْإِيمَان، فَكيف قَالَ كُله، قلت: الِاعْتِقَاد بوجودها، وبعدم الْعلم بوقتها لغير الله تَعَالَى من الدّين أَيْضا أَو أعْطى للْأَكْثَر حكم الْكل مجَازًا، فِيهِ نظر لِأَن لَفظه: كل، يدْفع الْمجَاز. قَوْله: (وَمَا بَين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) كلمة الْوَاو هُنَا بِمَعْنى المصاحبة، وَالْمعْنَى: جعل النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، سُؤال جِبْرِيل، وَجَوَاب النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، كُله دينا مَعَ مَا بيَّن لوفد عبد الْقَيْس من الْإِيمَان، وَبَينه فِي قصتهم بِمَا فسر بِهِ الاسلام هَهُنَا، وَأَرَادَ بِهَذَا الْإِشْعَار بِأَن الْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَاحِد، على مَا هُوَ مذْهبه وَمذهب جمَاعَة من الْمُحدثين، وَقد نقل أَبُو عوَانَة الاسفرائني فِي (صَحِيحه) عَن الْمُزنِيّ صَاحب الشَّافِعِي، رَحمَه الله، الْجَزْم بِأَنَّهُمَا وَاحِد، وَأَنه سمع ذَلِك مِنْهُ. وَعَن الإِمَام أَحْمد الْجَزْم بتغايرهما، وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ فِي أَوَائِل كتاب الْإِيمَان. وَكلمَة مَا، مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: مَعَ بَيَان النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، لوفد عبد الْقَيْس. قَوْله: وَقَوله {وَمن يبتغ غير الاسلام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ} (آل عمرَان: ٨٥) عطف على قَوْله: (وَمَا بَين النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام) ، وَالتَّقْدِير: وَمَعَ قَوْله تَعَالَى: {وَمن يبتغ} (آل عمرَان: ٨٥) أَي مَعَ مَا دلّت عَلَيْهِ الْآيَة أَن الْإِسْلَام هُوَ الدّين، أَي: وَمن يطْلب غير الْإِسْلَام دينا، والابتغاء: الطّلب.

(حَدثنَا مُسَدّد قَالَ حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم أخبرنَا أَبُو حَيَّان التَّيْمِيّ عَن أبي زرْعَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بارزاً يَوْمًا للنَّاس فَأَتَاهُ جِبْرِيل فَقَالَ مَا الْإِيمَان قَالَ الْإِيمَان أَن تؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وبلقائه وَرُسُله وتؤمن بِالْبَعْثِ قَالَ الْإِسْلَام قَالَ الْإِسْلَام أَن تعبد الله وَلَا تشرك بِهِ وتقيم الصَّلَاة وَتُؤَدِّي الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة وتصوم رَمَضَان قَالَ مَا الْإِحْسَان

قَالَ أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك قَالَ مَتى السَّاعَة قَالَ مَا المسؤل عَنْهَا بِأَعْلَم من السَّائِل وسأخبرك عَن أشراطها إِذا ولدت الْأمة رَبهَا وَإِذا تطاول رُعَاة الْإِبِل البهم فِي الْبُنيان فِي خمس لَا يعلمهُنَّ إِلَّا الله ثمَّ تَلا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن الله عِنْده علم السَّاعَة الْآيَة ثمَّ أدبر فَقَالَ ردُّوهُ فَلم يرَوا شَيْئا فَقَالَ هَذَا جِبْرِيل جَاءَ يعلم النَّاس دينهم) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة (بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة الأول مُسَدّد بن مسرهد وَقد مر ذكر فِي بَاب من الْإِيمَان أَن يحب لِأَخِيهِ الثَّانِي اسمعيل بن إِبْرَاهِيم بن سهم بن مقسم أَبُو بشر مولى بني اسد بن خُزَيْمَة الْمَشْهُور بِابْن عَلَيْهِ بِضَم الْعين وَفتح اللَّام وَتَشْديد الْيَاء وَكَانَت امْرَأَة عَاقِلَة نبيلة وَكَانَ صَالح الْمزي ووجوه أهل الْبَصْرَة وفقهاؤها يدْخلُونَ عَلَيْهَا فَتبرز لَهُم وتحادثهم وتسأئلهم وَقد مر ذكره فِي بَاب حب الرَّسُول من الْإِيمَان الثَّالِث أَبُو حبَان بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف واسْمه يحيى بن حَيَّان الْكُوفِي فِي التَّيْمِيّ قَالَ أَحْمد بن عبد الله هُوَ ثِقَة صَالح بر صَاحب سنة مَاتَ سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَة روى لَهُ الْجَمَاعَة ونسبته إِلَى تيم الربَاب وحيان أما مُشْتَقّ من الْحَيَاة فَلَا ينْصَرف أَو من الْحِين فَيَنْصَرِف الرَّابِع أَبُو زرْعَة هرم بن عَمْرو بن جرير البجلى تقدم ذكره فِي بَاب الْجِهَاد من الْإِيمَان الْخَامِس أَبُو هُرَيْرَة (بَيَان لطائف اسناده) . مِنْهَا أَن التحديث والعنعة. وَمِنْهَا أَن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم قد ذكره البُخَارِيّ فِي بَاب حب الرَّسُول من الْإِيمَان بنسبته إِلَى أمه حَيْثُ قَالَ حَدثنَا يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا ابْن علية عَن عبد الْعَزِيز وَذكره هَهُنَا باسم أَبِيه وَهَذَا دَلِيل على كال ضبط البُخَارِيّ وأمانته حَيْثُ نقل لفظ الشُّيُوخ بِعَيْنِه فأداه كَمَا سَمعه وَمِنْهَا أَن فِيهِ أَبَا حَيَّان وَهُوَ غير تَابِعِيّ وَقد روى عَنهُ تابعيان كَبِير أَن أَيُّوب وَالْأَعْمَش (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه هَهُنَا عَن مُسَدّد عَن إِسْمَاعِيل وَفِي التَّفْسِير عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن جرير كِلَاهُمَا عَن ابي حَيَّان وَفِي الزَّكَاة مُخْتَصرا عَن عبد الرَّحِيم عَن عقيل عَن زُهَيْر عَن أبي حَيَّان أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب كِلَاهُمَا عَن إِسْمَاعِيل بن علية وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير عَن مُحَمَّد بن بشر عَن ابي حَيَّان وَعَن زُهَيْر عَن جرير عَن عمَارَة كِلَاهُمَا عَن أبي زرْعَة وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي السّنة بِتَمَامِهِ وَفِي الْفِتَن بِبَعْضِه عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي السّنة عَن عُثْمَان عَن جرير عَن أبي فَرْوَة الهمذاني عَن أبي زرْعَة عَن أبي ذَر وَأبي هُرَيْرَة وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْإِيمَان عَن مُحَمَّد بن قدامَة عَن جريرية وَفِي الْعلم عَن إِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم عَن جرير مُخْتَصرا من غير ذكر سُؤال السَّائِل وَقد أخرجه مُسلم من حَدِيث عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ وَلم يُخرجهُ البُخَارِيّ لاخْتِلَاف فِيهِ على بعض رُوَاته فمشهوره رِوَايَة كهمس بن الْحسن عَن عبد الله عَن بُرَيْدَة يحيى ابْن يعمر بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم عَن عبد الله بن عمر عَن أَبِيه عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنْهُمَا وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي السّنة عَن عبيد الله بن معَاذ بِهِ وَعَن مُسَدّد عَن يحيى ابْن سعيد بِهِ وَعَن مَحْمُود بن خَالِد عَن الْفرْيَابِيّ عَن سُفْيَان عَن عَلْقَمَة بن مرْثَد عَن سُلَيْمَان بن بُرَيْدَة عَن يحيى بن يعمر بهَا الحَدِيث يزِيد وَينْقص. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْإِيمَان عَن ابي عَلْقَمَة بن مرْثَد عَن سُلَيْمَان بن بُرَيْدَة عَن يحيى بن يعمر بِهَذَا الحَدِيث يزِيد وَينْقص. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْإِيمَان عَن أبي عمار الْحُسَيْن بن حُرَيْث الْخُزَاعِيّ عَن وَكِيع بِهِ. وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن معَاذ بن معَاذ بِهِ وَعَن أَحْمد بن مُحَمَّد عَن ابْن الْمُبَارك عَن كهمس بِهِ وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي السّنة عَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن وَكِيع بِهِ قلت رَوَاهُ عَن كهمس جمَاعَة من الْحفاظ وَتَابعه مطر الْوراق عَن عبيد الله بن بُرَيْدَة وأخرجهما أَبُو عوانه فِي صَحِيحه وَسليمَان التَّيْمِيّ عَن يحيى بن يعمر أخرجهُمَا ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَكَذَا رَوَاهُ عُثْمَان بن عُثْمَان وَعبد الله بن بُرَيْدَة لكنه قَالَ يحيى بن يعمر وَحميد بن عبد الرَّحْمَن مَعًا عَن ابْن عمر عَن عمر رَضِي الله عَنهُ وَأخرجه أَحْمد فِي مُسْنده وَقد خالفهم سُلَيْمَان بن بُرَيْدَة أَخُو عبد الله فَرَوَاهُ عَن يحيى بن يعمر عَن عبد الله بن عمر قَالَ بَيْنَمَا " نَحن عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " فَجعله من مُسْند ابْن عمر لامن رِوَايَته عَن أَبِيه وأخره أَحْمد أَيْضا وَكَذَا أَبُو نعيم فِي الْحِلْية من طَرِيق عَطاء الْخُرَاسَانِي

عَن يحيى بن يعمر وذكا روى من طَرِيق عكطاء بن أبي رَبَاح عَن عبد الله بن عمر أخرجهُمَا الطَّبَرَانِيّ وَفِي الْبَاب عَن أنس رَضِي الله عَنهُ أخرجه الْبَزَّار بِإِسْنَادِهِ حسن وَعَن جرير البَجلِيّ أخرجه أَبُو عوَانَة فِي صَحِيحه وَعَن ابْن عَبَّاس وَأبي عَامر الْأَشْعَرِيّ أخرجهُمَا أَحْمد بِإِسْنَادِهِ حسن (بَيَان اخْتِلَاف الرِّوَايَات فِيهِ) قَوْله " كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بارزا يَوْمًا للنَّاس " وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن أبي فَرْوَة " كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يجلس بَين أَصْحَابه فَيَجِيء الْغَرِيب فَلَا يدْرِي أَيهمْ هُوَ حَتَّى يسْأَل فطلبنا إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن نجْعَل لَهُ مَجْلِسا يعرفهُ الْغَرِيب إِذا أَتَاهُ قَالَ فبنينا لَهُ دكانا من طين يجلس عَلَيْهِ وَكُنَّا نجلس بجنبته " واستنبط مِنْهُ الْقُرْطُبِيّ اسْتِحْبَاب جُلُوس الْعَالم بمَكَان يخْتَص بِهِ وَيكون مرتفعاً إِذا احْتَاجَ لذَلِك لضَرُورَة تَعْلِيم وَنَحْوه قَوْله " فاتاه رجل " وَفِي التَّفْسِير للْبُخَارِيّ " إِذْ أَتَاهُ رجل يمشي " وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ عَن أبي فَرْوَة " فأناا الْجُلُوس عِنْده إِذا قبل رجل أحسن النَّاس وَجها وَأطيب النَّاس ريحًا كَأَن ثِيَابه يَمَسهَا دنس " وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق كهمس من حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ " بَيْنَمَا نَحن ذَات يَوْم عِنْد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذْ طلع علينا رجل شَدِيد بَيَاض الثِّيَاب شَدِيد سَواد الشّعْر " وَفِي رِوَايَة ابْن حبَان " شَدِيد سَواد اللِّحْيَة لَا يرى عَلَيْهِ أثر السّفر وَلَا يعرفهُ منا أحد حَتَّى جلس إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأسْندَ رُكْبَتَيْهِ وَوضع كفيه على فَخذيهِ " ولسليمان التَّيْمِيّ " لَيْسَ عَلَيْهِ سحناء وَلَيْسَ من الْبَلَد فتخطى حَتَّى برك بَين يَدي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا يجلس أَحَدنَا فِي الصَّلَاة ثمَّ وضع يَده على ركبتي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " قلت السحناء بِفَتْح السِّين والحاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَالنُّون وَهِي الْهَيْئَة وَكَذَلِكَ السحنة بِالتَّحْرِيكِ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة لم اسْمَع أحدا يَقُولهَا أعنى السحناء بِالتَّحْرِيكِ غير الْفراء قَوْله " فَقَالَ مَا الْإِيمَان " وَزَاد البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير " فَقَالَ يَا رَسُول الله مَا الْإِيمَان " قَوْله " أَن تؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وبلقائه وَرُسُله " وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ واتفقت الروَاة على ذكرهَا فِي التَّفْسِير قَوْله " وبلقائه " كَذَا وَقعت هُنَا بَين الْكتب وَالرسل وَكَذَا الْمُسلم من الطَّرِيقَيْنِ وَلم يَقع فِي بَقِيَّة الرِّوَايَات وَوَقع فِي حَدِيثي أنس وَابْن عَبَّاس " وبالموت وبالبعث بعد الْمَوْت " قَوْله " وَرُسُله " وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ " وبرسوله " وَوَقع فِي حَدِيث أنس وَابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُم " وَالْمَلَائِكَة وَالْكتاب والنبين " وَكَذَا فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ عَن أبي ذَر وَعَن أبي هُرَيْرَة قَوْله " تؤمن بِالْبَعْثِ " زَاد البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير " وبالبعث الآخر " وَفِي رِوَايَة مُسلم فِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ " وَالْيَوْم الآخر " وَزَاد الاسماعيلي فِي مستخرجه هُنَا " وتؤمن بِالْقدرِ " وَهِي رِوَايَة أبي فَرْوَة أَيْضا. وَفِي رِوَايَة كهمس وَسليمَان التيمى " وتؤمن بِالْقدرِ " وَهِي رِوَايَة أبي فَرْوَة أَيْضا. وَفِي رِوَايَة كهمس وَسليمَان التَّيْمِيّ " وتؤمن بِالْقدرِ خَيره وشره " وَكَذَا فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس وَكَذَا الْمُسلم فِي رِوَايَة عمَارَة بن الْقَعْقَاع واكده بقوله فِي رِوَايَة عَطاء عَن ابْن عمر بِزِيَادَة " حلوه ومره فِي الله " قَوْله " وتصوم رَمَضَان " وَفِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ " وتحج الْبَيْت إِن اسْتَطَعْت إِلَيْهِ سَبِيلا وَكَذَا فِي حَدِيث أنس فِي رِوَايَة عَطاء الْخُرَاسَانِي لم يذكر الصَّوْم فِي حَدِيث أبي عَامر ذكر الصَّلَاة وَالزَّكَاة فَحسب وَلم يذكر فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس غير الشَّهَادَتَيْنِ وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيّ ذكر الْجَمِيع وَزَاد بعد قَوْله " وتحج الْبَيْت وتعتمر وتغتسل من الْجَنَابَة وتتم الْوضُوء " وَفِي رِوَايَة مطر الْوراق " وتقيم الصَّلَاة وتؤتي الزَّكَاة " وَفِي رِوَايَة مُسلم " وتقيم الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة " قَوْله " أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ " وَفِي رِوَايَة عمَارَة بن الْقَعْقَاع أَن تخشى الله كَأَنَّك ترَاهُ وَفِي رِوَايَة أبي فَرْوَة " فَإِن لم تره فَإِنَّهُ يراك " قَوْله " مَا المسؤول عَنْهَا بِأَعْلَم من السَّائِل " وَفِي رِوَايَة أبي فَرْوَة " فَنَكس فَلم يجبهُ ثمَّ أعَاد فَلم يجبهُ شَيْئا ثمَّ رفع رَأسه قَالَ مَا المسؤول " قَوْله " سأخبرك " وَفِي التَّفْسِير " سأحدثك " قَوْله " عَن أشراطها " وَفِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ " قَالَ فَأَخْبرنِي عَن اماراتها " وَفِي رِوَايَة أبي فَرْوَة " وَلَكِن لَهَا عَلَامَات تعرف بهَا " وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيّ " وَلَكِن ان شِئْت عَن أشراطها قَالَ أجل " وَنَحْوه فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس وَزَاد " فَحَدثني " قَوْله " إِذا ولدت الْأمة رَبهَا " وَفِي التَّفْسِير " ربتها " بتاء التَّأْنِيث وَكَذَا فِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ وَفِي رِوَايَة عُثْمَان بت غياث " إِذا ولدت الأماء اربابهن " بِلَفْظ الْجمع قَوْله " رُعَاة الْإِبِل إِلَيْهِم " بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي رِوَايَة الإصيلي بِفَتْحِهَا وَفِي رِوَايَة " الصم والبكم " قَوْله " فِي خمس " وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا " سُبْحَانَ الله خمس " وَفِي رِوَايَة عَطاء الْخُرَاسَانِي قَالَ " فَمَتَى السَّاعَة قَالَ فِي خمس من الْغَيْب لَا يعلمهَا إِلَّا الله " قَوْله " وَالْآيَة "

وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ " وتلا الْآيَة إِلَى آخر السُّورَة " وَفِي رِوَايَة مُسلم " إِلَى قَوْله خَبِير " وَكَذَا فِي رِوَايَة أبي فَرْوَة وَوَقع البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير " إِلَى الارحام " قَوْله " فَقَالَ ردُّوهُ " وَزَاد فِي التَّفْسِير " فَأخذُوا ليردوه فَلم يرَوا شَيْئا " قَوْله " جَاءَ يعلم " وَفِي التَّفْسِير " ليعلم " وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ " أَرَادَ أَن تعلمُوا إِذْ لم تسألوا " وَمثله لعمارة وَفِي رِوَايَة أبي فَرْوَة " وَالَّذِي بعث مُحَمَّد بِالْحَقِّ مَا كنت بِأَعْلَم بِهِ من رجل مِنْكُم وَإنَّهُ لجبريل " وَفِي حَدِيث أبي عَامر " ثمَّ ولي فَلم نر طَريقَة قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام " سُبْحَانَ الله هَذَا جِبْرِيل جَاءَ ليعلم النَّاس دينهم وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ مَا جَاءَ فِي قطّ إِلَّا وَأَنا أعرفهُ إِلَّا أَن تكون هَذِه الْمرة " وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيّ " ثمَّ نَهَضَ فولى فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على بِالرجلِ فطلبناه كل مطلبة فَلم يقدر عَلَيْهِ فَقَالَ هَل تَدْرُونَ من هَذَا هَذَا جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام أَتَاكُم ليعلمكم دينكُمْ خُذُوا عَنهُ فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ مَا اشْتبهَ على مُنْذُ اتاني قبل مرتى هَذِه وَمَا عَرفته حَتَّى ولى " وَفِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ " قَالَ ثمَّ انْطلق فَلبث مَلِيًّا ثمَّ قَالَ يَا عمر أَتَدْرُونَ من السَّائِل قلت الله وَرَسُوله اعْلَم قَالَ فَإِنَّهُ جِبْرِيل أَتَاكُم ليعلمكم دينكُمْ " هَذَا لفظ مُسلم وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ قَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ " فلقيني رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعد ثَلَاث فَقَالَ يَا عمر هَل تَدْرِي من السَّائِل " الحَدِيث وَأخرجه أَبُو دَاوُد بِنَحْوِهِ وَفِيه " فَلبث ثَلَاثًا " وَفِي رِوَايَة أبي عوَانَة " فلبثا ليَالِي فلقيني رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعد ثَلَاث " وَفِي رِوَايَة ابْن حبَان " بعد ثَالِثَة " وَفِي رِوَايَة ابْن مندة " بعد ثَلَاثَة أَيَّام " (بَيَان اللُّغَات) قَوْله كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بارزا يَوْمًا للنَّاس " أَي ظَاهر الْهم وجالسا مَعَهم غير محتجب والبروز الظُّهُور وَقَالَ ابْن سَيّده برزيبر زبروزا خرج إِلَى الْبَزَّار وَهُوَ الفضاء وبرزه إِلَيْهِ وابرزه وَكلما ظهر بعد خَفَاء فقد برز قَالَ تَعَالَى (وَترى الأَرْض بارزة) قَالَ الْهَرَوِيّ أَي ظَاهره لَيْسَ فِيهَا مستظل وَلَا متفيأ وَفِي الافعال لِابْنِ ظريف برز الشَّيْء برزا ذكره عَنهُ صَاحب الواعي قَوْله " فَأَتَاهُ رجل " أَي ملك فِي صُورَة رجل قَوْله " وَمَلَائِكَته " جمع ملك واصلة ملاك مفعل من الالوكة بِمَعْنى الرسَالَة وزيدت لاتاءفية لتأكيد معنى الْجمع أَو التَّأْنِيث الْجمع وهم اجسام علوِيَّة نورنية مشكلة بِمَا شَاءَت من الاشكال قَوْله " وبلقائه " قَالَ الْخطابِيّ ي بِرُؤْيَة ربه تَعَالَى فِي الْآخِرَة قَوْله " وَرُسُله " جمع رَسُول قَالَ الْكرْمَانِي الرَّسُول هُوَ النَّبِي الَّذِي انْزِلْ عَلَيْهِ الْكتاب وَالنَّبِيّ اعم مِنْهُ قلت هَذَا التَّعْرِيف غير صَحِيح لِأَنَّهُ غير جَامع لِأَن كثير من الانبياء عَلَيْهِم السَّلَام لم ينزل عَلَيْهِم كتب وهم ورسل مثل سُلَيْمَان وَأَيوب وَلُوط وَيُونُس وزَكَرِيا ويحي وَنَحْوهم والتعريف الصَّحِيح أَن يُقَال الرَّسُول من انْزِلْ عَلَيْهِ كتاب أَو أنزل عَلَيْهِ ملك وَالنَّبِيّ بِخِلَافِهِ فَكل رَسُول نَبِي وَلَا عكس قَوْله " بِالْبَعْثِ " وَهُوَ بعث الْمَوْتَى من الْقُبُور وَيُقَال المُرَاد مِنْهُ بعثة الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام وَالْأول اظهر قَوْله " أَن تعبدوا الله " من الْعِبَادَة وَهِي الطَّاعَة مَعَ خضوع وتذلل قَالَ الْهَرَوِيّ يُقَال طَرِيق معبد إِذا كَانَ مذللا للسالكين وكل من دَان للْملك فَهُوَ عَابِد لَهُ. وَفِي الْمُحكم عبد الله يعبده عبَادَة ومعبدة ومعبدة تأله لَهُ وَفِي الصِّحَاح التَّعَبُّد التنسك قَوْله " مَا الاحسان " مصدر أحسن من حسن من الْحسن وَهُوَ ضد الْقبْح وَيَأْتِي عَن قريب مَعْنَاهُ الشَّرْعِيّ قَوْله " عَن اشارطها " بِفَتْح الْهمزَة جمع شَرط بِالتَّحْرِيكِ يعْنى علاماتها وَقيل مقدماتها وَقيل صغَار أمورها وَفِي الْمُحكم وَالْجَامِع أوائلها وَفِي الغريبين عَن الاصمعي وَمِنْه الِاشْتِرَاط الَّذِي يشْتَرط بعض النَّاس على بعض إِنَّمَا هِيَ عَلامَة يجعلونها بَينهم وَالْمرَاد اشراطها السَّابِقَة لاشراطها الْمُقَارنَة لَهَا كطلوع الشَّمْس من مغْرِبهَا وَخُرُوج الدَّابَّة وَنَحْوهمَا قَوْله " رَبهَا " الرب الْمَالِك وَالسَّيِّد والمصلح وَفِي الْعباب رب كل شَيْء مَالِكه والرب اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى وَلَا يُقَال فِي غَيره إِلَّا بِالْإِضَافَة وَقد قَالُوهُ فِي الْجَاهِلِيَّة للْمَالِك قَالَ الْحَارِث بن حلزة الْيَشْكُرِي فِي الْمُنْذر مَاء السَّمَاء وَهُوَ الرب والشهيد على يَوْم الحوارين والبلابلا وَقَالَ الْأَنْبَارِي مخففا وربيت الْقَوْم أَي كنت فَوْقهم وَرب الضَّيْعَة أَصْحَابهَا وأتممها وَرب فلَان وَلَده يربه رَبًّا وَرب بِالْمَكَانِ أَقَامَ بِهِ والربة المولاة ثمَّ قَالَ وَفِي حَدِيث النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام حِين سَأَلَهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام عَن أَمَارَات السَّاعَة فَقَالَ " أَن تَلد الْأمة ربتها " وَيُقَال فُلَانَة ربة الْبَيْت وَهن ربات الحجال قَوْله " وَإِذا تطاول " إِي تفاخر بطول الْبُنيان وتكبر بِهِ والرعاة بِضَم الرَّاء جمع رَاع كالقضاة جمع قَاض وَكَذَا الرُّعَاة بِكَسْر الرَّاء جمع رَاع كالجياع جمع جايع قَوْله " والبهم " بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة جمع الإبهم وَهُوَ الَّذِي لاشية لَهُ قَالَه الْكرْمَانِي وَقَالَ القَاضِي جمع بهيم وَهُوَ الْأسود

الَّذِي لَا يخالطه لون غَيره وَهُوَ شَرّ الْإِبِل قلت إِذا كَانَ البهم صفة للرعاة يَنْبَغِي أَن يكون جمع بهيم وَإِن كَانَ صفة الْإِبِل يَنْبَغِي أَن يكون جمه بهماء وكلا الْوَجْهَيْنِ جَائِز كَمَا نذكرهُ فِي الْإِعْرَاب وَأما لبهم بِفَتْح الْبَاء كَمَا هُوَ فِي رِوَايَة الاصيلي فَلَا وَجه لَهُ هَهُنَا قَالَه القَاضِي عِيَاض وَأما قَوْله فِي رِوَايَة مُسلم " رعاء البهم " فَهُوَ بِفَتْح الْبَاء فَهُوَ جمع بَهِيمَة وَهِي صغَار الضَّأْن والمعز وَقَالَ النَّوَوِيّ هَذَا قَول الْجُمْهُور وَقَالَ بَعضهم رِوَايَة مُسلم " إِذا رَأَيْت رعاء البهم " بِحَذْف لَفْظَة ابل انسب من رِوَايَة البُخَارِيّ وَهِي زِيَادَة لَفْظَة الابل لأَنهم أَضْعَف أهل الْبَادِيَة أما أهل الْإِبِل فَهُوَ أهل الْفَخر وَالْخُيَلَاء وَالْمعْنَى فِي الْكل أَن أهل الْفقر وَالْحَاجة تصير لَهُم الدُّنْيَا حَتَّى يتباهوا فِي الْبُنيان قلت ذكر ابْن التياني فِي كتاب الموعب أَن البهم صغَار الضَّأْن الْوَاحِدَة بهمة للذّكر وَالْأُنْثَى وَالْجمع بهم وَجمع البهم بهام وبهامات وَفِي الْعين البهمة اسْم للذّكر وَالْأُنْثَى من أَوْلَاد بقر الْوَحْش وَمن كل شَيْء من ضرب الْغنم والمعز وَفِي الْمُخَصّص يكون بعد الْعشْرين يَوْمًا بهمة من الضَّأْن والمعز إِلَى أَن يفطم. وَفِي الْمُحكم وَقيل هِيَ بهمة إِذا شبت وَالْجمع بهم وبهم وبهام وبهامات جمع الْجمع وَقَالَ ثَعْلَب البهم صغَار الْمعز وَفِي الْجَامِع للقزاز بهمة مَفْتُوحَة الْبَاء سَاكِنة الْهَاء يُقَال لاولاد الْوَحْش من الظبأ وَمَا جانس الضَّأْن والمعز بهم وَفِي الصِّحَاح البهام جمع بهم والبهم جمع بهمة والبهمة اسْم للمذكر والمؤنث والسخال أَوْلَاد الْمعز فَإِذا اجْتمعت البهام والسخال قلت لَهما جَمِيعًا بهام وبهم أَيْضا وَفِي المغيث لأبي مُوسَى الْمَدِينِيّ وَقيل البهمة السخلة انْتهى. والبهيمة ذَوَات الْأَرْبَع من دَوَاب الْبر وَالْبَحْر قَوْله " ثمَّ أدبر " من الادبار وَهُوَ التولي (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله " بارزا نصب لِأَنَّهُ خبر كَانَ قَوْله " يَوْم نصب " على الظروف قَوْله " للنَّاس " يتَعَلَّق ببارزا قَوْله " مَا الْإِيمَان " جملَة اسمية وَقعت مقول القَوْل قَوْله " أَن تؤمن " خبر الْمُبْتَدَأ أعنى قَوْله " الْإِيمَان " وَأَن مَصْدَرِيَّة قَوْله " وتؤمن " بِالنّصب عطفا على قَوْله " أَن تؤمن " قَوْله " أَن تعبد الله " فِي مَحل الرّفْع على أَنه خبر للمبتدأ أعنى قَوْله الْإِسْلَام وَأَن مَصْدَرِيَّة قَوْله " لَا تشرك " بِالنّصب عطفا على أَن تعبد قَوْله " شَيْئا " نصب على أَنه مفعول لتشرك قَوْله " وتقيم " بِالنّصب عطفا على أَن تعبد وَكَذَلِكَ وتؤدى الزَّكَاة وَكَذَلِكَ وتصوم رَمَضَان وَأَن مقدرَة فِي الْجَمِيع قَوْله " مَا الْإِحْسَان " كلمة مَا للاستفهام مُبْتَدأ أَو الْإِحْسَان خَبره وَالْألف وَاللَّام فِيهِ للْعهد فِي قَوْله تَعَالَى (للَّذين أَحْسنُوا الْحسنى وَزِيَادَة) و (هَل جَزَاء لإحسان إِلَّا الْإِحْسَان) (وأحسنوا أَن الله يحب الْمُحْسِنِينَ) ولتكرره فِي الْقُرْآن ترَتّب الثَّوَاب عَلَيْهِ سَأَلَ عَنهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام قَوْله " قَالَ أَن تعبد الله " أَي قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي جَوَابه الْإِحْسَان أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ فَقَوله أَن مَصْدَرِيَّة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره الْإِحْسَان عبادتك الله كَأَنَّك ترَاهُ وَقَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت كَأَنَّك مَا مَحَله من الْإِعْرَاب قلت هُوَ حَال من الْفَاعِل أَي تعبد الله مشبها بِمن يرَاهُ انْتهى كَلَامه قلت تَحْقِيق الْكَلَام هُنَا أَن كَأَن للتشبيه قَالَ الْجَوْهَرِي فِي فصل أَن وَقد تزاد على أَن كَاف التَّشْبِيه تَقول كَأَنَّهُ شمس وَقَالَ غَيره أَنه حرف مركب عِنْد الْجُمْهُور حَتَّى ادّعى ابْن هِشَام وَابْن الخباز الْإِجْمَاع عَلَيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِك قَالُوا وَالْأَصْل فِي كَأَن زيدا أَسد ثمَّ قدم حرف التَّشْبِيه اهتماماً بِهِ ففتحت همزَة أَن لدُخُول الْجَار وَذكروا لَهَا أَرْبَعَة معَان أَحدهَا وَهُوَ الْغَالِب عَلَيْهَا والمتفق عَلَيْهِ التَّشْبِيه وَهَذَا الْمَعْنى أطلقهُ الْجُمْهُور لكأن وَزعم مِنْهُم ابْن السَّيِّد أَنه لَا يكون إِلَّا إِذا كَانَ خَبَرهَا اسْما جَامِدا نَحْو كَأَن زيدا أَسد بِخِلَاف كَأَن زيدا قَائِم أَو فِي الدَّار أَو عنْدك أَو يقدم فَإِنَّهَا فِي ذَلِك كُله للظن الثَّانِي وَالشَّكّ وَالظَّن وَالثَّالِث التَّحْقِيق وَالرَّابِع التَّقْرِيب قَالَه الْكُوفِيُّونَ وحملوا عَلَيْهِ قَوْله " كَأَنَّك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل " فَإِذا علم هَذَا فَنَقُول قَوْله كَأَنَّك ترَاهُ ينزل على أَي معنى من الْمعَانِي الْمَذْكُورَة فَالْأَقْرَب أَن ينزل على معنى التَّشْبِيه فالتقدير الْإِحْسَان عبادتك الله تَعَالَى حَال كونك فِي عبادتك مثل حَال كونك رائياً وَهَذَا التَّقْدِير أحسن وَأقرب للمعنى من تَقْدِير الْكرْمَانِي لِأَن الْمَفْهُوم من تَقْدِيره أَن يكون هُوَ فِي حَال الْعِبَادَة مشبهاً بالرائي إِيَّاه وَفرق بَين عبَادَة الرَّائِي نَفسه وَعبادَة الْمُشبه بالرائي بِنَفسِهِ وَأما على قَول ابْن السَّيِّد فَتحمل كَأَن على معنى الظَّن لِأَن خَبَرهَا غير جامد فَافْهَم قَوْله " فَإِن لم تكن ترَاهُ " أَي فَإِن لم تكن ترى الله وَكلمَة أَن للشّرط وَقَوله " لم تكن ترَاهُ " جملَة وَقعت فعل الشَّرْط فَإِن قلت أَيْن جَزَاء الشَّرْط قلت مَحْذُوف تَقْدِيره فَإِن لم تكن ترَاهُ فَأحْسن الْعِبَادَة فَإِنَّهُ يراك فَإِن قلت لم لَا يكون قَوْله فَإِنَّهُ يراك جَزَاء للشّرط قلت لَا يَصح لِأَنَّهُ لَيْسَ مسبباً عَنهُ

وَيَنْبَغِي أَن يكون فعل الشَّرْط سَببا لوُقُوع الْجَزَاء كَمَا تَقول فِي إِن جئتني أكرمتك فَإِن الْمَجِيء هُوَ السَّبَب للاكرام وَعَدَمه سَبَب لعدمه وَهَهُنَا عدم رُؤْيَة العَبْد لَيست بِسَبَب لرؤية الله تَعَالَى يرَاهُ سَوَاء وجدت من العَبْد رُؤْيَة أولم تُوجد فَإِن قلت مَا الْفَاء فِي قَوْله فَإِن قلت للتَّعْلِيل على مَا لَا يخفى قَوْله " مَتى السَّاعَة " جملَة اسمية وَقعت مقول القَوْل وَفِي بعض النّسخ فَمَتَى فَإِن صحت فالفاء فِيهَا زَائِدَة قَوْله " ماالمسؤل " كلمة مَا بِمَعْنى لَيْسَ وَقَوله باعلم خَبَرهَا وزيدت فِيهَا الْبَاء لتأكيد معنى النَّفْي قَوْله " وسأخبرك " السِّين هُنَا لتأكيد الْوَعْد بالإخبار كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {فَسَيَكْفِيكَهُم الله وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم} وَمعنى السِّين إِن ذَلِك كَائِن لَا محَالة وَإِن تَأَخّر إِلَى حِين قَوْله " إِذا ولدت الْأمة " إِنَّمَا قَالَ إِذا وَلم يقل أَن لَان الشَّرْط مُحَقّق الْوُقُوع فجَاء بِلَفْظ إِذا الَّتِي للجزم بِوُقُوع مدخولها فَلهَذَا يَصح أَن يُقَال إِذا قَامَت الْقِيَامَة كَانَ كَذَا وَلَا يَصح أَن يُقَال إِن قَامَت الْقِيَامَة كَانَ كَذَا فَإِن قلت أَيْن الْجَزَاء قلت هُوَ مَحْذُوف تَقْدِيره إِذا ولدت الْأمة فَهِيَ أَي الْولادَة من أشراطها وَقَالَ الْكرْمَانِي وَإِذا ظهر أَن تكون إِذا متمحضة لمُجَرّد الْوَقْت ي وَقت الْولادَة وَوقت التطاول قلت هَذَا تَقْدِير نَاقص وَالْمعْنَى الصَّحِيح عِنْدِي كَون إِذا لمُجَرّد الْوَقْت أَي وَقت الْولادَة وَوقت التطاول قلت هَذَا تَقْدِير نَاقص وَالْمعْنَى الصَّحِيح عِنْدِي كَون إِذا لمُجَرّد الْوَقْت وَأَن يقدر مُبْتَدأ مَحْذُوف وَالتَّقْدِير وسأخبرك عَن اشراطها هِيَ وَقت ولادَة الْأمة رَبهَا وَوقت تطاول الرعاء فِي الْبُنيان قَوْله " رُعَاة الْإِبِل " كَلَام اضافي مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل تطاول وَقَوله " البهم " روى بِالرَّفْع على أَنه صفة للرعاة أى الرُّعَاة السود وَقَالَ الْخطابِيّ مَعْنَاهُ الرُّعَاة المجهولون الَّذين لَا يعْرفُونَ جمع ابهم وَمِنْه ابهم الْأَمر فَهُوَ مُبْهَم إِذا لم تعرف حَقِيقَته وروى بِالْجَرِّ على أَنه صفة لِلْإِبِلِ أى رُعَاة الْإِبِل السود قَالُوا وَهِي شَرها كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب قَوْله " فِي الْبُنيان " يتَعَلَّق بقوله تطاول قَوْله " فِي خمس " فِي مَحل الرّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره علم وَقت السَّاعَة فِي جملَة خمس وَقَوله " لَا يعلمهُنَّ إِلَّا الله " صفة لخمس ومحلها الْجَرّ أَو التَّقْدِير هِيَ فِي خمس من الْغَيْب كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَة عَطاء الْخُرَاسَانِي " هِيَ فِي خمس من الْغَيْب لَا يعلمهَا إِلَّا الله " قَوْله " الْآيَة " يجوز فِيهِ الرّفْع على تَقْدِير أَن يكون مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر أَي الْآيَة مقروء إِلَى آخرهَا وَالنّصب على تَقْدِير أَن يكون مَفْعُولا لفعل مُقَدّر أَي اقْرَأ الْآيَة ة والجر على تَقْدِير إِلَى الْآيَة أَي إِلَى مقطعها وتمامها وَفِيه ضعف لَا يخفي قَوْله " هَذَا جِبْرِيل " جَاءَ مثل قَوْلك هَذَا وَيَد قَامَ قَوْله " يعلم النَّاس " جملَة وَقعت حَالا فَإِن قلت لم يكن معلما وَقت المجىء فَكيف يكون حَالا قلت هَذِه حَال مقرة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام إِن شَاءَ الله آمِنين} (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله " فَأَتَاهُ رجل " قد ذكرنَا فِي حَدِيث عمر فِي رِوَايَة مُسلم (بَيْنَمَا نَحن جُلُوس عِنْد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَات يَوْم غذ طلع علينا رجل شَدِيد بَيَاض الثِّيَاب شَدِيد سَواد الشّعْر لَا يرى عَلَيْهِ أثر السّفر وَلَا يعرفهُ منا أحد حَتَّى جلس إِلَى النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فاسند رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوضع كفيه على فَخذيهِ وَقَالَ يَا مُحَمَّد أَخْبرنِي عَن الْإِسْلَام " الحَدِيث وَالضَّمِير فِي فَخذيهِ يعود على النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَقَالَ النَّوَوِيّ على فَخذي نَفسه يَعْنِي نفس جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام وَأعَاد الضَّمِير إِلَيْهِ وَتَبعهُ على ذَاك التوربشتي شَارِح المصابيح وَلَيْسَ كَذَلِك بل الضَّمِير يعود على النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام كَمَا ذكرنَا وَالدَّلِيل على ذَلِك مَا جَاءَ فِي روية سُلَيْمَان التَّيْمِيّ " ثمَّ وضع يَدَيْهِ على ركبتي النَّبِي " وَبِه جزم الْبَغَوِيّ وَإِسْمَاعِيل التَّيْمِيّ وَرجحه الطَّيِّبِيّ من جِهَة الْبَحْث وَالظَّاهِر أَنه لم يقف على رِوَايَة سُلَيْمَان فَلذَلِك رَجحه من جِهَة الْبَحْث وَنظر النَّوَوِيّ فِي مَا قَالَه التَّنْبِيه على أَنه جلس كَهَيئَةِ المتعلم بَين يَدي من يتَعَلَّم مِنْهُ لإقتضاء بَاب الْأَدَب ذَلِك وَلَكِن على رِوَايَة سُلَيْمَان إِنَّمَا فعل جِبْرِيل ذَلِك لزِيَادَة الْمُبَالغَة فِي تعمية أمره ليقوى ظن الحاضربن أَنه من جُفَاة الْأَعْرَاب وَلِهَذَا تخطى النَّاس حَتَّى انْتهى إِلَى النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام كَمَا ذكرنَا نافي رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيّ وَلِهَذَا استغربت الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم صَنِيعَة لِأَنَّهُ لَيْسَ من أهل الْبَلَد وَجَاء مَاشِيا لَيْسَ لَهُ أثر السّفر فَإِن قيل كَيفَ عرف عمر رَضِي الله عَنهُ أَنه لم يعرفهُ أحد قيل من قَول الْحَاضِرين كَمَا فِي رِوَايَة عُثْمَان بن عَفَّان فَنظر الْقَوْم بَعضهم إِلَى بعض فَقَالُوا مَا نَعْرِف قَوْله " أَن تؤمن بِاللَّه " الْإِيمَان بِاللَّه هُوَ التَّصْدِيق بِوُجُودِهِ تَعَالَى وَأَنه لَا يجوز عَلَيْهِ الْعَدَم وَأَنه تَعَالَى مَوْصُوف بِصِفَات الْجلَال والكمال من الْعلم وَالْقُدْرَة الْإِرَادَة وَالْكَلَام والسمع وَالْبَصَر والحياة وَأَنه تَعَالَى منزه عَن صِفَات النَّقْص الَّتِي عي اضداد تِلْكَ الصِّفَات وَعَن صِفَات الإجسام والمثحيزات وَأَنه وَاحِد حق صمج فَرد خَالق جَمِيع الْمَخْلُوقَات متصرف فِيهَا بِمَا شَاءَ من التَّصَرُّفَات يفعل فِي ملكه مَا يُرِيد وَيحكم فِي خلقه.

مَا يَشَاء قَوْله " وَمَلَائِكَته " أَي الْإِيمَان بِجَمِيعِ مَلَائكَته فَمن ثَبت تَعْيِينه كجبريل وَمِيكَائِيل وإسرافيل وعزرائيل عَلَيْهِم السَّلَام وَجب الْإِيمَان بِهِ وَمن لم يعرف اسْمه آمنا بِهِ اجمالا وَكَذَلِكَ الانبياء المُرْسَلُونَ من علمنَا آمنا بِهِ وَمن لم نعلم آمنا بِهِ اجمالا وَمَا كَانَ من ذَلِك ثَابتا بِالنَّصِّ أَو التَّوَاتُر كفر من يكفر بِهِ والايمان برسل الله عَلَيْهِم السَّلَام هُوَ بِأَنَّهُم صَادِقُونَ فِيمَا اخبروا بِهِ عَن الله تَعَالَى وَأَن الله تَعَالَى أَيّدهُم بالمعجزات الدَّالَّة على صدقهم وَأَنَّهُمْ بلغُوا عَن الله رسالاته وبينوا للمكلفين مَا آمُرهُم ببيانه وَأَنه يجب احترامهم وَإِن لَا يفرق بَين أحد مِنْهُم قَوْله " وبلقائه " الْأَيْمَان بلقائه هُوَ التَّصْدِيق بِرُؤْيَة الله تَعَالَى فِي الْآخِرَة قَالَه الْخطابِيّ وَاعْترض عَلَيْهِ النَّوَوِيّ بِأَن أحدا لَا يقطع لنَفسِهِ بِرُؤْيَة الله تَعَالَى فَأَنَّهَا مُخْتَصَّة لمن مَاتَ مُؤمنا والمرء لَا يدْرِي بِمَ يخْتم لَهُ فَكيف يكون من شُرُوط الْإِيمَان ورد عَلَيْهِ بَان المُرَاد الْإِيمَان بَان ذَلِك حق فِي نفس الْأَمر وَقد قيل أَنَّهَا مكررة لِأَنَّهَا دَاخِلَة فِي الْإِيمَان بِالْبَعْثِ وَهُوَ الْقيام من الْقُبُور قُلْنَا لَا نسلم التّكْرَار لِأَن المُرَاد باللقاء مَا بعد تِلْكَ وَقَالَ النَّوَوِيّ اخْتلفُوا فِي المُرَاد بِالْجمعِ بَين الْإِيمَان بلقاء الله والبعث فَقيل اللِّقَاء يحصل بالانتقال إِلَى دَار الْجَزَاء والبعث عِنْد قيام السَّاعَة وَقيل اللِّقَاء مَا يكون بعد الْبَعْث عِنْد الْحساب قَوْله " وتقيم الصَّلَاة " المُرَاد بهَا الْمَكْتُوبَة كَمَا صرح بهَا فِي رِوَايَة مُسلم وَهُوَ احْتِرَاز عَن النَّافِلَة فَإِنَّهَا وَأَن كَانَت من وظائف الْإِسْلَام لَكِنَّهَا لَيست من أَرْكَانه فَتحمل الْمُطلقَة هَهُنَا على الْمقيدَة فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى جمعا بَيْنَمَا قَوْله " الزكوة الْمَفْرُوضَة " قيل احْتَرز بالمفروضة عَن الزكوة المعجلة قبل الْحول فَإِنَّهَا لَيست مَفْرُوضَة حَال الإداء وَقيل احْتَرز من صَدَقَة التَّطَوُّع فَإِنَّهَا زَكَاة لغوية قَوْله " مَا الْإِحْسَان " وَهُوَ يسْتَعْمل لمعنيين احدهما مُتَعَدٍّ بِنَفسِهِ كَقَوْلِك احسنت كَذَا إِذا حسنته وكملته منقولة بِالْهَمْزَةِ من حسن الشَّيْء وَالْآخر بِحرف الْجَرّ كَقَوْلِك أَحْسَنت إِلَيْهِ إِذا أوصلت إِلَيْهِ النَّفْع وَالْإِحْسَان وَفِي الحَدِيث بِالْمَعْنَى الأول فَإِنَّهُ يرجع إِلَى اتقان الْعِبَادَات ومراعاة حق الله تَعَالَى ومراقبته وَيُقَال الْإِحْسَان على مقامين الأول كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " إِن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ " فَهَذَا مقَام. الثَّانِي قَوْله " فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك " قَالَ عبد الْجَلِيل الأول على ثَلَاثَة أَقسَام الأول فِي مقَام الْإِسْلَام وَذَلِكَ أَن الْأُمُور فِي عَالم الْحسن ثَلَاثَة معاصي وطاعات ومباحات المعايش فَأَما قسم الْمعاصِي على اخْتِلَاف أَنْوَاعهَا فَإِن العَبْد مَأْمُور بِأَن يعلم أَن الله يرَاهُ فَإِذا هم بِمَعْصِيَة وَعلم أَن الله يرَاهُ ويبصره على أَي حَالَة كَانَت وَأَنه يعلم خائنه الْأَعْين وَمَا تخفى الصُّدُور كف عَن الْمعْصِيَة وَرجع عَنْهَا وَأما الأنسان فيذهل عَن نظر الله إِلَيْهِ فينسى حِين الْمعْصِيَة أَنه يرَاهُ أَو يكون جَاهِلا فيظن أَن الله تَعَالَى بعيد مِنْهُ وَلَا يتَذَكَّر وَيعلم أَنه يُحَرك جوارحه حِين الْعَمَل الْمَعْمُول فينسى ذَلِك أَو يجهل فَيَقَع فيا لمعصية وَلَو علم وَتحقّق أَن وَالِده أَو رجلا كَبِيرا لَو يرَاهُ حِين الْمعْصِيَة لكف عَنْهَا وهرب مِنْهَا فَإِذا علم العَبْد أَن الله يرَاهُ فِي حِين الْمعْصِيَة كف عَنْهَا بِحُصُول الْبُرْهَان الإحساني عِنْده وَهُوَ الْبُرْهَان عِنْده وَهُوَ الْبُرْهَان الَّذِي أوتيه وَرَآهُ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام وَهُوَ قيام الدَّلِيل الْوَاضِح العلمي بِأَن الله تَعَالَى مَوْجُود حق وَأَنه نَاظر إِلَى كل شَيْء ومصرف لكل شَيْء ومحركه ومسكنه فَمن أرَاهُ الله تَعَالَى هَذَا الْبُرْهَان عِنْد جَمِيع الْمُهِمَّات صرف عَنهُ السوء والفحشاء من جَمِيع الْمُنْكَرَات الثَّانِي قسم الطَّاعَات فَهِيَ أَن تعلم أَن الله تَعَالَى مَوْجُود وتبرهن عِنْده أَنه يرَاهُ لَا محَالة إِلَّا أَن يكون زنديقا جاحدا لَا يقر بِرَبّ فَإِن كَانَ مقرّ بِوُجُودِهِ فَترك الْعِبَادَة فَإِنَّمَا تَركهَا تهاونا لنُقْصَان الْبُرْهَان الإحساني عِنْده وَهَذِه حَال المضيعين للفرائض لجهلهم بِقدر إِلَّا مرو قدر أمره الثَّالِث من الْمُبَاحَات وَهُوَ مَحل الْغَفْلَة والسهو عَن هَذَا الْمقَام الإحساني فَإِذا تذكر العَبْد أَن الله تَعَالَى يرَاهُ فِي تصريفه وَأَنه أره بالإقبال عَلَيْهِ وَقلة الْأَعْرَاض عَنهُ استحي أَن يرَاهُ مكبا على الخسيس الفاني مستغر قافي الِاشْتِغَال بِهِ عَن ذكره وَعَن الإقبال على مَا يقطع عَنهُ الْمقَام الثَّانِي فِي عَالم الْغَيْب فَإِن العَبْد إِذْ فكر فِي مَوَاطِن الْآخِرَة من موت وقبر وَحشر وَعرض وحساب وغي ذَلِك وَعلم أَنه معروض على الله تَعَالَى فِي ذَلِك الْعَالم ومواطنه تهَيَّأ لذَلِك الْعرض فيتزين للآخرة بزينة أهل الْآخِرَة مَا اسْتَطَاعَ وَأما الْمقَام الثَّالِث فِي الْإِحْسَان فَإِن العَبْد إِذا علم فِي قُلُوب اوليائه فيزيل الصِّفَات الممهلكات ويطهره مِنْهَا ويتصف المحمودات حَتَّى يَجْعَل سره كالمرآة المجلوة قَوْله " كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك " قَالَ النَّوَوِيّ هَذَا اصل عَظِيم من أصُول الدّين وَقَاعِدَة مهمة من قَوَاعِد الْمُسلمين وَهُوَ عُمْدَة الصديقين وبغية السالكين

وكنز العارفين ودأب الصَّالِحين وتلخيص مَعْنَاهُ أَن تعبد الله عبَادَة من يرى الله تَعَالَى وَيَرَاهُ الله تَعَالَى فَإِنَّهُ لَا يستبقي شَيْئا من الخضوع وَالْإِخْلَاص وَحفظ الْقلب والجوارح ومراعاة الْآدَاب مَا دَامَ فِي عِبَادَته وَقَوله " فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك " يَعْنِي أَنَّك إِنَّمَا تراعي الْآدَاب إِذا رَأَيْته ورآك لكَونه يراك لَا لكونك ترَاهُ وَهَذَا الْمَعْنى مَوْجُود وَإِن لم تره لِأَنَّهُ يراك وَحَاصِله الْحَث على كَمَال الْإِخْلَاص فِي الْعِبَادَة وَنِهَايَة المراقبة فِيهَا وَقَالَ هَذَا من جَوَامِع الْكَلم الَّتِي أوتيها رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد ندب أهل الْحَقَائِق إِلَى مجالسة الصَّالِحين ليَكُون ذَلِك مَانِعا من تلبسه بِشَيْء من النقائص احتراما لَهُم واستحياء مِنْهُم فَكيف بِمن لَا يزَال الله تَعَالَى مطلعا عَلَيْهِ فِي سره وعلانيته وَقَالَ القَاضِي عِيَاض قد اشْتَمَل على شرح جَمِيع وظائف الْعِبَادَات الظَّاهِرَة والباطنة من عُقُود الْإِيمَان وأعمال الْجَوَارِح وإخلاص السرائر وَالْحِفْظ من آفَات الْأَعْمَال حَتَّى أَن عُلُوم الشَّرِيعَة كلهَا رَاجِعَة إِلَيْهِ ومتشعبة مِنْهُ قَوْله " مَتى السَّاعَة " السَّاعَة مِقْدَار من الزَّمَان غير معِين لقَوْله تَعَالَى {مَا لَبِثُوا غير سَاعَة} وَفِي عرف أهل الشَّرْع عبارَة عَن يَوْم الْقِيَامَة وَفِي عرف المعدلين جُزْء من أَرْبَعَة وَعشْرين جزأ من أَوْقَات اللَّيْل وَالنَّهَار قَوْله " إِذا ولدت الْأمة رَبهَا " أَي مَالِكهَا وسيدها وَذكروا فِي معنى خذا أوجها الأول قَالَ الْخطابِيّ مَعْنَاهُ اتساع الْإِسْلَام واستيلاء أَهله على بِلَاد الشّرك وَسبي دراريهم فَإِذا ملك الرجل الْجَارِيَة واستولدها كَانَ الْوَلَد فِيهَا بِمَنْزِلَة رَبهَا لِأَنَّهُ ولد سَيِّدهَا وَقَالَ النَّوَوِيّ وَغَيره هَذَا قَول الْأَكْثَرين وَقَالَ بَعضهم وَقَالَ بَعضهم لَكِن فِي كَونه المُرَاد نظر لِأَن استيلاد الْإِمَاء كَانَ مَوْجُودا حِين الْمقَالة والاستيلاء لعى بِلَاد الشّرك وَسبي ذَرَارِيهمْ واتخاذهم سرارى وَقع أَكْثَره فِي صدر الْإِسْلَام وَسِيَاق الْكَلَام يَقْتَضِي الْإِشَارَة إِلَى وُقُوع مَا لم يَقع مِمَّا سيقع فِي قيام السَّاعَة قلت فِي نظره نظر لِأَن قَوْله إِذا ولدت الْأمة رَبهَا كِنَايَة عَن كَثْرَة التَّسَرِّي من كَثْرَة فتوح الْمُسلمين واستيلائهم على بِلَاد الشّرك وَالْمرَاد أَن يكون من هَذِه الْجِهَة فَافْهَم وَالثَّانِي مَعْنَاهُ أَن الْإِيمَاء يلدن الْمُلُوك فَتكون أم الْملك من جملَة الرّعية وَهُوَ سَيِّدهَا وَسيد غَيرهَا من رَعيته وَهَذَا قَول إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ وَالثَّالِث مَعْنَاهُ أَن تفْسد أَحْوَال النَّاس فيكثر بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد فِي آخر الزَّمَان فيكثر تردادها فِي ايدي المشترين حَتَّى يَشْتَرِيهَا ابْنهَا وَهُوَ لَا يدْرِي وعَلى هَذَا القَوْل لَا يخْتَص بأمهات الْأَوْلَاد بل يتَصَوَّر فِي غَيْرهنَّ فَإِن الْأمة قد تَلد حرا بوطئ غير سَيِّدهَا بِشُبْهَة أَو ولدا رَقِيقا بِنِكَاح أَو زنا ثمَّ تبَاع الْأمة فِي بيع لأمهات الْأَوْلَاد وَالرَّابِع أَن أم الْوَلَد لما عتقت بِوَلَدِهَا فَكَأَنَّهُ سَيِّدهَا وَهَذَا بطرِيق الْمجَاز لِأَنَّهُ لما كَانَ سَببا فِي عتقهَا بِمَوْت أَبِيه أطلق عَلَيْهِ ذَلِك وَالْخَامِس أَن يكثر العقوق فِي الْأَوْلَاد فيعامل الْوَلَد أمه مُعَاملَة السَّيِّد أمته من الإهانة وَغير ذَلِك وَأطلق عَلَيْهِ رَبهَا مجَازًا لذَلِك وَقَالَ بَعضهم لذَلِك وَقَالَ بَعضهم يجوز أَن يكون المُرَاد بالرب المربي فَيكون حَقِيقَة وَهَذَا أوجه الْأَوْجه عِنْدِي لعمومه قل هَذَا لَيْسَ بأوجه الْأَوْجه بل أضعفها لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا عد هَذَا من أَشْرَاط السَّاعَة لكَونه على نمط خَارج على وَجه الاستغراب أَو على وَجه دَال على فَسَاد أَحْوَال النَّاس وَالَّذِي ذكره هَذَا الْقَائِل لَيْسَ من هَذَا الْقَبِيل فَافْهَم. وَأما رِوَايَة بَعْلهَا فَالصَّحِيح فِي مَعْنَاهَا أَن البعل هُوَ السَّيِّد أَو الْمَالِك فَيكون بِمَعْنى رَبهَا على مَا سلف قَالَ أهل اللُّغَة بعل الشَّيْء ربه ومالكه قَالَ تَعَالَى {أَتَدعُونَ بعلا} أَي رَبًّا قَالَه ابْن عَبَّاس والمفسرون وَقيل المُرَاد هُنَا الزَّوْج وعَلى هَذَا مَعْنَاهُ نَحْو مَا سبق أَنه يكثر بيع السرارى حَتَّى يتَزَوَّج الْإِنْسَان أمه وَلَا يدْرِي وَهَذَا أَيْضا معنى صَحِيح إِلَّا أَن الأول أظهر لِأَنَّهُ إِذا أمكن حمل الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْقَضِيَّة الْوَاحِدَة على معنى وَاحِد كَانَ أولى قَوْله " وَإِذا تطاول رُعَاة الْإِبِل البهم فِي الْبُنيان " الْمَعْنى أَن أهل الْبَادِيَة أهل الْفَاقَة تنبسط لَهُم الدُّنْيَا حَتَّى يتباهوا فِي إطالة الْبُنيان يَعْنِي الْعَرَب تستولي على النَّاس وبلادهم وَيزِيدُونَ فِي بنيانهم وَهُوَ إِشَارَة إِلَى اتساع دين الْإِسْلَام كَمَا أَن الْعَلامَة الأولى أَيْضا فِيهَا اتساع الْإِسْلَام قَالَ الْكرْمَانِي ومحصله أَن من أشراطها تسلط الْمُسلمين على الْبِلَاد والعباد وَقَالَ ابْن بطال مَعْنَاهُ أَن ارْتِفَاع الأسافل من العبيد والسفلة الجمالين وَغَيرهم من عَلَامَات الْقِيَامَة. وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن أبي جَمْرَة عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا مَرْفُوعا " من انقلاب الدّين تفصح النبط واتخاذهم الْقُصُور فِي الْأَمْصَار " وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ الْمَقْصُود الْأَخْبَار عَن تبدل الْحَال بِأَن يستولي أهل الْبَادِيَة على الْأَمر ويتملكوا الْبِلَاد بالقهر فتكثر أَمْوَالهم وتنصرف هممهم إِلَى تشييد

الْبُنيان والتفاخر بِهِ وَقد شاهدنا ذَلِك فِي هَذَا الزَّمَان وَقَالَ الطَّيِّبِيّ الْمَقْصُود أَن علاماتها انقلاب الْأَحْوَال والقرينة الثَّانِيَة ظَاهِرَة فِي صيرورة الأعزة أَذِلَّة أَلا ترى إِلَى الملكة بنت النُّعْمَان حَيْثُ سبيت واحضرت بَين يَدي سعد بن أبي وَقاص رَضِي الله عَنهُ كَيفَ أنشدت

(بَينا نسوس النَّاس وَالْأَمر أمرنَا ... إِذا نَحن فيهم سوقة تنتصف)

(فأف لدُنْيَا لَا يَدُوم نعيمها ... تقلب تارات بِنَا وَتصرف)

قَوْله " فِي خمس " إِلَى آخِره قَالَ الْقُرْطُبِيّ لَا مطمع لأحد فِي علم شَيْء من هَذِه الْأُمُور الْخمس لهَذَا الحَدِيث وَقد فسر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَول الله تَعَالَى {وَعِنْده مفاتح الْغَيْب لَا يعلمهَا إِلَّا هُوَ} بِهَذِهِ الْخمس وَهُوَ الصَّحِيح قَالَ فَمن ادّعى علم شَيْء مِنْهَا غير مُسْند إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ كَاذِبًا فِي دَعْوَاهُ قَالَ وَأما ظن الْغَيْب فقد يجوز من المنجم وَغَيره إِذا كَانَ غير أَمر عادي وَلَيْسَ ذَلِك بِعلم وَقد نقل ابْن عبد الْبر الْإِجْمَاع على تَحْرِيم أَخذ الْأُجْرَة والجعل وإعطائها فِي ذَلِك (استنباط الْأَحْكَام) وَهُوَ على وُجُوه. الأول أَن الْإِيمَان هُوَ أَن يُؤمن العَبْد بِاللَّه وَمَلَائِكَته وبلقائه وَرُسُله ويؤمن بِالْبَعْثِ والنشور. الثَّانِي أَن الْإِسْلَام أَن تعبد الله وَلَا تشرك بِهِ شَيْئا وتقيم الصَّلَاة وتؤتي الزَّكَاة وتصوم رَمَضَان. الثَّالِث إِن الْإِحْسَان أَن تعبد الله كَأَنَّهُ يراك وتراه. الرَّابِع احْتج بِهِ من يَدعِي تغاير الْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَمَعَ هَذَا تقدم غير مرّة أَن الْإِسْلَام وَالْإِيمَان وَالدّين عِنْد البُخَارِيّ عِبَارَات عَن معنى وَاحِد وَقَالَ محيي السّنة جعل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْإِسْلَام اسْما لما ظهر من الْأَعْمَال وَالْإِيمَان اسْما لما بطن من الِاعْتِقَاد وَلَيْسَ ذَلِك لِأَن الْأَعْمَال لَيست من الْإِيمَان والتصديق بِالْقَلْبِ لَيْسَ من الْإِسْلَام بل ذَلِك تَفْصِيل لجملة هِيَ كلهَا شَيْء وَاحِد وجماعها الدّين وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام " أَتَاكُم جِبْرِيل يعلمكم دينكُمْ " والتصديق وَالْعَمَل يتناولهما الِاسْم وَالْإِيمَان وَالْإِسْلَام جَمِيعًا وَقَالَ ابْن الصّلاح مَا فِي الحَدِيث بَيَان لأصل الْإِيمَان وَهُوَ التَّصْدِيق الْبَاطِن وأصل الْإِسْلَام وَهُوَ الاستسلام والانقياد الظَّاهِر ثمَّ اسْم الْإِيمَان يتَنَاوَل مَا فسر بِهِ الْإِسْلَام وَسَائِر الطَّاعَات لكَونهَا ثَمَرَات للتصديق الْبَاطِن الَّذِي هُوَ أصل الْإِيمَان وَلِهَذَا فسر الْإِيمَان فِي حَدِيث الْوَفْد بِمَا هُوَ الْإِسْلَام هَهُنَا وَاسم الْإِسْلَام يتَنَاوَل أَيْضا مَا هُوَ أصل الْإِيمَان وَهُوَ التَّصْدِيق الْبَاطِن ويتناول الطَّاعَات فَإِن ذَلِك كُله استسلام فتحقق مَا ذكرنَا إنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ فِيهِ ويفترقان وَقَالَ من قَالَ إنَّهُمَا حقيقتان متباينتان إِن حَدِيث جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام جَاءَ على الْوَضع الْأَصْلِيّ بالتفرقة بَين الْإِيمَان وَالْإِسْلَام فالإيمان فِي اللُّغَة التَّصْدِيق مُطلقًا وَفِي الشَّرْع التَّصْدِيق بقواعد الشَّرْع وَالْإِسْلَام فِي اللُّغَة الاستسلام والانقياد وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {قل لم تؤمنوا وَلَكِن قُولُوا أسلمنَا} وَفِي الشَّرْع الانقياد فِي الْأَفْعَال الظَّاهِرَة الشَّرْعِيَّة لَكِن الشَّرْع توسع فاطلق الْإِيمَان على الْإِسْلَام فِي حَدِيث وَفد عبد الْقَيْس وَقَوله " الْإِيمَان بضع وَسَبْعُونَ بَابا أدناها إمَاطَة الْأَذَى عَن الطَّرِيق " وَأطلق الْإِسْلَام يُرِيد بِهِ الْأَمريْنِ قَالَ الله تَعَالَى {إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام} وَقَالَ بعض الْعلمَاء تنافس الْعلمَاء فِي هَذِه الْأَسْمَاء تنافسا لَا طائل تَحْتَهُ فَإِنَّهُم متفقون على أَنه يُسْتَفَاد مِنْهَا بِالشَّرْعِ زِيَادَة على أصل الْوَضع فَهَل ذَلِك الْمَعْنى يصير تِلْكَ الْأَسْمَاء مَوْضُوعَة كالوضع الابتدائي كَمَا فِي لفظ الدَّابَّة أَو هِيَ مبقاة على الْوَضع اللّغَوِيّ وَالشَّرْع إِنَّمَا تصرف فِي شُرُوطهَا وأحكامها قلت وَهَذَا الثَّانِي هُوَ قَول القَاضِي أبي بكر الباقلاني قَالَ وَالْقَوْل بِالْأولِ يحصل غَرَض الشِّيعَة على الصَّحَابَة فَإِذا قيل إِن الله تَعَالَى وعد الْمُؤمنِينَ بِالْجنَّةِ وهم قد آمنُوا يَقُولُونَ الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق فِي قُلُوبهم لَكِن الشَّرْع نقل هَذِه الْأَلْفَاظ إِلَى الطَّاعَات وهم صدقُوا وَمَا أطاعوا فِي أَمر الْخلَافَة فَإِذا قُلْنَا لم تنقل انسد الْبَاب الردي وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ يمكننا أَن نقُول بِأَن الْأَسْمَاء الشَّرْعِيَّة منقولة إِلَّا هَذِه الْمَسْأَلَة. الْخَامِس فِيهِ وجوب الْإِيمَان بِهَذِهِ الْمَذْكُورَات فِي الحَدِيث. السَّادِس فِيهِ عظم مرتبَة هَذِه الْأَركان الَّتِي فسر الْإِسْلَام بهَا السَّابِع فِيهِ جَوَاز قَول رَمَضَان بِلَا شهر الثَّامِن فِيهِ غظم مَحل الْإِخْلَاص والمراقبة التَّاسِع يه لَا أَدْرِي من الْعلم وَالِاعْتِرَاف بِعَدَمِ الْعلم وَإِن ذَلِك لَا ينقصهُ وَلَا يزِيل مَا عرف من جلالته بل ذَلِك دَلِيل على ورعه وتقواه ووفور علمه وَعدم يبجحه بِمَا لَيْسَ عِنْده الْعَاشِر فِيهِ دَلِيل على تمثل الْمَلَائِكَة بِأَيّ صُورَة شاؤا من صور بني

آدم كَقَوْلِه تَعَالَى {فتمثل لَهَا بشرا سويا} وَقد كَانَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام يتَمَثَّل بِصُورَة دحْيَة وَلم يره النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فِي صورته الَّتِي خلق عَلَيْهَا غير مرَّتَيْنِ. فَإِن قلت لَو كَانَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام متمثلا بِصُورَة دحْيَة فِي ذَلِك الْوَقْت لَكَانَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام عرفه من أول الْأَمر مَا عرف أَنه جِبْرِيل إِلَّا فِي آخر الْحَال قلت من ادّعى أَن جِبْرِيل مَا يتَمَثَّل إِلَّا بِصُورَة دحْيَة فَقَط فَعَلَيهِ الْبَيَان على أَن الَّذِي ذكرنَا من الرِّوَايَات أَن جِبْرِيل أَتَاهُ فِي صُورَة رجل حسن الْهَيْئَة لكنه غير مَعْرُوف لديهم يرد عَلَيْهِ. فَإِن قلت وَقع فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من طَرِيق أبي فَرْوَة فِي آخر الحَدِيث وَأَنه لجبريل نزل فِي صُورَة دحْيَة الْكَلْبِيّ قلت قَوْله نزل فِي صُورَة دحْيَة الْكَلْبِيّ وهم لِأَن دحْيَة مَعْرُوف عِنْدهم وَقد قَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ فِي حَدِيثه مَا يعرفهُ منا أحد وَقد أخرجه مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي فِي كتاب الْإِيمَان لَهُ من الْوَجْه الَّذِي أخرجه مِنْهُ النَّسَائِيّ فَقَالَ فِي آخِره " فَإِنَّهُ جِبْرِيل جَاءَ ليعلمكم دينكُمْ " حسب وَهَذِه الرِّوَايَة هِيَ المحفوظة لموافقته بَاقِي الرِّوَايَات الْحَادِي عشر قَالَ الْقُرْطُبِيّ هَذَا الحَدِيث يصلح أَن يُقَال لَهُ أم السّنة لما تضمن من جملَة عِلّة السّنة وَقَالَ الطَّيِّبِيّ لهَذِهِ النُّكْتَة استفتح بِهِ الْبَغَوِيّ كِتَابه المصابيح وَشرح السّنة اقْتِدَاء بِالْقُرْآنِ فِي افتتاحه بِالْفَاتِحَةِ لِأَنَّهَا تَضَمَّنت عُلُوم الْقُرْآن إِجْمَالا وَقَالَ القَاضِي عِيَاض اشْتَمَل هَذَا الحَدِيث على جَمِيع وظائف الْعِبَادَات الظَّاهِرَة والباطنة من عُقُود الْإِيمَان ابْتِدَاء وَحَالا ومآلا وَمن أَعمال الْجَوَارِح وَمن إخلاص السرائر والتحفظ من آفَات الْأَعْمَال حَتَّى أَن عُلُوم الشَّرِيعَة كلهَا رَاجِعَة إِلَيْهِ ومتشعبة مِنْهُ الثَّانِي عشر فِيهِ دَلِيل على أَن رُؤْيَة الله تَعَالَى فِي الدُّنْيَا بالأبصار غير وَاقعَة فَإِن قلت فالنبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد رَآهُ قلت قَالَ بَعضهم وَأما النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَذَاك لدَلِيل آخر قلت رُؤْيَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ربه عز وَجل لم يكن فِي دَار الدُّنْيَا بل كَانَت فِي الملكوت الْعليا وَالدُّنْيَا لَا تطلق عَلَيْهَا وَالدَّلِيل الصَّرِيح على عدم وُقُوع رُؤْيَة الله تَعَالَى بالأبصار فِي الدُّنْيَا مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث أبي أُمَامَة قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام " وَاعْلَمُوا أَنكُمْ لن تروا ربكُم حَتَّى تَمُوتُوا " وَأما الرُّؤْيَة فِي الْآخِرَة فمذهب أهل الْحق أَنَّهَا وَاقعَة بالأبصار. فَإِن قلت الرُّؤْيَة يشْتَرط فِيهَا خُرُوج شُعَاع وانطباع صُورَة المرئي فِي الحدقة والمواجهة والمقابلة وَرفع الْحجب فَكيف يجوز ذَلِك على الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قلت هَذِه الشُّرُوط للرؤيا عَادَة فِي الدُّنْيَا وَأما فِي الْآخِرَة فَيجوز أَن يكون الله تَعَالَى مرئيا لنا إِذْ هِيَ حَالَة يخلقها الله تَعَالَى فِي الحاسة فَتحصل بِدُونِ هَذِه الشُّرُوط وَلِهَذَا جوز الأشاعرة أَن يرى أعمى الصين بقْعَة أندلس وَقد ادّعى بعض غلات الصُّوفِيَّة جَوَاز رُؤْيَة الله تَعَالَى بالأبصار فِي دَار الدُّنْيَا وَقَالَ فِي قَوْله " فَإِن لم تكن ترَاهُ " إِشَارَة إِلَى مقَام المحو والفناء وَتَقْدِيره فَإِن لم تصر شَيْئا وفنيت عَن نَفسك حَتَّى كَأَنَّك لَيْسَ بموجود فَإنَّك حِينَئِذٍ ترَاهُ. قلت هَذَا تَأْوِيل فَاسد بِدَلِيل رِوَايَة كهمس فَإِن لَفظهَا " فَإنَّك أَن لَا ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك " فَسلط النَّفْي على الرُّؤْيَة لَا على الْكَوْن وَكَذَلِكَ يبطل تأويلهم رِوَايَة أبي فَرْوَة " فَإِن لم ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك " ورد عَلَيْهِم بَعضهم بقوله لَو كَانَ المُرَاد مَا زَعَمُوا لَكَانَ قَوْله " ترَاهُ " نحذوف الْألف لِأَنَّهُ يصير مَجْزُومًا لكَونه على تأويلهم جَوَاب الشَّرْط وَلم يَجِيء حذف الْألف فِي شَيْء من طرق هَذَا الحَدِيث وَهَذَا الْجَواب لَا يقطع بِهِ شغبهم لِأَن لَهُم أَن يَقُولُوا الْجَزَاء جملَة حذف صدرها تَقْدِيره فَأَنت ترَاهُ والجزم فِي الْجُمْلَة لَا يظْهر والمقدر كالملفوظ قَوْله " مَتى السَّاعَة " قَالَ الْقُرْطُبِيّ الْمَقْصُود من هَذَا السُّؤَال كف السامعين عَن السُّؤَال عَن وَقت السَّاعَة لأَنهم كَانُوا قد أَكْثرُوا السُّؤَال عَنْهَا كَمَا ورد فِي كثير من الْآيَات والْحَدِيث فَلَمَّا حصل الْجَواب بِمَا ذكر حصل الْيَأْس من مَعْرفَتهَا بِخِلَاف الأسئلة الْمَاضِيَة فَإِن المُرَاد بهَا اسْتِخْرَاج الْأَجْوِبَة ليتعلمها السامعون ويعملوا بهَا وَهَذَا السُّؤَال وَالْجَوَاب وَقعا بَين عِيسَى ابْن مَرْيَم وَجِبْرِيل عَلَيْهِمَا السَّلَام أَيْضا لَكِن كَانَ عِيسَى سَائِلًا وَجِبْرِيل مسئولا قَالَ الْحميدِي حَدثنَا سُفْيَان حَدثنَا مَالك ابْن مغول عَن إِسْمَاعِيل بن رَجَاء عَن الشّعبِيّ قَالَ " سَأَلَ عِيسَى ابْن مَرْيَم جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام عَن السَّاعَة قَالَ فانتفض بأجنحته وَقَالَ مَا المسؤل عَنْهَا بِأَعْلَم من السَّائِل " قَوْله " جَاءَ يعلم النَّاس دينهم " أَي قَوَاعِد دينهم وكلياتها وَقَالَ ابْن الْمُنِير فِيهِ دلَالَة على أَن السُّؤَال الْحسن يُسمى علما وتعليما لِأَن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام لم يصدر مِنْهُ سوى السُّؤَال وَمَعَ ذَلِك فقد سَمَّاهُ معلما وَقد اشْتهر قَوْلهم. السُّؤَال نصف الْعلم (الأسئلة والأجوبة) مِنْهَا مَا قيل مَا سَبَب وُرُود هَذَا الحَدِيث وَأجِيب بِأَن سَببه مَا رَوَاهُ مُسلم من رِوَايَة عمَارَة بن الْقَعْقَاع أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ " سلوني فهابوه أَن يسألوه فجَاء رجل فَجَلَسَ عِنْد رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ يَا رَسُول الله

مَا الْإِسْلَام " الحَدِيث. وَمِنْهَا مَا قيل مَا وَجه تَفْسِير الْإِيمَان بِأَن تؤمن وَفِيه تَعْرِيف الشَّيْء بِنَفسِهِ وَأجِيب بِأَنَّهُ لَيْسَ تعريفا بِنَفسِهِ إِذا المُرَاد من الْمَحْدُود الْإِيمَان الشَّرْعِيّ وَمن الْحَد الْإِيمَان اللّغَوِيّ أَو المتضمن للاعتراف وَلِهَذَا عدى بِالْبَاء أَي أَن تصدق معترفا بِكَذَا. وَمِنْهَا مَا قيل كَيفَ بَدَأَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام بالسؤال قبل السَّلَام وَأجِيب بِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون ذَلِك مُبَالغَة فِي التعمية لأَمره أَو ليبين أَن ذَلِك غير وَاجِب أَو سلم فَلم يَنْقُلهُ الرَّاوِي قلت الْأَوَّلَانِ ضعيفان والاعتماد على الثَّالِث لِأَنَّهُ ثَبت فِي رِوَايَة أبي فَرْوَة بعد قَوْله " كَأَن ثِيَابه لم يَمَسهَا دنس حَتَّى سلم من طرف الْبسَاط فَقَالَ السَّلَام عَلَيْك يَا مُحَمَّد فَرد عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ ادنو يَا مُحَمَّد قَالَ أدن فَمَا زَالَ يَقُول أدنو مرَارًا وَيَقُول أدن " وَنَحْوه فِي رِوَايَة عَطاء عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا لَكِن قَالَ " السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله " وَفِي رِوَايَة " يَا رَسُول الله أدنو فَقَالَ أدن " وَلم يذكر السَّلَام فاختلفت الرِّوَايَة هَل قَالَ يَا مُحَمَّد أَو قَالَ يَا رَسُول الله وَهل سلم أَولا وَطَرِيق التَّوْفِيق أَن رِوَايَة من قَالَ سلم مُقَدّمَة على رِوَايَة من سكت عَنهُ أَو أَنه قَالَ أَولا يَا مُحَمَّد كَمَا كَانَ الْأَعْرَاب يَقُوله قصدا ااتعمية ثمَّ خاطبه بعد ذَلِك بقوله يَا رَسُول الله وَوَقع عِنْد الْقُرْطُبِيّ أَنه قَالَ السَّلَام عَلَيْكُم يَا مُحَمَّد واستنبط من هَذَا أَنه يسْتَحبّ للداخل أَن يعمم بِالسَّلَامِ ثمَّ يخصص من يُرِيد تَخْصِيصه. وَمِنْهَا مَا قيل لم قدم السُّؤَال عَن الْإِيمَان وَأجِيب بِأَنَّهُ الأَصْل وَثني بِالْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يظْهر بِهِ تَصْدِيق الدَّعْوَى وَثلث بِالْإِحْسَانِ لِأَنَّهُ مُتَعَلق بهما وَقد وَقع فِي رِوَايَة عمَارَة بن الْقَعْقَاع بَدَأَ بِالْإِسْلَامِ وثنى بِالْإِيمَان وَقَالُوا إِنَّمَا بَدَأَ بِالْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ بِالْأَمر الظَّاهِر ثمَّ بِالْإِيمَان لِأَنَّهُ بِالْأَمر الْبَاطِن وَرجح الطَّيِّبِيّ هَذَا وَقَالَ لما فِيهِ من الترقي وَوَقع فِي وَرَايَة مطر الْوراق بَدَأَ بِالْإِسْلَامِ وثنى بِالْإِحْسَانِ وَثلث بِالْإِيمَان وَيُمكن أَن يُقَال عَنَّا أَن الْإِحْسَان هُوَ الْإِخْلَاص كَمَا ذكرنَا فَكَمَا أَن مَحَله الْقلب فَكَذَلِك ذكر فِي الْقلب وَالْحق أَن هَذَا التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير من الروَاة وَالله تَعَالَى أعلم. وَمِنْهَا مَا قيل أَن السُّؤَال عَن مَاهِيَّة الْإِيمَان لِأَنَّهُ سَأَلَهُ بِكَلِمَة مَا وَلَا يسْأَل بهَا إِلَّا عَن الْمَاهِيّة وماهية الْإِيمَان التَّصْدِيق وَالْجَوَاب غير مُطَابق وَأجِيب بِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام علم مِنْهُ إِنَّه إِنَّمَا سَأَلَهُ عَن متعلقات الْإِيمَان إِذْ لَو كَانَ سُؤَاله عَن حَقِيقَته لَكَانَ جَوَابه التَّصْدِيق وَقَالَ الطَّيِّبِيّ قَوْله " أَن تؤمن بِاللَّه " يُوهم التّكْرَار وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ يتَضَمَّن معنى أَن تعترف وَلِهَذَا عداهُ بِالْبَاء وَقَالَ بَعضهم والتصديق أَيْضا يعدي بِالْبَاء فَلَا يحْتَاج إِلَى دَعْوَى التَّضْمِين قلت الطَّيِّبِيّ ادّعى تضمين الْإِيمَان معنى الِاعْتِرَاف وَكَون التَّصْدِيق يتَعَدَّى بِالْبَاء لَا يمْنَع دَعْوَى تضمين الْإِيمَان معنى الِاعْتِرَاف حَتَّى يُقَال لَا يحْتَاج إِلَى دَعْوَى التَّضْمِين. وَمِنْهَا مَا قيل الْإِيمَان بالكتب أَيْضا وَاجِب وَلم تَركه وَأجِيب بِأَن الْإِيمَان بالرسل مُسْتَلْزم للْإيمَان بِمَا أنزل عَلَيْهِم على أَنه مَذْكُور فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ هَهُنَا كَمَا ذَكرْنَاهُ وَمِنْهَا مَا قيل لم كرر لفظ تؤمن فِي قَوْله " وتؤمن بالعبث " وَأجِيب بِأَنَّهُ نوع آخر من الْمُؤمن بِهِ لِأَن الْبَعْث سيوجد فِيمَا بعد واخواته مَوْجُودَة الْآن وَمِنْهَا مَا قيل ظَاهر الحَدِيث يدل على أَن الْإِيمَان لَا يتم إِلَّا على من صدق بِجَمِيعِ مَا ذكر فَمَا بَال الْفُقَهَاء يكتفون بِإِطْلَاق الْإِيمَان على من آمن بِاللَّه وَرَسُوله وَأجِيب بِأَن الْإِيمَان بِرَسُولِهِ هُوَ الْإِيمَان بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ من ربه فَيدْخل جَمِيع ذَلِك تَحت ذَلِك وَمِنْهَا مَا قيل أَن المُرَاد من قَوْله (أَن تعبد الله وَلَا تشرك بِهِ شَيْئا) إِن كَانَ معرفَة الله تَعَالَى وتوحيده فَلَا يحْتَاج إِلَى قَوْله (وَلَا تشرك بِهِ شَيْئا) وَإِن كَانَ المُرَاد الطَّاعَة مُطلقًا فَيدْخل فِيهَا جَمِيع الْوَظَائِف وَمَا الْفَائِدَة بعد ذَلِك فِي ذكر الصَّلَاة وَالصَّوْم وَأجِيب بِأَن المُرَاد النُّطْق بِالشَّهَادَتَيْنِ صرح بذلك فِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ قَالَ " الْإِسْلَام أَن تشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله " وَلما عبر الرَّاوِي عَن ذَلِك بِالْعبَادَة احْتِيجَ أَن يُوضح ذَلِك بقوله وَلَا تشرك بِهِ شَيْئا وَلم يحْتَج إِلَيْهِ من بَاب عطف الْخَاص على الْعَام. وَمِنْهَا مَا قيل أَن السُّؤَال عَن الْإِسْلَام عَام وَالْجَوَاب خَاص لقَوْله " أَن تعبد الله " وَكَذَا قَوْله فِي الْإِيمَان " أَن تؤمن " وَفِي الْإِحْسَان " أَن تعبد " وَأجِيب بِأَنَّهُ لَيْسَ المُرَاد بمخاطبة الْأَفْرَاد اخْتِصَاصه بذلك بل المُرَاد تَعْلِيم السامعين الحكم فِي حَقهم وَحقّ من تخَاف عَنْهُم وَقد بَين ذَلِك بقوله فِي آخر الحَدِيث " يعلم النَّاس دينهم " وَمِنْهَا مَا قيل لم لم يذكر الْحَج وَأجِيب بِأَنَّهُ فرض حِينَئِذٍ وَيرد هَذَا مَا رَوَاهُ ابْن مَنْدَه فِي كتاب الْإِيمَان بِإِسْنَادِهِ الَّذِي هُوَ على شَرط مُسلم من طَرِيق سُلَيْمَان التَّيْمِيّ من حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ أَوله أَن رجلا فِي آخر عمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جَاءَ إِلَى

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْعَرَبِيِّ بِأَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ تَحْصُلُ بِمَا لَمْ يُقْصَدْ فِي الثَّانِي إِذَا قُصِدَ فِي الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ مُرَاعَاةَ الْقَصْدِ إِنَّمَا هُوَ فِي الْأَوَّلِ ثُمَّ يَسْتَرْسِلُ حُكْمُ النِّيَّةِ الْأُولَى عَلَى مُؤْتَنَفِ الْعَمَلِ، وَإِنْ عَزَبَ الْقَصْدُ خَيْرًا كَانَ أَوْ شَرًّا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا) أَيْ: وَإِنْ كَانَ عَدَمُ الرَّفْعِ أَزْيَدَ خَيْرًا وَأَوْلَى مِنْهُ ; لِأَنَّهُ مُتَحَقِّقٌ فِيهِ، لَكِنْ فِي الرَّفْعِ خَيْرٌ مَرْجُوٌّ لِاسْتِلْزَامِهِ مَزِيدَ الثَّوَابِ ; لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِزِيَادَةِ الِاجْتِهَادِ فِي الْتِمَاسِهَا، وَإِنَّمَا حَصَلَ ذَلِكَ بِبَرَكَةِ الرَّسُولِ .

قَوْلُهُ: (فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ) كَذَا فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ بِتَقْدِيمِ السَّبْعِ الَّتِي أَوَّلُهَا السِّينُ عَلَى التِّسْعِ، فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ رَجَاءَهَا فِي السَّبْعِ أَقْوَى لِلِاهْتِمَامِ بِتَقْدِيمِهِ. وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ بِتَقْدِيمِ التِّسْعِ عَلَى تَرْتِيبِ التَّدَلِّي. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالتِّسْعِ وَغَيْرِهَا فَقِيلَ لِتِسْعٍ يَمْضِينَ مِنَ الْعَشْرِ، وَقِيلَ لِتِسْعٍ يَبْقَيْنَ مِنَ الشَّهْرِ، وَسَنَذْكُرُ بَسْطَ هَذَا فِي مَحَلِّهِ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الِاعْتِكَافِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٣٧ - بَاب سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ عَنْ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالْإِحْسَانِ وَعِلْمِ السَّاعَةِ وَبَيَانِ النَّبِيِّ لَهُ ثُمَّ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ، فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا، وَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ مِنْ الْإِيمَانِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾

٥٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قال: حدثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ فَأَتَاهُ رجل فَقال: ما الْإِيمَانُ؟ قَالَ: الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ قال: ما الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: الْإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ قال: ما الْإِحْسَانُ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قال: ما الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ، وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: إِذَا وَلَدَتْ الْأَمَةُ رَبَّهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الْإِبِلِ الْبُهْمُ فِي الْبُنْيَانِ فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الْآيَةَ، ثُمَّ أَدْبَرَ فَقَالَ: رُدُّوهُ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا فَقال: هذا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ، قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: جَعَلَ ذَلِك كُلَّهُ مِنْ الْإِيمَانِ.

[الحديث ٥٠ - طرفه في: ٤٧٧٧]

قَوْلُهُ: (بَابُ سُؤَالِ جِبْرِيلَ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ إِلَخْ) تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ يَرَى أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ عِبَارَةٌ عَنْ مَعْنًى وَاحِدٍ، فَلَمَّا كَانَ ظَاهِرُ سُؤَالِ جِبْرِيلَ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَجَوَابُهُ يَقْتَضِي تَغَايُرَهُمَا، وَأَنَّ الْإِيمَانَ تَصْدِيقٌ بِأُمُورٍ مَخْصُوصَةٍ، وَالْإِسْلَامَ إِظْهَارُ أَعْمَالٍ مَخْصُوصَةٍ، أَرَادَ أَنْ يَرُدَّ ذَلِكَ بِالتَّأْوِيلِ إِلَى طَرِيقَتِهِ.

قَوْلُهُ: (وَبَيَانِ) أَيْ: مَعَ بَيَانِ أَنَّ الِاعْتِقَادَ وَالْعَمَلَ دِينٌ، وَقَوْلُهُ: وَمَا بَيَّنَ أَيْ: مَعَ مَا بَيَّنَ لِلْوَفْدِ أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْإِسْلَامُ حَيْثُ فَسَّرَهُ فِي قِصَّتِهِمْ بِمَا فَسَّرَ بِهِ الْإِسْلَامَ هُنَا، وَقَوْلُهُ: وَقَوْلُ اللَّهِ أَيْ: مَعَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ أَنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ الدِّينُ، وَدَلَّ عَلَيْهِ خَبَرُ أَبِي سُفْيَانَ: أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الدِّينُ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الْإِسْلَامَ وَالْإِيمَانَ أَمْرٌ وَاحِدٌ. هَذَا مُحَصَّلُ كَلَامِهِ، وَقَدْ نَقَلَ أَبُو عَوَانَةَ الْإسْفَرَايِينِيُّ

فِي صَحِيحِهِ عَنِ الْمُزَنِيِّ صَاحِبِ الشَّافِعِيِّ الْجَزْمَ بِأَنَّهُمَا عِبَارَةٌ عَنْ مَعْنًى وَاحِدٍ، وَأَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ. وَعَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ الْجَزْمَ بِتَغَايُرِهِمَا، وَلِكُلٍّ مِنَ الْقَوْلَيْنِ أَدِلَّةٌ مُتَعَارِضَةٌ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: صَنَّفَ فِي الْمَسْأَلَةِ إِمَامَانِ كَبِيرَانِ، وَأَكْثَرَا مِنَ الْأَدِلَّةِ لِلْقَوْلَيْنِ، وَتَبَايَنَا فِي ذَلِكَ. وَالْحَقُّ أَنَّ بَيْنَهُمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا، فَكُلُّ مُؤْمِنٍ مُسْلِمٌ، وَلَيْسَ كُلُّ مُسْلِمٍ مُؤْمِنًا. انْتَهَى كَلَامُهُ مُلَخَّصًا. وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يُطْلَقُ عَلَى الِاعْتِقَادِ وَالْعَمَلِ مَعًا، بِخِلَافِ الْإِيمَانِ فَإِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِمَا مَعًا. وَيَرِدُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ هُنَا يَتَنَاوَلُ الْعَمَلَ وَالِاعْتِقَادَ مَعًا ; لِأَنَّ الْعَامِلَ غَيْرُ الْمُعْتَقِدِ لَيْسَ بِذِي دِينٍ مَرْضِيٍّ.

وَبِهَذَا اسْتَدَلَّ الْمُزَنِيُّ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ فَقَالَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ جِبْرِيلَ هَذَا: جَعَلَ النَّبِيُّ الْإِسْلَامَ هُنَا اسْمًا لِمَا ظَهَرَ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَالْإِيمَانَ اسْمًا لِمَا بَطَنَ مِنَ الِاعْتِقَادِ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ لَيْسَتْ مِنَ الْإِيمَانِ، وَلَا لِأَنَّ التَّصْدِيقَ لَيْسَ مِنَ الْإِسْلَامِ، بَلْ ذَاكَ تَفْصِيلٌ لِجُمْلَةٍ كُلُّهَا شَيْءٌ وَاحِدٌ وَجِمَاعُهَا الدِّينُ، وَلِهَذَا قَالَ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ وَقال : ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ وَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ وَلَا يَكُونُ الدِّينُ فِي مَحَلِّ الرِّضَا وَالْقَبُولِ إِلَّا بِانْضِمَامِ التَّصْدِيقِ. انْتَهَى كَلَامُهُ.

وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ مَجْمُوعِ الْأَدِلَّةِ أَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً، كَمَا أَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً، لَكِنْ كُلٌّ مِنْهُمَا مُسْتَلْزِمٌ لِلْآخَرِ بِمَعْنَى التَّكْمِيلِ لَهُ، فَكَمَا أَنَّ الْعَامِلَ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا كَامِلًا إِلَّا إِذَا اعْتَقَدَ، فَكَذَلِكَ الْمُعْتَقِدُ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا كَامِلًا إِلَّا إِذَا عَمِلَ، وَحَيْثُ يُطْلَقُ الْإِيمَانُ فِي مَوْضِعِ الْإِسْلَامِ أَوِ الْعَكْسِ، أَوْ يُطْلَقُ أَحَدُهُمَا عَلَى إِرَادَتِهِمَا مَعًا فَهُوَ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ. وَيَتَبَيَّنُ الْمُرَادُ بِالسِّيَاقِ، فَإِنْ وَرَدَا مَعًا فِي مَقَامِ السُّؤَالِ حُمِلَا عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَإِنْ لَمْ يَرِدَا مَعًا أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي مَقَامِ سُؤَالٍ أَمْكَنَ الْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوِ الْمَجَازِ بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ مِنَ الْقَرَائِنِ. وَقَدْ حَكَى ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ قَالُوا: إِنَّهُمَا تَخْتَلِفُ دَلَالَتُهُمَا بِالِاقْتِرَانِ، فَإِنْ أُفْرِدَ أَحَدُهُمَا دَخَلَ الْآخَرُ فِيهِ. وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ مَا حَكَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وَتَبِعَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ الْأَكْثَرِ أَنَّهُمْ سَوَّوْا بَيْنَهُمَا عَلَى مَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَمَا حَكَاهُ اللَّالِكَائِيُّ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا عَلَى مَا فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

قَوْلُهُ: (وَعِلْمِ السَّاعَةِ) تَفْسِيرٌ مِنْهُ لِلْمُرَادِ بِقَوْلِ جِبْرِيلَ فِي السُّؤَالِ مَتَى السَّاعَةُ؟ أَيْ: مَتَى عِلْمُ السَّاعَةِ؟ وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ آخَرَ، أَيْ: مَتَى عِلْمُ وَقْتِ السَّاعَةِ؟

قَوْلُهُ: (وَبَيَانِ النَّبِيِّ ) هُوَ مَجْرُورٌ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى عِلْمِ الْمَعْطُوفِ عَلَى سُؤَالِ الْمَجْرُورِ بِالْإِضَافَةِ. فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يُبَيِّنِ النَّبِيُّ وَقْتَ السَّاعَةِ، فَكَيْفَ قَالَ وَبَيَانِ النَّبِيِّ لَهُ. فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَيَانِ بَيَانُ أَكْثَرِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ فَأَطْلَقَهُ ; لِأَنَّ حُكْمَ مُعْظَمِ الشَّيْءِ حُكْمُ كُلِّهِ. أَوْ جَعَلَ الْحُكْمَ فِي عِلْمِ السَّاعَةِ بِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ بَيَانًا لَهُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ الْبَصْرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ عُلَيَّةَ، قال: أخبرنَا أَبُو حَيَّانَ التَّمِيمِيُّ. وَأَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ لُقْمَانَ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ الْمَذْكُورِ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَرِيرٍ أَيْضًا عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ أَيْضًا عَنْ أَبِي فَرْوَةَ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. زَادَ أَبُو فَرْوَةَ: وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ أَيْضًا، وَسَاقَ حَدِيثَهُ عَنْهُمَا جَمِيعًا. وَفِيهِ فَوَائِدُ زَوَائِدُ سَنُشِيرُ إِلَيْهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَلَمْ أَرَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ هَذَا عَنْهُ، وَلَمْ يُخَرِّجْهُ الْبُخَارِيُّ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَيَّانَ عَنْهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَفِي سِيَاقِهِ فَوَائِدُ زَوَائِدُ أَيْضًا. وَإِنَّمَا لَمْ يُخَرِّجُهُ الْبُخَارِيُّ لِاخْتِلَافٍ فِيهِ عَلَى بَعْضِ رُوَاتِهِ، فَمَشْهُورُهُ رِوَايَةُ كَهْمَسٍ - بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ قَبْلَهَا مِيمٌ مَفْتُوحَةٌ - ابْنِ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ - بِفَتْحِ الْمِيمِ أَوَّلُهُ يَاءٌ تَحْتَانِيَّةٌ مَفْتُوحَةٌ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عن أبيه عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَوَاهُ عَنْ كَهْمَسٍ جَمَاعَةٌ

مِنَ الْحُفَّاظِ، وَتَابَعَهُ مَطَرٌ الْوَرَّاقُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، وَتَابَعَهُ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، وَكَذَا رَوَاهُ عُثْمَانُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ لَكِنَّهُ قَالَ: عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، وَحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَعًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، زَادَ فِيهِ حُمَيْدًا، وَحُمَيْدٌ لَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ ذِكْرٌ لَا رِوَايَةٌ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ هَذِهِ الطُّرُقَ وَلَمْ يَسُقْ مِنْهَا إِلَّا مَتْنَ الطَّرِيقِ الْأُولَى وَأَحَالَ الْبَاقِيَ عَلَيْهَا، وَبَيْنَهَا اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ سَنُشِيرُ إِلَى بَعْضِهِ، فَأَمَّا رِوَايَةُ مَطَرٍ فَأَخْرَجَهَا أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا رِوَايَةُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ فَأَخْرَجَهَا ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا رِوَايَةُ عُثْمَانَ بْنِ غِيَاثٍ فَأَخْرَجَهَا أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ.

وَقَدْ خَالَفَهُمْ سُلَيْمَانُ بْنُ بُرَيْدَةَ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ فَرَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ النَّبِيِّ فَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ ابْنِ عُمَرَ لَا مِنْ رِوَايَتِهِ، عن أبيه. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا. وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، وَكَذَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ. وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَالْبُخَارِيُّ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وَعَنْ جَرِيرٍ الْبَجَلِيِّ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ وَفِي إِسْنَادِهِ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، وهو الْعُمَرِيُّ وَلَا يَصْلُحُ لِلصَّحِيحِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي عَامِرٍ الْأَشْعَرِيِّ أَخْرَجَهُمَا أَحْمَدُ وَإِسْنَادُهُمَا حَسَنٌ. وَفِي كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الطُّرُقِ فَوَائِدُ سَنَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الْبَابِ. وَإِنَّمَا جَمَعْتُ طُرُقَهَا هُنَا وَعَزَوْتُهَا إِلَى مُخَرِّجِيهَا لِتَسْهِيلِ الْحَوَالَةِ عَلَيْهَا فِرَارًا مِنَ التَّكْرَارِ الْمُبَايِنِ لِطَرِيقِ الِاخْتِصَارِ. وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

قَوْلُهُ: (كَانَ النَّبِيُّ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ) أَيْ: ظَاهِرًا لَهُمْ غَيْرَ مُحْتَجِبٍ عَنْهُمْ وَلَا مُلْتَبِسٍ بِغَيْرِهِ، وَالْبُرُوزُ الظُّهُورُ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا بَيَانُ ذَلِكَ، فَإِنَّ أَوَّلَهُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَجْلِسُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فَيَجِيءُ الْغَرِيبُ فَلَا يَدْرِي أَيُّهُمْ هُوَ، فَطَلَبْنَا إِلَيْهِ أَنْ نَجْعَلَ لَهُ مَجْلِسًا يَعْرِفُهُ الْغَرِيبُ إِذَا أَتَاهُ، قَالَ: فَبَنَيْنَا لَهُ دُكَّانًا مِنْ طِينٍ كَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهِ. انْتَهَى. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْقُرْطُبِيُّ اسْتِحْبَابَ جُلُوسِ الْعَالِمِ بِمَكَانٍ يَخْتَصُّ بِهِ وَيَكُونُ مُرْتَفِعًا إِذَا احْتَاجَ لِذَلِكَ لِضَرُورَةِ تَعْلِيمٍ وَنَحْوِهِ.

قَوْلُهُ: (فَأَتَاهُ رَجُلٌ) أَيْ: مَلَكٌ فِي صُورَةِ رَجُلٍ، وَفِي التَّفْسِيرِ لِلْمُصَنِّفِ: إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ يَمْشِي، وَلِأَبِي فَرْوَةَ: فَإِنَّا لَجُلُوسٌ عِنْدَهُ إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ أَحْسَنُ النَّاسِ وَجْهًا وَأَطْيَبُ النَّاسِ رِيحًا، كَأَنَّ ثِيَابَهُ لَمْ يَمَسَّهَا دَنَسٌ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ كَهْمَسٍ فِي حَدِيثِ عُمَرَ: بَيْنَمَا نَحْنُ ذَاتَ يَوْمٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ سَوَادِ اللِّحْيَةِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ. وَفِي رِوَايَةِ لِسُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ: لَيْسَ عَلَيْهِ سَحْنَاءُ السَّفَرِ، وَلَيْسَ مِنَ الْبَلَدِ، فَتَخَطَّى حَتَّى بَرَكَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ كَمَا يَجْلِسُ أَحَدُنَا فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رُكْبَتَيِ النَّبِيِّ ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي عَامِرٍ الْأَشْعَرِيِّ: ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رُكْبَتَيِ النَّبِيِّ .

فَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: عَلَى فَخِذَيْهِ يَعُودُ عَلَى النَّبِيِّ وَبِهِ جَزَمَ الْبَغَوِيُّ، وَإِسْمَاعِيلُ التَّيْمِيُّ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ وَرَجَّحَهُ الطِّيبِيُّ بَحْثًا لِأَنَّهُ نَسَقُ الْكَلَامِ خِلَافًا لِمَا جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ، وَوَافَقَهُ التُّورِبَشْتِيُّ لِأَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّهُ جَلَسَ كَهَيْئَةِ الْمُتَعَلِّمِ بَيْنَ يَدَيْ مَنْ يَتَعَلَّمُ مِنْهُ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا مِنَ السِّيَاقِ لَكِنْ وَضْعُهُ يَدَيْهِ عَلَى فَخِذِ النَّبِيِّ صَنِيعٌ مُنَبِّهٌ لِلْإِصْغَاءِ إِلَيْهِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ لِمَا يَنْبَغِي لِلْمَسْئُولِ مِنَ التَّوَاضُعِ وَالصَّفْحِ عَمَّا يَبْدُو مِنْ جَفَاءِ السَّائِلِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ الْمُبَالَغَةَ فِي تَعْمِيَةِ أَمْرِهِ لِيُقَوِّيَ الظَّنَّ بِأَنَّهُ مِنْ جُفَاةِ الْأَعْرَابِ، وَلِهَذَا تَخَطَّى النَّاسَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ. وَلِهَذَا اسْتَغْرَبَ الصَّحَابَةُ صَنِيعَهُ ; وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ، وَجَاءَ مَاشِيًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَثَرُ سَفَرٍ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ عَرَفَ عُمَرُ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْتَنَدَ فِي ذَلِكَ إِلَى ظَنِّهِ، أَوْ إِلَى صَرِيحِ قَوْلِ الْحَاضِرِينَ. قُلْتُ: وَهَذَا الثَّانِي أَوْلَى، فَقَدْ جَاءَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ

عُثْمَانَ بْنِ غِيَاثٍ فَإِنَّ فِيهَا: فَنَظَرَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَقَالُوا: مَا نَعْرِفُ هَذَا. وَأَفَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ سَبَبَ وُرُودِ هَذَا الْحَدِيثِ، فَعِنْدَهُ فِي أَوَّلِهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : سَلُونِي، فَهَابُوا أَنْ يَسْأَلُوهُ، قَالَ فَجَاءَ رَجُلٌ.

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، عَنْ كَهْمَسٍ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ يَخْطُبُ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ - فَكَأَنَّ أَمْرَهُ لَهُمْ بِسُؤَالِهِ وَقَعَ فِي خُطْبَتِهِ - وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَجِيءَ الرَّجُلِ كَانَ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ وَافَقَ انْقِضَاءَهَا أَوْ كَانَ ذَكَرَ ذَلِكَ الْقَدْرَ جَالِسًا وَعَبَّرَ عَنْهُ الرَّاوِي بِالْخُطْبَةِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ) زَادَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّفْسِيرِ: يا رسول الله، مَا الْإِيمَانُ؟ فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ بَدَأَ بِالسُّؤَالِ قَبْلَ السَّلَامِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُبَالَغَةً فِي التَّعْمِيَةِ لِأَمْرِهِ، أَوْ لِيُبَيِّنَ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ وَاجِبٍ، أَوْ سَلَّمَ فَلَمْ يَنْقُلْهُ الرَّاوِي. قُلْتُ: وَهَذَا الثَّالِثُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ، فَفِيهَا بَعْدَ قَوْلِهِ كَأَنَّ ثِيَابَهُ لَمْ يَمَسَّهَا دَنَسٌ حَتَّى سَلَّمَ مِنْ طَرَفِ الْبِسَاطِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، فَرَدَّ . قَالَ: أَدْنُو يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: ادْنُ. فَمَا زَالَ يَقُولُ أَدْنُو مِرَارًا وَيَقُولُ لَهُ ادْنُ. وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، لَكِنْ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يا رسول الله. وَفِي رِوَايَةِ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ فَقَالَ: يا رسول الله، أَدْنُو مِنْكَ؟ قَالَ: أدْنُو. وَلَمْ يَذْكُرِ السَّلَامَ. فَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ، هَلْ قَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ أَوْ يا رسول الله؟ هَلْ سَلَّمَ أَوْ لَا؟

فَأَمَّا السَّلَامُ فَمَنْ ذَكَرَهُ مُقَدَّمٌ عَلَى مَنْ سَكَتَ عَنْهُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ وَقال: يا مُحَمَّدُ: إِنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ التَّعْمِيَةَ فَصَنَعَ صَنِيعَ الْأَعْرَابِ. قُلْتُ: وَيُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّهُ بَدَأَ أَوَّلًا بِنِدَائِهِ بِاسْمِهِ لِهَذَا الْمَعْنَى، ثُمَّ خَاطَبَهُ بِقَوْلِهِ يا رسول الله. وَوَقَعَ عِنْدَ الْقُرْطُبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا مُحَمَّدُ، فَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلدَّاخِلِ أَنْ يُعَمِّمَ بِالسَّلَامِ ثُمَّ يُخَصِّصَ مَنْ يُرِيدُ تَخْصِيصَهُ، انْتَهَى. وَالَّذِي وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنَ الرِّوَايَاتِ إِنَّمَا فِيهِ الْإِفْرَادُ، وهو قَوْلُهُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ.

قَوْلُهُ: (مَا الْإِيمَانُ؟) قِيلَ: قَدَّمَ السُّؤَالَ عَنِ الْإِيمَانِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَثَنَّى بِالْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ يُظْهِرُ مِصْدَاقَ الدَّعْوَى، وَثَلَّثَ بِالْإِحْسَانِ لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِمَا. وَفِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ: بَدَأَ بِالْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ بِالْأَمْرِ الظَّاهِرِ، وَثَنَّى بِالْإِيمَانِ لِأَنَّهُ بِالْأَمْرِ الْبَاطِنِ. وَرَجَّحَ هَذَا الطِّيبِيُّ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّرَقِّي. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ فِي تَأْدِيَتِهَا، وَلَيْسَ فِي السِّيَاقِ تَرْتِيبٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ فَإِنَّهُ بَدَأَ بِالْإِسْلَامِ وَثَنَّى بِالْإِحْسَانِ وَثَلَّثَ بِالْإِيمَانِ، فَالْحَقُّ أَنَّ الْوَاقِعَ أَمْرٌ وَاحِدٌ، وَالتَّقْدِ مُ وَالتَّأْخِيرُ وَقَعَ مِنَ الرُّوَاةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ إِلَخْ) دَلَّ الْجَوَابُ أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ مُتَعَلِّقَاتِهِ لَا عَنْ مَعْنَى لَفْظِهِ، وَإِلَّا لَكَانَ الْجَوَابُ: الْإِيمَانُ التَّصْدِيقُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا يُوهِمُ التَّكْرَارَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ مُضَمَّنٌ مَعْنَى أَنْ تَعْتَرِفَ بِهِ، وَلِهَذَا عَدَّاهُ بِالْبَاءِ، أَيْ: أَنْ تُصَدِّقَ مُعْتَرِفًا بِكَذَا. قُلْتُ: وَالتَّصْدِيقُ أَيْضًا يُعَدَّى بِالْبَاءِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى دَعْوَى التَّضْمِينِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: لَيْسَ هُوَ تَعْرِيفًا لِلشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، بَلِ الْمُرَادُ مِنَ الْمَحْدُودِ الْإِيمَانُ الشَّرْعِيُّ، وَمِنَ الْحَدِّ الْإِيمَانُ اللُّغَوِيُّ قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إِنَّمَا أَعَادَ لَفْظَ الْإِيمَانِ لِلِاعْتِنَاءِ بِشَأْنِهِ تَفْخِيمًا لِأَمْرِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فِي جَوَابِ: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ يَعْنِي أَنَّ قَوْلَهُ: أَنْ تُؤْمِنَ يَنْحَلُّ مِنْهُ الْإِيمَانُ فَكَأَنَّهُ قَالَ: الْإِيمَانُ الشَّرْعِيُّ تَصْدِيقٌ مَخْصُوصٌ، وَإِلَّا لَكَانَ الْجَوَابُ: الْإِيمَانُ التَّصْدِيقُ، وَالْإِيمَانُ بِاللَّهِ هُوَ التَّصْدِيقُ بِوُجُودِهِ وَأَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ مُنَزَّهٌ عَنْ صِفَاتِ النَّقْصِ.

قَوْلُهُ: (وَمَلَائِكَتِهِ) الْإِيمَانُ بِالْمَلَائِكَةِ هُوَ التَّصْدِيقُ بِوُجُودِهِمْ وَأَنَّهُمْ كَمَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ وَقَدَّمَ الْمَلَائِكَةَ عَلَى الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ نَظَرًا لِلتَّرْتِيبِ الْوَاقِعِ ; لِأَنَّهُ أَرْسَلَ الْمَلَكَ بِالْكِتَابِ إِلَى الرَّسُولِ وَلَيْسَ فِيهِ مُتَمَسَّكٌ لِمَنْ فَضَّلَ الْمَلَكَ عَلَى الرَّسُولِ.

قَوْلُهُ: (وَكُتُبِهِ) هَذِهِ عِنْدَ الْأَصِيلِيِّ هُنَا، وَاتَّفَقَ الرُّوَاةُ عَلَى ذِكْرِهَا فِي التَّفْسِيرِ، وَالْإِيمَانُ بِكُتُبِ اللَّهِ التَّصْدِيقُ بِأَنَّهَا كَلَامُ اللَّهِ وَأَنَّ مَا تَضَمَّنَتْهُ

حَقٌّ.

قَوْلُهُ: (وَبِلِقَائِهِ) كَذَا وَقَعَتْ هُنَا بَيْنَ الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ، وَلَمْ تَقَعْ فِي بَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا مُكَرَّرَةٌ لِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي الْإِيمَانِ بِالْبَعْثِ، وَالْحَقُّ أَنَّهَا غَيْرُ مُكَرَّرَةٍ، فَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْبَعْثِ الْقِيَامُ مِنَ الْقُبُورِ، وَالْمُرَادُ بِاللِّقَاءِ مَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَقِيلَ اللِّقَاءُ يَحْصُلُ بِالِانْتِقال من دَارِ الدُّنْيَا، وَالْبَعْثُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا رِوَايَةُ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ فَإِنَّ فِيهَا وَبِالْمَوْتِ وَبِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِاللِّقَاءِ رُؤْيَةُ اللَّهِ، ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ. وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ أَحَدًا لَا يَقْطَعُ لِنَفْسِهِ بِرُؤْيَةِ اللَّهِ، فَإِنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِمَنْ مَاتَ مُؤْمِنًا، وَالْمَرْءُ لَا يَدْرِي بِمَ يُخْتَمُ لَهُ، فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ شُرُوطِ الْإِيمَانِ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْإِيمَانُ بِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَهَذَا مِنَ الْأَدِلَّةِ الْقَوِيَّةِ لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي إِثْبَاتِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْآخِرَةِ إِذْ جُعِلَتْ مِنْ قَوَاعِدِ الْإِيمَانِ.

قَوْلُهُ: (وَرُسُلِهِ) وَلِلْأَصِيلِيِّ: وَبِرُسُلِهِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ: وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ، وَكُلٌّ مِنَ السِّيَاقَيْنِ فِي الْقُرْآنِ فِي الْبَقَرَةِ، وَالتَّعْبِيرُ بِالنَّبِيِّينَ يَشْمَلُ الرُّسُلَ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، وَالْإِيمَانُ بِالرُّسُلِ التَّصْدِيقُ بِأَنَّهُمْ صَادِقُونَ فِيمَا أَخْبَرُوا بِهِ عَنِ اللَّهِ، وَدَلَّ الْإِجْمَالُ فِي الْمَلَائِكَةِ وَالْكُتُبِ وَالرُّسُلِ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِذَلِكَ فِي الْإِيمَانِ بِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، إِلَّا مَنْ ثَبَتَ تَسْمِيَتُهُ فَيَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ عَلَى التَّعْيِينِ. وَهَذَا التَّرْتِيبُ مُطَابِقٌ لِلْآيَةِ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ وَمُنَاسَبَةُ التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ وَإِنْ كَانَتِ الْوَاوُ لَا تُرَتِّبُ، بَلِ الْمُرَادُ مِنَ التَّقَدُّمِ أَنَّ الْخَيْرَ وَالرَّحْمَةَ مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ أَعْظَمِ رَحْمَتِهِ أَنْ أَنْزَلَ كُتُبَهُ إِلَى عِبَادِهِ، وَالْمُتَلَقِّي لِذَلِكَ مِنْهُمُ الْأَنْبِيَاءُ، وَالْوَاسِطَةُ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَهُمُ الْمَلَائِكَةُ.

قَوْلُهُ (وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ) زَادَ فِي التَّفْسِيرِ الْآخِرِ وَلِمُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ عُمَرَ: وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَأَمَّا الْبَعْثُ الْآخِرُ فَقِيلَ ذَكَرَ الْآخِرَ تَأْكِيدًا كَقَوْلِهِمْ أَمْسُ الذَّاهِبُ، وَقِيلَ لِأَنَّ الْبَعْثَ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ: الْأُولَى الْإِخْرَاجُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ أَوْ مِنْ بُطُونِ الْأُمَّهَاتِ بَعْدَ النُّطْفَةِ وَالْعَلَقَةِ إِلَى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَالثَّانِيَةُ الْبَعْثُ مِنْ بُطُونِ الْقُبُورِ إِلَى مَحَلِّ الِاسْتِقْرَارِ. وَأَمَّا الْيَوْمُ الْآخِرُ فَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ آخِرُ أَيَّامِ الدُّنْيَا أَوْ آخِرُ الْأَزْمِنَةِ الْمَحْدُودَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَالتَّصْدِيقِ بِمَا يَقَعُ فِيهِ مِنَ الْحِسَابِ وَالْمِيزَانِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ. وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِذِكْرِ الْأَرْبَعَةِ بَعْدَ ذِكْرِ الْبَعْثِ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا.

(فَائِدَةٌ): زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي مُسْتَخْرَجِهِ هُنَا: وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، وَهِيَ فِي رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ أَيْضًا، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، وَأَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ كُلِّهِ، وَفِي رِوَايَةِ كَهْمَسٍ، وَسُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ: وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ وَكَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وهو فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِزِيَادَةِ وَحُلْوِهِ وَمُرِّهِ مِنَ اللَّهِ، وَكَأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي إِعَادَةِ لَفْظِ وَتُؤْمِنَ عِنْدَ ذِكْرِ الْبَعْثِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُ نَوْعٌ آخَرُ مِمَّا يُؤْمَنُ بِهِ ; لِأَنَّ الْبَعْثَ سَيُوجَدُ بَعْدُ، وَمَا ذُكِرَ قَبْلَهُ مَوْجُودٌ الْآنَ، وَلِلتَّنْوِيهِ بِذِكْرِهِ لِكَثْرَةِ مَنْ كَانَ يُنْكِرُهُ مِنَ الْكُفَّارِ، وَلِهَذَا كَثُرَ تَكْرَارُهُ فِي الْقُرْآنِ، وَهَكَذَا الْحِكْمَةُ فِي إِعَادَةِ لَفْظِ وَتُؤْمِنَ عِنْدَ ذِكْرِ الْقَدَرِ كَأَنَّهَا إِشَارَةٌ إِلَى مَا يَقَعُ فِيهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ، فَحَصَلَ الِاهْتِمَامُ بِشَأْنِهِ بِإِعَادَةِ تُؤْمِنَ، ثُمَّ قَرَّرَهُ بِالْإِبْدَالِ بِقَوْلِهِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ وَحُلْوِهِ وَمُرِّهِ ثُمَّ زَادَهُ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ مِنَ اللَّهِ. وَالْقَدَرُ مَصْدَرٌ، تَقُولُ: قَدَرْتُ الشَّيْءَ بِتَخْفِيفِ الدَّالِ وَفَتْحِهَا أَقْدِرُهُ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ قَدْرًا وَقَدَرًا، إِذَا أَحَطْتُ بِمِقْدَارِهِ.

وَالْمُرَادُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلِمَ مَقَادِيرَ الْأَشْيَاءِ وَأَزْمَانَهَا قَبْلَ إِيجَادِهَا، ثُمَّ أَوْجَدَ مَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَنَّهُ يُوجَدُ، فَكُلُّ مُحْدَثٍ صَادِرٌ عَنْ عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ، هَذَا هُوَ الْمَعْلُومُ مِنَ الدِّينِ بِالْبَرَاهِينِ الْقَطْعِيَّةِ، وَعَلَيْهِ كَانَ السَّلَفُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَخِيَارِ التَّابِعِينَ، إِلَى أَنْ حَدَثَتْ بِدْعَةُ الْقَدَرِ فِي أَوَاخِرِ زَمَنِ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ الْقِصَّةَ فِي ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ كَهْمَسٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ، قَالَ فَانْطَلَقْتُ

أَنَا وَحُمَيْدٌ الْحِمْيَرِيُّ، فَذَكَرَ اجْتِمَاعَهُمَا بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَأَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ بِأَنَّهُ بَرِيءٌ مِمَّنْ يَقُولُ ذَلِكَ، وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالْقَدَرِ عَمَلًا. وَقَدْ حَكَى الْمُصَنِّفُونَ فِي الْمَقَالَاتِ عَنْ طَوَائِفَ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ إِنْكَارَ كَوْنِ الْبَارِئِ عَالِمًا بِشَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِ الْعِبَادِ قَبْلَ وُقُوعِهَا مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا يَعْلَمُهَا بَعْدَ كَوْنِهَا. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ: قَدِ انْقَرَضَ هَذَا الْمَذْهَبُ، وَلَا نَعْرِفُ أَحَدًا يُنْسَبُ إِلَيْهِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ. قَالَ: وَالْقَدَرِيَّةُ الْيَوْمُ مُطْبِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ قَبْلَ وُقُوعِهَا، وَإِنَّمَا خَالَفُوا السَّلَفَ فِي زَعْمِهِمْ بِأَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَقْدُورَةٌ لَهُمْ وَوَاقِعَةٌ مِنْهُمْ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِقْلَالِ، وهو مَعَ كَوْنِهِ مَذْهَبًا بَاطِلًا أَخَفُّ مِنَ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ.

وَأَمَّا الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْهُمْ فَأَنْكَرُوا تَعَلُّقَ الْإِرَادَةِ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ فِرَارًا مِنْ تَعَلُّقِ الْقَدِيمِ بِالْمُحْدَثِ، وَهُمْ مَخْصُومُونَ بِمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنْ سَلَّمَ الْقَدَرِيُّ الْعِلْمَ خُصِمَ. يَعْنِي يُقَالُ لَهُ: أَيَجُوزُ أَنْ يَقَعَ فِي الْوُجُودِ خِلَافُ مَا تَضَمَّنَهُ الْعِلْمُ؟ فَإِنْ مَنَعَ وَافَقَ قَوْلَ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَإِنْ أَجَازَ لَزِمَهُ نِسْبَةُ الْجَهْلِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.

(تَنْبِيهٌ): ظَاهِرُ السِّيَاقِ يَقْتَضِي أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى مَنْ صَدَّقَ بِجَمِيعِ مَا ذُكِرَ، وَقَدِ اكْتَفَى الْفُقَهَاءُ بِإِطْلَاقِ الْإِيمَانِ عَلَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَا اخْتِلَافَ ; لِأَنَّ الْإِيمَانَ بِرَسُولِ اللَّهِ الْمُرَادُ بِهِ الْإِيمَانُ بِوُجُودِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ عَنْ رَبِّهِ، فَيَدْخُلُ جَمِيعُ مَا ذُكِرَ تَحْتَ ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ) قَالَ النَّوَوِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْعِبَادَةِ مَعْرِفَةَ اللَّهِ فَيَكُونُ عَطْفُ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا عَلَيْهَا لِإِدْخَالِهَا فِي الْإِسْلَامِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْعِبَادَةِ الطَّاعَةَ مُطْلَقًا، فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الْوَظَائِفِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ عَطْفُ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ. قُلْتُ: أَمَّا الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ فَبَعِيدٌ ; لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ مِنْ مُتَعَلَّقَاتِ الْإِيمَانِ، وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَهُوَ أَعْمَالٌ قَوْلِيَّةٌ وَبَدَنِيَّةٌ، وَقَدْ عَبَّرَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ هُنَا بِقَوْلِهِ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِبَادَةِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ دَفْعُ الِاحْتِمَالِ الثَّانِي. وَلَمَّا عَبَّرَ الرَّاوِي بِالْعِبَادَةِ احْتَاجَ أَنْ يُوَضِّحَهَا بِقَوْلِهِ: وَلَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَيْهَا فِي رِوَايَةِ عُمَرَ لِاسْتِلْزَامِهَا ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: السُّؤَالُ عَامٌّ لِأَنَّهُ سَأَلَ عَنْ مَاهِيَّةِ الْإِسْلَامِ، وَالْجَوَابُ خَاصٌّ لِقَوْلِهِ أَنْ تَعْبُدَ أَوْ تَشْهَدَ، وَكَذَا قَالَ فِي الْإِيمَانِ أَنْ تُؤْمِنَ، وَفِي الْإِحْسَانِ أَنْ تَعْبُدَ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ لِنُكْتَةِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَصْدَرِ وَبَيْنَ أَنْ وَالْفِعْلِ ; لِأَنَّ أَنْ تَفْعَلَ تَدُلُّ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ، وَالْمَصْدَرُ لَا يَدُلُّ عَلَى زَمَانٍ.

عَلَى أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ أَوْرَدَهُ هُنَا بِصِيغَةِ الْمَصْدَرِ، فَفِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ غِيَاثٍ قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِمُخَاطَبَتِهِ بِالْإِفْرَادِ اخْتِصَاصَهُ بِذَلِكَ، بَلِ الْمُرَادُ تَعْلِيمُ السَّامِعِينَ الْحُكْمَ فِي حَقِّهِمْ وَحَقِّ مَنْ أَشْبَهَهُمْ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ، وَقَدْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي آخِرِهِ: يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ. فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَذْكُرِ الْحَجَّ؟ أَجَابَ بَعْضُهُمْ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فُرِضَ، وهو مَرْدُودٌ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بِإِسْنَادِهِ الَّذِي عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ فِي حَدِيثِ عُمَرَ أَوَّلُهُ أَنَّ رَجُلًا فِي آخِرِ عُمْرِ النَّبِيِّ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَآخِرُ عُمْرِهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَإِنَّهَا آخِرُ سَفَرَاتِهِ، ثُمَّ بَعْدَ قُدُومِهِ بِقَلِيلٍ دُونَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ مَاتَ، وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ بَعْدَ إِنْزَالِ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ لِتَقْرِيرِ أُمُورِ الدِّينِ - الَّتِي بَلَّغَهَا مُتَفَرِّقَةً - فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، لِتَنْضَبِطَ. وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ جَوَازُ سُؤَالِ الْعَالِمِ مَا لَا يَجْهَلُهُ السَّائِلُ لِيَعْلَمَهُ السَّامِعُ، وَأَمَّا الْحَجُّ فَقَدْ ذُكِرَ، لَكِنْ بَعْضُ الرُّوَاةِ إِمَّا ذَهَلَ عَنْهُ وَإِمَّا نَسِيَهُ.

وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ فِي ذِكْرِ بَعْضِ الْأَعْمَالِ دُونَ بَعْضٍ، فَفِي رِوَايَةِ كَهْمَسٍ: وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَفِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ لَمْ يَذْكُرِ الصَّوْمَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي عَامِرٍ ذَكَرَ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ حَسْبُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَزِيدًا عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ. وَذَكَرَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ فِي رِوَايَتِهِ الْجَمِيعَ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ وَتَحُجَّ

وَتَعْتَمِرَ، وَتَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَتُتَمِّمَ الْوُضُوءَ. وَقَالَ مَطَرٌ الْوَرَّاقُ فِي رِوَايَتِهِ: وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ قَالَ فَذَكَرَ عُرَى الْإِسْلَامِ، فَتَبَيَّنَ مَا قُلْنَاهُ: إِنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ ضَبَطَ مَا لَمْ يَضْبِطْهُ غَيْرُهُ.

قَوْلُهُ: (وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ) زَادَ مُسْلِمٌ: الْمَكْتُوبَةَ أَيِ: الْمَفْرُوضَةَ. وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالْمَكْتُوبَةِ لِلتَّفَنُّنِ فِي الْعِبَارَةِ، فَإِنَّهُ عَبَّرَ فِي الزَّكَاةِ بِالْمَفْرُوضَةِ، وَلِاتِّبَاعِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾

قَوْلُهُ: (وَتَصُومَ رَمَضَانَ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى قَوْلِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ إِضَافَةِ شَهْرٍ إِلَيْهِ، وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (الْإِحْسَانُ) هُوَ مَصْدَرٌ، تَقُولُ أَحْسَنَ يُحْسِنُ إِحْسَانًا. وَيَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ تَقُولُ: أَحْسَنْتُ كَذَا إِذَا أَتْقَنْتُهُ، وَأَحْسَنْتُ إِلَى فُلَانٍ إِذَا أَوْصَلْتُ إِلَيْهِ النَّفْعَ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُرَادُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إِتْقَانُ الْعِبَادَةِ. وَقَدْ يُلْحَظُ الثَّانِي بِأَنَّ الْمُخْلِصَ مَثَلًا مُحْسِنٌ بِإِخْلَاصِهِ إِلَى نَفْسِهِ، وَإِحْسَانُ الْعِبَادَةِ الْإِخْلَاصُ فِيهَا وَالْخُشُوعُ وَفَرَاغُ الْبَالِ حَالَ التَّلَبُّسِ بِهَا وَمُرَاقَبَةُ الْمَعْبُودِ، وَأَشَارَ فِي الْجَوَابِ إِلَى حَالَتَيْنِ: أَرْفَعُهُمَا أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ مُشَاهَدَةُ الْحَقِّ بِقَلْبِهِ حَتَّى كَأَنَّهُ يَرَاهُ بِعَيْنِهِ، وهو قَوْلُهُ: كَأَنَّكَ تَرَاهُ أَيْ:، وهو يَرَاكَ، وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَسْتَحْضِرَ أَنَّ الْحَقَّ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ يَرَى كُلَّ مَا يَعْمَلُ، وهو قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَرَاكَ. وَهَاتَانِ الْحَالَتَانِ يُثَمِّرُهُمَا مَعْرِفَةُ اللَّهِ وَخَشْيَتُهُ، وَقَدْ عَبَّرَ فِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ بِقَوْلِهِ: أَنْ تَخْشَى اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّكَ إِنَّمَا تُرَاعِي الْآدَابَ الْمَذْكُورَةَ إِذَا كُنْتَ تَرَاهُ وَيَرَاكَ، لِكَوْنِهِ يَرَاكَ لَا لِكَوْنِكَ تَرَاهُ فَهُوَ دَائِمًا يَرَاكَ، فَأَحْسِنْ عِبَادَتَهُ وَإِنْ لَمْ تَرَهُ، فَتَقْدِيرُ الْحَدِيثِ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَاسْتَمِرَّ عَلَى إِحْسَانِ الْعِبَادَةِ فَإِنَّهُ يَرَاكَ.

قَالَ: وَهَذَا الْقَدْرُ مِنَ الْحَدِيثِ أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، وَقَاعِدَةٌ مُهِمَّةٌ مِنْ قَوَاعِدِ الْمُسْلِمِينَ، وهو عُمْدَةُ الصِّدِّيقِينَ وَبُغْيَةُ السَّالِكِينَ وَكَنْزُ الْعَارِفِينَ وَدَأْبُ الصَّالِحِينَ، وهو مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ الَّتِي أُوتِيَهَا ، وَقَدْ نَدَبَ أَهْلُ التَّحْقِيقِ إِلَى مُجَالَسَةِ الصَّالِحِينَ لِيَكُونَ ذَلِكَ مَانِعًا مِنَ التَّلَبُّسِ بِشَيْءٍ مِنَ النَّقَائِصِ احْتِرَامًا لَهُمْ وَاسْتِحْيَاءً مِنْهُمْ، فَكَيْفَ بِمَنْ لَا يَزَالُ اللَّهُ مُطَّلِعًا عَلَيْهِ فِي سِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ؟ انْتَهَى. وَقَدْ سَبَقَ إِلَى أَصْلِ هَذَا الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي تَفْسِيرِ لُقْمَانَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(تَنْبِيهٌ): دَلَّ سِيَاقُ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا بِالْأَبْصَارِ غَيْرُ وَاقِعَةٍ، وَأَمَّا رُؤْيَةُ النَّبِيِّ فَذَاكَ لِدَلِيلٍ آخَرَ، وَقَدْ صَرَّحَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ بِقَوْلِهِ : وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا. وَأَقْدَمَ بَعْضُ غُلَاةِ الصُّوفِيَّةِ عَلَى تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَقَالَ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَقَامِ الْمَحْوِ وَالْفَنَاءِ، وَتَقْدِيرُهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ - أَيْ: فَإِنْ لَمْ تَصِرْ - شَيْئًا وَفَنِيتَ عَنْ نَفْسِكَ حَتَّى كَأَنَّكَ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فَإِنَّكَ حِينَئِذٍ تَرَاهُ. وَغَفَلَ قَائِلُ هَذَا - لِلْجَهْلِ بِالْعَرَبِيَّةِ - عَنْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ مَا زَعَمَ لَكَانَ قَوْلُهُ: تَرَاهُ مَحْذُوفَ الْأَلِفِ ; لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَجْزُومًا، لِكَوْنِهِ عَلَى زَعْمِهِ جَوَابَ الشَّرْطِ، وَلَمْ يَرِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ بِحَذْفِ الْأَلِفِ، وَمَنِ ادَّعَى أَنَّ إِثْبَاتَهَا فِي الْفِعْلِ الْمَجْزُومِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِذْ لَا ضَرُورَةَ هُنَا. وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ مَا ادَّعَاهُ صَحِيحًا لَكَانَ قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَرَاكَ ضَائِعًا لِأَنَّهُ لَا ارْتِبَاطَ لَهُ بِمَا قَبْلَهُ. وَمِمَّا يُفْسِدُ تَأْوِيلَهُ رِوَايَةُ كَهْمَسٍ فَإِنَّ لَفْظَهَا فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، فَسَلَّطَ النَّفْيَ عَلَى الرُّؤْيَةِ لَا عَلَى الْكَوْنِ الَّذِي حُمِلَ عَلَى ارْتِكَابِ التَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ: فَإِنْ لَمْ تَرَهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ وَنَحْوُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَكُلُّ هَذَا يُبْطِلُ التَّأْوِيلَ الْمُتَقَدِّمَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(فَائِدَةٌ): زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ قَوْلَ السَّائِلِ صَدَقْتَ عَقِبَ كُلِّ جَوَابٍ مِنَ الْأَجْوِبَةِ الثَّلَاثَةِ، وَزَادَ أَبُو فَرْوَةَ فِي رِوَايَتِهِ فَلَمَّا سَمِعْنَا قَوْلَ الرَّجُلِ صَدَقْتَ أَنْكَرْنَاهُ وَفِي رِوَايَةِ كَهْمَسٍ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ. وَفِي رِوَايَةِ مَطَرٍ: انْظُرُوا إِلَيْهِ كَيْفَ يَسْأَلُهُ وَانْظُرُوا إِلَيْهِ كَيْفَ يُصَدِّقُهُ وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ: انْظُرُوا، وهو يَسْأَلُهُ، وهو يُصَدِّقُهُ كَأَنَّهُ أَعْلَمُ

مِنْهُ. وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ: قَالَ الْقَوْمُ: مَا رَأَيْنَا رَجُلًا مِثْلَ هَذَا، كَأَنَّهُ يُعَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ ، يَقُولُ لَهُ: صَدَقْتَ صَدَقْتَ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّمَا عَجِبُوا مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ، وَلَيْسَ هَذَا السَّائِلُ مِمَّنْ عُرِفَ بِلِقَاءِ النَّبِيِّ وَلَا بِالسَّمَاعِ مِنْهُ، ثُمَّ هُوَ يَسْأَلُ سُؤَالَ عَارِفٍ بِمَا يَسْأَلُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ يُخْبِرُهُ بِأَنَّهُ صَادِقٌ فِيهِ، فَتَعَجَّبُوا مِنْ ذَلِكَ تَعَجُّبَ الْمُسْتَبْعِدِ لِذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (مَتَى السَّاعَةُ؟) أَيْ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ؟ وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ، وَالْمُرَادُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ.

قَوْلُهُ: (مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا) مَا نَافِيَةٌ. وَزَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ: فَنَكَسَ فَلَمْ يُجِبْهُ، ثُمَّ أَعَادَ فَلَمْ يُجِبْهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: مَا الْمَسْئُولُ.

قَوْلُهُ: (بِأَعْلَمَ) الْبَاءُ زَائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُشْعِرًا بِالتَّسَاوِي فِي الْعِلْمِ لَكِنَّ الْمُرَادَ التَّسَاوِي فِي الْعِلْمِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهَا لِقَوْلِهِ بَعْدَ: خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ وَسَيَأْتِي نَظِيرُ هَذَا التَّرْكِيبِ فِي أَوَاخِرِ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي قَوْلِهِ: مَا كُنْتُ بِأَعْلَمَ بِهِ مِنْ رَجُلٍ مِنْكُمْ فَإِنَّ الْمُرَادَ أَيْضًا التَّسَاوِي فِي عَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هُنَا فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، خَمْسٌ مِنَ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ تَلَا الْآيَةَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: يُسْتَنْبَطُ مِنْهُ أَنَّ الْعَالِمَ إِذَا سُئِلَ عَمَّا لَا يَعْلَمُ يُصَرِّحُ بِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ، وَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ نَقْصٌ مِنْ مَرْتَبَتِهِ، بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى مَزِيدِ وَرَعِهِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ مَقْصُودُ هَذَا السُّؤَالِ كَفُّ السَّامِعِينَ عَنِ السُّؤَالِ عَنْ وَقْتِ السَّاعَةِ ; لِأَنَّهُمْ قَدْ أَكْثَرُوا السُّؤَالَ عَنْهَا كَمَا وَرَدَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ، فَلَمَّا حَصَلَ الْجَوَابُ بِمَا ذُكِرَ هُنَا حَصَلَ الْيَأْسُ مِنْ مَعْرِفَتِهَا، بِخِلَافِ الْأَسْئِلَةِ الْمَاضِيَةِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَا اسْتِخْرَاجُ الْأَجْوِبَةِ لِيَتَعَلَّمَهَا السَّامِعُونَ وَيَعْمَلُوا بِهَا، وَنَبَّهَ بِهَذِهِ الْأَسْئِلَةِ عَلَى تَفْصِيلِ مَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ.

قَوْلُهُ: (مِنَ السَّائِلِ) عَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ لَسْتُ بِأَعْلَمَ بِهَا مِنْكَ إِلَى لَفْظٍ يُشْعِرُ بِالتَّعْمِيمِ تَعْرِيضًا لِلسَّامِعِينَ، أَيْ أَنَّ كُلَّ مَسْئُولٍ وَكُلَّ سَائِلٍ فَهُوَ كَذَلِكَ.

(فَائِدَةٌ): هَذَا السُّؤَالُ وَالْجَوَابُ وَقَعَ بَيْنَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَجِبْرِيلَ، لَكِنْ كَانَ عِيسَى سَائِلًا وَجِبْرِيلُ مَسْئُولًا. قَالَ الْحُمَيْدِيُّ فِي نَوَادِرِهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: سَأَلَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ جِبْرِيلَ (١) عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ فَانْتَفَضَ بِأَجْنِحَتِهِ وَقَالَ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ.

قَوْلُهُ: (وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا) وَفِي التَّفْسِيرِ وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُكَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ: وَلَكِنْ لَهَا عَلَامَاتٌ تُعْرَفُ بِهَا، وَفِي رِوَايَةِ كَهْمَسٍ: قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا فَأَخْبَرَهُ بِهَا فَتَرَدَّدْنَا فَحَصَلَ التَّرَدُّدُ هَلِ ابْتَدَأَهُ بِذِكْرِ الْأَمَارَاتِ أَوِ السَّائِلُ سَأَلَهُ عَنِ الْأَمَارَاتِ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ ابْتَدَأَ بِقَوْلِهِ: وَسَأُخْبِرُكَ، فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ: فَأَخْبِرْنِي. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ رِوَايَةُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ وَلَفْظُهَا وَلَكِنْ إِنْ شِئْتَ نَبَّأْتُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا، قَالَ: أَجَلْ وَنَحْوُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَزَادَ فَحَدِّثْنِي وَقَدْ حَصَلَ تَفْصِيلُ الْأَشْرَاطِ مِنَ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَأَنَّهَا الْعَلَامَاتُ، وَهِيَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ شَرَطٍ بِفَتْحَتَيْنِ كَقَلَمٍ وَأَقْلَامٍ، وَيُسْتَفَادُ مِنِ اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ التَّحْدِيثَ وَالْإِخْبَارَ وَالْإِنْبَاءَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا غَايَرَ بَيْنَهَا أَهْلُ الْحَدِيثِ اصْطِلَاحًا. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: عَلَامَاتُ السَّاعَةِ عَلَى قِسْمَيْنِ: مَا يَكُونُ مِنْ نَوْعِ الْمُعْتَادِ، أَوْ غَيْرِهِ. وَالْمَذْكُورُ هُنَا الْأَوَّلُ. وَأَمَّا الْغَيْرُ مِثْلُ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا فَتِلْكَ مُقَارِبَةٌ لَهَا أَوْ مُضَايِقَةٌ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْعَلَامَاتُ السَّابِقَةُ عَلَى ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (إِذَا وَلَدَتْ) التَّعْبِيرُ بِإِذَا لِلْإِشْعَارِ بِتَحَقُّقِ الْوُقُوعِ، وَوَقَعَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ بَيَانًا لِلْأَشْرَاطِ نَظَرًا إِلَى الْمَعْنَى، وَالتَّقْدِيرُ وِلَادَةُ الْأَمَةِ وَتَطَاوُلُ الرُّعَاةِ. فَإِنْ قِيلَ الْأَشْرَاطُ جَمْعٌ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ وَالْمَذْكُورُ هُنَا اثْنَانِ، أَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ: بِأَنَّهُ قَدْ تُسْتَقْرَضُ الْقِلَّةُ لِلْكَثْرَةِ، وَبِالْعَكْسِ.

أَوْ لِأَنَّ الْفَرْقَ بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ إِنَّمَا هُوَ فِي النَّكِرَاتِ لَا فِي الْمَعَارِفِ، أَوْ لِفَقْدِ جَمْعِ الْكَثْرَةِ لِلَفْظِ الشَّرْطِ. وَفِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَجْوِبَةِ نَظَرٌ، وَلَوْ أُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا دَلِيلُ الْقَوْلِ الصَّائِرِ إِلَى أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ لَمَا بَعُدَ عَنِ الصَّوَابِ. وَالْجَوَابُ الْمَرْضِيُّ أَنَّ الْمَذْكُورَ مِنَ الْأَشْرَاطِ ثَلَاثَةٌ، وَإِنَّمَا بَعْضُ الرُّوَاةِ اقْتَصَرَ عَلَى اثْنَيْنِ مِنْهَا لِأَنَّهُ هُنَا ذَكَرَ الْوِلَادَةَ وَالتَّطَاوُلَ، وَفِي التَّفْسِيرِ ذِكْرُ الْوِلَادَةِ وَتَرَؤُّسُ الْحُفَاةِ، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ الَّتِي أَخْرَجَ مُسْلِمٌ إِسْنَادَهَا وَسَاقَ ابْنُ خُزَيْمَةَ لَفْظَهَا عَنْ أَبِي حَيَّانَ ذِكْرُ الثَّلَاثَةِ، وَكَذَا فِي مُسْتَخْرَجِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَكَذَا ذَكَرَهَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ، وَوَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ، فَفِي رِوَايَةِ كَهْمَسٍ ذِكْرُ الْوِلَادَةِ وَالتَّطَاوُلُ فَقَطْ وَوَافَقَهُ عُثْمَانُ بْنُ غِيَاثٍ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ذِكْرُ الثَّلَاثَةِ وَوَافَقَهُ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وَكَذَا ذُكِرَتْ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي عَامِرٍ.

قَوْلُهُ: (إِذَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ رَبَّهَا) وَفِي التَّفْسِيرِ رَبَّتَهَا بِتَاءِ التَّأْنِيثِ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ، وَلِمُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ مِثْلُهُ وَزَادَ يَعْنِي السَّرَارِيَّ، وَفِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ: إِذَا رَأَيْتَ الْمَرْأَةَ تَلِدُ رَبَّهَا وَنَحْوُهُ لِأَبِي فَرْوَةَ، وَفِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ غِيَاثٍ: الْإِمَاءُ أَرْبَابُهُنَّ بِلَفْظِ الْجَمْعِ. وَالْمُرَادُ بِالرَّبِّ الْمَالِكُ أَوِ السَّيِّدُ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي مَعْنَى ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ، فَذَكَرَهَا لَكِنَّهَا مُتَدَاخِلَةٌ، وَقَدْ لَخَّصْتُهَا بِلَا تَدَاخُلٍ فَإِذَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ اتِّسَاعُ الْإِسْلَامِ وَاسْتِيلَاءُ أَهْلِهِ عَلَى بِلَادِ الشِّرْكِ وَسَبْيُ ذَرَارِيِّهِمْ، فَإِذَا مَلَكَ الرَّجُلُ الْجَارِيَةَ وَاسْتَوْلَدَهَا كَانَ الْوَلَدُ مِنْهَا بِمَنْزِلَةِ رَبِّهَا لِأَنَّهُ وَلَدُ سَيِّدِهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ: إِنَّهُ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ. قُلْتُ: لَكِنْ فِي كَوْنِهِ الْمُرَادَ نَظَرٌ ; لِأَنَّ اسْتِيلَادَ الْإِمَاءِ كَانَ مَوْجُودًا حِينَ الْمَقَالَةِ، وَالِاسْتِيلَاءُ عَلَى بِلَادِ الشِّرْكِ وَسَبْيُ ذَرَارِيِّهِمْ وَاتِّخَاذُهُمْ سَرَارِيَّ وَقَعَ أَكْثَرُهُ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ، وَسِيَاقُ الْكَلَامِ يَقْتَضِي الْإِشَارَةَ إِلَى وُقُوعِ مَا لَمْ يَقَعْ مِمَّا سَيَقَعُ قُرْبَ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَقَدْ فَسَّرَهُ وَكِيعٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ بِأَخَصَّ مِنَ الْأَوَّلِ.

قَالَ: أَنْ تَلِدَ الْعَجَمُ الْعَرَبَ، وَوَجَّهَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْإِمَاءَ يَلِدْنَ الْمُلُوكَ فَتَصِيرُ الْأُمُّ مِنْ جُمْلَةِ الرَّعِيَّةِ وَالْمَلِكُ سَيِّدُ رَعِيَّتِهِ، وَهَذَا لِإِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ، وَقَرَّبَهُ بأَنَّ الرُّؤَسَاءَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ كَانُوا يَسْتَنْكِفُونَ غَالِبًا مِنْ وَطْءِ الْإِمَاءِ وَيَتَنَافَسُونَ فِي الْحَرَائِرِ، ثُمَّ انْعَكَسَ الْأَمْرُ وَلَا سِيَّمَا فِي أَثْنَاءِ دَوْلَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَلَكِنَّ رِوَايَةَ رَبَّتَهَا بِتَاءِ التَّأْنِيثِ قَدْ لَا تُسَاعِدُ عَلَى ذَلِكَ.

وَوَجَّهَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ إِطْلَاقَ رَبَّتَهَا عَلَى وَلَدِهَا مَجَازٌ ; لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ سَبَبًا فِي عِتْقِهَا بِمَوْتِ أَبِيهِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَخَصَّهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ السَّبْيَ إِذَا كَثُرَ فَقَدْ يُسْبَى الْوَلَدُ أَوَّلًا، وهو صَغِيرٌ ثُمَّ يُعْتَقُ وَيَكْبَرُ وَيَصِيرُ رَئِيسًا بَلْ مَلِكًا ثُمَّ تُسْبَى أُمُّهُ فِيمَا بَعْدُ فَيَشْتَرِيهَا عَارِفًا بِهَا، أَوْ وهو لَا يَشْعُرُ أَنَّهَا أُمُّهُ، فَيَسْتَخْدِمُهَا أَوْ يَتَّخِذُهَا مَوْطُوءَةً أَوْ يُعْتِقُهَا وَيَتَزَوَّجُهَا. وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ بَعْلَهَا وَهِيَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَحُمِلَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْبَعْلِ الْمَالِكُ، وهو أَوْلَى لِتَتَّفِقَ الرِّوَايَاتُ. الثَّانِي أَنْ تَبِيعَ السَّادَةُ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِمْ وَيَكْثُرُ ذَلِكَ فَيَتَدَاوَلُ الْمُلَّاكُ الْمُسْتَوْلَدَةَ حَتَّى يَشْتَرِيَهَا وَلَدُهَا وَلَا يَشْعُرُ بِذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا فَالَّذِي يَكُونُ مِنَ الْأَشْرَاطِ غَلَبَةُ الْجَهْلِ بِتَحْرِيمِ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ أَوِ الِاسْتِهَانَةُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا فَلَا يَصْلُحُ الْحَمْلُ عَلَيْهَا ; لِأَنَّهُ لَا جَهْلَ وَلَا اسْتِهَانَةَ عِنْدَ الْقَائِلِ بِالْجَوَازِ، قُلْنَا: يَصْلُحُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى صُورَةِ اتِّفَاقِيَّةٍ كَبَيْعِهَا فِي حَالِ حَمْلِهَا، فَإِنَّهُ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ. الثَّالِثُ: وهو مِنْ نَمَطِ الَّذِي قَبْلَهُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: لَا يَخْتَصُّ شِرَاءُ الْوَلَدِ أُمَّهُ بِأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، بَلْ يُتَصَوَّرُ فِي غَيْرِهِنَّ بِأَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ حُرًّا مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا بِوَطْءِ شُبْهَةٍ، أَوْ رَقِيقًا بِنِكَاحٍ أَوْ زِنًا ثُمَّ تُبَاعُ الْأَمَةُ فِي الصُّورَتَيْنِ بَيْعًا صَحِيحًا وَتَدُورُ فِي الْأَيْدِي حَتَّى يَشْتَرِيَهَا ابْنُهَا أَوِ ابْنَتُهَا.

وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا تَفْسِيرُ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ بِأَنَّ الْمُرَادَ السَّرَارِيُّ لِأَنَّهُ تَخْصِيصٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ.

الرَّابِعُ: أَنْ يَكْثُرَ الْعُقُوقُ فِي الْأَوْلَادِ فَيُعَامِلُ الْوَلَدُ أُمَّهُ مُعَامَلَةَ السَّيِّدِ أَمَتَهُ مِنَ الْإِهَانَةِ بِالسَّبِّ

وَالضَّرْبِ وَالِاسْتِخْدَامِ. فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ رَبُّهَا مَجَازًا لِذَلِكَ. أَوِ الْمُرَادُ بِالرَّبِّ الْمُرَبِّي فَيَكُونُ حَقِيقَةً، وَهَذَا أَوْجَهُ الْأَوْجُهِ عِنْدِي لِعُمُومِهِ ; وَلِأَنَّ الْمَقَامَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ حَالَةٌ تَكُونُ مَعَ كَوْنِهَا تَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْأَحْوَالِ مُسْتَغْرَبَةً. وَمُحَصَّلُهُ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ السَّاعَةَ يَقْرُبُ قِيَامُهَا عِنْدَ انْعِكَاسِ الْأُمُورِ بِحَيْثُ يَصِيرُ الْمُرَبَّى مُرَبِّيًا وَالسَّافِلُ عَالِيًا، وهو مُنَاسِبٌ لِقَوْلِهِ فِي الْعَلَامَةِ الْأُخْرَى أَنْ تَصِيرَ الْحُفَاةُ مُلُوكَ الْأَرْضِ.

(تَنْبِيهَانِ): أَحَدُهُمَا قَالَ النَّوَوِيُّ: لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَلَا عَلَى جَوَازِهِ، وَقَدْ غَلِطَ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ لِكُلٍّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ ; لِأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا جُعِلَ عَلَامَةً عَلَى شَيْءٍ آخَرَ لَا يَدُلُّ عَلَى حَظْرٍ وَلَا إِبَاحَةٍ. الثَّانِي: يُجْمَعُ بَيْنَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ إِطْلَاقِ الرَّبِّ عَلَى السَّيِّدِ الْمَالِكِ فِي قَوْلِهِ رَبَّهَا وَبَيْنَ مَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ، وهو فِي الصَّحِيحِ (١): لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ، اسْقِ رَبَّكَ، وَلْيَقُلْ سَيِّدِي وَمَوْلَايَ بِأَنَّ اللَّفْظَ هُنَا خَرَجَ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ أَوِ الْمُرَادُ بِالرَّبِّ هُنَا الْمُرَبِّي، وَفِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ السَّيِّدُ، أَوْ أَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ مُتَأَخِّرٌ، أَوْ مُخْتَصٌّ بِغَيْرِ الرَّسُولِ .

قَوْلُهُ: (تَطَاوَلَ) أَيْ: تَفَاخَرُوا فِي تَطْوِيلِ الْبُنَيَانِ وَتَكَاثَرُوا بِهِ.

قَوْلُهُ: (رُعَاةَ الْإِبِلِ) هُوَ بِضَمِّ الرَّاءِ جَمْعُ رَاعٍ كَقُضَاةٍ وَقَاضٍ. وَالْبُهْمُ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ بِفَتْحِهَا وَلَا يَتَّجِهُ مَعَ ذِكْرِ الْإِبِلِ، وَإِنَّمَا يَتَّجِهُ مَعَ ذِكْرِ الشِّيَاهِ أَوْ مَعَ عَدَمِ الْإِضَافَةِ كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: رِعَاءَ الْبُهْمِ، وَمِيمُ الْبُهْمِ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ يَجُوزُ ضَمُّهَا عَلَى أَنَّهَا صِفَةُ الرُّعَاةِ، وَيَجُوزُ الْكَسْرُ عَلَى أَنَّهَا صِفَةُ الْإِبِلِ يَعْنِي الْإِبِلَ السُّودَ، وَقِيلَ: إِنَّهَا شَرُّ الْأَلْوَانِ عِنْدَهُمْ، وَخَيْرُهَا الْحُمْرُ الَّتِي ضُرِبَ بِهَا الْمَثَلُ فَقِيلَ: خَيْرٌ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ وَوَصْفُ الرُّعَاةِ بِالْبُهْمِ إِمَّا لِأَنَّهُمْ مَجْهُولُو الْأَنْسَابِ، وَمِنْهُ أُبْهِمَ الْأَمْرُ فَهُوَ مُبْهَمٌ إِذَا لَمْ تُعْرَفْ حَقِيقَتُهُ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُمْ سُودُ الْأَلْوَانِ لِأَنَّ الْأُدْمَةَ غَالِبُ أَلْوَانِهِمْ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ لَا شَيْءَ لَهُمْ كَقَوْلِهِ : يُحْشَرُ النَّاسُ حُفَاةً عُرَاةً بُهْمًا قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ قَدْ نَسَبَ لَهُمُ الْإِبِلَ، فَكَيْفَ يُقال: لا شَيْءَ لَهُمْ؟ قُلْتُ: يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهَا إِضَافَةُ اخْتِصَاصٍ لَا مِلْكٍ، وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ أَنَّ الرَّاعِيَ يَرْعَى لِغَيْرِهِ بِالْأُجْرَةِ، وَأَمَّا الْمَالِكُ فَقَلَّ أَنْ يُبَاشِرَ الرَّعْيَ بِنَفْسِهِ. قَوْلُهُ فِي التَّفْسِيرِ: وَإِذَا كَانَ الْحُفَاةُ الْعُرَاةُ، زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ: الصُّمُّ الْبُكْمُ. وَقِيلَ لَهُمْ ذَلِكَ مُبَالَغَةً فِي وَصْفِهِمْ بِالْجَهْلِ، أَيْ: لَمْ يَسْتَعْمِلُوا أَسْمَاعَهُمْ وَلَا أَبْصَارَهُمْ فِي الشَّيْءِ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ وَإِنْ كَانَتْ حَوَاسُّهُمْ سَلِيمَةً.

قَوْلُهُ رُءُوسُ النَّاسِ أَيْ: مُلُوكُ الْأَرْضِ، وَصَرَّحَ بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ مِثْلُهُ، وَالْمُرَادُ بِهِمْ أَهْلُ الْبَادِيَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ وَغَيْرِهِ. قَالَ: مَا الْحُفَاةُ الْعُرَاةُ؟ قَالَ: الْعُرَيْبُ. وهو بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى التَّصْغِيرِ. وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: مِنِ انْقِلَابِ الدِّينِ تَفَصُّحُ النَّبَطِ وَاتِّخَاذُهُمُ الْقُصُورَ فِي الْأَمْصَارِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْمَقْصُودُ الْإِخْبَارُ عَنْ تَبَدُّلِ الْحَالِ بِأَنْ يَسْتَوْلِيَ أَهْلُ الْبَادِيَةِ عَلَى الْأَمْرِ وَيَتَمَلَّكُوا الْبِلَادَ بِالْقَهْرِ فَتَكْثُرُ أَمْوَالُهُمْ وَتَنْصَرِفُ هِمَمُهُمْ إِلَى تَشْيِيدِ الْبُنْيَانِ وَالتَّفَاخُرِ بِهِ، وَقَدْ شَاهَدْنَا ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ. وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ: لَا تَقُومَ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ أَسْعَدَ النَّاسِ بِالدُّنْيَا لُكَعُ ابْنُ لُكَعٍ وَمِنْهُ: إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ - أَيْ: أُسْنِدَ - إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرُوا السَّاعَةَ وَكِلَاهُمَا فِي الصَّحِيحِ.

قَوْلُهُ: (فِي خَمْسٍ) أَيْ: عِلْمُ وَقْتِ السَّاعَةِ دَاخِلٌ فِي جُمْلَةِ خَمْسٍ. وَحَذْفُ مُتَعَلَّقِ الْجَارِّ سَائِغٌ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ أَيْ: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي جُمْلَةِ تِسْعِ آيَاتٍ، وَفِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ: قَالَ فَمَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: هِيَ فِي خَمْسٍ مِنَ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَا مَطْمَعَ لِأَحَدٍ فِي عِلْمِ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الْخَمْسَةِ لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ فَسَّرَ النَّبِيُّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ﴾

بِهَذِهِ الْخَمْسِ، وهو فِي الصَّحِيحِ. قَالَ: فَمَنِ ادَّعَى عِلْمَ شَيْءٍ مِنْهَا غَيْرَ مُسْنَدَةٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ كَانَ كَاذِبًا فِي دَعْوَاهُ. قَالَ: وَأَمَّا ظَنُّ الْغَيْبِ فَقَدْ يَجُوزُ مِنَ الْمُنَجِّمِ وَغَيْرِهِ إِذَا كَانَ عَنْ أَمْرٍ عَادِيٍّ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِعِلْمٍ. وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَحْرِيمِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ وَالْجُعْلِ وَإِعْطَائِهَا فِي ذَلِكَ، وَجَاءَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أُوتِيَ نَبِيُّكُمْ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ سِوَى هَذِهِ الْخَمْسِ. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا نَحْوُهُ أَخْرَجَهُمَا أَحْمَدُ، وَأَخْرَجَ حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ ذَكَرَ الْعِلْمَ بِوَقْتِ الْكُسُوفِ قَبْلَ ظُهُورِهِ فَأُنْكِرَ عَلَيْهِ فَقَالَ: إِنَّمَا الْغَيْبُ خَمْسٌ - وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ - وَمَا عَدَا ذَلِكَ غَيْبٌ يَعْلَمُهُ قَوْمٌ وَيَجْهَلُهُ قَوْمٌ.

(تَنْبِيهٌ): تَضَمَّنَ الْجَوَابُ زِيَادَةً عَلَى السُّؤَالِ لِلِاهْتِمَامِ بِذَلِكَ إِرْشَادًا لِلْأُمَّةِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ. فَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ فِي الْآيَة أَدَاةُ حَصْرٍ كَمَا فِي الْحَدِيثِ، أَجَابَ الطِّيبِيُّ بِأَنَّ الْفِعْلَ إِذَا كَانَ عَظِيمَ الْخَطَرِ وَمَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ الْفِعْلُ رَفِيعُ الشَّأْنِ فُهِمَ مِنْهُ الْحَصْرُ عَلَى سَبِيلِ الْكِنَايَةِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا لُوحِظَ مَا ذُكِرَ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ مِنْ أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَدَّعُونَ عِلْمَ نُزُولِ الْغَيْثِ. فَيُشْعِرُ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَةِ نَفْيُ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ وَاخْتِصَاصُهُ بِاللَّهِ .

(فَائِدَةٌ): النُّكْتَةُ فِي الْعُدُولِ عَنِ الْإِثْبَاتِ إِلَى النَّفْيِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ وَكَذَا التَّعْبِيرُ بِالدِّرَايَةِ دُونَ الْعِلْمِ لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّعْمِيمِ، إِذِ الدِّرَايَةُ اكْتِسَابُ عِلْمِ الشَّيْءِ بِحِيلَةٍ، فَإِذَا انْتَفَى ذَلِكَ عَنْ كُلِّ نَفْسٍ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ مُخْتَصَّاتِهَا وَلَمْ تَقَعْ مِنْهُ عَلَى عِلْمٍ كَانَ عَدَمُ اطِّلَاعِهَا عَلَى عِلْمِ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ بَابِ أَوْلَى. اهـ مُلَخَّصًا مِنْ كَلَامِ الطِّيبِيِّ.

قَوْلُهُ: (الْآيَةَ) أَيْ: تَلَا الْآيَةَ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ. وَلِمُسْلِمٍ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿خَبِيرٌ﴾ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ. وَأَمَّا مَا وَقَعَ عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ قَوْلِهِ إِلَى الْأَرْحَامِ فَهُوَ تَقْصِيرٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَالسِّيَاقُ يُرْشِدُ إِلَى أَنَّهُ تَلَا الْآيَةَ كُلَّهَا.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَدْبَرَ فَقَالَ: رُدُّوهُ) زَادَ فِي التَّفْسِيرِ: فَأَخَذُوا لِيَرُدُّوهُ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا. فِيهِ أَنَّ الْمَلَكَ يَجُوزُ أَنْ يَتَمَثَّلَ لِغَيْرِ النَّبِيِّ فَيَرَاهُ وَيَتَكَلَّمُ بِحَضْرَتِهِ، وهو يَسْمَعُ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ كَلَامَ الْمَلَائِكَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ) فِي التَّفْسِيرِ لِيُعَلِّمَ وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ: أَرَادَ أَنْ تَعْلَمُوا إِذَا لَمْ تَسْأَلُوا وَمِثْلُهُ لِعُمَارَةَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ: وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ مَا كُنْتُ بِأَعْلَمَ بِهِ مِنْ رَجُلٍ مِنْكُمْ، وَإِنَّهُ لَجِبْرِيلُ وَفِي حَدِيثِ أَبِي عَامِرٍ: ثُمَّ وَلَّى فَلَمَّا لَمْ نَرَ طَرِيقَهُ قَالَ النَّبِيُّ : سُبْحَانَ اللَّهُ، هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا جَاءَنِي قَطُّ وإِلَّا وَأَنَا أَعْرِفُهُ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمَرَّةُ، وَفِي رِوَايَةِ التَّيْمِيِّ: ثُمَّ نَهَضَ فَوَلَّى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : عَلَيَّ بِالرَّجُلِ، فَطَلَبْنَاهُ كُلَّ مَطْلَبٍ فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ. فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَنْ هَذَا؟ هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ لِيُعَلِّمَكُمْ دِينَكُمْ، خُذُوا عَنْهُ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا شُبِّهَ عَلَيَّ مُنْذُ أَتَانِي قَبْلَ مَرَّتِي هَذِهِ، وَمَا عَرَفْتُهُ حَتَّى وَلَّى. قَالَ ابْنُ حِبَّانَ تَفَرَّدَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ بِقَوْلِهِ خُذُوا عَنْهُ. قُلْتُ: وهو مِنَ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ، وَفِي قَوْلِهِ جَاءَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ إِشَارَةٌ إِلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ، فَمَا تَفَرَّدَ إِلَّا بِالتَّصْرِيحِ، وَإِسْنَادُ التَّعْلِيمِ إِلَى جِبْرِيلَ مَجَازِيٌّ ; لِأَنَّهُ كَانَ السَّبَبَ فِي الْجَوَابِ، فَلِذَلِكَ أَمَرَ بِالْأَخْذِ عَنْهُ. وَاتَّفَقَتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ أَخْبَرَ الصَّحَابَةَ بِشَأْنِهِ بَعْدَ أَنِ الْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ.

وَأَمَّا مَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ فِي رِوَايَةِ كَهْمَسٍ: ثُمَّ انْطَلَقَ، قَالَ عُمَرُ: فَلَبِثْتُ مَلِيًّا ثُمَّ قَالَ: يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ ; فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ بِأَنَّ قَوْلَهُ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا أَيْ: زَمَانًا بَعْدَ انْصِرَافِهِ، فَكَأَنَّ النَّبِيَّ أَعْلَمَهُمْ بِذَلِكَ بَعْدَ مُضِيِّ وَقْتٍ، وَلَكِنَّهُ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ. لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا الْجَمْعِ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ، وَالتِّرْمِذِيِّ: فَلَبِثْتُ ثَلَاثًا لَكِنِ ادَّعَى بَعْضُهُمْ فِيهَا التَّصْحِيفَ، وَأَنَّ مَلِيًّا صُغِّرَتْ مِيمُهَا فَأَشْبَهَتْ ثَلَاثًا لِأَنَّهَا تُكْتَبُ بِلَا أَلِفٍ، وَهَذِهِ الدَّعْوَى مَرْدُودَةٌ، فَإِنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٠ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سهمٍ، وأمُّه عُلَيَّة؛ بضمِّ العين المُهمَلَة وفتح اللَّام وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ) -بفتح الحاء المُهمَلَة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة- يحيى بن سعيد بن حيَّان (١) (التَّيْمِيُّ) نسبةً إلى تيم الرِّباب الكوفيُّ (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هرم بن عمرو بن جرير البجليِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ) وفي روايةٍ: «رسول الله» ( بَارِزًا) أي: ظاهرًا (يَوْمًا لِلنَّاسِ) غير محتجبٍ عنهم، و «يومًا» نُصِبَ على الظَّرفيَّة (فَأَتَاهُ رَجُلٌ) أي: مَلَكٌ في صورة رجلٍ، وهي (٢) رواية الأربعة، وفي روايةٍ في أصل متن فرع «اليونينيَّة» كهي، «جبريل» (فَقَالَ) بعد أن سَلَّم: يا محمَّد، كما في «مسلمٍ»، وإنَّما ناداه باسمه كما يناديه الأعراب تعميةً بحاله، أو لأنَّ له دالَّة المعلِّم: (مَا الإِيمَانُ؟) أي: ما مُتعلَّقاتُه؟ (قَالَ) : (الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ) أي: تصدِّق بوجوده، وبصفاته الواجبة له تعالى، وقد وقع

السُّؤال بـ «ما» ولا يُسأَل بها إلَّا عنِ الماهيَّة، لكنَّ الظَّاهر أنَّه علم أنَّه سأله عن متعلَّقات الإيمان لا عن حقيقته، وإِلَّا فكان الجواب: الإيمانُ: التَّصديقُ، وإنَّما فسَّر الإيمان بذلك؛ لأنَّ المُرَاد من المحدود الإيمان الشَّرعيُّ، ومن الحدِّ اللُّغويُّ، حتَّى لا يلزم تفسير الشَّيء بنفسه، وحَمَلَهُ الأُبِّيُّ على الحقيقة، معلِّلًا بأنَّ السُّؤال بـ «ما» بحسب الخصوصيَّة إنَّما يكون عن الحقيقة لا عن الحكم، وعلى هذا فقوله: «أن تؤمن … » إلى آخره؛ من حيث إنه جواب السُّؤال المذكور يتعيَّن أن يكون حدًّا؛ لأنَّ المقول في جوابه إنَّما هو الحدُّ، فإن قلت: لو كان حدًّا لم يَقُلْ جبريل في جوابه: «صدقتَ»، كما في «مسلمٍ» لأنَّ الحدَّ لا يقبل التَّصديق، أُجِيب: بأنَّه إذا قِيلَ في الإنسان: إنَّه حيوانٌ ناطقٌ، وقُصِدَ به التَّعريف؛ فهو لا يقبل التَّصديق كما ذكرت، وإن قُصِدَ به أنَّه الذَّات المحكوم عليها بالحيوانيَّة والنَّاطقيَّة فهو دعوى وخبر (١) فيقبل التَّصديق، فلعلَّ جبريلَ راعى هذا المعنى؛ فلذلك قال: «صدقتَ»، أو يكون قوله: «صدقت» تسليمًا، والحدُّ يقبل التَّسليم، ولا يقبل المنع لأنَّ المنع طلب الدَّليل، والدَّليل إنَّما يتوجَّه للخبر، والحدُّ تفسيرٌ لا خبرٌ، قاله أبو عبد الله الأُبِّيُّ (٢)، وأعاد لفظ «الإيمان» للاعتناء بشأنه وتفخيمًا لأمره (وَمَلَائِكَتِهِ) جمع مَلَكٍ، وأصله: مَلْأَكٌ «مَفْعَلٌ» مِنَ: الألوكة؛ بمعنى: الرِّسالة، زِيدَت فيه «التَّاء» لتأكيد معنى الجمع، أو لتأنيث الجمع، وهم

أجسامٌ (١) علويَّةٌ نورانيَّةٌ مُشكَّلةٌ بما شاءت من الأشكال، والإيمان بهم هو التَّصديق بوجودهم، وأنَّهم كما وصفهم الله تعالى: ﴿عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] أي: وأن تؤمن بملائكته (وَ) أن تؤمن (بِلِقَائِهِ) أي: برؤيته تعالى في الآخرة، كما قال الخطَّابيُّ، وتعقَّبه النَّوويُّ: بأنَّ أحدًا لا يقطع لنفسه بها؛ إذ هي مختصَّةٌ بمن مات مؤمنًا، والمرء لا يدري بِمَ يُختَم له؟ وأُجِيب: بأنَّ المُرَاد أنَّها حقٌّ في نفس الأمر، أو المُرَاد الانتقال من دار الدُّنيا (وَ) أن تؤمن (بِرُسُلِهِ) عليهم الصلاة والسلام، وفي رواية غير الأَصيليِّ: «ورسله» بإسقاط المُوحَّدة، أي: التَّصديق بأنَّهم صادقون فيما أخبروا به عن الله تعالى، وتأخيرهم في الذِّكر لتأخُّر إيجادهم لا لأفضليَّة الملائكة، وفي هامش فرع «اليونينيَّة» كهي زيادة: «وكتبه» للأَصيليِّ بإسقاط المُوحَّدة، أي: تصدِّق (٢) بأنَّها كلام الله تعالى، وأنَّ ما اشتملت عليه حقٌّ (وَ) أن (تُؤْمِنَ) أي: تصدِّق (بِالبَعْثِ) من القبور وما بعده؛ كالصِّراط والميزان، والجنَّة والنَّار، أو المُرَاد بعثة الأنبياء، وقد قِيلَ: إنَّ قوله: «وبلقائه» مُكرَّرةٌ لأنَّها داخلةٌ في الإيمان بالبعث، وتغايرُ تفسيرهما يحقِّق أنَّها ليست مُكرَّرةً، وإنما أعاد «تؤمن» لأنَّه إيمانٌ بما سيُوجَد، وما سبق إيمانٌ بالموجود في الحال، فهما نوعان، ثمَّ (قَالَ) أي: جبريل: يا رسول الله (مَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ) : (الإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ) أي: تطيعه مع خضوعٍ وتذلُّلٍ، أو تنطق بالشَّهادتين (وَلَا تُشْرِكَ بِهِ) بالفتح، وفي نسخة كريمة: «ولا تشركُ» بالضَّمِّ، زاد الأَصيليُّ: «شيئًا» (وَ) أن (تُقِيمَ) أي: تديمَ (الصَّلَاةَ) المكتوبة؛ كما صرَّح به في «مسلمٍ» (٣)، أو تأتيَ بها على ما ينبغي، وهو وتاليه من عطف الخاصِّ على العامِّ (وَ) أن (تُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ) قيَّد بها احترازًا من صدقة التَّطوُّع؛ فإنَّها زكاةٌ لغويَّةٌ، أو من

المُعجَّلة، أو لأنَّ العرب كانت تدفع المال للسَّخاء والجود، فنبَّه بالفرض على رفض ما كانوا عليه، قال الزَّركشيُّ: والظَّاهر أنَّها للتَّأكيد، وفي رواية مسلمٍ (١): «تقيم الصَّلاة المكتوبة، وتؤتي الزَّكاة المفروضة» (وَتَصُومَ رَمَضَانَ) ولم يذكر الحجَّ؛ إمَّا ذهولًا أو نسيانًا من الرَّاوي، ويدلُّ له مجيئه في رواية كَهْمَس: «وتحجَّ البيت إنِ استطعتَ إليه سبيلًا»، وقِيلَ: لأنَّه لم يكن فُرِضَ، ودُفِعَ بأنَّ في رواية ابن منده بسندٍ على شرط مسلمٍ: أنَّ الرَّجل جاء في آخر عمره ، ولم يذكر «الصَّوم» في رواية عطاء الخراسانيِّ، واقتصر في حديث أبي عامرٍ على «الصَّلاة والزَّكاة»، ولم يزد في حديث ابن عبَّاسٍ على «الشَّهادتين»، وزاد سليمان التَّيميُّ بعد ذكر الجميع: الحجَّ والاعتمار، والاغتسال من الجنابة، وإتمام الوضوء، وقد وقع هنا التَّفريق بين الإيمان والإسلام، فجعل الإيمان عمل القلب، والإسلام عمل الجوارح، فالإيمان لغةً: التَّصديق مُطلَقًا، وفي الشَّرع: التَّصديق والنُّطق معًا، فأحدهما ليس بإيمانٍ، أمَّا التَّصديق فإنَّه لا ينجِّي وحده من النَّار، وأمَّا النُّطق فهو وحده نِفَاقٌ، فتفسيره في الحديث «الإيمان» بالتَّصديق و «الإسلام» بالعمل إنَّما فسَّر به إيمان القلب والإسلام في (٢) الظَّاهر، لا الإيمان الشَّرعيَّ والإسلام الشَّرعيَّ، والمؤلِّف يرى أنَّهما والدِّين عباراتٌ عن واحدٍ، والمتَّضح أنَّ محلَّ الخلاف إذا أُفْرِدَ لفظُ أحدِهما، فإنِ اجتمعا تغايرا، كما وقع هنا، ثمَّ (قَالَ) جبريل: يا رسول الله (مَا الإِحْسَانُ؟) مبتدأٌ وخبرٌ، و «ال» للعهد، أي: ما الإحسان المتكرِّر في القرآن المترتِّب عليه الثَّواب؟ (قَالَ) رسول الله مُجِيبًا له: الإحسان: (أَنْ تَعْبُدَ اللهَ) أي: عبادتُك اللهَ تعالى حال كونك في عبادتك له (كَأَنَّكَ تَرَاهُ) أي: مثل حال كونك رائيًا له (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ) فاستمِرَّ على إحسان العبادة (فَإِنَّهُ) ﷿ (يَرَاكَ) دائمًا، والإحسان: الإخلاص، أو إجادة العمل، وهذا من جوامع كَلِمِهِ ؛ إذ هو شاملٌ لمَقام المُشاهَدَة ومقام المُراقَبَة، ويتَّضح لك

ذلك بأن تعرف أنَّ للعبد في عبادته ثلاثَ مقاماتٍ:

الأوَّل: أن يفعلها على الوجه الذي تسقط معه وظيفة التَّكليف؛ باستيفاء الشَّرائط والأركان.

الثَّاني: أن يفعلها كذلك وقد استغرق في بحار المُكاشَفَة، حتَّى كأنَّه يرى الله تعالى، وهذا مقامه ؛ كما قال: «وجُعِلَتْ قُرَّةُ عيني في الصَّلاة»؛ لحصول الاستلذاذ بالطَّاعة، والرَّاحة بالعبادة، وانسداد مسالك الالتفات إلى الغير باستيلاء أنوار الكشف عليه؛ وهو ثمرة امتلاء زوايا القلب من المحبوب، واشتغال السِّرِّ به، ونتيجته: نسيان الأحوال من المعلوم (١)، واضمحلال الرُّسوم.

الثَّالث: أن يفعلها وقد غلب عليه أنَّ الله تعالى يشاهده، وهذا هو مقام المُراقَبَة (٢).

فقوله: «فإن لم تكن تراه» نزولٌ عن مقام المُكاشَفَة إلى مقام المُراقَبَة، أي: إن لم تعبده وأنت من أهل الرُّؤية المعنويَّة فاعبده وأنت بحيث إنَّه يراك، وكلٌّ من المقامات الثَّلاثة إحسانٌ، إلَّا أنَّ الإحسان الذي هو شرطٌ في صحَّة العبادة إنَّما هو الأوَّل؛ لأنَّ الإحسان بالأخيرين (٣) من صفة الخواصِّ، ويتعذَّر من كثيرين، وإنَّما أخَّر السُّؤال عن الإحسان لأنَّه صفة الفعل، أو شرطٌ في صحَّته، والصِّفة بعد الموصوف، وبيان الشَّرط متأخِّرٌ عن المشروط، قاله أبو عبد الله الأُبِّيُّ، ثمَّ (قَالَ) جبريل: يا رسول الله (٤) (مَتَى) تقوم (السَّاعَةُ؟) اللَّام للعهد، والمُرَاد: يوم القيامة (قَالَ: مَا) أي: ليس (المَسْؤُولُ) زاد في رواية أبي ذَرٍّ: «عنها» (بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ) بزيادة «المُوحَّدة» في «أعلم» لتأكيد (٥) معنى النَّفيِ، والمُرَاد نفيُ علمِ وقتها لأنَّ عِلْمَ مجيئِها مقطوعٌ به، فهو علمٌ مُشتَرَكٌ، وهذا وإن أشعر بالتَّساوي في العلم إلَّا أنَّ المُرَاد التَّساوي في العلم

بأنَّ الله استأثر بعلم وقت مجيئها؛ لقوله بعد: «خمسٌ لا يعلمهنَّ إلَّا الله»، وليس السُّؤال عنها ليَعْلم الحاضرون كالأسئلة السَّابقة، بل لينزجروا عن السُّؤال عنها، كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأحزاب: ٦٣] فلمَّا وقع الجواب بأنَّه لا يعلمها إلَّا الله تعالى كفُّوا، وهذا السُّؤال والجواب وقعا بين عيسى ابن مريم وجبريل كما في «نوادر الحميديِّ»، لكن كان عيسى هو السَّائل، وجبريل هو المسؤول، ولفظه: حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا مالك بن مِغْوَلٍ، عن إسماعيل بن رجاء، عن الشَّعبيِّ قال: سأل عيسى ابن مريم جبريلَ عنِ السَّاعة قال: ما المسؤولُ عنها بأعلمَ من السَّائل (وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا) بفتح الهمزة، جمع شَرَطٍ بالتَّحريك، أي: علاماتها السَّابقة عليها، أو مقدِّماتها لا المقارنة لها؛ وهي: (إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ) أي: وقت ولادة الأمة (رَبَّهَا) أي: مالكها وسيِّدها، وهو هنا كنايةٌ عن كثرة أولاد السَّراري، حتَّى تصير الأمُّ كأنَّها أَمَةٌ لابنها؛ من حيث إنَّها ملكٌ لأبيه، أو أنَّ الإماء يلدن الملوك، فتصير الأمُّ من جملة الرَّعايا، والمَلِك سيِّد رعيَّته، أو كنايةٌ عن فساد الحال لكثرة بيع أمَّهات الأولاد، فيتداولهنَّ المُلَّاك، فيشتري الرَّجل أمَّه وهو لا يشعر، أو هو كنايةٌ عن كثرة العقوق بأن يعامل الولد أمَّه مُعامَلَة السَّيِّد أَمَتَهُ في الإهانة بالسَّبِّ والضَّرب والاستخدام، فأطلق عليه «ربَّها» مجازًا لذلك، وعُورِضَ بأنَّه لا وجه لتخصيص ذلك بولد الأَمَة إلَّا أن يُقَال: إنَّه أقرب إلى العقوق، وعند المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦٤٧٧٧]: «ربَّتها» بتاء التَّأنيث على معنى النَّسمة؛ ليشمل الذَّكر والأنثى، وقِيلَ: كراهة أن يقول: «ربَّها» تعظيمًا للفظ الرَّبِّ تعالى، وعبَّر بـ «إذا» الدَّالَّة على الجزم لأنَّ الشَّرط

مُحقَّق الوقوع، ولم يعبِّر بـ «إن» لأنَّه لا يصحُّ أن يُقَال: إن قامت القيامة كان كذا، بل يرتكب قائله محظورًا لأنَّه يُشْعِرُ بالشك فيه (وَ) من أشراط السَّاعة: (إِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ) بضمِّ الرَّاء (البُهْمُ فِي البُنْيَانِ) أي: وقت تفاخر أهل البادية بإطالة البنيان، وتكاثرهم به (١) باستيلائهم على الأمر، وتملُّكهم البلاد بالقهر، المقتضي لتبسُّطهم في الدُّنيا؛ فهو عبارةٌ عن ارتفاع الأسافل؛ كالعبيد والسَّفلة من الجمَّالين وغيرهم، وما أحسن قول القائل:

إذا التحقَ الأسافلُ بالأعالي … فقد طابتْ منادمةُ المنايا

وفيه: إشارةٌ إلى اتِّساع دين الإسلام، كما أنَّ الأوَّل فيه اتِّساعُ الإسلام، واستيلاء أهله على بلاد الكفر، وسبيُ ذراريهم، قال البيضاويُّ: لأنَّ بلوغَ الأمرِ الغايةَ مُنْذِرٌ بالتَّراجع المُؤْذِنِ بأن القيامة ستقوم؛ كما قِيلَ:

وعند التَّناهي يقصرُ المتطاولُ

والبُهمُ: -بضمِّ المُوحَّدة- جمع الأبهم؛ وهو الذي لاشِيَةَ له، أو جمع بهيمٍ؛ وهي رواية أبي ذرٍّ وغيره، ورُوِيَ عن الأَصيليِّ: الضَّمُّ والفتحُ، وكذا ضبطه القابسيُّ بالفتح أيضًا، ولا وجه له؛ لأنَّها صغار الضَّأن والمعز، وفي الميم الرَّفع نعتًا لـ «الرعاة» أي: السُّود، أوِ (٢)

المجهولون الذين لا يُعرَفُون، والجرُّ صفةً لـ «الإبل» أي: رعاة الإبل البهمِ (١) السُّود، وقد عدَّ في الحديث من الأشراط علامتين، والجمع يقتضي ثلاثةً؛ فإمَّا أن يكون على أنَّ أقلَّ الجمع اثنان، أو أنَّه اكتفى باثنين لحصول المقصود بهما في علم أشراط السَّاعة، وعلم وقتها داخلٌ (فِي) جملة (خَمْسٍ) من الغيب (لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا الله، ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ : ﴿إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]) أي: علم وقتها، وللأَصيليِّ: «﴿وَيُنَزِّلُ﴾ … » (الآيَةَ) بالنَّصبِ بتقدير: «اقرأ»، وبالرَّفع مبتدأ خبره محذوفٌ، أي: الآيةُ مقروءةٌ إلى آخر السُّورة، ولمسلمٍ: إلى قوله: ﴿خَبِيرٌ﴾ وكذا في رواية أبي فَرْوة، والسِّياق يرشد إلى أنَّه تلا الآية كلَّها، وسقط في رواية قوله «الآية» (٢) والجارُّ متعلِّقٌ بمحذوفٍ كما قدَّرته، فهو على حدِّ قوله تعالى: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ [النمل: ١٢] أي: اذهب إلى فرعون بهذه الآية في جملة تسع آياتٍ، وتمام الآية السَّابقة: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ أي: في أوانه المُقدَّر له، والمحلِّ المُعيَّن له ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ أذكرًا أم أنثى، تامًّا أم ناقصًا؟ ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ من خيرٍ أو شرٍّ، وربَّما يعزم على شيءٍ ويفعل خلافه ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ أي: كما لا تدري في أيِّ وقتٍ تموت، قال القرطبيُّ: لا مطمع لأحدٍ في علم شيءٍ من هذه الأمور الخمسة لهذا الحديث، فَمَنِ ادَّعى علم شيءٍ منها غير مستندٍ إلى الرَّسول كان كاذبًا في دعواه.

(ثُمَّ أَدْبَرَ) الرَّجل السَّائل (فَقَالَ) رسول الله : (رُدُّوهُ) فأخذوا ليردُّوه (فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا) لا عينه ولا أثره، قال ابن بَزِيْزَة: ولعلَّ قوله: «رُدُّوه عليَّ» إيقاظٌ للصَّحابة ليتفطَّنوا إلى أنَّه

مَلَكٌ لا بشرٌ (فَقَالَ) : (هَذَا) ولكريمة: «إنَّ هذا» (جِبْرِيلُ) (جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ) أي: قواعد دينهم، وهي جملةٌ وقعت حالًا مُقدَّرةً لأنَّه لم يكن مُعلِّمًا وقت المجيء، وأَسْنَدَ التَّعليمَ إليه -وإن كان سائلًا- لأنَّه لمَّا كان السَّبب فيه أسنده إليه، أو أنَّه كان من غرضه، وللإسماعيليِّ: «أراد أن تَعلَّموا إذ لم تسألوا»، وفي حديث أبي عامرٍ: «والَّذي نفسُ محمَّدٍ بيده؛ ما جاءني قطُّ إلَّا وأنا أعرفه، إلَّا أن تكون هذه المرَّة»، وفي رواية سليمانَ التَّيميِّ: «ما شُبِّهَ عليَّ منذ أتاني قبل مرَّتي هذه، وما عرفته حتَّى ولَّى».

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ رحمه الله تعالى: (جَعَلَ) النَّبيُّ (ذَلِكَ) المذكور في هذا الحديث (كُلَّهُ مِنَ الإِيمَانِ) أي: الكامل المشتمل على هذه الأمور كلِّها، وفي هذا الحديث: بيان عِظَمِ الإخلاص والمُرَاقَبَة، وفيه: أنَّ العالِمَ إذا سُئِلَ عمَّا لا يعلمه يقول: لا أدري، ولا يُنْقِصُ ذلك من جلالته، بل يدلُّ على ورعه وتقواه ووفور علمه، وأنَّه يسأل العالِمَ لِيعلمَ السَّامعون، ويحتمل أنَّ في سؤال جبريلَ النَّبيَّ في حضور الصَّحابة أنَّه يريد أنْ يُرِيَهم أنَّه مليءٌ من العلوم، وأنَّ علمه مأخوذٌ من الوحيِ، فتزيد رغبتهم ونشاطهم فيه، وهو المعنيُّ بقوله: «جاء يعلِّم النَّاس دينَهم»، وأنَّ الملائكة تَمثَّلُ بأيِّ صورةٍ شاؤوا من صور بني آدم، وأخرجه المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦٤٧٧٧] وفي «الزَّكاة» مُختصرًا [خ¦١٣٩٧]، ومسلمٌ في «الإيمان»، وابن ماجه في «السُّنَّة» بتمامه، وفي «الفتن» ببعضه، وأبو داود في «السُّنَّة»، والنَّسائيُّ في «الإيمان»، وكذا التِّرمذيُّ، وأحمد في «مُسنَده»، والبزَّار بإسنادٍ حسنٍ، وأبو عوانة في «صحيحه»، وأخرجه مسلمٌ أيضًا عن عمر بن الخطَّاب، ولم يخرجه البخاريُّ لاختلافٍ فيه على بعض رواته، وبالجملة: فهو حديثٌ جليلٌ، حتَّى قال القرطبيُّ: يصلح أن يُقَال له: أمُّ السُّنَّة لِمَا تضمَّنه من جُمَلِ علمها، وقال عياضٌ إنَّه اشتمل على جميع وظائف العبادات الظَّاهرة والباطنة من عقود الإيمان، ابتداءً وحالًا ومآلًا، ومن أعمال الجوارح، ومن إخلاص السَّرائر، والتَّحفُّظ من آفات الأعمال، حتَّى إنَّ علوم الشَّريعة كلَّها راجعةٌ إليه ومتشعِّبةٌ منه. انتهى.

(٣٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، مع سقوط التَّرجمة لأبي الوقت وكريمة، وسقط ذلك للأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ وابن عساكر، ورجَّح النَّوويُّ الأوَّل بأنَّ الحديث التَّالي لا تعلُّق له بالتَّرجمة السَّابقة، وأُجِيب: بأنَّه يتعلَّق بها من جهة اشتراكهما في جعل الإيمان دِينًا، لكن استُشكِل من جهة الاستدلال بقول هِرَقْلَ مع كونه غير مؤمنٍ، وأُجِيب: بأنَّ هِرَقْلَ لم يَقُلْهُ من قِبَلِ رأيه، إنَّما رواه عن الكتب السَّالفة (١)، وفي شرعهم كان الإيمان دينًا، وشرعُ مَنْ قَبْلَنا شَرْعٌ (٢) لنا ما لم يرد ناسخٌ، وتداولته الصَّحابة.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

بِكَسْر الْهمزَة عطف على قَوْله إِنِّي وَالضَّمِير فِيهِ للشان وَقَوله " تلاحى فلَان " جملَة فِي مَحل الرّفْع على انه خبر أَن قَوْله " فَرفعت " عطف على تلاحى وَالْفَاء تصلح للسَّبَبِيَّة قَوْله " وَعَسَى أَن يكون " قد علم أَن فَاعل عَسى على نَوْعَيْنِ أَحدهمَا أَن يكون اسْما نَحْو عَسى زَيْدَانَ يخرج فزيد مَرْفُوع بالفاعلية وَأَن يخرج فِي مَوضِع نصب لانه بِمَنْزِلَة قَارب زيد الْخُرُوج وَالثَّانِي أَن تكون أَن مَعَ جُمْلَتهَا فِي مَوضِع الرّفْع نَحْو عَسى أَن يخرج زيد فَتكون إِذْ ذَاك بِمَنْزِلَة قرب أَن يخرج أَي خُرُوجه إِلَّا أَن الْمصدر لم يسْتَعْمل وَقَوله عَسى أَن يكون من قبيل الثَّانِي وَالضَّمِير فِي يكون يرجع إِلَى الرّفْع الدَّال عَلَيْهِ قَوْله فَرفعت وَقَوله خير لنصب بِأَنَّهُ خبر يكون (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله " فتلاحى رجلَانِ " هما عبد الله بن أبي حَدْرَد بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وَفِي آخِره دَال اخرى وَكَعب بن مَالك كَانَ على عبد الله دين لكعب يَطْلُبهُ فتنازعا فِيهِ ورفعا صوتيهما فِي الْمَسْجِد قَوْله " فَرفعت " قَالَ النَّوَوِيّ أَي رفع بَيَانهَا أَو علمهَا والافهى بَاقِيَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة قَالَ وشذ قوم فَقَالُوا رفعت لَيْلَة الْقدر وَهَذَا غلط لِأَن آخر الحَدِيث يرد عَلَيْهِم فَأَنَّهُ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام " التمسوها " وَلَو كَانَ المُرَاد رفع وجودهَا لم يَأْمُرهُم بالتماسها لَا يُقَال كَيفَ يُؤمر بِطَلَب مَا رفع علمه لانا نقُول المُرَاد طلب التَّعَبُّد فِي مظانها وَرُبمَا يَقع الْعَمَل مصادفاً لَهَا أَنه مَأْمُور بِطَلَب الْعلم بِعَينهَا والاوجه أَن يُقَال رفعت من قلبِي بِمَعْنى نسيتهَا يدل عَلَيْهِ مَا جَاءَ فِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث أبي سعيد " فجَاء رجلَانِ يحتقنان " بتَشْديد الْقَاف أَي يدعى كل مِنْهُمَا أَنه المحق " مَعَهُمَا الشَّيْطَان فنسيتها " وَيعلم من حَدِيث عبَادَة ان سَبَب الرّفْع التلاحى وَمن حَدِيث أبي سعيد هُوَ النسْيَان وَيحْتَمل أَن يكون السَّبَب هُوَ الْمَجْمُوع وَلَا مَانع مِنْهُ قَوْله " وَعَسَى أَن يكون خير لكم " لتزيدوا فِي الِاجْتِهَاد وتقوموا فِي اللَّيَالِي لطلبها فَيكون زِيَادَة فِي ثوابكم وَلَو كَانَت مُعينَة لاقتنعتم بِتِلْكَ اللَّيْلَة فَقل عَمَلكُمْ قَوْله " التمسوها فِي السَّبع " أَي لَيْلَة السَّبع وَالْعِشْرين من رَمَضَان وَالتسع وَالْعِشْرين مِنْهُ وَالْخمس وَالْعِشْرين مِنْهُ وَهَكَذَا وَقع فِي مستخرج ابي نعيم فان قلت من أَيْن اسْتُفِيدَ التَّقْيِيد بالعشرين وبرمضان قلت من الْأَحَادِيث الآخر الدَّالَّة عَلَيْهِمَا وَقد مر فِي بَاب قيام لَيْلَة الْقدر الْأَقْوَال الَّتِي ذكرت فِيهَا بَيَان استنباط الْأَحْكَام الأول فِيهِ ذمّ الملاحاة وَنقص صَاحبهَا الثَّانِي أَن الملاحاة والمخاصمة سَبَب الْعقُوبَة للعامة بذنب الْخَاصَّة فَإِن الْأمة حرمت اعلام هَذِه اللَّيْلَة بِسَبَب التلاحى بِحَضْرَتِهِ الشَّرِيفَة لَكِن فِي قَوْله " وَعَسَى أَن يكون خيرا " بعض التأنيس لَهُم وَقَالَ النَّوَوِيّ ادخل البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب لِأَن رفع لَيْلَة الْقدر كَانَ بِسَبَب تلاحيهما ورفعهما الصَّوْت بِحَضْرَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَفِيهِ مذمة الملاحاة ونقصان صَاحبهَا وَقَالَ الْكرْمَانِي فَأن قلت إِذا جَازَ أَن يكون الرّفْع خيرا فلامذمة فِيهِ وَلَا شَرّ وَلَا حَبط عمل قلت أَن أُرِيد بِالْخَيرِ اسْم التَّفْصِيل فَمَعْنَاه أَن الرّفْع عَسى أَن يكون خيرا من عدم الرّفْع خير فلامذمة فِيهِ وَلَا شَرّ وَلَا حَبط عمل قلت أَن أُرِيد بِالْخَيرِ اسْم التَّفْضِيل فَمَعْنَاه أَن الرّفْع عَسى أَن يكون خيرا وَأَن عدم الرّفْع أَزِيد خيرا وَأولى مِنْهُ ثمَّ أَن خيرية ذَاك كَانَت مُحَققَة وخيرية هَذَا مرجوة لِأَن مفَاد عَسى هُوَ الرَّجَاء لَا غير. الثَّالِث فِيهِ الْحَث على طلب لَيْلَة الْقدر. الرَّابِع قَالَ القَاضِي عِيَاض فِيهِ دَلِيل على أَن الْمُخَاصمَة مذمومة وَأَنَّهَا مثل الْعقُوبَة المعنوية وَقَالَ بَعضهم فان قيل كَيفَ تكون الْمُخَاصمَة فِي طلب الْحق مذمومة قُلْنَا إِنَّمَا كَانَت كَذَلِك لوقوعها فِي الْمَسْجِد وَهُوَ مَحل الذّكر لَا اللَّغْو سِيمَا فِي الْوَقْت الْمَخْصُوص أَيْضا بِالذكر وَهُوَ شهر رَمَضَان قلت طلب الْحق غير مَذْمُوم لَا فِي الْمَسْجِد وَلَا فيا لوقت الْمَخْصُوص وَإِنَّمَا المذمة فِيهَا لَيست رَاجِعَة إِلَى مُجَرّد الْخُصُومَة فِي الْحق وَإِنَّمَا هِيَ رَاجِعَة إِلَى زِيَادَة مُنَازعَة حصلت بَينهمَا عَن الْقدر الْمُحْتَاج إِلَيْهِ وَتلك الزِّيَادَة هِيَ اللَّغْو وَالْمَسْجِد لَيْسَ بِمحل اللَّغْو مَعَ مَا كَانَ فِيهَا من رفع الصَّوْت بِحَضْرَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَافْهَم.

٣٧ - ( {بَاب سُؤال جِبْريلَ النَّبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنِ الإيمانِ والإسْلامِ والإحْسانِ وعِلْمِ السَّاعةِ} )

الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع. الأول: أَن التَّقْدِير: هَذَا بَاب فِي بَيَان سُؤال جِبْرَائِيل عَلَيْهِ السَّلَام الخ. وَالْبَاب مُضَاف إِلَى السُّؤَال، وَالسُّؤَال

إِلَى جِبْرِيل إِضَافَة الْمصدر إِلَى فَاعله، وَجِبْرِيل لَا ينْصَرف للعلمية والعجمة، وَقد تكلمنا فِيهِ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة فِي أَوَائِل الْكتاب. وَقَوله: (النَّبِي) مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول الْمصدر، وَقَوله: (عَن الْإِيمَان) يتَعَلَّق بالسؤال. الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول هُوَ الْمُؤمن الَّذِي يخَاف أَن يحبط عمله وَفِي هَذَا الْبَاب يذكر بِمَاذَا يكون الرجل مُؤمنا، وَمن الْمُؤمن فِي الشَّرِيعَة. الثَّالِث: قَوْله (وَعلم السَّاعَة) عطف على قَوْله: الْإِيمَان، أَي: علم الْقِيَامَة. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: سميت سَاعَة لوقوعها بَغْتَة، أَو لسرعة حِسَابهَا، أَو على الْعَكْس لطولها. فَهُوَ تمليح، كَمَا يُقَال فِي الْأسود كافورا، وَلِأَنَّهَا عِنْد الله تَعَالَى على طولهَا كساعة من السَّاعَات عِنْد الْخلق. فَإِن قلت: كَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول: وَوقت السَّاعَة، لِأَن السُّؤَال عَن وَقتهَا حَيْثُ قَالَ، مَتى السَّاعَة؟ وَكلمَة مَتى، للْوَقْت، وَلَيْسَ السُّؤَال عَن علمهَا. قلت: فِيهِ حذف تَقْدِيره: وَعلم وَقت السَّاعَة، بِقَرِينَة ذكر: مَتى، وَالْعلم لَازم السُّؤَال، إِذْ مَعْنَاهُ: أتعلم وَقت السَّاعَة؟ فَأَخْبرنِي، فَهُوَ مُتَضَمّن للسؤال عَن علم وَقتهَا.

وبيَانِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُ ثمَّ قَالَ جاءَ جِبْرِيلُ عليهِ السلامُ يُعَلِّمُكمْ دِينَكُمْ فَجَعلَ ذلِكَ كُلَّهُ دِينا. وَمَا بَيَّنَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ مِنَ الإيمانِ. وقَوْلِهِ تَعَالَى {ومَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ} (آل عمرَان: ٨٥) .

و: بَيَان، مجرور لِأَنَّهُ عطف على قَوْله: سُؤال، قَوْله: (لَهُ) أَي: لجبريل، عَلَيْهِ السَّلَام، وَقد أعَاد الْكرْمَانِي الضَّمِير إِلَى الْمَذْكُور من قَوْله: (عَن الْإِيمَان وَالْإِسْلَام والاحسان وَعلم السَّاعَة) ، وَهَذَا وهم مِنْهُ، ثمَّ تكلّف بِجَوَاب عَن سُؤال بناه على مَا زَعمه ذَلِك، فَقَالَ: فَإِن قلت: لم يبين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقت السَّاعَة، فَكيف قَالَ: وَبَيَان النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، لَهُ لِأَن الضَّمِير إِمَّا رَاجع إِلَى الْأَخير أَو إِلَى مَجْمُوع الْمَذْكُور؟ قلت: إِمَّا أَنه أطلق وَأَرَادَ أَكْثَره، إِذْ حكم مُعظم الشَّيْء حكم كُله، أَو جعل الحكم فِيهِ بِأَنَّهُ لَا يُعلمهُ إلَاّ الله بَيَانا لَهُ. قَوْله: (ثمَّ قَالَ) أَي: النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، وَهَذَا إِشَارَة إِلَى كَيْفيَّة استدلاله من سُؤال جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، وَجَوَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِيَّاه على جعل كل ذَلِك دينا، فَلذَلِك قَالَ: ثمَّ قَالَ، بِالْجُمْلَةِ الفعلية عطفا على الْجُمْلَة الاسمية، لِأَن الأسلوب يتَغَيَّر بِتَغَيُّر الْمَقْصُود، لِأَن مَقْصُوده من الْكَلَام الأول هُوَ التَّرْجَمَة، وَمن هَذَا الْكَلَام كَيْفيَّة الِاسْتِدْلَال، فلتغاير المقصودين تغاير الأسلوبان، وَفِي عطف الفعلية على الاسمية وعكسها خلاف بَين النُّحَاة. قَوْله: (فَجعل) أَي: رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَوْله: (ذَلِك) إِشَارَة إِلَى مَا ذكر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْآتِي. فَإِن قلت: علم وَقت السَّاعَة لَيْسَ من الْإِيمَان، فَكيف قَالَ كُله، قلت: الِاعْتِقَاد بوجودها، وبعدم الْعلم بوقتها لغير الله تَعَالَى من الدّين أَيْضا أَو أعْطى للْأَكْثَر حكم الْكل مجَازًا، فِيهِ نظر لِأَن لَفظه: كل، يدْفع الْمجَاز. قَوْله: (وَمَا بَين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) كلمة الْوَاو هُنَا بِمَعْنى المصاحبة، وَالْمعْنَى: جعل النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، سُؤال جِبْرِيل، وَجَوَاب النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، كُله دينا مَعَ مَا بيَّن لوفد عبد الْقَيْس من الْإِيمَان، وَبَينه فِي قصتهم بِمَا فسر بِهِ الاسلام هَهُنَا، وَأَرَادَ بِهَذَا الْإِشْعَار بِأَن الْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَاحِد، على مَا هُوَ مذْهبه وَمذهب جمَاعَة من الْمُحدثين، وَقد نقل أَبُو عوَانَة الاسفرائني فِي (صَحِيحه) عَن الْمُزنِيّ صَاحب الشَّافِعِي، رَحمَه الله، الْجَزْم بِأَنَّهُمَا وَاحِد، وَأَنه سمع ذَلِك مِنْهُ. وَعَن الإِمَام أَحْمد الْجَزْم بتغايرهما، وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ فِي أَوَائِل كتاب الْإِيمَان. وَكلمَة مَا، مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: مَعَ بَيَان النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، لوفد عبد الْقَيْس. قَوْله: وَقَوله {وَمن يبتغ غير الاسلام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ} (آل عمرَان: ٨٥) عطف على قَوْله: (وَمَا بَين النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام) ، وَالتَّقْدِير: وَمَعَ قَوْله تَعَالَى: {وَمن يبتغ} (آل عمرَان: ٨٥) أَي مَعَ مَا دلّت عَلَيْهِ الْآيَة أَن الْإِسْلَام هُوَ الدّين، أَي: وَمن يطْلب غير الْإِسْلَام دينا، والابتغاء: الطّلب.

(حَدثنَا مُسَدّد قَالَ حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم أخبرنَا أَبُو حَيَّان التَّيْمِيّ عَن أبي زرْعَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بارزاً يَوْمًا للنَّاس فَأَتَاهُ جِبْرِيل فَقَالَ مَا الْإِيمَان قَالَ الْإِيمَان أَن تؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وبلقائه وَرُسُله وتؤمن بِالْبَعْثِ قَالَ الْإِسْلَام قَالَ الْإِسْلَام أَن تعبد الله وَلَا تشرك بِهِ وتقيم الصَّلَاة وَتُؤَدِّي الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة وتصوم رَمَضَان قَالَ مَا الْإِحْسَان

قَالَ أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك قَالَ مَتى السَّاعَة قَالَ مَا المسؤل عَنْهَا بِأَعْلَم من السَّائِل وسأخبرك عَن أشراطها إِذا ولدت الْأمة رَبهَا وَإِذا تطاول رُعَاة الْإِبِل البهم فِي الْبُنيان فِي خمس لَا يعلمهُنَّ إِلَّا الله ثمَّ تَلا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن الله عِنْده علم السَّاعَة الْآيَة ثمَّ أدبر فَقَالَ ردُّوهُ فَلم يرَوا شَيْئا فَقَالَ هَذَا جِبْرِيل جَاءَ يعلم النَّاس دينهم) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة (بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة الأول مُسَدّد بن مسرهد وَقد مر ذكر فِي بَاب من الْإِيمَان أَن يحب لِأَخِيهِ الثَّانِي اسمعيل بن إِبْرَاهِيم بن سهم بن مقسم أَبُو بشر مولى بني اسد بن خُزَيْمَة الْمَشْهُور بِابْن عَلَيْهِ بِضَم الْعين وَفتح اللَّام وَتَشْديد الْيَاء وَكَانَت امْرَأَة عَاقِلَة نبيلة وَكَانَ صَالح الْمزي ووجوه أهل الْبَصْرَة وفقهاؤها يدْخلُونَ عَلَيْهَا فَتبرز لَهُم وتحادثهم وتسأئلهم وَقد مر ذكره فِي بَاب حب الرَّسُول من الْإِيمَان الثَّالِث أَبُو حبَان بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف واسْمه يحيى بن حَيَّان الْكُوفِي فِي التَّيْمِيّ قَالَ أَحْمد بن عبد الله هُوَ ثِقَة صَالح بر صَاحب سنة مَاتَ سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَة روى لَهُ الْجَمَاعَة ونسبته إِلَى تيم الربَاب وحيان أما مُشْتَقّ من الْحَيَاة فَلَا ينْصَرف أَو من الْحِين فَيَنْصَرِف الرَّابِع أَبُو زرْعَة هرم بن عَمْرو بن جرير البجلى تقدم ذكره فِي بَاب الْجِهَاد من الْإِيمَان الْخَامِس أَبُو هُرَيْرَة (بَيَان لطائف اسناده) . مِنْهَا أَن التحديث والعنعة. وَمِنْهَا أَن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم قد ذكره البُخَارِيّ فِي بَاب حب الرَّسُول من الْإِيمَان بنسبته إِلَى أمه حَيْثُ قَالَ حَدثنَا يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا ابْن علية عَن عبد الْعَزِيز وَذكره هَهُنَا باسم أَبِيه وَهَذَا دَلِيل على كال ضبط البُخَارِيّ وأمانته حَيْثُ نقل لفظ الشُّيُوخ بِعَيْنِه فأداه كَمَا سَمعه وَمِنْهَا أَن فِيهِ أَبَا حَيَّان وَهُوَ غير تَابِعِيّ وَقد روى عَنهُ تابعيان كَبِير أَن أَيُّوب وَالْأَعْمَش (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه هَهُنَا عَن مُسَدّد عَن إِسْمَاعِيل وَفِي التَّفْسِير عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن جرير كِلَاهُمَا عَن ابي حَيَّان وَفِي الزَّكَاة مُخْتَصرا عَن عبد الرَّحِيم عَن عقيل عَن زُهَيْر عَن أبي حَيَّان أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب كِلَاهُمَا عَن إِسْمَاعِيل بن علية وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير عَن مُحَمَّد بن بشر عَن ابي حَيَّان وَعَن زُهَيْر عَن جرير عَن عمَارَة كِلَاهُمَا عَن أبي زرْعَة وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي السّنة بِتَمَامِهِ وَفِي الْفِتَن بِبَعْضِه عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي السّنة عَن عُثْمَان عَن جرير عَن أبي فَرْوَة الهمذاني عَن أبي زرْعَة عَن أبي ذَر وَأبي هُرَيْرَة وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْإِيمَان عَن مُحَمَّد بن قدامَة عَن جريرية وَفِي الْعلم عَن إِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم عَن جرير مُخْتَصرا من غير ذكر سُؤال السَّائِل وَقد أخرجه مُسلم من حَدِيث عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ وَلم يُخرجهُ البُخَارِيّ لاخْتِلَاف فِيهِ على بعض رُوَاته فمشهوره رِوَايَة كهمس بن الْحسن عَن عبد الله عَن بُرَيْدَة يحيى ابْن يعمر بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم عَن عبد الله بن عمر عَن أَبِيه عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنْهُمَا وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي السّنة عَن عبيد الله بن معَاذ بِهِ وَعَن مُسَدّد عَن يحيى ابْن سعيد بِهِ وَعَن مَحْمُود بن خَالِد عَن الْفرْيَابِيّ عَن سُفْيَان عَن عَلْقَمَة بن مرْثَد عَن سُلَيْمَان بن بُرَيْدَة عَن يحيى بن يعمر بهَا الحَدِيث يزِيد وَينْقص. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْإِيمَان عَن ابي عَلْقَمَة بن مرْثَد عَن سُلَيْمَان بن بُرَيْدَة عَن يحيى بن يعمر بِهَذَا الحَدِيث يزِيد وَينْقص. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْإِيمَان عَن أبي عمار الْحُسَيْن بن حُرَيْث الْخُزَاعِيّ عَن وَكِيع بِهِ. وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن معَاذ بن معَاذ بِهِ وَعَن أَحْمد بن مُحَمَّد عَن ابْن الْمُبَارك عَن كهمس بِهِ وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي السّنة عَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن وَكِيع بِهِ قلت رَوَاهُ عَن كهمس جمَاعَة من الْحفاظ وَتَابعه مطر الْوراق عَن عبيد الله بن بُرَيْدَة وأخرجهما أَبُو عوانه فِي صَحِيحه وَسليمَان التَّيْمِيّ عَن يحيى بن يعمر أخرجهُمَا ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَكَذَا رَوَاهُ عُثْمَان بن عُثْمَان وَعبد الله بن بُرَيْدَة لكنه قَالَ يحيى بن يعمر وَحميد بن عبد الرَّحْمَن مَعًا عَن ابْن عمر عَن عمر رَضِي الله عَنهُ وَأخرجه أَحْمد فِي مُسْنده وَقد خالفهم سُلَيْمَان بن بُرَيْدَة أَخُو عبد الله فَرَوَاهُ عَن يحيى بن يعمر عَن عبد الله بن عمر قَالَ بَيْنَمَا " نَحن عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " فَجعله من مُسْند ابْن عمر لامن رِوَايَته عَن أَبِيه وأخره أَحْمد أَيْضا وَكَذَا أَبُو نعيم فِي الْحِلْية من طَرِيق عَطاء الْخُرَاسَانِي

عَن يحيى بن يعمر وذكا روى من طَرِيق عكطاء بن أبي رَبَاح عَن عبد الله بن عمر أخرجهُمَا الطَّبَرَانِيّ وَفِي الْبَاب عَن أنس رَضِي الله عَنهُ أخرجه الْبَزَّار بِإِسْنَادِهِ حسن وَعَن جرير البَجلِيّ أخرجه أَبُو عوَانَة فِي صَحِيحه وَعَن ابْن عَبَّاس وَأبي عَامر الْأَشْعَرِيّ أخرجهُمَا أَحْمد بِإِسْنَادِهِ حسن (بَيَان اخْتِلَاف الرِّوَايَات فِيهِ) قَوْله " كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بارزا يَوْمًا للنَّاس " وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن أبي فَرْوَة " كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يجلس بَين أَصْحَابه فَيَجِيء الْغَرِيب فَلَا يدْرِي أَيهمْ هُوَ حَتَّى يسْأَل فطلبنا إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن نجْعَل لَهُ مَجْلِسا يعرفهُ الْغَرِيب إِذا أَتَاهُ قَالَ فبنينا لَهُ دكانا من طين يجلس عَلَيْهِ وَكُنَّا نجلس بجنبته " واستنبط مِنْهُ الْقُرْطُبِيّ اسْتِحْبَاب جُلُوس الْعَالم بمَكَان يخْتَص بِهِ وَيكون مرتفعاً إِذا احْتَاجَ لذَلِك لضَرُورَة تَعْلِيم وَنَحْوه قَوْله " فاتاه رجل " وَفِي التَّفْسِير للْبُخَارِيّ " إِذْ أَتَاهُ رجل يمشي " وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ عَن أبي فَرْوَة " فأناا الْجُلُوس عِنْده إِذا قبل رجل أحسن النَّاس وَجها وَأطيب النَّاس ريحًا كَأَن ثِيَابه يَمَسهَا دنس " وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق كهمس من حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ " بَيْنَمَا نَحن ذَات يَوْم عِنْد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذْ طلع علينا رجل شَدِيد بَيَاض الثِّيَاب شَدِيد سَواد الشّعْر " وَفِي رِوَايَة ابْن حبَان " شَدِيد سَواد اللِّحْيَة لَا يرى عَلَيْهِ أثر السّفر وَلَا يعرفهُ منا أحد حَتَّى جلس إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأسْندَ رُكْبَتَيْهِ وَوضع كفيه على فَخذيهِ " ولسليمان التَّيْمِيّ " لَيْسَ عَلَيْهِ سحناء وَلَيْسَ من الْبَلَد فتخطى حَتَّى برك بَين يَدي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا يجلس أَحَدنَا فِي الصَّلَاة ثمَّ وضع يَده على ركبتي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " قلت السحناء بِفَتْح السِّين والحاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَالنُّون وَهِي الْهَيْئَة وَكَذَلِكَ السحنة بِالتَّحْرِيكِ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة لم اسْمَع أحدا يَقُولهَا أعنى السحناء بِالتَّحْرِيكِ غير الْفراء قَوْله " فَقَالَ مَا الْإِيمَان " وَزَاد البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير " فَقَالَ يَا رَسُول الله مَا الْإِيمَان " قَوْله " أَن تؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وبلقائه وَرُسُله " وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ واتفقت الروَاة على ذكرهَا فِي التَّفْسِير قَوْله " وبلقائه " كَذَا وَقعت هُنَا بَين الْكتب وَالرسل وَكَذَا الْمُسلم من الطَّرِيقَيْنِ وَلم يَقع فِي بَقِيَّة الرِّوَايَات وَوَقع فِي حَدِيثي أنس وَابْن عَبَّاس " وبالموت وبالبعث بعد الْمَوْت " قَوْله " وَرُسُله " وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ " وبرسوله " وَوَقع فِي حَدِيث أنس وَابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُم " وَالْمَلَائِكَة وَالْكتاب والنبين " وَكَذَا فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ عَن أبي ذَر وَعَن أبي هُرَيْرَة قَوْله " تؤمن بِالْبَعْثِ " زَاد البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير " وبالبعث الآخر " وَفِي رِوَايَة مُسلم فِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ " وَالْيَوْم الآخر " وَزَاد الاسماعيلي فِي مستخرجه هُنَا " وتؤمن بِالْقدرِ " وَهِي رِوَايَة أبي فَرْوَة أَيْضا. وَفِي رِوَايَة كهمس وَسليمَان التيمى " وتؤمن بِالْقدرِ " وَهِي رِوَايَة أبي فَرْوَة أَيْضا. وَفِي رِوَايَة كهمس وَسليمَان التَّيْمِيّ " وتؤمن بِالْقدرِ خَيره وشره " وَكَذَا فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس وَكَذَا الْمُسلم فِي رِوَايَة عمَارَة بن الْقَعْقَاع واكده بقوله فِي رِوَايَة عَطاء عَن ابْن عمر بِزِيَادَة " حلوه ومره فِي الله " قَوْله " وتصوم رَمَضَان " وَفِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ " وتحج الْبَيْت إِن اسْتَطَعْت إِلَيْهِ سَبِيلا وَكَذَا فِي حَدِيث أنس فِي رِوَايَة عَطاء الْخُرَاسَانِي لم يذكر الصَّوْم فِي حَدِيث أبي عَامر ذكر الصَّلَاة وَالزَّكَاة فَحسب وَلم يذكر فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس غير الشَّهَادَتَيْنِ وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيّ ذكر الْجَمِيع وَزَاد بعد قَوْله " وتحج الْبَيْت وتعتمر وتغتسل من الْجَنَابَة وتتم الْوضُوء " وَفِي رِوَايَة مطر الْوراق " وتقيم الصَّلَاة وتؤتي الزَّكَاة " وَفِي رِوَايَة مُسلم " وتقيم الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة " قَوْله " أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ " وَفِي رِوَايَة عمَارَة بن الْقَعْقَاع أَن تخشى الله كَأَنَّك ترَاهُ وَفِي رِوَايَة أبي فَرْوَة " فَإِن لم تره فَإِنَّهُ يراك " قَوْله " مَا المسؤول عَنْهَا بِأَعْلَم من السَّائِل " وَفِي رِوَايَة أبي فَرْوَة " فَنَكس فَلم يجبهُ ثمَّ أعَاد فَلم يجبهُ شَيْئا ثمَّ رفع رَأسه قَالَ مَا المسؤول " قَوْله " سأخبرك " وَفِي التَّفْسِير " سأحدثك " قَوْله " عَن أشراطها " وَفِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ " قَالَ فَأَخْبرنِي عَن اماراتها " وَفِي رِوَايَة أبي فَرْوَة " وَلَكِن لَهَا عَلَامَات تعرف بهَا " وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيّ " وَلَكِن ان شِئْت عَن أشراطها قَالَ أجل " وَنَحْوه فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس وَزَاد " فَحَدثني " قَوْله " إِذا ولدت الْأمة رَبهَا " وَفِي التَّفْسِير " ربتها " بتاء التَّأْنِيث وَكَذَا فِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ وَفِي رِوَايَة عُثْمَان بت غياث " إِذا ولدت الأماء اربابهن " بِلَفْظ الْجمع قَوْله " رُعَاة الْإِبِل إِلَيْهِم " بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي رِوَايَة الإصيلي بِفَتْحِهَا وَفِي رِوَايَة " الصم والبكم " قَوْله " فِي خمس " وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا " سُبْحَانَ الله خمس " وَفِي رِوَايَة عَطاء الْخُرَاسَانِي قَالَ " فَمَتَى السَّاعَة قَالَ فِي خمس من الْغَيْب لَا يعلمهَا إِلَّا الله " قَوْله " وَالْآيَة "

وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ " وتلا الْآيَة إِلَى آخر السُّورَة " وَفِي رِوَايَة مُسلم " إِلَى قَوْله خَبِير " وَكَذَا فِي رِوَايَة أبي فَرْوَة وَوَقع البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير " إِلَى الارحام " قَوْله " فَقَالَ ردُّوهُ " وَزَاد فِي التَّفْسِير " فَأخذُوا ليردوه فَلم يرَوا شَيْئا " قَوْله " جَاءَ يعلم " وَفِي التَّفْسِير " ليعلم " وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ " أَرَادَ أَن تعلمُوا إِذْ لم تسألوا " وَمثله لعمارة وَفِي رِوَايَة أبي فَرْوَة " وَالَّذِي بعث مُحَمَّد بِالْحَقِّ مَا كنت بِأَعْلَم بِهِ من رجل مِنْكُم وَإنَّهُ لجبريل " وَفِي حَدِيث أبي عَامر " ثمَّ ولي فَلم نر طَريقَة قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام " سُبْحَانَ الله هَذَا جِبْرِيل جَاءَ ليعلم النَّاس دينهم وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ مَا جَاءَ فِي قطّ إِلَّا وَأَنا أعرفهُ إِلَّا أَن تكون هَذِه الْمرة " وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيّ " ثمَّ نَهَضَ فولى فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على بِالرجلِ فطلبناه كل مطلبة فَلم يقدر عَلَيْهِ فَقَالَ هَل تَدْرُونَ من هَذَا هَذَا جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام أَتَاكُم ليعلمكم دينكُمْ خُذُوا عَنهُ فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ مَا اشْتبهَ على مُنْذُ اتاني قبل مرتى هَذِه وَمَا عَرفته حَتَّى ولى " وَفِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ " قَالَ ثمَّ انْطلق فَلبث مَلِيًّا ثمَّ قَالَ يَا عمر أَتَدْرُونَ من السَّائِل قلت الله وَرَسُوله اعْلَم قَالَ فَإِنَّهُ جِبْرِيل أَتَاكُم ليعلمكم دينكُمْ " هَذَا لفظ مُسلم وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ قَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ " فلقيني رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعد ثَلَاث فَقَالَ يَا عمر هَل تَدْرِي من السَّائِل " الحَدِيث وَأخرجه أَبُو دَاوُد بِنَحْوِهِ وَفِيه " فَلبث ثَلَاثًا " وَفِي رِوَايَة أبي عوَانَة " فلبثا ليَالِي فلقيني رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعد ثَلَاث " وَفِي رِوَايَة ابْن حبَان " بعد ثَالِثَة " وَفِي رِوَايَة ابْن مندة " بعد ثَلَاثَة أَيَّام " (بَيَان اللُّغَات) قَوْله كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بارزا يَوْمًا للنَّاس " أَي ظَاهر الْهم وجالسا مَعَهم غير محتجب والبروز الظُّهُور وَقَالَ ابْن سَيّده برزيبر زبروزا خرج إِلَى الْبَزَّار وَهُوَ الفضاء وبرزه إِلَيْهِ وابرزه وَكلما ظهر بعد خَفَاء فقد برز قَالَ تَعَالَى (وَترى الأَرْض بارزة) قَالَ الْهَرَوِيّ أَي ظَاهره لَيْسَ فِيهَا مستظل وَلَا متفيأ وَفِي الافعال لِابْنِ ظريف برز الشَّيْء برزا ذكره عَنهُ صَاحب الواعي قَوْله " فَأَتَاهُ رجل " أَي ملك فِي صُورَة رجل قَوْله " وَمَلَائِكَته " جمع ملك واصلة ملاك مفعل من الالوكة بِمَعْنى الرسَالَة وزيدت لاتاءفية لتأكيد معنى الْجمع أَو التَّأْنِيث الْجمع وهم اجسام علوِيَّة نورنية مشكلة بِمَا شَاءَت من الاشكال قَوْله " وبلقائه " قَالَ الْخطابِيّ ي بِرُؤْيَة ربه تَعَالَى فِي الْآخِرَة قَوْله " وَرُسُله " جمع رَسُول قَالَ الْكرْمَانِي الرَّسُول هُوَ النَّبِي الَّذِي انْزِلْ عَلَيْهِ الْكتاب وَالنَّبِيّ اعم مِنْهُ قلت هَذَا التَّعْرِيف غير صَحِيح لِأَنَّهُ غير جَامع لِأَن كثير من الانبياء عَلَيْهِم السَّلَام لم ينزل عَلَيْهِم كتب وهم ورسل مثل سُلَيْمَان وَأَيوب وَلُوط وَيُونُس وزَكَرِيا ويحي وَنَحْوهم والتعريف الصَّحِيح أَن يُقَال الرَّسُول من انْزِلْ عَلَيْهِ كتاب أَو أنزل عَلَيْهِ ملك وَالنَّبِيّ بِخِلَافِهِ فَكل رَسُول نَبِي وَلَا عكس قَوْله " بِالْبَعْثِ " وَهُوَ بعث الْمَوْتَى من الْقُبُور وَيُقَال المُرَاد مِنْهُ بعثة الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام وَالْأول اظهر قَوْله " أَن تعبدوا الله " من الْعِبَادَة وَهِي الطَّاعَة مَعَ خضوع وتذلل قَالَ الْهَرَوِيّ يُقَال طَرِيق معبد إِذا كَانَ مذللا للسالكين وكل من دَان للْملك فَهُوَ عَابِد لَهُ. وَفِي الْمُحكم عبد الله يعبده عبَادَة ومعبدة ومعبدة تأله لَهُ وَفِي الصِّحَاح التَّعَبُّد التنسك قَوْله " مَا الاحسان " مصدر أحسن من حسن من الْحسن وَهُوَ ضد الْقبْح وَيَأْتِي عَن قريب مَعْنَاهُ الشَّرْعِيّ قَوْله " عَن اشارطها " بِفَتْح الْهمزَة جمع شَرط بِالتَّحْرِيكِ يعْنى علاماتها وَقيل مقدماتها وَقيل صغَار أمورها وَفِي الْمُحكم وَالْجَامِع أوائلها وَفِي الغريبين عَن الاصمعي وَمِنْه الِاشْتِرَاط الَّذِي يشْتَرط بعض النَّاس على بعض إِنَّمَا هِيَ عَلامَة يجعلونها بَينهم وَالْمرَاد اشراطها السَّابِقَة لاشراطها الْمُقَارنَة لَهَا كطلوع الشَّمْس من مغْرِبهَا وَخُرُوج الدَّابَّة وَنَحْوهمَا قَوْله " رَبهَا " الرب الْمَالِك وَالسَّيِّد والمصلح وَفِي الْعباب رب كل شَيْء مَالِكه والرب اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى وَلَا يُقَال فِي غَيره إِلَّا بِالْإِضَافَة وَقد قَالُوهُ فِي الْجَاهِلِيَّة للْمَالِك قَالَ الْحَارِث بن حلزة الْيَشْكُرِي فِي الْمُنْذر مَاء السَّمَاء وَهُوَ الرب والشهيد على يَوْم الحوارين والبلابلا وَقَالَ الْأَنْبَارِي مخففا وربيت الْقَوْم أَي كنت فَوْقهم وَرب الضَّيْعَة أَصْحَابهَا وأتممها وَرب فلَان وَلَده يربه رَبًّا وَرب بِالْمَكَانِ أَقَامَ بِهِ والربة المولاة ثمَّ قَالَ وَفِي حَدِيث النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام حِين سَأَلَهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام عَن أَمَارَات السَّاعَة فَقَالَ " أَن تَلد الْأمة ربتها " وَيُقَال فُلَانَة ربة الْبَيْت وَهن ربات الحجال قَوْله " وَإِذا تطاول " إِي تفاخر بطول الْبُنيان وتكبر بِهِ والرعاة بِضَم الرَّاء جمع رَاع كالقضاة جمع قَاض وَكَذَا الرُّعَاة بِكَسْر الرَّاء جمع رَاع كالجياع جمع جايع قَوْله " والبهم " بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة جمع الإبهم وَهُوَ الَّذِي لاشية لَهُ قَالَه الْكرْمَانِي وَقَالَ القَاضِي جمع بهيم وَهُوَ الْأسود

الَّذِي لَا يخالطه لون غَيره وَهُوَ شَرّ الْإِبِل قلت إِذا كَانَ البهم صفة للرعاة يَنْبَغِي أَن يكون جمع بهيم وَإِن كَانَ صفة الْإِبِل يَنْبَغِي أَن يكون جمه بهماء وكلا الْوَجْهَيْنِ جَائِز كَمَا نذكرهُ فِي الْإِعْرَاب وَأما لبهم بِفَتْح الْبَاء كَمَا هُوَ فِي رِوَايَة الاصيلي فَلَا وَجه لَهُ هَهُنَا قَالَه القَاضِي عِيَاض وَأما قَوْله فِي رِوَايَة مُسلم " رعاء البهم " فَهُوَ بِفَتْح الْبَاء فَهُوَ جمع بَهِيمَة وَهِي صغَار الضَّأْن والمعز وَقَالَ النَّوَوِيّ هَذَا قَول الْجُمْهُور وَقَالَ بَعضهم رِوَايَة مُسلم " إِذا رَأَيْت رعاء البهم " بِحَذْف لَفْظَة ابل انسب من رِوَايَة البُخَارِيّ وَهِي زِيَادَة لَفْظَة الابل لأَنهم أَضْعَف أهل الْبَادِيَة أما أهل الْإِبِل فَهُوَ أهل الْفَخر وَالْخُيَلَاء وَالْمعْنَى فِي الْكل أَن أهل الْفقر وَالْحَاجة تصير لَهُم الدُّنْيَا حَتَّى يتباهوا فِي الْبُنيان قلت ذكر ابْن التياني فِي كتاب الموعب أَن البهم صغَار الضَّأْن الْوَاحِدَة بهمة للذّكر وَالْأُنْثَى وَالْجمع بهم وَجمع البهم بهام وبهامات وَفِي الْعين البهمة اسْم للذّكر وَالْأُنْثَى من أَوْلَاد بقر الْوَحْش وَمن كل شَيْء من ضرب الْغنم والمعز وَفِي الْمُخَصّص يكون بعد الْعشْرين يَوْمًا بهمة من الضَّأْن والمعز إِلَى أَن يفطم. وَفِي الْمُحكم وَقيل هِيَ بهمة إِذا شبت وَالْجمع بهم وبهم وبهام وبهامات جمع الْجمع وَقَالَ ثَعْلَب البهم صغَار الْمعز وَفِي الْجَامِع للقزاز بهمة مَفْتُوحَة الْبَاء سَاكِنة الْهَاء يُقَال لاولاد الْوَحْش من الظبأ وَمَا جانس الضَّأْن والمعز بهم وَفِي الصِّحَاح البهام جمع بهم والبهم جمع بهمة والبهمة اسْم للمذكر والمؤنث والسخال أَوْلَاد الْمعز فَإِذا اجْتمعت البهام والسخال قلت لَهما جَمِيعًا بهام وبهم أَيْضا وَفِي المغيث لأبي مُوسَى الْمَدِينِيّ وَقيل البهمة السخلة انْتهى. والبهيمة ذَوَات الْأَرْبَع من دَوَاب الْبر وَالْبَحْر قَوْله " ثمَّ أدبر " من الادبار وَهُوَ التولي (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله " بارزا نصب لِأَنَّهُ خبر كَانَ قَوْله " يَوْم نصب " على الظروف قَوْله " للنَّاس " يتَعَلَّق ببارزا قَوْله " مَا الْإِيمَان " جملَة اسمية وَقعت مقول القَوْل قَوْله " أَن تؤمن " خبر الْمُبْتَدَأ أعنى قَوْله " الْإِيمَان " وَأَن مَصْدَرِيَّة قَوْله " وتؤمن " بِالنّصب عطفا على قَوْله " أَن تؤمن " قَوْله " أَن تعبد الله " فِي مَحل الرّفْع على أَنه خبر للمبتدأ أعنى قَوْله الْإِسْلَام وَأَن مَصْدَرِيَّة قَوْله " لَا تشرك " بِالنّصب عطفا على أَن تعبد قَوْله " شَيْئا " نصب على أَنه مفعول لتشرك قَوْله " وتقيم " بِالنّصب عطفا على أَن تعبد وَكَذَلِكَ وتؤدى الزَّكَاة وَكَذَلِكَ وتصوم رَمَضَان وَأَن مقدرَة فِي الْجَمِيع قَوْله " مَا الْإِحْسَان " كلمة مَا للاستفهام مُبْتَدأ أَو الْإِحْسَان خَبره وَالْألف وَاللَّام فِيهِ للْعهد فِي قَوْله تَعَالَى (للَّذين أَحْسنُوا الْحسنى وَزِيَادَة) و (هَل جَزَاء لإحسان إِلَّا الْإِحْسَان) (وأحسنوا أَن الله يحب الْمُحْسِنِينَ) ولتكرره فِي الْقُرْآن ترَتّب الثَّوَاب عَلَيْهِ سَأَلَ عَنهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام قَوْله " قَالَ أَن تعبد الله " أَي قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي جَوَابه الْإِحْسَان أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ فَقَوله أَن مَصْدَرِيَّة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره الْإِحْسَان عبادتك الله كَأَنَّك ترَاهُ وَقَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت كَأَنَّك مَا مَحَله من الْإِعْرَاب قلت هُوَ حَال من الْفَاعِل أَي تعبد الله مشبها بِمن يرَاهُ انْتهى كَلَامه قلت تَحْقِيق الْكَلَام هُنَا أَن كَأَن للتشبيه قَالَ الْجَوْهَرِي فِي فصل أَن وَقد تزاد على أَن كَاف التَّشْبِيه تَقول كَأَنَّهُ شمس وَقَالَ غَيره أَنه حرف مركب عِنْد الْجُمْهُور حَتَّى ادّعى ابْن هِشَام وَابْن الخباز الْإِجْمَاع عَلَيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِك قَالُوا وَالْأَصْل فِي كَأَن زيدا أَسد ثمَّ قدم حرف التَّشْبِيه اهتماماً بِهِ ففتحت همزَة أَن لدُخُول الْجَار وَذكروا لَهَا أَرْبَعَة معَان أَحدهَا وَهُوَ الْغَالِب عَلَيْهَا والمتفق عَلَيْهِ التَّشْبِيه وَهَذَا الْمَعْنى أطلقهُ الْجُمْهُور لكأن وَزعم مِنْهُم ابْن السَّيِّد أَنه لَا يكون إِلَّا إِذا كَانَ خَبَرهَا اسْما جَامِدا نَحْو كَأَن زيدا أَسد بِخِلَاف كَأَن زيدا قَائِم أَو فِي الدَّار أَو عنْدك أَو يقدم فَإِنَّهَا فِي ذَلِك كُله للظن الثَّانِي وَالشَّكّ وَالظَّن وَالثَّالِث التَّحْقِيق وَالرَّابِع التَّقْرِيب قَالَه الْكُوفِيُّونَ وحملوا عَلَيْهِ قَوْله " كَأَنَّك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل " فَإِذا علم هَذَا فَنَقُول قَوْله كَأَنَّك ترَاهُ ينزل على أَي معنى من الْمعَانِي الْمَذْكُورَة فَالْأَقْرَب أَن ينزل على معنى التَّشْبِيه فالتقدير الْإِحْسَان عبادتك الله تَعَالَى حَال كونك فِي عبادتك مثل حَال كونك رائياً وَهَذَا التَّقْدِير أحسن وَأقرب للمعنى من تَقْدِير الْكرْمَانِي لِأَن الْمَفْهُوم من تَقْدِيره أَن يكون هُوَ فِي حَال الْعِبَادَة مشبهاً بالرائي إِيَّاه وَفرق بَين عبَادَة الرَّائِي نَفسه وَعبادَة الْمُشبه بالرائي بِنَفسِهِ وَأما على قَول ابْن السَّيِّد فَتحمل كَأَن على معنى الظَّن لِأَن خَبَرهَا غير جامد فَافْهَم قَوْله " فَإِن لم تكن ترَاهُ " أَي فَإِن لم تكن ترى الله وَكلمَة أَن للشّرط وَقَوله " لم تكن ترَاهُ " جملَة وَقعت فعل الشَّرْط فَإِن قلت أَيْن جَزَاء الشَّرْط قلت مَحْذُوف تَقْدِيره فَإِن لم تكن ترَاهُ فَأحْسن الْعِبَادَة فَإِنَّهُ يراك فَإِن قلت لم لَا يكون قَوْله فَإِنَّهُ يراك جَزَاء للشّرط قلت لَا يَصح لِأَنَّهُ لَيْسَ مسبباً عَنهُ

وَيَنْبَغِي أَن يكون فعل الشَّرْط سَببا لوُقُوع الْجَزَاء كَمَا تَقول فِي إِن جئتني أكرمتك فَإِن الْمَجِيء هُوَ السَّبَب للاكرام وَعَدَمه سَبَب لعدمه وَهَهُنَا عدم رُؤْيَة العَبْد لَيست بِسَبَب لرؤية الله تَعَالَى يرَاهُ سَوَاء وجدت من العَبْد رُؤْيَة أولم تُوجد فَإِن قلت مَا الْفَاء فِي قَوْله فَإِن قلت للتَّعْلِيل على مَا لَا يخفى قَوْله " مَتى السَّاعَة " جملَة اسمية وَقعت مقول القَوْل وَفِي بعض النّسخ فَمَتَى فَإِن صحت فالفاء فِيهَا زَائِدَة قَوْله " ماالمسؤل " كلمة مَا بِمَعْنى لَيْسَ وَقَوله باعلم خَبَرهَا وزيدت فِيهَا الْبَاء لتأكيد معنى النَّفْي قَوْله " وسأخبرك " السِّين هُنَا لتأكيد الْوَعْد بالإخبار كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {فَسَيَكْفِيكَهُم الله وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم} وَمعنى السِّين إِن ذَلِك كَائِن لَا محَالة وَإِن تَأَخّر إِلَى حِين قَوْله " إِذا ولدت الْأمة " إِنَّمَا قَالَ إِذا وَلم يقل أَن لَان الشَّرْط مُحَقّق الْوُقُوع فجَاء بِلَفْظ إِذا الَّتِي للجزم بِوُقُوع مدخولها فَلهَذَا يَصح أَن يُقَال إِذا قَامَت الْقِيَامَة كَانَ كَذَا وَلَا يَصح أَن يُقَال إِن قَامَت الْقِيَامَة كَانَ كَذَا فَإِن قلت أَيْن الْجَزَاء قلت هُوَ مَحْذُوف تَقْدِيره إِذا ولدت الْأمة فَهِيَ أَي الْولادَة من أشراطها وَقَالَ الْكرْمَانِي وَإِذا ظهر أَن تكون إِذا متمحضة لمُجَرّد الْوَقْت ي وَقت الْولادَة وَوقت التطاول قلت هَذَا تَقْدِير نَاقص وَالْمعْنَى الصَّحِيح عِنْدِي كَون إِذا لمُجَرّد الْوَقْت أَي وَقت الْولادَة وَوقت التطاول قلت هَذَا تَقْدِير نَاقص وَالْمعْنَى الصَّحِيح عِنْدِي كَون إِذا لمُجَرّد الْوَقْت وَأَن يقدر مُبْتَدأ مَحْذُوف وَالتَّقْدِير وسأخبرك عَن اشراطها هِيَ وَقت ولادَة الْأمة رَبهَا وَوقت تطاول الرعاء فِي الْبُنيان قَوْله " رُعَاة الْإِبِل " كَلَام اضافي مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل تطاول وَقَوله " البهم " روى بِالرَّفْع على أَنه صفة للرعاة أى الرُّعَاة السود وَقَالَ الْخطابِيّ مَعْنَاهُ الرُّعَاة المجهولون الَّذين لَا يعْرفُونَ جمع ابهم وَمِنْه ابهم الْأَمر فَهُوَ مُبْهَم إِذا لم تعرف حَقِيقَته وروى بِالْجَرِّ على أَنه صفة لِلْإِبِلِ أى رُعَاة الْإِبِل السود قَالُوا وَهِي شَرها كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب قَوْله " فِي الْبُنيان " يتَعَلَّق بقوله تطاول قَوْله " فِي خمس " فِي مَحل الرّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره علم وَقت السَّاعَة فِي جملَة خمس وَقَوله " لَا يعلمهُنَّ إِلَّا الله " صفة لخمس ومحلها الْجَرّ أَو التَّقْدِير هِيَ فِي خمس من الْغَيْب كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَة عَطاء الْخُرَاسَانِي " هِيَ فِي خمس من الْغَيْب لَا يعلمهَا إِلَّا الله " قَوْله " الْآيَة " يجوز فِيهِ الرّفْع على تَقْدِير أَن يكون مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر أَي الْآيَة مقروء إِلَى آخرهَا وَالنّصب على تَقْدِير أَن يكون مَفْعُولا لفعل مُقَدّر أَي اقْرَأ الْآيَة ة والجر على تَقْدِير إِلَى الْآيَة أَي إِلَى مقطعها وتمامها وَفِيه ضعف لَا يخفي قَوْله " هَذَا جِبْرِيل " جَاءَ مثل قَوْلك هَذَا وَيَد قَامَ قَوْله " يعلم النَّاس " جملَة وَقعت حَالا فَإِن قلت لم يكن معلما وَقت المجىء فَكيف يكون حَالا قلت هَذِه حَال مقرة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام إِن شَاءَ الله آمِنين} (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله " فَأَتَاهُ رجل " قد ذكرنَا فِي حَدِيث عمر فِي رِوَايَة مُسلم (بَيْنَمَا نَحن جُلُوس عِنْد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَات يَوْم غذ طلع علينا رجل شَدِيد بَيَاض الثِّيَاب شَدِيد سَواد الشّعْر لَا يرى عَلَيْهِ أثر السّفر وَلَا يعرفهُ منا أحد حَتَّى جلس إِلَى النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فاسند رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوضع كفيه على فَخذيهِ وَقَالَ يَا مُحَمَّد أَخْبرنِي عَن الْإِسْلَام " الحَدِيث وَالضَّمِير فِي فَخذيهِ يعود على النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَقَالَ النَّوَوِيّ على فَخذي نَفسه يَعْنِي نفس جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام وَأعَاد الضَّمِير إِلَيْهِ وَتَبعهُ على ذَاك التوربشتي شَارِح المصابيح وَلَيْسَ كَذَلِك بل الضَّمِير يعود على النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام كَمَا ذكرنَا وَالدَّلِيل على ذَلِك مَا جَاءَ فِي روية سُلَيْمَان التَّيْمِيّ " ثمَّ وضع يَدَيْهِ على ركبتي النَّبِي " وَبِه جزم الْبَغَوِيّ وَإِسْمَاعِيل التَّيْمِيّ وَرجحه الطَّيِّبِيّ من جِهَة الْبَحْث وَالظَّاهِر أَنه لم يقف على رِوَايَة سُلَيْمَان فَلذَلِك رَجحه من جِهَة الْبَحْث وَنظر النَّوَوِيّ فِي مَا قَالَه التَّنْبِيه على أَنه جلس كَهَيئَةِ المتعلم بَين يَدي من يتَعَلَّم مِنْهُ لإقتضاء بَاب الْأَدَب ذَلِك وَلَكِن على رِوَايَة سُلَيْمَان إِنَّمَا فعل جِبْرِيل ذَلِك لزِيَادَة الْمُبَالغَة فِي تعمية أمره ليقوى ظن الحاضربن أَنه من جُفَاة الْأَعْرَاب وَلِهَذَا تخطى النَّاس حَتَّى انْتهى إِلَى النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام كَمَا ذكرنَا نافي رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيّ وَلِهَذَا استغربت الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم صَنِيعَة لِأَنَّهُ لَيْسَ من أهل الْبَلَد وَجَاء مَاشِيا لَيْسَ لَهُ أثر السّفر فَإِن قيل كَيفَ عرف عمر رَضِي الله عَنهُ أَنه لم يعرفهُ أحد قيل من قَول الْحَاضِرين كَمَا فِي رِوَايَة عُثْمَان بن عَفَّان فَنظر الْقَوْم بَعضهم إِلَى بعض فَقَالُوا مَا نَعْرِف قَوْله " أَن تؤمن بِاللَّه " الْإِيمَان بِاللَّه هُوَ التَّصْدِيق بِوُجُودِهِ تَعَالَى وَأَنه لَا يجوز عَلَيْهِ الْعَدَم وَأَنه تَعَالَى مَوْصُوف بِصِفَات الْجلَال والكمال من الْعلم وَالْقُدْرَة الْإِرَادَة وَالْكَلَام والسمع وَالْبَصَر والحياة وَأَنه تَعَالَى منزه عَن صِفَات النَّقْص الَّتِي عي اضداد تِلْكَ الصِّفَات وَعَن صِفَات الإجسام والمثحيزات وَأَنه وَاحِد حق صمج فَرد خَالق جَمِيع الْمَخْلُوقَات متصرف فِيهَا بِمَا شَاءَ من التَّصَرُّفَات يفعل فِي ملكه مَا يُرِيد وَيحكم فِي خلقه.

مَا يَشَاء قَوْله " وَمَلَائِكَته " أَي الْإِيمَان بِجَمِيعِ مَلَائكَته فَمن ثَبت تَعْيِينه كجبريل وَمِيكَائِيل وإسرافيل وعزرائيل عَلَيْهِم السَّلَام وَجب الْإِيمَان بِهِ وَمن لم يعرف اسْمه آمنا بِهِ اجمالا وَكَذَلِكَ الانبياء المُرْسَلُونَ من علمنَا آمنا بِهِ وَمن لم نعلم آمنا بِهِ اجمالا وَمَا كَانَ من ذَلِك ثَابتا بِالنَّصِّ أَو التَّوَاتُر كفر من يكفر بِهِ والايمان برسل الله عَلَيْهِم السَّلَام هُوَ بِأَنَّهُم صَادِقُونَ فِيمَا اخبروا بِهِ عَن الله تَعَالَى وَأَن الله تَعَالَى أَيّدهُم بالمعجزات الدَّالَّة على صدقهم وَأَنَّهُمْ بلغُوا عَن الله رسالاته وبينوا للمكلفين مَا آمُرهُم ببيانه وَأَنه يجب احترامهم وَإِن لَا يفرق بَين أحد مِنْهُم قَوْله " وبلقائه " الْأَيْمَان بلقائه هُوَ التَّصْدِيق بِرُؤْيَة الله تَعَالَى فِي الْآخِرَة قَالَه الْخطابِيّ وَاعْترض عَلَيْهِ النَّوَوِيّ بِأَن أحدا لَا يقطع لنَفسِهِ بِرُؤْيَة الله تَعَالَى فَأَنَّهَا مُخْتَصَّة لمن مَاتَ مُؤمنا والمرء لَا يدْرِي بِمَ يخْتم لَهُ فَكيف يكون من شُرُوط الْإِيمَان ورد عَلَيْهِ بَان المُرَاد الْإِيمَان بَان ذَلِك حق فِي نفس الْأَمر وَقد قيل أَنَّهَا مكررة لِأَنَّهَا دَاخِلَة فِي الْإِيمَان بِالْبَعْثِ وَهُوَ الْقيام من الْقُبُور قُلْنَا لَا نسلم التّكْرَار لِأَن المُرَاد باللقاء مَا بعد تِلْكَ وَقَالَ النَّوَوِيّ اخْتلفُوا فِي المُرَاد بِالْجمعِ بَين الْإِيمَان بلقاء الله والبعث فَقيل اللِّقَاء يحصل بالانتقال إِلَى دَار الْجَزَاء والبعث عِنْد قيام السَّاعَة وَقيل اللِّقَاء مَا يكون بعد الْبَعْث عِنْد الْحساب قَوْله " وتقيم الصَّلَاة " المُرَاد بهَا الْمَكْتُوبَة كَمَا صرح بهَا فِي رِوَايَة مُسلم وَهُوَ احْتِرَاز عَن النَّافِلَة فَإِنَّهَا وَأَن كَانَت من وظائف الْإِسْلَام لَكِنَّهَا لَيست من أَرْكَانه فَتحمل الْمُطلقَة هَهُنَا على الْمقيدَة فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى جمعا بَيْنَمَا قَوْله " الزكوة الْمَفْرُوضَة " قيل احْتَرز بالمفروضة عَن الزكوة المعجلة قبل الْحول فَإِنَّهَا لَيست مَفْرُوضَة حَال الإداء وَقيل احْتَرز من صَدَقَة التَّطَوُّع فَإِنَّهَا زَكَاة لغوية قَوْله " مَا الْإِحْسَان " وَهُوَ يسْتَعْمل لمعنيين احدهما مُتَعَدٍّ بِنَفسِهِ كَقَوْلِك احسنت كَذَا إِذا حسنته وكملته منقولة بِالْهَمْزَةِ من حسن الشَّيْء وَالْآخر بِحرف الْجَرّ كَقَوْلِك أَحْسَنت إِلَيْهِ إِذا أوصلت إِلَيْهِ النَّفْع وَالْإِحْسَان وَفِي الحَدِيث بِالْمَعْنَى الأول فَإِنَّهُ يرجع إِلَى اتقان الْعِبَادَات ومراعاة حق الله تَعَالَى ومراقبته وَيُقَال الْإِحْسَان على مقامين الأول كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " إِن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ " فَهَذَا مقَام. الثَّانِي قَوْله " فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك " قَالَ عبد الْجَلِيل الأول على ثَلَاثَة أَقسَام الأول فِي مقَام الْإِسْلَام وَذَلِكَ أَن الْأُمُور فِي عَالم الْحسن ثَلَاثَة معاصي وطاعات ومباحات المعايش فَأَما قسم الْمعاصِي على اخْتِلَاف أَنْوَاعهَا فَإِن العَبْد مَأْمُور بِأَن يعلم أَن الله يرَاهُ فَإِذا هم بِمَعْصِيَة وَعلم أَن الله يرَاهُ ويبصره على أَي حَالَة كَانَت وَأَنه يعلم خائنه الْأَعْين وَمَا تخفى الصُّدُور كف عَن الْمعْصِيَة وَرجع عَنْهَا وَأما الأنسان فيذهل عَن نظر الله إِلَيْهِ فينسى حِين الْمعْصِيَة أَنه يرَاهُ أَو يكون جَاهِلا فيظن أَن الله تَعَالَى بعيد مِنْهُ وَلَا يتَذَكَّر وَيعلم أَنه يُحَرك جوارحه حِين الْعَمَل الْمَعْمُول فينسى ذَلِك أَو يجهل فَيَقَع فيا لمعصية وَلَو علم وَتحقّق أَن وَالِده أَو رجلا كَبِيرا لَو يرَاهُ حِين الْمعْصِيَة لكف عَنْهَا وهرب مِنْهَا فَإِذا علم العَبْد أَن الله يرَاهُ فِي حِين الْمعْصِيَة كف عَنْهَا بِحُصُول الْبُرْهَان الإحساني عِنْده وَهُوَ الْبُرْهَان عِنْده وَهُوَ الْبُرْهَان الَّذِي أوتيه وَرَآهُ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام وَهُوَ قيام الدَّلِيل الْوَاضِح العلمي بِأَن الله تَعَالَى مَوْجُود حق وَأَنه نَاظر إِلَى كل شَيْء ومصرف لكل شَيْء ومحركه ومسكنه فَمن أرَاهُ الله تَعَالَى هَذَا الْبُرْهَان عِنْد جَمِيع الْمُهِمَّات صرف عَنهُ السوء والفحشاء من جَمِيع الْمُنْكَرَات الثَّانِي قسم الطَّاعَات فَهِيَ أَن تعلم أَن الله تَعَالَى مَوْجُود وتبرهن عِنْده أَنه يرَاهُ لَا محَالة إِلَّا أَن يكون زنديقا جاحدا لَا يقر بِرَبّ فَإِن كَانَ مقرّ بِوُجُودِهِ فَترك الْعِبَادَة فَإِنَّمَا تَركهَا تهاونا لنُقْصَان الْبُرْهَان الإحساني عِنْده وَهَذِه حَال المضيعين للفرائض لجهلهم بِقدر إِلَّا مرو قدر أمره الثَّالِث من الْمُبَاحَات وَهُوَ مَحل الْغَفْلَة والسهو عَن هَذَا الْمقَام الإحساني فَإِذا تذكر العَبْد أَن الله تَعَالَى يرَاهُ فِي تصريفه وَأَنه أره بالإقبال عَلَيْهِ وَقلة الْأَعْرَاض عَنهُ استحي أَن يرَاهُ مكبا على الخسيس الفاني مستغر قافي الِاشْتِغَال بِهِ عَن ذكره وَعَن الإقبال على مَا يقطع عَنهُ الْمقَام الثَّانِي فِي عَالم الْغَيْب فَإِن العَبْد إِذْ فكر فِي مَوَاطِن الْآخِرَة من موت وقبر وَحشر وَعرض وحساب وغي ذَلِك وَعلم أَنه معروض على الله تَعَالَى فِي ذَلِك الْعَالم ومواطنه تهَيَّأ لذَلِك الْعرض فيتزين للآخرة بزينة أهل الْآخِرَة مَا اسْتَطَاعَ وَأما الْمقَام الثَّالِث فِي الْإِحْسَان فَإِن العَبْد إِذا علم فِي قُلُوب اوليائه فيزيل الصِّفَات الممهلكات ويطهره مِنْهَا ويتصف المحمودات حَتَّى يَجْعَل سره كالمرآة المجلوة قَوْله " كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك " قَالَ النَّوَوِيّ هَذَا اصل عَظِيم من أصُول الدّين وَقَاعِدَة مهمة من قَوَاعِد الْمُسلمين وَهُوَ عُمْدَة الصديقين وبغية السالكين

وكنز العارفين ودأب الصَّالِحين وتلخيص مَعْنَاهُ أَن تعبد الله عبَادَة من يرى الله تَعَالَى وَيَرَاهُ الله تَعَالَى فَإِنَّهُ لَا يستبقي شَيْئا من الخضوع وَالْإِخْلَاص وَحفظ الْقلب والجوارح ومراعاة الْآدَاب مَا دَامَ فِي عِبَادَته وَقَوله " فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك " يَعْنِي أَنَّك إِنَّمَا تراعي الْآدَاب إِذا رَأَيْته ورآك لكَونه يراك لَا لكونك ترَاهُ وَهَذَا الْمَعْنى مَوْجُود وَإِن لم تره لِأَنَّهُ يراك وَحَاصِله الْحَث على كَمَال الْإِخْلَاص فِي الْعِبَادَة وَنِهَايَة المراقبة فِيهَا وَقَالَ هَذَا من جَوَامِع الْكَلم الَّتِي أوتيها رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد ندب أهل الْحَقَائِق إِلَى مجالسة الصَّالِحين ليَكُون ذَلِك مَانِعا من تلبسه بِشَيْء من النقائص احتراما لَهُم واستحياء مِنْهُم فَكيف بِمن لَا يزَال الله تَعَالَى مطلعا عَلَيْهِ فِي سره وعلانيته وَقَالَ القَاضِي عِيَاض قد اشْتَمَل على شرح جَمِيع وظائف الْعِبَادَات الظَّاهِرَة والباطنة من عُقُود الْإِيمَان وأعمال الْجَوَارِح وإخلاص السرائر وَالْحِفْظ من آفَات الْأَعْمَال حَتَّى أَن عُلُوم الشَّرِيعَة كلهَا رَاجِعَة إِلَيْهِ ومتشعبة مِنْهُ قَوْله " مَتى السَّاعَة " السَّاعَة مِقْدَار من الزَّمَان غير معِين لقَوْله تَعَالَى {مَا لَبِثُوا غير سَاعَة} وَفِي عرف أهل الشَّرْع عبارَة عَن يَوْم الْقِيَامَة وَفِي عرف المعدلين جُزْء من أَرْبَعَة وَعشْرين جزأ من أَوْقَات اللَّيْل وَالنَّهَار قَوْله " إِذا ولدت الْأمة رَبهَا " أَي مَالِكهَا وسيدها وَذكروا فِي معنى خذا أوجها الأول قَالَ الْخطابِيّ مَعْنَاهُ اتساع الْإِسْلَام واستيلاء أَهله على بِلَاد الشّرك وَسبي دراريهم فَإِذا ملك الرجل الْجَارِيَة واستولدها كَانَ الْوَلَد فِيهَا بِمَنْزِلَة رَبهَا لِأَنَّهُ ولد سَيِّدهَا وَقَالَ النَّوَوِيّ وَغَيره هَذَا قَول الْأَكْثَرين وَقَالَ بَعضهم وَقَالَ بَعضهم لَكِن فِي كَونه المُرَاد نظر لِأَن استيلاد الْإِمَاء كَانَ مَوْجُودا حِين الْمقَالة والاستيلاء لعى بِلَاد الشّرك وَسبي ذَرَارِيهمْ واتخاذهم سرارى وَقع أَكْثَره فِي صدر الْإِسْلَام وَسِيَاق الْكَلَام يَقْتَضِي الْإِشَارَة إِلَى وُقُوع مَا لم يَقع مِمَّا سيقع فِي قيام السَّاعَة قلت فِي نظره نظر لِأَن قَوْله إِذا ولدت الْأمة رَبهَا كِنَايَة عَن كَثْرَة التَّسَرِّي من كَثْرَة فتوح الْمُسلمين واستيلائهم على بِلَاد الشّرك وَالْمرَاد أَن يكون من هَذِه الْجِهَة فَافْهَم وَالثَّانِي مَعْنَاهُ أَن الْإِيمَاء يلدن الْمُلُوك فَتكون أم الْملك من جملَة الرّعية وَهُوَ سَيِّدهَا وَسيد غَيرهَا من رَعيته وَهَذَا قَول إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ وَالثَّالِث مَعْنَاهُ أَن تفْسد أَحْوَال النَّاس فيكثر بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد فِي آخر الزَّمَان فيكثر تردادها فِي ايدي المشترين حَتَّى يَشْتَرِيهَا ابْنهَا وَهُوَ لَا يدْرِي وعَلى هَذَا القَوْل لَا يخْتَص بأمهات الْأَوْلَاد بل يتَصَوَّر فِي غَيْرهنَّ فَإِن الْأمة قد تَلد حرا بوطئ غير سَيِّدهَا بِشُبْهَة أَو ولدا رَقِيقا بِنِكَاح أَو زنا ثمَّ تبَاع الْأمة فِي بيع لأمهات الْأَوْلَاد وَالرَّابِع أَن أم الْوَلَد لما عتقت بِوَلَدِهَا فَكَأَنَّهُ سَيِّدهَا وَهَذَا بطرِيق الْمجَاز لِأَنَّهُ لما كَانَ سَببا فِي عتقهَا بِمَوْت أَبِيه أطلق عَلَيْهِ ذَلِك وَالْخَامِس أَن يكثر العقوق فِي الْأَوْلَاد فيعامل الْوَلَد أمه مُعَاملَة السَّيِّد أمته من الإهانة وَغير ذَلِك وَأطلق عَلَيْهِ رَبهَا مجَازًا لذَلِك وَقَالَ بَعضهم لذَلِك وَقَالَ بَعضهم يجوز أَن يكون المُرَاد بالرب المربي فَيكون حَقِيقَة وَهَذَا أوجه الْأَوْجه عِنْدِي لعمومه قل هَذَا لَيْسَ بأوجه الْأَوْجه بل أضعفها لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا عد هَذَا من أَشْرَاط السَّاعَة لكَونه على نمط خَارج على وَجه الاستغراب أَو على وَجه دَال على فَسَاد أَحْوَال النَّاس وَالَّذِي ذكره هَذَا الْقَائِل لَيْسَ من هَذَا الْقَبِيل فَافْهَم. وَأما رِوَايَة بَعْلهَا فَالصَّحِيح فِي مَعْنَاهَا أَن البعل هُوَ السَّيِّد أَو الْمَالِك فَيكون بِمَعْنى رَبهَا على مَا سلف قَالَ أهل اللُّغَة بعل الشَّيْء ربه ومالكه قَالَ تَعَالَى {أَتَدعُونَ بعلا} أَي رَبًّا قَالَه ابْن عَبَّاس والمفسرون وَقيل المُرَاد هُنَا الزَّوْج وعَلى هَذَا مَعْنَاهُ نَحْو مَا سبق أَنه يكثر بيع السرارى حَتَّى يتَزَوَّج الْإِنْسَان أمه وَلَا يدْرِي وَهَذَا أَيْضا معنى صَحِيح إِلَّا أَن الأول أظهر لِأَنَّهُ إِذا أمكن حمل الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْقَضِيَّة الْوَاحِدَة على معنى وَاحِد كَانَ أولى قَوْله " وَإِذا تطاول رُعَاة الْإِبِل البهم فِي الْبُنيان " الْمَعْنى أَن أهل الْبَادِيَة أهل الْفَاقَة تنبسط لَهُم الدُّنْيَا حَتَّى يتباهوا فِي إطالة الْبُنيان يَعْنِي الْعَرَب تستولي على النَّاس وبلادهم وَيزِيدُونَ فِي بنيانهم وَهُوَ إِشَارَة إِلَى اتساع دين الْإِسْلَام كَمَا أَن الْعَلامَة الأولى أَيْضا فِيهَا اتساع الْإِسْلَام قَالَ الْكرْمَانِي ومحصله أَن من أشراطها تسلط الْمُسلمين على الْبِلَاد والعباد وَقَالَ ابْن بطال مَعْنَاهُ أَن ارْتِفَاع الأسافل من العبيد والسفلة الجمالين وَغَيرهم من عَلَامَات الْقِيَامَة. وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن أبي جَمْرَة عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا مَرْفُوعا " من انقلاب الدّين تفصح النبط واتخاذهم الْقُصُور فِي الْأَمْصَار " وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ الْمَقْصُود الْأَخْبَار عَن تبدل الْحَال بِأَن يستولي أهل الْبَادِيَة على الْأَمر ويتملكوا الْبِلَاد بالقهر فتكثر أَمْوَالهم وتنصرف هممهم إِلَى تشييد

الْبُنيان والتفاخر بِهِ وَقد شاهدنا ذَلِك فِي هَذَا الزَّمَان وَقَالَ الطَّيِّبِيّ الْمَقْصُود أَن علاماتها انقلاب الْأَحْوَال والقرينة الثَّانِيَة ظَاهِرَة فِي صيرورة الأعزة أَذِلَّة أَلا ترى إِلَى الملكة بنت النُّعْمَان حَيْثُ سبيت واحضرت بَين يَدي سعد بن أبي وَقاص رَضِي الله عَنهُ كَيفَ أنشدت

(بَينا نسوس النَّاس وَالْأَمر أمرنَا ... إِذا نَحن فيهم سوقة تنتصف)

(فأف لدُنْيَا لَا يَدُوم نعيمها ... تقلب تارات بِنَا وَتصرف)

قَوْله " فِي خمس " إِلَى آخِره قَالَ الْقُرْطُبِيّ لَا مطمع لأحد فِي علم شَيْء من هَذِه الْأُمُور الْخمس لهَذَا الحَدِيث وَقد فسر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَول الله تَعَالَى {وَعِنْده مفاتح الْغَيْب لَا يعلمهَا إِلَّا هُوَ} بِهَذِهِ الْخمس وَهُوَ الصَّحِيح قَالَ فَمن ادّعى علم شَيْء مِنْهَا غير مُسْند إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ كَاذِبًا فِي دَعْوَاهُ قَالَ وَأما ظن الْغَيْب فقد يجوز من المنجم وَغَيره إِذا كَانَ غير أَمر عادي وَلَيْسَ ذَلِك بِعلم وَقد نقل ابْن عبد الْبر الْإِجْمَاع على تَحْرِيم أَخذ الْأُجْرَة والجعل وإعطائها فِي ذَلِك (استنباط الْأَحْكَام) وَهُوَ على وُجُوه. الأول أَن الْإِيمَان هُوَ أَن يُؤمن العَبْد بِاللَّه وَمَلَائِكَته وبلقائه وَرُسُله ويؤمن بِالْبَعْثِ والنشور. الثَّانِي أَن الْإِسْلَام أَن تعبد الله وَلَا تشرك بِهِ شَيْئا وتقيم الصَّلَاة وتؤتي الزَّكَاة وتصوم رَمَضَان. الثَّالِث إِن الْإِحْسَان أَن تعبد الله كَأَنَّهُ يراك وتراه. الرَّابِع احْتج بِهِ من يَدعِي تغاير الْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَمَعَ هَذَا تقدم غير مرّة أَن الْإِسْلَام وَالْإِيمَان وَالدّين عِنْد البُخَارِيّ عِبَارَات عَن معنى وَاحِد وَقَالَ محيي السّنة جعل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْإِسْلَام اسْما لما ظهر من الْأَعْمَال وَالْإِيمَان اسْما لما بطن من الِاعْتِقَاد وَلَيْسَ ذَلِك لِأَن الْأَعْمَال لَيست من الْإِيمَان والتصديق بِالْقَلْبِ لَيْسَ من الْإِسْلَام بل ذَلِك تَفْصِيل لجملة هِيَ كلهَا شَيْء وَاحِد وجماعها الدّين وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام " أَتَاكُم جِبْرِيل يعلمكم دينكُمْ " والتصديق وَالْعَمَل يتناولهما الِاسْم وَالْإِيمَان وَالْإِسْلَام جَمِيعًا وَقَالَ ابْن الصّلاح مَا فِي الحَدِيث بَيَان لأصل الْإِيمَان وَهُوَ التَّصْدِيق الْبَاطِن وأصل الْإِسْلَام وَهُوَ الاستسلام والانقياد الظَّاهِر ثمَّ اسْم الْإِيمَان يتَنَاوَل مَا فسر بِهِ الْإِسْلَام وَسَائِر الطَّاعَات لكَونهَا ثَمَرَات للتصديق الْبَاطِن الَّذِي هُوَ أصل الْإِيمَان وَلِهَذَا فسر الْإِيمَان فِي حَدِيث الْوَفْد بِمَا هُوَ الْإِسْلَام هَهُنَا وَاسم الْإِسْلَام يتَنَاوَل أَيْضا مَا هُوَ أصل الْإِيمَان وَهُوَ التَّصْدِيق الْبَاطِن ويتناول الطَّاعَات فَإِن ذَلِك كُله استسلام فتحقق مَا ذكرنَا إنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ فِيهِ ويفترقان وَقَالَ من قَالَ إنَّهُمَا حقيقتان متباينتان إِن حَدِيث جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام جَاءَ على الْوَضع الْأَصْلِيّ بالتفرقة بَين الْإِيمَان وَالْإِسْلَام فالإيمان فِي اللُّغَة التَّصْدِيق مُطلقًا وَفِي الشَّرْع التَّصْدِيق بقواعد الشَّرْع وَالْإِسْلَام فِي اللُّغَة الاستسلام والانقياد وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {قل لم تؤمنوا وَلَكِن قُولُوا أسلمنَا} وَفِي الشَّرْع الانقياد فِي الْأَفْعَال الظَّاهِرَة الشَّرْعِيَّة لَكِن الشَّرْع توسع فاطلق الْإِيمَان على الْإِسْلَام فِي حَدِيث وَفد عبد الْقَيْس وَقَوله " الْإِيمَان بضع وَسَبْعُونَ بَابا أدناها إمَاطَة الْأَذَى عَن الطَّرِيق " وَأطلق الْإِسْلَام يُرِيد بِهِ الْأَمريْنِ قَالَ الله تَعَالَى {إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام} وَقَالَ بعض الْعلمَاء تنافس الْعلمَاء فِي هَذِه الْأَسْمَاء تنافسا لَا طائل تَحْتَهُ فَإِنَّهُم متفقون على أَنه يُسْتَفَاد مِنْهَا بِالشَّرْعِ زِيَادَة على أصل الْوَضع فَهَل ذَلِك الْمَعْنى يصير تِلْكَ الْأَسْمَاء مَوْضُوعَة كالوضع الابتدائي كَمَا فِي لفظ الدَّابَّة أَو هِيَ مبقاة على الْوَضع اللّغَوِيّ وَالشَّرْع إِنَّمَا تصرف فِي شُرُوطهَا وأحكامها قلت وَهَذَا الثَّانِي هُوَ قَول القَاضِي أبي بكر الباقلاني قَالَ وَالْقَوْل بِالْأولِ يحصل غَرَض الشِّيعَة على الصَّحَابَة فَإِذا قيل إِن الله تَعَالَى وعد الْمُؤمنِينَ بِالْجنَّةِ وهم قد آمنُوا يَقُولُونَ الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق فِي قُلُوبهم لَكِن الشَّرْع نقل هَذِه الْأَلْفَاظ إِلَى الطَّاعَات وهم صدقُوا وَمَا أطاعوا فِي أَمر الْخلَافَة فَإِذا قُلْنَا لم تنقل انسد الْبَاب الردي وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ يمكننا أَن نقُول بِأَن الْأَسْمَاء الشَّرْعِيَّة منقولة إِلَّا هَذِه الْمَسْأَلَة. الْخَامِس فِيهِ وجوب الْإِيمَان بِهَذِهِ الْمَذْكُورَات فِي الحَدِيث. السَّادِس فِيهِ عظم مرتبَة هَذِه الْأَركان الَّتِي فسر الْإِسْلَام بهَا السَّابِع فِيهِ جَوَاز قَول رَمَضَان بِلَا شهر الثَّامِن فِيهِ غظم مَحل الْإِخْلَاص والمراقبة التَّاسِع يه لَا أَدْرِي من الْعلم وَالِاعْتِرَاف بِعَدَمِ الْعلم وَإِن ذَلِك لَا ينقصهُ وَلَا يزِيل مَا عرف من جلالته بل ذَلِك دَلِيل على ورعه وتقواه ووفور علمه وَعدم يبجحه بِمَا لَيْسَ عِنْده الْعَاشِر فِيهِ دَلِيل على تمثل الْمَلَائِكَة بِأَيّ صُورَة شاؤا من صور بني

آدم كَقَوْلِه تَعَالَى {فتمثل لَهَا بشرا سويا} وَقد كَانَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام يتَمَثَّل بِصُورَة دحْيَة وَلم يره النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فِي صورته الَّتِي خلق عَلَيْهَا غير مرَّتَيْنِ. فَإِن قلت لَو كَانَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام متمثلا بِصُورَة دحْيَة فِي ذَلِك الْوَقْت لَكَانَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام عرفه من أول الْأَمر مَا عرف أَنه جِبْرِيل إِلَّا فِي آخر الْحَال قلت من ادّعى أَن جِبْرِيل مَا يتَمَثَّل إِلَّا بِصُورَة دحْيَة فَقَط فَعَلَيهِ الْبَيَان على أَن الَّذِي ذكرنَا من الرِّوَايَات أَن جِبْرِيل أَتَاهُ فِي صُورَة رجل حسن الْهَيْئَة لكنه غير مَعْرُوف لديهم يرد عَلَيْهِ. فَإِن قلت وَقع فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من طَرِيق أبي فَرْوَة فِي آخر الحَدِيث وَأَنه لجبريل نزل فِي صُورَة دحْيَة الْكَلْبِيّ قلت قَوْله نزل فِي صُورَة دحْيَة الْكَلْبِيّ وهم لِأَن دحْيَة مَعْرُوف عِنْدهم وَقد قَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ فِي حَدِيثه مَا يعرفهُ منا أحد وَقد أخرجه مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي فِي كتاب الْإِيمَان لَهُ من الْوَجْه الَّذِي أخرجه مِنْهُ النَّسَائِيّ فَقَالَ فِي آخِره " فَإِنَّهُ جِبْرِيل جَاءَ ليعلمكم دينكُمْ " حسب وَهَذِه الرِّوَايَة هِيَ المحفوظة لموافقته بَاقِي الرِّوَايَات الْحَادِي عشر قَالَ الْقُرْطُبِيّ هَذَا الحَدِيث يصلح أَن يُقَال لَهُ أم السّنة لما تضمن من جملَة عِلّة السّنة وَقَالَ الطَّيِّبِيّ لهَذِهِ النُّكْتَة استفتح بِهِ الْبَغَوِيّ كِتَابه المصابيح وَشرح السّنة اقْتِدَاء بِالْقُرْآنِ فِي افتتاحه بِالْفَاتِحَةِ لِأَنَّهَا تَضَمَّنت عُلُوم الْقُرْآن إِجْمَالا وَقَالَ القَاضِي عِيَاض اشْتَمَل هَذَا الحَدِيث على جَمِيع وظائف الْعِبَادَات الظَّاهِرَة والباطنة من عُقُود الْإِيمَان ابْتِدَاء وَحَالا ومآلا وَمن أَعمال الْجَوَارِح وَمن إخلاص السرائر والتحفظ من آفَات الْأَعْمَال حَتَّى أَن عُلُوم الشَّرِيعَة كلهَا رَاجِعَة إِلَيْهِ ومتشعبة مِنْهُ الثَّانِي عشر فِيهِ دَلِيل على أَن رُؤْيَة الله تَعَالَى فِي الدُّنْيَا بالأبصار غير وَاقعَة فَإِن قلت فالنبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد رَآهُ قلت قَالَ بَعضهم وَأما النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَذَاك لدَلِيل آخر قلت رُؤْيَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ربه عز وَجل لم يكن فِي دَار الدُّنْيَا بل كَانَت فِي الملكوت الْعليا وَالدُّنْيَا لَا تطلق عَلَيْهَا وَالدَّلِيل الصَّرِيح على عدم وُقُوع رُؤْيَة الله تَعَالَى بالأبصار فِي الدُّنْيَا مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث أبي أُمَامَة قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام " وَاعْلَمُوا أَنكُمْ لن تروا ربكُم حَتَّى تَمُوتُوا " وَأما الرُّؤْيَة فِي الْآخِرَة فمذهب أهل الْحق أَنَّهَا وَاقعَة بالأبصار. فَإِن قلت الرُّؤْيَة يشْتَرط فِيهَا خُرُوج شُعَاع وانطباع صُورَة المرئي فِي الحدقة والمواجهة والمقابلة وَرفع الْحجب فَكيف يجوز ذَلِك على الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قلت هَذِه الشُّرُوط للرؤيا عَادَة فِي الدُّنْيَا وَأما فِي الْآخِرَة فَيجوز أَن يكون الله تَعَالَى مرئيا لنا إِذْ هِيَ حَالَة يخلقها الله تَعَالَى فِي الحاسة فَتحصل بِدُونِ هَذِه الشُّرُوط وَلِهَذَا جوز الأشاعرة أَن يرى أعمى الصين بقْعَة أندلس وَقد ادّعى بعض غلات الصُّوفِيَّة جَوَاز رُؤْيَة الله تَعَالَى بالأبصار فِي دَار الدُّنْيَا وَقَالَ فِي قَوْله " فَإِن لم تكن ترَاهُ " إِشَارَة إِلَى مقَام المحو والفناء وَتَقْدِيره فَإِن لم تصر شَيْئا وفنيت عَن نَفسك حَتَّى كَأَنَّك لَيْسَ بموجود فَإنَّك حِينَئِذٍ ترَاهُ. قلت هَذَا تَأْوِيل فَاسد بِدَلِيل رِوَايَة كهمس فَإِن لَفظهَا " فَإنَّك أَن لَا ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك " فَسلط النَّفْي على الرُّؤْيَة لَا على الْكَوْن وَكَذَلِكَ يبطل تأويلهم رِوَايَة أبي فَرْوَة " فَإِن لم ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك " ورد عَلَيْهِم بَعضهم بقوله لَو كَانَ المُرَاد مَا زَعَمُوا لَكَانَ قَوْله " ترَاهُ " نحذوف الْألف لِأَنَّهُ يصير مَجْزُومًا لكَونه على تأويلهم جَوَاب الشَّرْط وَلم يَجِيء حذف الْألف فِي شَيْء من طرق هَذَا الحَدِيث وَهَذَا الْجَواب لَا يقطع بِهِ شغبهم لِأَن لَهُم أَن يَقُولُوا الْجَزَاء جملَة حذف صدرها تَقْدِيره فَأَنت ترَاهُ والجزم فِي الْجُمْلَة لَا يظْهر والمقدر كالملفوظ قَوْله " مَتى السَّاعَة " قَالَ الْقُرْطُبِيّ الْمَقْصُود من هَذَا السُّؤَال كف السامعين عَن السُّؤَال عَن وَقت السَّاعَة لأَنهم كَانُوا قد أَكْثرُوا السُّؤَال عَنْهَا كَمَا ورد فِي كثير من الْآيَات والْحَدِيث فَلَمَّا حصل الْجَواب بِمَا ذكر حصل الْيَأْس من مَعْرفَتهَا بِخِلَاف الأسئلة الْمَاضِيَة فَإِن المُرَاد بهَا اسْتِخْرَاج الْأَجْوِبَة ليتعلمها السامعون ويعملوا بهَا وَهَذَا السُّؤَال وَالْجَوَاب وَقعا بَين عِيسَى ابْن مَرْيَم وَجِبْرِيل عَلَيْهِمَا السَّلَام أَيْضا لَكِن كَانَ عِيسَى سَائِلًا وَجِبْرِيل مسئولا قَالَ الْحميدِي حَدثنَا سُفْيَان حَدثنَا مَالك ابْن مغول عَن إِسْمَاعِيل بن رَجَاء عَن الشّعبِيّ قَالَ " سَأَلَ عِيسَى ابْن مَرْيَم جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام عَن السَّاعَة قَالَ فانتفض بأجنحته وَقَالَ مَا المسؤل عَنْهَا بِأَعْلَم من السَّائِل " قَوْله " جَاءَ يعلم النَّاس دينهم " أَي قَوَاعِد دينهم وكلياتها وَقَالَ ابْن الْمُنِير فِيهِ دلَالَة على أَن السُّؤَال الْحسن يُسمى علما وتعليما لِأَن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام لم يصدر مِنْهُ سوى السُّؤَال وَمَعَ ذَلِك فقد سَمَّاهُ معلما وَقد اشْتهر قَوْلهم. السُّؤَال نصف الْعلم (الأسئلة والأجوبة) مِنْهَا مَا قيل مَا سَبَب وُرُود هَذَا الحَدِيث وَأجِيب بِأَن سَببه مَا رَوَاهُ مُسلم من رِوَايَة عمَارَة بن الْقَعْقَاع أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ " سلوني فهابوه أَن يسألوه فجَاء رجل فَجَلَسَ عِنْد رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ يَا رَسُول الله

مَا الْإِسْلَام " الحَدِيث. وَمِنْهَا مَا قيل مَا وَجه تَفْسِير الْإِيمَان بِأَن تؤمن وَفِيه تَعْرِيف الشَّيْء بِنَفسِهِ وَأجِيب بِأَنَّهُ لَيْسَ تعريفا بِنَفسِهِ إِذا المُرَاد من الْمَحْدُود الْإِيمَان الشَّرْعِيّ وَمن الْحَد الْإِيمَان اللّغَوِيّ أَو المتضمن للاعتراف وَلِهَذَا عدى بِالْبَاء أَي أَن تصدق معترفا بِكَذَا. وَمِنْهَا مَا قيل كَيفَ بَدَأَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام بالسؤال قبل السَّلَام وَأجِيب بِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون ذَلِك مُبَالغَة فِي التعمية لأَمره أَو ليبين أَن ذَلِك غير وَاجِب أَو سلم فَلم يَنْقُلهُ الرَّاوِي قلت الْأَوَّلَانِ ضعيفان والاعتماد على الثَّالِث لِأَنَّهُ ثَبت فِي رِوَايَة أبي فَرْوَة بعد قَوْله " كَأَن ثِيَابه لم يَمَسهَا دنس حَتَّى سلم من طرف الْبسَاط فَقَالَ السَّلَام عَلَيْك يَا مُحَمَّد فَرد عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ ادنو يَا مُحَمَّد قَالَ أدن فَمَا زَالَ يَقُول أدنو مرَارًا وَيَقُول أدن " وَنَحْوه فِي رِوَايَة عَطاء عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا لَكِن قَالَ " السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله " وَفِي رِوَايَة " يَا رَسُول الله أدنو فَقَالَ أدن " وَلم يذكر السَّلَام فاختلفت الرِّوَايَة هَل قَالَ يَا مُحَمَّد أَو قَالَ يَا رَسُول الله وَهل سلم أَولا وَطَرِيق التَّوْفِيق أَن رِوَايَة من قَالَ سلم مُقَدّمَة على رِوَايَة من سكت عَنهُ أَو أَنه قَالَ أَولا يَا مُحَمَّد كَمَا كَانَ الْأَعْرَاب يَقُوله قصدا ااتعمية ثمَّ خاطبه بعد ذَلِك بقوله يَا رَسُول الله وَوَقع عِنْد الْقُرْطُبِيّ أَنه قَالَ السَّلَام عَلَيْكُم يَا مُحَمَّد واستنبط من هَذَا أَنه يسْتَحبّ للداخل أَن يعمم بِالسَّلَامِ ثمَّ يخصص من يُرِيد تَخْصِيصه. وَمِنْهَا مَا قيل لم قدم السُّؤَال عَن الْإِيمَان وَأجِيب بِأَنَّهُ الأَصْل وَثني بِالْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يظْهر بِهِ تَصْدِيق الدَّعْوَى وَثلث بِالْإِحْسَانِ لِأَنَّهُ مُتَعَلق بهما وَقد وَقع فِي رِوَايَة عمَارَة بن الْقَعْقَاع بَدَأَ بِالْإِسْلَامِ وثنى بِالْإِيمَان وَقَالُوا إِنَّمَا بَدَأَ بِالْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ بِالْأَمر الظَّاهِر ثمَّ بِالْإِيمَان لِأَنَّهُ بِالْأَمر الْبَاطِن وَرجح الطَّيِّبِيّ هَذَا وَقَالَ لما فِيهِ من الترقي وَوَقع فِي وَرَايَة مطر الْوراق بَدَأَ بِالْإِسْلَامِ وثنى بِالْإِحْسَانِ وَثلث بِالْإِيمَان وَيُمكن أَن يُقَال عَنَّا أَن الْإِحْسَان هُوَ الْإِخْلَاص كَمَا ذكرنَا فَكَمَا أَن مَحَله الْقلب فَكَذَلِك ذكر فِي الْقلب وَالْحق أَن هَذَا التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير من الروَاة وَالله تَعَالَى أعلم. وَمِنْهَا مَا قيل أَن السُّؤَال عَن مَاهِيَّة الْإِيمَان لِأَنَّهُ سَأَلَهُ بِكَلِمَة مَا وَلَا يسْأَل بهَا إِلَّا عَن الْمَاهِيّة وماهية الْإِيمَان التَّصْدِيق وَالْجَوَاب غير مُطَابق وَأجِيب بِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام علم مِنْهُ إِنَّه إِنَّمَا سَأَلَهُ عَن متعلقات الْإِيمَان إِذْ لَو كَانَ سُؤَاله عَن حَقِيقَته لَكَانَ جَوَابه التَّصْدِيق وَقَالَ الطَّيِّبِيّ قَوْله " أَن تؤمن بِاللَّه " يُوهم التّكْرَار وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ يتَضَمَّن معنى أَن تعترف وَلِهَذَا عداهُ بِالْبَاء وَقَالَ بَعضهم والتصديق أَيْضا يعدي بِالْبَاء فَلَا يحْتَاج إِلَى دَعْوَى التَّضْمِين قلت الطَّيِّبِيّ ادّعى تضمين الْإِيمَان معنى الِاعْتِرَاف وَكَون التَّصْدِيق يتَعَدَّى بِالْبَاء لَا يمْنَع دَعْوَى تضمين الْإِيمَان معنى الِاعْتِرَاف حَتَّى يُقَال لَا يحْتَاج إِلَى دَعْوَى التَّضْمِين. وَمِنْهَا مَا قيل الْإِيمَان بالكتب أَيْضا وَاجِب وَلم تَركه وَأجِيب بِأَن الْإِيمَان بالرسل مُسْتَلْزم للْإيمَان بِمَا أنزل عَلَيْهِم على أَنه مَذْكُور فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ هَهُنَا كَمَا ذَكرْنَاهُ وَمِنْهَا مَا قيل لم كرر لفظ تؤمن فِي قَوْله " وتؤمن بالعبث " وَأجِيب بِأَنَّهُ نوع آخر من الْمُؤمن بِهِ لِأَن الْبَعْث سيوجد فِيمَا بعد واخواته مَوْجُودَة الْآن وَمِنْهَا مَا قيل ظَاهر الحَدِيث يدل على أَن الْإِيمَان لَا يتم إِلَّا على من صدق بِجَمِيعِ مَا ذكر فَمَا بَال الْفُقَهَاء يكتفون بِإِطْلَاق الْإِيمَان على من آمن بِاللَّه وَرَسُوله وَأجِيب بِأَن الْإِيمَان بِرَسُولِهِ هُوَ الْإِيمَان بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ من ربه فَيدْخل جَمِيع ذَلِك تَحت ذَلِك وَمِنْهَا مَا قيل أَن المُرَاد من قَوْله (أَن تعبد الله وَلَا تشرك بِهِ شَيْئا) إِن كَانَ معرفَة الله تَعَالَى وتوحيده فَلَا يحْتَاج إِلَى قَوْله (وَلَا تشرك بِهِ شَيْئا) وَإِن كَانَ المُرَاد الطَّاعَة مُطلقًا فَيدْخل فِيهَا جَمِيع الْوَظَائِف وَمَا الْفَائِدَة بعد ذَلِك فِي ذكر الصَّلَاة وَالصَّوْم وَأجِيب بِأَن المُرَاد النُّطْق بِالشَّهَادَتَيْنِ صرح بذلك فِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ قَالَ " الْإِسْلَام أَن تشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله " وَلما عبر الرَّاوِي عَن ذَلِك بِالْعبَادَة احْتِيجَ أَن يُوضح ذَلِك بقوله وَلَا تشرك بِهِ شَيْئا وَلم يحْتَج إِلَيْهِ من بَاب عطف الْخَاص على الْعَام. وَمِنْهَا مَا قيل أَن السُّؤَال عَن الْإِسْلَام عَام وَالْجَوَاب خَاص لقَوْله " أَن تعبد الله " وَكَذَا قَوْله فِي الْإِيمَان " أَن تؤمن " وَفِي الْإِحْسَان " أَن تعبد " وَأجِيب بِأَنَّهُ لَيْسَ المُرَاد بمخاطبة الْأَفْرَاد اخْتِصَاصه بذلك بل المُرَاد تَعْلِيم السامعين الحكم فِي حَقهم وَحقّ من تخَاف عَنْهُم وَقد بَين ذَلِك بقوله فِي آخر الحَدِيث " يعلم النَّاس دينهم " وَمِنْهَا مَا قيل لم لم يذكر الْحَج وَأجِيب بِأَنَّهُ فرض حِينَئِذٍ وَيرد هَذَا مَا رَوَاهُ ابْن مَنْدَه فِي كتاب الْإِيمَان بِإِسْنَادِهِ الَّذِي هُوَ على شَرط مُسلم من طَرِيق سُلَيْمَان التَّيْمِيّ من حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ أَوله أَن رجلا فِي آخر عمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جَاءَ إِلَى

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.4 / 29.5
الإضاءة 78%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل