الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٠
الحديث رقم ٥٠ من كتاب «كتاب الإيمان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان والإسلام.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابٌ
٥٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْعَرَبِيِّ بِأَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ تَحْصُلُ بِمَا لَمْ يُقْصَدْ فِي الثَّانِي إِذَا قُصِدَ فِي الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ مُرَاعَاةَ الْقَصْدِ إِنَّمَا هُوَ فِي الْأَوَّلِ ثُمَّ يَسْتَرْسِلُ حُكْمُ النِّيَّةِ الْأُولَى عَلَى مُؤْتَنَفِ الْعَمَلِ، وَإِنْ عَزَبَ الْقَصْدُ خَيْرًا كَانَ أَوْ شَرًّا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا) أَيْ: وَإِنْ كَانَ عَدَمُ الرَّفْعِ أَزْيَدَ خَيْرًا وَأَوْلَى مِنْهُ ; لِأَنَّهُ مُتَحَقِّقٌ فِيهِ، لَكِنْ فِي الرَّفْعِ خَيْرٌ مَرْجُوٌّ لِاسْتِلْزَامِهِ مَزِيدَ الثَّوَابِ ; لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِزِيَادَةِ الِاجْتِهَادِ فِي الْتِمَاسِهَا، وَإِنَّمَا حَصَلَ ذَلِكَ بِبَرَكَةِ الرَّسُولِ ﷺ.
قَوْلُهُ: (فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ) كَذَا فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ بِتَقْدِيمِ السَّبْعِ الَّتِي أَوَّلُهَا السِّينُ عَلَى التِّسْعِ، فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ رَجَاءَهَا فِي السَّبْعِ أَقْوَى لِلِاهْتِمَامِ بِتَقْدِيمِهِ. وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ بِتَقْدِيمِ التِّسْعِ عَلَى تَرْتِيبِ التَّدَلِّي. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالتِّسْعِ وَغَيْرِهَا فَقِيلَ لِتِسْعٍ يَمْضِينَ مِنَ الْعَشْرِ، وَقِيلَ لِتِسْعٍ يَبْقَيْنَ مِنَ الشَّهْرِ، وَسَنَذْكُرُ بَسْطَ هَذَا فِي مَحَلِّهِ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الِاعْتِكَافِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٣٧ - بَاب سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالْإِحْسَانِ وَعِلْمِ السَّاعَةِ وَبَيَانِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ ثُمَّ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ، فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا، وَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ مِنْ الْإِيمَانِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾
٥٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قال: حدثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ فَأَتَاهُ رجل فَقال: ما الْإِيمَانُ؟ قَالَ: الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ قال: ما الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: الْإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ قال: ما الْإِحْسَانُ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قال: ما الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ، وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: إِذَا وَلَدَتْ الْأَمَةُ رَبَّهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الْإِبِلِ الْبُهْمُ فِي الْبُنْيَانِ فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ ﷺ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الْآيَةَ، ثُمَّ أَدْبَرَ فَقَالَ: رُدُّوهُ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا فَقال: هذا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ، قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: جَعَلَ ذَلِك كُلَّهُ مِنْ الْإِيمَانِ.
[الحديث ٥٠ - طرفه في: ٤٧٧٧]
قَوْلُهُ: (بَابُ سُؤَالِ جِبْرِيلَ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ إِلَخْ) تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ يَرَى أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ عِبَارَةٌ عَنْ مَعْنًى وَاحِدٍ، فَلَمَّا كَانَ ظَاهِرُ سُؤَالِ جِبْرِيلَ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَجَوَابُهُ يَقْتَضِي تَغَايُرَهُمَا، وَأَنَّ الْإِيمَانَ تَصْدِيقٌ بِأُمُورٍ مَخْصُوصَةٍ، وَالْإِسْلَامَ إِظْهَارُ أَعْمَالٍ مَخْصُوصَةٍ، أَرَادَ أَنْ يَرُدَّ ذَلِكَ بِالتَّأْوِيلِ إِلَى طَرِيقَتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَبَيَانِ) أَيْ: مَعَ بَيَانِ أَنَّ الِاعْتِقَادَ وَالْعَمَلَ دِينٌ، وَقَوْلُهُ: وَمَا بَيَّنَ أَيْ: مَعَ مَا بَيَّنَ لِلْوَفْدِ أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْإِسْلَامُ حَيْثُ فَسَّرَهُ فِي قِصَّتِهِمْ بِمَا فَسَّرَ بِهِ الْإِسْلَامَ هُنَا، وَقَوْلُهُ: وَقَوْلُ اللَّهِ أَيْ: مَعَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ أَنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ الدِّينُ، وَدَلَّ عَلَيْهِ خَبَرُ أَبِي سُفْيَانَ: أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الدِّينُ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الْإِسْلَامَ وَالْإِيمَانَ أَمْرٌ وَاحِدٌ. هَذَا مُحَصَّلُ كَلَامِهِ، وَقَدْ نَقَلَ أَبُو عَوَانَةَ الْإسْفَرَايِينِيُّ
فِي صَحِيحِهِ عَنِ الْمُزَنِيِّ صَاحِبِ الشَّافِعِيِّ الْجَزْمَ بِأَنَّهُمَا عِبَارَةٌ عَنْ مَعْنًى وَاحِدٍ، وَأَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ. وَعَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ الْجَزْمَ بِتَغَايُرِهِمَا، وَلِكُلٍّ مِنَ الْقَوْلَيْنِ أَدِلَّةٌ مُتَعَارِضَةٌ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: صَنَّفَ فِي الْمَسْأَلَةِ إِمَامَانِ كَبِيرَانِ، وَأَكْثَرَا مِنَ الْأَدِلَّةِ لِلْقَوْلَيْنِ، وَتَبَايَنَا فِي ذَلِكَ. وَالْحَقُّ أَنَّ بَيْنَهُمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا، فَكُلُّ مُؤْمِنٍ مُسْلِمٌ، وَلَيْسَ كُلُّ مُسْلِمٍ مُؤْمِنًا. انْتَهَى كَلَامُهُ مُلَخَّصًا. وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يُطْلَقُ عَلَى الِاعْتِقَادِ وَالْعَمَلِ مَعًا، بِخِلَافِ الْإِيمَانِ فَإِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِمَا مَعًا. وَيَرِدُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ هُنَا يَتَنَاوَلُ الْعَمَلَ وَالِاعْتِقَادَ مَعًا ; لِأَنَّ الْعَامِلَ غَيْرُ الْمُعْتَقِدِ لَيْسَ بِذِي دِينٍ مَرْضِيٍّ.
وَبِهَذَا اسْتَدَلَّ الْمُزَنِيُّ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ فَقَالَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ جِبْرِيلَ هَذَا: جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْإِسْلَامَ هُنَا اسْمًا لِمَا ظَهَرَ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَالْإِيمَانَ اسْمًا لِمَا بَطَنَ مِنَ الِاعْتِقَادِ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ لَيْسَتْ مِنَ الْإِيمَانِ، وَلَا لِأَنَّ التَّصْدِيقَ لَيْسَ مِنَ الْإِسْلَامِ، بَلْ ذَاكَ تَفْصِيلٌ لِجُمْلَةٍ كُلُّهَا شَيْءٌ وَاحِدٌ وَجِمَاعُهَا الدِّينُ، وَلِهَذَا قَالَ ﷺ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ وَقال ﷾: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ وَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ وَلَا يَكُونُ الدِّينُ فِي مَحَلِّ الرِّضَا وَالْقَبُولِ إِلَّا بِانْضِمَامِ التَّصْدِيقِ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ مَجْمُوعِ الْأَدِلَّةِ أَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً، كَمَا أَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً، لَكِنْ كُلٌّ مِنْهُمَا مُسْتَلْزِمٌ لِلْآخَرِ بِمَعْنَى التَّكْمِيلِ لَهُ، فَكَمَا أَنَّ الْعَامِلَ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا كَامِلًا إِلَّا إِذَا اعْتَقَدَ، فَكَذَلِكَ الْمُعْتَقِدُ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا كَامِلًا إِلَّا إِذَا عَمِلَ، وَحَيْثُ يُطْلَقُ الْإِيمَانُ فِي مَوْضِعِ الْإِسْلَامِ أَوِ الْعَكْسِ، أَوْ يُطْلَقُ أَحَدُهُمَا عَلَى إِرَادَتِهِمَا مَعًا فَهُوَ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ. وَيَتَبَيَّنُ الْمُرَادُ بِالسِّيَاقِ، فَإِنْ وَرَدَا مَعًا فِي مَقَامِ السُّؤَالِ حُمِلَا عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَإِنْ لَمْ يَرِدَا مَعًا أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي مَقَامِ سُؤَالٍ أَمْكَنَ الْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوِ الْمَجَازِ بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ مِنَ الْقَرَائِنِ. وَقَدْ حَكَى ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ قَالُوا: إِنَّهُمَا تَخْتَلِفُ دَلَالَتُهُمَا بِالِاقْتِرَانِ، فَإِنْ أُفْرِدَ أَحَدُهُمَا دَخَلَ الْآخَرُ فِيهِ. وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ مَا حَكَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وَتَبِعَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ الْأَكْثَرِ أَنَّهُمْ سَوَّوْا بَيْنَهُمَا عَلَى مَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَمَا حَكَاهُ اللَّالِكَائِيُّ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا عَلَى مَا فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
قَوْلُهُ: (وَعِلْمِ السَّاعَةِ) تَفْسِيرٌ مِنْهُ لِلْمُرَادِ بِقَوْلِ جِبْرِيلَ فِي السُّؤَالِ مَتَى السَّاعَةُ؟ أَيْ: مَتَى عِلْمُ السَّاعَةِ؟ وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ آخَرَ، أَيْ: مَتَى عِلْمُ وَقْتِ السَّاعَةِ؟
قَوْلُهُ: (وَبَيَانِ النَّبِيِّ ﷺ) هُوَ مَجْرُورٌ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى عِلْمِ الْمَعْطُوفِ عَلَى سُؤَالِ الْمَجْرُورِ بِالْإِضَافَةِ. فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يُبَيِّنِ النَّبِيُّ ﷺ وَقْتَ السَّاعَةِ، فَكَيْفَ قَالَ وَبَيَانِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ. فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَيَانِ بَيَانُ أَكْثَرِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ فَأَطْلَقَهُ ; لِأَنَّ حُكْمَ مُعْظَمِ الشَّيْءِ حُكْمُ كُلِّهِ. أَوْ جَعَلَ الْحُكْمَ فِي عِلْمِ السَّاعَةِ بِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ بَيَانًا لَهُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ الْبَصْرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ عُلَيَّةَ، قال: أخبرنَا أَبُو حَيَّانَ التَّمِيمِيُّ. وَأَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ لُقْمَانَ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ الْمَذْكُورِ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَرِيرٍ أَيْضًا عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ أَيْضًا عَنْ أَبِي فَرْوَةَ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. زَادَ أَبُو فَرْوَةَ: وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ أَيْضًا، وَسَاقَ حَدِيثَهُ عَنْهُمَا جَمِيعًا. وَفِيهِ فَوَائِدُ زَوَائِدُ سَنُشِيرُ إِلَيْهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلَمْ أَرَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ هَذَا عَنْهُ، وَلَمْ يُخَرِّجْهُ الْبُخَارِيُّ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَيَّانَ عَنْهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَفِي سِيَاقِهِ فَوَائِدُ زَوَائِدُ أَيْضًا. وَإِنَّمَا لَمْ يُخَرِّجُهُ الْبُخَارِيُّ لِاخْتِلَافٍ فِيهِ عَلَى بَعْضِ رُوَاتِهِ، فَمَشْهُورُهُ رِوَايَةُ كَهْمَسٍ - بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ قَبْلَهَا مِيمٌ مَفْتُوحَةٌ - ابْنِ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ - بِفَتْحِ الْمِيمِ أَوَّلُهُ يَاءٌ تَحْتَانِيَّةٌ مَفْتُوحَةٌ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عن أبيه عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَوَاهُ عَنْ كَهْمَسٍ جَمَاعَةٌ
مِنَ الْحُفَّاظِ، وَتَابَعَهُ مَطَرٌ الْوَرَّاقُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، وَتَابَعَهُ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، وَكَذَا رَوَاهُ عُثْمَانُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ لَكِنَّهُ قَالَ: عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، وَحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَعًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، زَادَ فِيهِ حُمَيْدًا، وَحُمَيْدٌ لَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ ذِكْرٌ لَا رِوَايَةٌ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ هَذِهِ الطُّرُقَ وَلَمْ يَسُقْ مِنْهَا إِلَّا مَتْنَ الطَّرِيقِ الْأُولَى وَأَحَالَ الْبَاقِيَ عَلَيْهَا، وَبَيْنَهَا اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ سَنُشِيرُ إِلَى بَعْضِهِ، فَأَمَّا رِوَايَةُ مَطَرٍ فَأَخْرَجَهَا أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا رِوَايَةُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ فَأَخْرَجَهَا ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا رِوَايَةُ عُثْمَانَ بْنِ غِيَاثٍ فَأَخْرَجَهَا أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ.
وَقَدْ خَالَفَهُمْ سُلَيْمَانُ بْنُ بُرَيْدَةَ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ فَرَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ ابْنِ عُمَرَ لَا مِنْ رِوَايَتِهِ، عن أبيه. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا. وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، وَكَذَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ. وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَالْبُخَارِيُّ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وَعَنْ جَرِيرٍ الْبَجَلِيِّ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ وَفِي إِسْنَادِهِ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، وهو الْعُمَرِيُّ وَلَا يَصْلُحُ لِلصَّحِيحِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي عَامِرٍ الْأَشْعَرِيِّ أَخْرَجَهُمَا أَحْمَدُ وَإِسْنَادُهُمَا حَسَنٌ. وَفِي كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الطُّرُقِ فَوَائِدُ سَنَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الْبَابِ. وَإِنَّمَا جَمَعْتُ طُرُقَهَا هُنَا وَعَزَوْتُهَا إِلَى مُخَرِّجِيهَا لِتَسْهِيلِ الْحَوَالَةِ عَلَيْهَا فِرَارًا مِنَ التَّكْرَارِ الْمُبَايِنِ لِطَرِيقِ الِاخْتِصَارِ. وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
قَوْلُهُ: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ) أَيْ: ظَاهِرًا لَهُمْ غَيْرَ مُحْتَجِبٍ عَنْهُمْ وَلَا مُلْتَبِسٍ بِغَيْرِهِ، وَالْبُرُوزُ الظُّهُورُ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا بَيَانُ ذَلِكَ، فَإِنَّ أَوَّلَهُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْلِسُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فَيَجِيءُ الْغَرِيبُ فَلَا يَدْرِي أَيُّهُمْ هُوَ، فَطَلَبْنَا إِلَيْهِ أَنْ نَجْعَلَ لَهُ مَجْلِسًا يَعْرِفُهُ الْغَرِيبُ إِذَا أَتَاهُ، قَالَ: فَبَنَيْنَا لَهُ دُكَّانًا مِنْ طِينٍ كَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهِ. انْتَهَى. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْقُرْطُبِيُّ اسْتِحْبَابَ جُلُوسِ الْعَالِمِ بِمَكَانٍ يَخْتَصُّ بِهِ وَيَكُونُ مُرْتَفِعًا إِذَا احْتَاجَ لِذَلِكَ لِضَرُورَةِ تَعْلِيمٍ وَنَحْوِهِ.
قَوْلُهُ: (فَأَتَاهُ رَجُلٌ) أَيْ: مَلَكٌ فِي صُورَةِ رَجُلٍ، وَفِي التَّفْسِيرِ لِلْمُصَنِّفِ: إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ يَمْشِي، وَلِأَبِي فَرْوَةَ: فَإِنَّا لَجُلُوسٌ عِنْدَهُ إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ أَحْسَنُ النَّاسِ وَجْهًا وَأَطْيَبُ النَّاسِ رِيحًا، كَأَنَّ ثِيَابَهُ لَمْ يَمَسَّهَا دَنَسٌ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ كَهْمَسٍ فِي حَدِيثِ عُمَرَ: بَيْنَمَا نَحْنُ ذَاتَ يَوْمٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ سَوَادِ اللِّحْيَةِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ. وَفِي رِوَايَةِ لِسُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ: لَيْسَ عَلَيْهِ سَحْنَاءُ السَّفَرِ، وَلَيْسَ مِنَ الْبَلَدِ، فَتَخَطَّى حَتَّى بَرَكَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا يَجْلِسُ أَحَدُنَا فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رُكْبَتَيِ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي عَامِرٍ الْأَشْعَرِيِّ: ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رُكْبَتَيِ النَّبِيِّ ﷺ.
فَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: عَلَى فَخِذَيْهِ يَعُودُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَبِهِ جَزَمَ الْبَغَوِيُّ، وَإِسْمَاعِيلُ التَّيْمِيُّ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ وَرَجَّحَهُ الطِّيبِيُّ بَحْثًا لِأَنَّهُ نَسَقُ الْكَلَامِ خِلَافًا لِمَا جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ، وَوَافَقَهُ التُّورِبَشْتِيُّ لِأَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّهُ جَلَسَ كَهَيْئَةِ الْمُتَعَلِّمِ بَيْنَ يَدَيْ مَنْ يَتَعَلَّمُ مِنْهُ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا مِنَ السِّيَاقِ لَكِنْ وَضْعُهُ يَدَيْهِ عَلَى فَخِذِ النَّبِيِّ ﷺ صَنِيعٌ مُنَبِّهٌ لِلْإِصْغَاءِ إِلَيْهِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ لِمَا يَنْبَغِي لِلْمَسْئُولِ مِنَ التَّوَاضُعِ وَالصَّفْحِ عَمَّا يَبْدُو مِنْ جَفَاءِ السَّائِلِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ الْمُبَالَغَةَ فِي تَعْمِيَةِ أَمْرِهِ لِيُقَوِّيَ الظَّنَّ بِأَنَّهُ مِنْ جُفَاةِ الْأَعْرَابِ، وَلِهَذَا تَخَطَّى النَّاسَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ كَمَا تَقَدَّمَ. وَلِهَذَا اسْتَغْرَبَ الصَّحَابَةُ صَنِيعَهُ ; وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ، وَجَاءَ مَاشِيًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَثَرُ سَفَرٍ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ عَرَفَ عُمَرُ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْتَنَدَ فِي ذَلِكَ إِلَى ظَنِّهِ، أَوْ إِلَى صَرِيحِ قَوْلِ الْحَاضِرِينَ. قُلْتُ: وَهَذَا الثَّانِي أَوْلَى، فَقَدْ جَاءَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ
عُثْمَانَ بْنِ غِيَاثٍ فَإِنَّ فِيهَا: فَنَظَرَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَقَالُوا: مَا نَعْرِفُ هَذَا. وَأَفَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ سَبَبَ وُرُودِ هَذَا الْحَدِيثِ، فَعِنْدَهُ فِي أَوَّلِهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَلُونِي، فَهَابُوا أَنْ يَسْأَلُوهُ، قَالَ فَجَاءَ رَجُلٌ.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، عَنْ كَهْمَسٍ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ - فَكَأَنَّ أَمْرَهُ لَهُمْ بِسُؤَالِهِ وَقَعَ فِي خُطْبَتِهِ - وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَجِيءَ الرَّجُلِ كَانَ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ وَافَقَ انْقِضَاءَهَا أَوْ كَانَ ذَكَرَ ذَلِكَ الْقَدْرَ جَالِسًا وَعَبَّرَ عَنْهُ الرَّاوِي بِالْخُطْبَةِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ) زَادَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّفْسِيرِ: يا رسول الله، مَا الْإِيمَانُ؟ فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ بَدَأَ بِالسُّؤَالِ قَبْلَ السَّلَامِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُبَالَغَةً فِي التَّعْمِيَةِ لِأَمْرِهِ، أَوْ لِيُبَيِّنَ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ وَاجِبٍ، أَوْ سَلَّمَ فَلَمْ يَنْقُلْهُ الرَّاوِي. قُلْتُ: وَهَذَا الثَّالِثُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ، فَفِيهَا بَعْدَ قَوْلِهِ كَأَنَّ ثِيَابَهُ لَمْ يَمَسَّهَا دَنَسٌ حَتَّى سَلَّمَ مِنْ طَرَفِ الْبِسَاطِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، فَرَدَّ ﵇. قَالَ: أَدْنُو يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: ادْنُ. فَمَا زَالَ يَقُولُ أَدْنُو مِرَارًا وَيَقُولُ لَهُ ادْنُ. وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، لَكِنْ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يا رسول الله. وَفِي رِوَايَةِ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ فَقَالَ: يا رسول الله، أَدْنُو مِنْكَ؟ قَالَ: أدْنُو. وَلَمْ يَذْكُرِ السَّلَامَ. فَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ، هَلْ قَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ أَوْ يا رسول الله؟ هَلْ سَلَّمَ أَوْ لَا؟
فَأَمَّا السَّلَامُ فَمَنْ ذَكَرَهُ مُقَدَّمٌ عَلَى مَنْ سَكَتَ عَنْهُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ وَقال: يا مُحَمَّدُ: إِنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ التَّعْمِيَةَ فَصَنَعَ صَنِيعَ الْأَعْرَابِ. قُلْتُ: وَيُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّهُ بَدَأَ أَوَّلًا بِنِدَائِهِ بِاسْمِهِ لِهَذَا الْمَعْنَى، ثُمَّ خَاطَبَهُ بِقَوْلِهِ يا رسول الله. وَوَقَعَ عِنْدَ الْقُرْطُبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا مُحَمَّدُ، فَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلدَّاخِلِ أَنْ يُعَمِّمَ بِالسَّلَامِ ثُمَّ يُخَصِّصَ مَنْ يُرِيدُ تَخْصِيصَهُ، انْتَهَى. وَالَّذِي وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنَ الرِّوَايَاتِ إِنَّمَا فِيهِ الْإِفْرَادُ، وهو قَوْلُهُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ.
قَوْلُهُ: (مَا الْإِيمَانُ؟) قِيلَ: قَدَّمَ السُّؤَالَ عَنِ الْإِيمَانِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَثَنَّى بِالْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ يُظْهِرُ مِصْدَاقَ الدَّعْوَى، وَثَلَّثَ بِالْإِحْسَانِ لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِمَا. وَفِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ: بَدَأَ بِالْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ بِالْأَمْرِ الظَّاهِرِ، وَثَنَّى بِالْإِيمَانِ لِأَنَّهُ بِالْأَمْرِ الْبَاطِنِ. وَرَجَّحَ هَذَا الطِّيبِيُّ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّرَقِّي. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ فِي تَأْدِيَتِهَا، وَلَيْسَ فِي السِّيَاقِ تَرْتِيبٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ فَإِنَّهُ بَدَأَ بِالْإِسْلَامِ وَثَنَّى بِالْإِحْسَانِ وَثَلَّثَ بِالْإِيمَانِ، فَالْحَقُّ أَنَّ الْوَاقِعَ أَمْرٌ وَاحِدٌ، وَالتَّقْدِ مُ وَالتَّأْخِيرُ وَقَعَ مِنَ الرُّوَاةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ: الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ إِلَخْ) دَلَّ الْجَوَابُ أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ مُتَعَلِّقَاتِهِ لَا عَنْ مَعْنَى لَفْظِهِ، وَإِلَّا لَكَانَ الْجَوَابُ: الْإِيمَانُ التَّصْدِيقُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا يُوهِمُ التَّكْرَارَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ مُضَمَّنٌ مَعْنَى أَنْ تَعْتَرِفَ بِهِ، وَلِهَذَا عَدَّاهُ بِالْبَاءِ، أَيْ: أَنْ تُصَدِّقَ مُعْتَرِفًا بِكَذَا. قُلْتُ: وَالتَّصْدِيقُ أَيْضًا يُعَدَّى بِالْبَاءِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى دَعْوَى التَّضْمِينِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: لَيْسَ هُوَ تَعْرِيفًا لِلشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، بَلِ الْمُرَادُ مِنَ الْمَحْدُودِ الْإِيمَانُ الشَّرْعِيُّ، وَمِنَ الْحَدِّ الْإِيمَانُ اللُّغَوِيُّ قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إِنَّمَا أَعَادَ لَفْظَ الْإِيمَانِ لِلِاعْتِنَاءِ بِشَأْنِهِ تَفْخِيمًا لِأَمْرِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فِي جَوَابِ: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ يَعْنِي أَنَّ قَوْلَهُ: أَنْ تُؤْمِنَ يَنْحَلُّ مِنْهُ الْإِيمَانُ فَكَأَنَّهُ قَالَ: الْإِيمَانُ الشَّرْعِيُّ تَصْدِيقٌ مَخْصُوصٌ، وَإِلَّا لَكَانَ الْجَوَابُ: الْإِيمَانُ التَّصْدِيقُ، وَالْإِيمَانُ بِاللَّهِ هُوَ التَّصْدِيقُ بِوُجُودِهِ وَأَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ مُنَزَّهٌ عَنْ صِفَاتِ النَّقْصِ.
قَوْلُهُ: (وَمَلَائِكَتِهِ) الْإِيمَانُ بِالْمَلَائِكَةِ هُوَ التَّصْدِيقُ بِوُجُودِهِمْ وَأَنَّهُمْ كَمَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ وَقَدَّمَ الْمَلَائِكَةَ عَلَى الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ نَظَرًا لِلتَّرْتِيبِ الْوَاقِعِ ; لِأَنَّهُ ﷾ أَرْسَلَ الْمَلَكَ بِالْكِتَابِ إِلَى الرَّسُولِ وَلَيْسَ فِيهِ مُتَمَسَّكٌ لِمَنْ فَضَّلَ الْمَلَكَ عَلَى الرَّسُولِ.
قَوْلُهُ: (وَكُتُبِهِ) هَذِهِ عِنْدَ الْأَصِيلِيِّ هُنَا، وَاتَّفَقَ الرُّوَاةُ عَلَى ذِكْرِهَا فِي التَّفْسِيرِ، وَالْإِيمَانُ بِكُتُبِ اللَّهِ التَّصْدِيقُ بِأَنَّهَا كَلَامُ اللَّهِ وَأَنَّ مَا تَضَمَّنَتْهُ
حَقٌّ.
قَوْلُهُ: (وَبِلِقَائِهِ) كَذَا وَقَعَتْ هُنَا بَيْنَ الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ، وَلَمْ تَقَعْ فِي بَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا مُكَرَّرَةٌ لِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي الْإِيمَانِ بِالْبَعْثِ، وَالْحَقُّ أَنَّهَا غَيْرُ مُكَرَّرَةٍ، فَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْبَعْثِ الْقِيَامُ مِنَ الْقُبُورِ، وَالْمُرَادُ بِاللِّقَاءِ مَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَقِيلَ اللِّقَاءُ يَحْصُلُ بِالِانْتِقال من دَارِ الدُّنْيَا، وَالْبَعْثُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا رِوَايَةُ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ فَإِنَّ فِيهَا وَبِالْمَوْتِ وَبِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِاللِّقَاءِ رُؤْيَةُ اللَّهِ، ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ. وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ أَحَدًا لَا يَقْطَعُ لِنَفْسِهِ بِرُؤْيَةِ اللَّهِ، فَإِنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِمَنْ مَاتَ مُؤْمِنًا، وَالْمَرْءُ لَا يَدْرِي بِمَ يُخْتَمُ لَهُ، فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ شُرُوطِ الْإِيمَانِ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْإِيمَانُ بِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَهَذَا مِنَ الْأَدِلَّةِ الْقَوِيَّةِ لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي إِثْبَاتِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْآخِرَةِ إِذْ جُعِلَتْ مِنْ قَوَاعِدِ الْإِيمَانِ.
قَوْلُهُ: (وَرُسُلِهِ) وَلِلْأَصِيلِيِّ: وَبِرُسُلِهِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ: وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ، وَكُلٌّ مِنَ السِّيَاقَيْنِ فِي الْقُرْآنِ فِي الْبَقَرَةِ، وَالتَّعْبِيرُ بِالنَّبِيِّينَ يَشْمَلُ الرُّسُلَ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، وَالْإِيمَانُ بِالرُّسُلِ التَّصْدِيقُ بِأَنَّهُمْ صَادِقُونَ فِيمَا أَخْبَرُوا بِهِ عَنِ اللَّهِ، وَدَلَّ الْإِجْمَالُ فِي الْمَلَائِكَةِ وَالْكُتُبِ وَالرُّسُلِ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِذَلِكَ فِي الْإِيمَانِ بِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، إِلَّا مَنْ ثَبَتَ تَسْمِيَتُهُ فَيَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ عَلَى التَّعْيِينِ. وَهَذَا التَّرْتِيبُ مُطَابِقٌ لِلْآيَةِ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ وَمُنَاسَبَةُ التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ وَإِنْ كَانَتِ الْوَاوُ لَا تُرَتِّبُ، بَلِ الْمُرَادُ مِنَ التَّقَدُّمِ أَنَّ الْخَيْرَ وَالرَّحْمَةَ مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ أَعْظَمِ رَحْمَتِهِ أَنْ أَنْزَلَ كُتُبَهُ إِلَى عِبَادِهِ، وَالْمُتَلَقِّي لِذَلِكَ مِنْهُمُ الْأَنْبِيَاءُ، وَالْوَاسِطَةُ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَهُمُ الْمَلَائِكَةُ.
قَوْلُهُ (وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ) زَادَ فِي التَّفْسِيرِ الْآخِرِ وَلِمُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ عُمَرَ: وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَأَمَّا الْبَعْثُ الْآخِرُ فَقِيلَ ذَكَرَ الْآخِرَ تَأْكِيدًا كَقَوْلِهِمْ أَمْسُ الذَّاهِبُ، وَقِيلَ لِأَنَّ الْبَعْثَ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ: الْأُولَى الْإِخْرَاجُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ أَوْ مِنْ بُطُونِ الْأُمَّهَاتِ بَعْدَ النُّطْفَةِ وَالْعَلَقَةِ إِلَى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَالثَّانِيَةُ الْبَعْثُ مِنْ بُطُونِ الْقُبُورِ إِلَى مَحَلِّ الِاسْتِقْرَارِ. وَأَمَّا الْيَوْمُ الْآخِرُ فَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ آخِرُ أَيَّامِ الدُّنْيَا أَوْ آخِرُ الْأَزْمِنَةِ الْمَحْدُودَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَالتَّصْدِيقِ بِمَا يَقَعُ فِيهِ مِنَ الْحِسَابِ وَالْمِيزَانِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ. وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِذِكْرِ الْأَرْبَعَةِ بَعْدَ ذِكْرِ الْبَعْثِ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا.
(فَائِدَةٌ): زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي مُسْتَخْرَجِهِ هُنَا: وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، وَهِيَ فِي رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ أَيْضًا، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، وَأَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ كُلِّهِ، وَفِي رِوَايَةِ كَهْمَسٍ، وَسُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ: وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ وَكَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وهو فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِزِيَادَةِ وَحُلْوِهِ وَمُرِّهِ مِنَ اللَّهِ، وَكَأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي إِعَادَةِ لَفْظِ وَتُؤْمِنَ عِنْدَ ذِكْرِ الْبَعْثِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُ نَوْعٌ آخَرُ مِمَّا يُؤْمَنُ بِهِ ; لِأَنَّ الْبَعْثَ سَيُوجَدُ بَعْدُ، وَمَا ذُكِرَ قَبْلَهُ مَوْجُودٌ الْآنَ، وَلِلتَّنْوِيهِ بِذِكْرِهِ لِكَثْرَةِ مَنْ كَانَ يُنْكِرُهُ مِنَ الْكُفَّارِ، وَلِهَذَا كَثُرَ تَكْرَارُهُ فِي الْقُرْآنِ، وَهَكَذَا الْحِكْمَةُ فِي إِعَادَةِ لَفْظِ وَتُؤْمِنَ عِنْدَ ذِكْرِ الْقَدَرِ كَأَنَّهَا إِشَارَةٌ إِلَى مَا يَقَعُ فِيهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ، فَحَصَلَ الِاهْتِمَامُ بِشَأْنِهِ بِإِعَادَةِ تُؤْمِنَ، ثُمَّ قَرَّرَهُ بِالْإِبْدَالِ بِقَوْلِهِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ وَحُلْوِهِ وَمُرِّهِ ثُمَّ زَادَهُ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ مِنَ اللَّهِ. وَالْقَدَرُ مَصْدَرٌ، تَقُولُ: قَدَرْتُ الشَّيْءَ بِتَخْفِيفِ الدَّالِ وَفَتْحِهَا أَقْدِرُهُ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ قَدْرًا وَقَدَرًا، إِذَا أَحَطْتُ بِمِقْدَارِهِ.
وَالْمُرَادُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلِمَ مَقَادِيرَ الْأَشْيَاءِ وَأَزْمَانَهَا قَبْلَ إِيجَادِهَا، ثُمَّ أَوْجَدَ مَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَنَّهُ يُوجَدُ، فَكُلُّ مُحْدَثٍ صَادِرٌ عَنْ عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ، هَذَا هُوَ الْمَعْلُومُ مِنَ الدِّينِ بِالْبَرَاهِينِ الْقَطْعِيَّةِ، وَعَلَيْهِ كَانَ السَّلَفُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَخِيَارِ التَّابِعِينَ، إِلَى أَنْ حَدَثَتْ بِدْعَةُ الْقَدَرِ فِي أَوَاخِرِ زَمَنِ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ الْقِصَّةَ فِي ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ كَهْمَسٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ، قَالَ فَانْطَلَقْتُ
أَنَا وَحُمَيْدٌ الْحِمْيَرِيُّ، فَذَكَرَ اجْتِمَاعَهُمَا بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَأَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ بِأَنَّهُ بَرِيءٌ مِمَّنْ يَقُولُ ذَلِكَ، وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالْقَدَرِ عَمَلًا. وَقَدْ حَكَى الْمُصَنِّفُونَ فِي الْمَقَالَاتِ عَنْ طَوَائِفَ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ إِنْكَارَ كَوْنِ الْبَارِئِ عَالِمًا بِشَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِ الْعِبَادِ قَبْلَ وُقُوعِهَا مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا يَعْلَمُهَا بَعْدَ كَوْنِهَا. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ: قَدِ انْقَرَضَ هَذَا الْمَذْهَبُ، وَلَا نَعْرِفُ أَحَدًا يُنْسَبُ إِلَيْهِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ. قَالَ: وَالْقَدَرِيَّةُ الْيَوْمُ مُطْبِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ قَبْلَ وُقُوعِهَا، وَإِنَّمَا خَالَفُوا السَّلَفَ فِي زَعْمِهِمْ بِأَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَقْدُورَةٌ لَهُمْ وَوَاقِعَةٌ مِنْهُمْ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِقْلَالِ، وهو مَعَ كَوْنِهِ مَذْهَبًا بَاطِلًا أَخَفُّ مِنَ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ.
وَأَمَّا الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْهُمْ فَأَنْكَرُوا تَعَلُّقَ الْإِرَادَةِ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ فِرَارًا مِنْ تَعَلُّقِ الْقَدِيمِ بِالْمُحْدَثِ، وَهُمْ مَخْصُومُونَ بِمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنْ سَلَّمَ الْقَدَرِيُّ الْعِلْمَ خُصِمَ. يَعْنِي يُقَالُ لَهُ: أَيَجُوزُ أَنْ يَقَعَ فِي الْوُجُودِ خِلَافُ مَا تَضَمَّنَهُ الْعِلْمُ؟ فَإِنْ مَنَعَ وَافَقَ قَوْلَ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَإِنْ أَجَازَ لَزِمَهُ نِسْبَةُ الْجَهْلِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
(تَنْبِيهٌ): ظَاهِرُ السِّيَاقِ يَقْتَضِي أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى مَنْ صَدَّقَ بِجَمِيعِ مَا ذُكِرَ، وَقَدِ اكْتَفَى الْفُقَهَاءُ بِإِطْلَاقِ الْإِيمَانِ عَلَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَا اخْتِلَافَ ; لِأَنَّ الْإِيمَانَ بِرَسُولِ اللَّهِ الْمُرَادُ بِهِ الْإِيمَانُ بِوُجُودِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ عَنْ رَبِّهِ، فَيَدْخُلُ جَمِيعُ مَا ذُكِرَ تَحْتَ ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ) قَالَ النَّوَوِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْعِبَادَةِ مَعْرِفَةَ اللَّهِ فَيَكُونُ عَطْفُ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا عَلَيْهَا لِإِدْخَالِهَا فِي الْإِسْلَامِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْعِبَادَةِ الطَّاعَةَ مُطْلَقًا، فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الْوَظَائِفِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ عَطْفُ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ. قُلْتُ: أَمَّا الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ فَبَعِيدٌ ; لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ مِنْ مُتَعَلَّقَاتِ الْإِيمَانِ، وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَهُوَ أَعْمَالٌ قَوْلِيَّةٌ وَبَدَنِيَّةٌ، وَقَدْ عَبَّرَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ هُنَا بِقَوْلِهِ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِبَادَةِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ دَفْعُ الِاحْتِمَالِ الثَّانِي. وَلَمَّا عَبَّرَ الرَّاوِي بِالْعِبَادَةِ احْتَاجَ أَنْ يُوَضِّحَهَا بِقَوْلِهِ: وَلَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَيْهَا فِي رِوَايَةِ عُمَرَ لِاسْتِلْزَامِهَا ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: السُّؤَالُ عَامٌّ لِأَنَّهُ سَأَلَ عَنْ مَاهِيَّةِ الْإِسْلَامِ، وَالْجَوَابُ خَاصٌّ لِقَوْلِهِ أَنْ تَعْبُدَ أَوْ تَشْهَدَ، وَكَذَا قَالَ فِي الْإِيمَانِ أَنْ تُؤْمِنَ، وَفِي الْإِحْسَانِ أَنْ تَعْبُدَ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ لِنُكْتَةِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَصْدَرِ وَبَيْنَ أَنْ وَالْفِعْلِ ; لِأَنَّ أَنْ تَفْعَلَ تَدُلُّ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ، وَالْمَصْدَرُ لَا يَدُلُّ عَلَى زَمَانٍ.
عَلَى أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ أَوْرَدَهُ هُنَا بِصِيغَةِ الْمَصْدَرِ، فَفِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ غِيَاثٍ قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِمُخَاطَبَتِهِ بِالْإِفْرَادِ اخْتِصَاصَهُ بِذَلِكَ، بَلِ الْمُرَادُ تَعْلِيمُ السَّامِعِينَ الْحُكْمَ فِي حَقِّهِمْ وَحَقِّ مَنْ أَشْبَهَهُمْ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ، وَقَدْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي آخِرِهِ: يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ. فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَذْكُرِ الْحَجَّ؟ أَجَابَ بَعْضُهُمْ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فُرِضَ، وهو مَرْدُودٌ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بِإِسْنَادِهِ الَّذِي عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ فِي حَدِيثِ عُمَرَ أَوَّلُهُ أَنَّ رَجُلًا فِي آخِرِ عُمْرِ النَّبِيِّ ﷺ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَآخِرُ عُمْرِهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَإِنَّهَا آخِرُ سَفَرَاتِهِ، ثُمَّ بَعْدَ قُدُومِهِ بِقَلِيلٍ دُونَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ مَاتَ، وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ بَعْدَ إِنْزَالِ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ لِتَقْرِيرِ أُمُورِ الدِّينِ - الَّتِي بَلَّغَهَا مُتَفَرِّقَةً - فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، لِتَنْضَبِطَ. وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ جَوَازُ سُؤَالِ الْعَالِمِ مَا لَا يَجْهَلُهُ السَّائِلُ لِيَعْلَمَهُ السَّامِعُ، وَأَمَّا الْحَجُّ فَقَدْ ذُكِرَ، لَكِنْ بَعْضُ الرُّوَاةِ إِمَّا ذَهَلَ عَنْهُ وَإِمَّا نَسِيَهُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ فِي ذِكْرِ بَعْضِ الْأَعْمَالِ دُونَ بَعْضٍ، فَفِي رِوَايَةِ كَهْمَسٍ: وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَفِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ لَمْ يَذْكُرِ الصَّوْمَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي عَامِرٍ ذَكَرَ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ حَسْبُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَزِيدًا عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ. وَذَكَرَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ فِي رِوَايَتِهِ الْجَمِيعَ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ وَتَحُجَّ
وَتَعْتَمِرَ، وَتَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَتُتَمِّمَ الْوُضُوءَ. وَقَالَ مَطَرٌ الْوَرَّاقُ فِي رِوَايَتِهِ: وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ قَالَ فَذَكَرَ عُرَى الْإِسْلَامِ، فَتَبَيَّنَ مَا قُلْنَاهُ: إِنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ ضَبَطَ مَا لَمْ يَضْبِطْهُ غَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ) زَادَ مُسْلِمٌ: الْمَكْتُوبَةَ أَيِ: الْمَفْرُوضَةَ. وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالْمَكْتُوبَةِ لِلتَّفَنُّنِ فِي الْعِبَارَةِ، فَإِنَّهُ عَبَّرَ فِي الزَّكَاةِ بِالْمَفْرُوضَةِ، وَلِاتِّبَاعِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾
قَوْلُهُ: (وَتَصُومَ رَمَضَانَ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى قَوْلِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ إِضَافَةِ شَهْرٍ إِلَيْهِ، وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (الْإِحْسَانُ) هُوَ مَصْدَرٌ، تَقُولُ أَحْسَنَ يُحْسِنُ إِحْسَانًا. وَيَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ تَقُولُ: أَحْسَنْتُ كَذَا إِذَا أَتْقَنْتُهُ، وَأَحْسَنْتُ إِلَى فُلَانٍ إِذَا أَوْصَلْتُ إِلَيْهِ النَّفْعَ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُرَادُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إِتْقَانُ الْعِبَادَةِ. وَقَدْ يُلْحَظُ الثَّانِي بِأَنَّ الْمُخْلِصَ مَثَلًا مُحْسِنٌ بِإِخْلَاصِهِ إِلَى نَفْسِهِ، وَإِحْسَانُ الْعِبَادَةِ الْإِخْلَاصُ فِيهَا وَالْخُشُوعُ وَفَرَاغُ الْبَالِ حَالَ التَّلَبُّسِ بِهَا وَمُرَاقَبَةُ الْمَعْبُودِ، وَأَشَارَ فِي الْجَوَابِ إِلَى حَالَتَيْنِ: أَرْفَعُهُمَا أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ مُشَاهَدَةُ الْحَقِّ بِقَلْبِهِ حَتَّى كَأَنَّهُ يَرَاهُ بِعَيْنِهِ، وهو قَوْلُهُ: كَأَنَّكَ تَرَاهُ أَيْ:، وهو يَرَاكَ، وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَسْتَحْضِرَ أَنَّ الْحَقَّ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ يَرَى كُلَّ مَا يَعْمَلُ، وهو قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَرَاكَ. وَهَاتَانِ الْحَالَتَانِ يُثَمِّرُهُمَا مَعْرِفَةُ اللَّهِ وَخَشْيَتُهُ، وَقَدْ عَبَّرَ فِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ بِقَوْلِهِ: أَنْ تَخْشَى اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّكَ إِنَّمَا تُرَاعِي الْآدَابَ الْمَذْكُورَةَ إِذَا كُنْتَ تَرَاهُ وَيَرَاكَ، لِكَوْنِهِ يَرَاكَ لَا لِكَوْنِكَ تَرَاهُ فَهُوَ دَائِمًا يَرَاكَ، فَأَحْسِنْ عِبَادَتَهُ وَإِنْ لَمْ تَرَهُ، فَتَقْدِيرُ الْحَدِيثِ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَاسْتَمِرَّ عَلَى إِحْسَانِ الْعِبَادَةِ فَإِنَّهُ يَرَاكَ.
قَالَ: وَهَذَا الْقَدْرُ مِنَ الْحَدِيثِ أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، وَقَاعِدَةٌ مُهِمَّةٌ مِنْ قَوَاعِدِ الْمُسْلِمِينَ، وهو عُمْدَةُ الصِّدِّيقِينَ وَبُغْيَةُ السَّالِكِينَ وَكَنْزُ الْعَارِفِينَ وَدَأْبُ الصَّالِحِينَ، وهو مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ الَّتِي أُوتِيَهَا ﷺ، وَقَدْ نَدَبَ أَهْلُ التَّحْقِيقِ إِلَى مُجَالَسَةِ الصَّالِحِينَ لِيَكُونَ ذَلِكَ مَانِعًا مِنَ التَّلَبُّسِ بِشَيْءٍ مِنَ النَّقَائِصِ احْتِرَامًا لَهُمْ وَاسْتِحْيَاءً مِنْهُمْ، فَكَيْفَ بِمَنْ لَا يَزَالُ اللَّهُ مُطَّلِعًا عَلَيْهِ فِي سِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ؟ انْتَهَى. وَقَدْ سَبَقَ إِلَى أَصْلِ هَذَا الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي تَفْسِيرِ لُقْمَانَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(تَنْبِيهٌ): دَلَّ سِيَاقُ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا بِالْأَبْصَارِ غَيْرُ وَاقِعَةٍ، وَأَمَّا رُؤْيَةُ النَّبِيِّ ﷺ فَذَاكَ لِدَلِيلٍ آخَرَ، وَقَدْ صَرَّحَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ بِقَوْلِهِ ﷺ: وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا. وَأَقْدَمَ بَعْضُ غُلَاةِ الصُّوفِيَّةِ عَلَى تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَقَالَ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَقَامِ الْمَحْوِ وَالْفَنَاءِ، وَتَقْدِيرُهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ - أَيْ: فَإِنْ لَمْ تَصِرْ - شَيْئًا وَفَنِيتَ عَنْ نَفْسِكَ حَتَّى كَأَنَّكَ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فَإِنَّكَ حِينَئِذٍ تَرَاهُ. وَغَفَلَ قَائِلُ هَذَا - لِلْجَهْلِ بِالْعَرَبِيَّةِ - عَنْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ مَا زَعَمَ لَكَانَ قَوْلُهُ: تَرَاهُ مَحْذُوفَ الْأَلِفِ ; لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَجْزُومًا، لِكَوْنِهِ عَلَى زَعْمِهِ جَوَابَ الشَّرْطِ، وَلَمْ يَرِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ بِحَذْفِ الْأَلِفِ، وَمَنِ ادَّعَى أَنَّ إِثْبَاتَهَا فِي الْفِعْلِ الْمَجْزُومِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِذْ لَا ضَرُورَةَ هُنَا. وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ مَا ادَّعَاهُ صَحِيحًا لَكَانَ قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَرَاكَ ضَائِعًا لِأَنَّهُ لَا ارْتِبَاطَ لَهُ بِمَا قَبْلَهُ. وَمِمَّا يُفْسِدُ تَأْوِيلَهُ رِوَايَةُ كَهْمَسٍ فَإِنَّ لَفْظَهَا فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، فَسَلَّطَ النَّفْيَ عَلَى الرُّؤْيَةِ لَا عَلَى الْكَوْنِ الَّذِي حُمِلَ عَلَى ارْتِكَابِ التَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ: فَإِنْ لَمْ تَرَهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ وَنَحْوُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَكُلُّ هَذَا يُبْطِلُ التَّأْوِيلَ الْمُتَقَدِّمَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ): زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ قَوْلَ السَّائِلِ صَدَقْتَ عَقِبَ كُلِّ جَوَابٍ مِنَ الْأَجْوِبَةِ الثَّلَاثَةِ، وَزَادَ أَبُو فَرْوَةَ فِي رِوَايَتِهِ فَلَمَّا سَمِعْنَا قَوْلَ الرَّجُلِ صَدَقْتَ أَنْكَرْنَاهُ وَفِي رِوَايَةِ كَهْمَسٍ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ. وَفِي رِوَايَةِ مَطَرٍ: انْظُرُوا إِلَيْهِ كَيْفَ يَسْأَلُهُ وَانْظُرُوا إِلَيْهِ كَيْفَ يُصَدِّقُهُ وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ: انْظُرُوا، وهو يَسْأَلُهُ، وهو يُصَدِّقُهُ كَأَنَّهُ أَعْلَمُ
مِنْهُ. وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ: قَالَ الْقَوْمُ: مَا رَأَيْنَا رَجُلًا مِثْلَ هَذَا، كَأَنَّهُ يُعَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ لَهُ: صَدَقْتَ صَدَقْتَ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّمَا عَجِبُوا مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ، وَلَيْسَ هَذَا السَّائِلُ مِمَّنْ عُرِفَ بِلِقَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا بِالسَّمَاعِ مِنْهُ، ثُمَّ هُوَ يَسْأَلُ سُؤَالَ عَارِفٍ بِمَا يَسْأَلُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ يُخْبِرُهُ بِأَنَّهُ صَادِقٌ فِيهِ، فَتَعَجَّبُوا مِنْ ذَلِكَ تَعَجُّبَ الْمُسْتَبْعِدِ لِذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (مَتَى السَّاعَةُ؟) أَيْ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ؟ وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ، وَالْمُرَادُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ.
قَوْلُهُ: (مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا) مَا نَافِيَةٌ. وَزَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ: فَنَكَسَ فَلَمْ يُجِبْهُ، ثُمَّ أَعَادَ فَلَمْ يُجِبْهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: مَا الْمَسْئُولُ.
قَوْلُهُ: (بِأَعْلَمَ) الْبَاءُ زَائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُشْعِرًا بِالتَّسَاوِي فِي الْعِلْمِ لَكِنَّ الْمُرَادَ التَّسَاوِي فِي الْعِلْمِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهَا لِقَوْلِهِ بَعْدَ: خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ وَسَيَأْتِي نَظِيرُ هَذَا التَّرْكِيبِ فِي أَوَاخِرِ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي قَوْلِهِ: مَا كُنْتُ بِأَعْلَمَ بِهِ مِنْ رَجُلٍ مِنْكُمْ فَإِنَّ الْمُرَادَ أَيْضًا التَّسَاوِي فِي عَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هُنَا فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، خَمْسٌ مِنَ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ تَلَا الْآيَةَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: يُسْتَنْبَطُ مِنْهُ أَنَّ الْعَالِمَ إِذَا سُئِلَ عَمَّا لَا يَعْلَمُ يُصَرِّحُ بِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ، وَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ نَقْصٌ مِنْ مَرْتَبَتِهِ، بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى مَزِيدِ وَرَعِهِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ مَقْصُودُ هَذَا السُّؤَالِ كَفُّ السَّامِعِينَ عَنِ السُّؤَالِ عَنْ وَقْتِ السَّاعَةِ ; لِأَنَّهُمْ قَدْ أَكْثَرُوا السُّؤَالَ عَنْهَا كَمَا وَرَدَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ، فَلَمَّا حَصَلَ الْجَوَابُ بِمَا ذُكِرَ هُنَا حَصَلَ الْيَأْسُ مِنْ مَعْرِفَتِهَا، بِخِلَافِ الْأَسْئِلَةِ الْمَاضِيَةِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَا اسْتِخْرَاجُ الْأَجْوِبَةِ لِيَتَعَلَّمَهَا السَّامِعُونَ وَيَعْمَلُوا بِهَا، وَنَبَّهَ بِهَذِهِ الْأَسْئِلَةِ عَلَى تَفْصِيلِ مَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ.
قَوْلُهُ: (مِنَ السَّائِلِ) عَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ لَسْتُ بِأَعْلَمَ بِهَا مِنْكَ إِلَى لَفْظٍ يُشْعِرُ بِالتَّعْمِيمِ تَعْرِيضًا لِلسَّامِعِينَ، أَيْ أَنَّ كُلَّ مَسْئُولٍ وَكُلَّ سَائِلٍ فَهُوَ كَذَلِكَ.
(فَائِدَةٌ): هَذَا السُّؤَالُ وَالْجَوَابُ وَقَعَ بَيْنَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَجِبْرِيلَ، لَكِنْ كَانَ عِيسَى سَائِلًا وَجِبْرِيلُ مَسْئُولًا. قَالَ الْحُمَيْدِيُّ فِي نَوَادِرِهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: سَأَلَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ جِبْرِيلَ (١) عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ فَانْتَفَضَ بِأَجْنِحَتِهِ وَقَالَ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ.
قَوْلُهُ: (وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا) وَفِي التَّفْسِيرِ وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُكَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ: وَلَكِنْ لَهَا عَلَامَاتٌ تُعْرَفُ بِهَا، وَفِي رِوَايَةِ كَهْمَسٍ: قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا فَأَخْبَرَهُ بِهَا فَتَرَدَّدْنَا فَحَصَلَ التَّرَدُّدُ هَلِ ابْتَدَأَهُ بِذِكْرِ الْأَمَارَاتِ أَوِ السَّائِلُ سَأَلَهُ عَنِ الْأَمَارَاتِ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ ابْتَدَأَ بِقَوْلِهِ: وَسَأُخْبِرُكَ، فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ: فَأَخْبِرْنِي. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ رِوَايَةُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ وَلَفْظُهَا وَلَكِنْ إِنْ شِئْتَ نَبَّأْتُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا، قَالَ: أَجَلْ وَنَحْوُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَزَادَ فَحَدِّثْنِي وَقَدْ حَصَلَ تَفْصِيلُ الْأَشْرَاطِ مِنَ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَأَنَّهَا الْعَلَامَاتُ، وَهِيَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ شَرَطٍ بِفَتْحَتَيْنِ كَقَلَمٍ وَأَقْلَامٍ، وَيُسْتَفَادُ مِنِ اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ التَّحْدِيثَ وَالْإِخْبَارَ وَالْإِنْبَاءَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا غَايَرَ بَيْنَهَا أَهْلُ الْحَدِيثِ اصْطِلَاحًا. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: عَلَامَاتُ السَّاعَةِ عَلَى قِسْمَيْنِ: مَا يَكُونُ مِنْ نَوْعِ الْمُعْتَادِ، أَوْ غَيْرِهِ. وَالْمَذْكُورُ هُنَا الْأَوَّلُ. وَأَمَّا الْغَيْرُ مِثْلُ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا فَتِلْكَ مُقَارِبَةٌ لَهَا أَوْ مُضَايِقَةٌ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْعَلَامَاتُ السَّابِقَةُ عَلَى ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (إِذَا وَلَدَتْ) التَّعْبِيرُ بِإِذَا لِلْإِشْعَارِ بِتَحَقُّقِ الْوُقُوعِ، وَوَقَعَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ بَيَانًا لِلْأَشْرَاطِ نَظَرًا إِلَى الْمَعْنَى، وَالتَّقْدِيرُ وِلَادَةُ الْأَمَةِ وَتَطَاوُلُ الرُّعَاةِ. فَإِنْ قِيلَ الْأَشْرَاطُ جَمْعٌ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ وَالْمَذْكُورُ هُنَا اثْنَانِ، أَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ: بِأَنَّهُ قَدْ تُسْتَقْرَضُ الْقِلَّةُ لِلْكَثْرَةِ، وَبِالْعَكْسِ.
أَوْ لِأَنَّ الْفَرْقَ بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ إِنَّمَا هُوَ فِي النَّكِرَاتِ لَا فِي الْمَعَارِفِ، أَوْ لِفَقْدِ جَمْعِ الْكَثْرَةِ لِلَفْظِ الشَّرْطِ. وَفِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَجْوِبَةِ نَظَرٌ، وَلَوْ أُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا دَلِيلُ الْقَوْلِ الصَّائِرِ إِلَى أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ لَمَا بَعُدَ عَنِ الصَّوَابِ. وَالْجَوَابُ الْمَرْضِيُّ أَنَّ الْمَذْكُورَ مِنَ الْأَشْرَاطِ ثَلَاثَةٌ، وَإِنَّمَا بَعْضُ الرُّوَاةِ اقْتَصَرَ عَلَى اثْنَيْنِ مِنْهَا لِأَنَّهُ هُنَا ذَكَرَ الْوِلَادَةَ وَالتَّطَاوُلَ، وَفِي التَّفْسِيرِ ذِكْرُ الْوِلَادَةِ وَتَرَؤُّسُ الْحُفَاةِ، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ الَّتِي أَخْرَجَ مُسْلِمٌ إِسْنَادَهَا وَسَاقَ ابْنُ خُزَيْمَةَ لَفْظَهَا عَنْ أَبِي حَيَّانَ ذِكْرُ الثَّلَاثَةِ، وَكَذَا فِي مُسْتَخْرَجِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَكَذَا ذَكَرَهَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ، وَوَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ، فَفِي رِوَايَةِ كَهْمَسٍ ذِكْرُ الْوِلَادَةِ وَالتَّطَاوُلُ فَقَطْ وَوَافَقَهُ عُثْمَانُ بْنُ غِيَاثٍ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ذِكْرُ الثَّلَاثَةِ وَوَافَقَهُ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وَكَذَا ذُكِرَتْ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي عَامِرٍ.
قَوْلُهُ: (إِذَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ رَبَّهَا) وَفِي التَّفْسِيرِ رَبَّتَهَا بِتَاءِ التَّأْنِيثِ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ، وَلِمُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ مِثْلُهُ وَزَادَ يَعْنِي السَّرَارِيَّ، وَفِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ: إِذَا رَأَيْتَ الْمَرْأَةَ تَلِدُ رَبَّهَا وَنَحْوُهُ لِأَبِي فَرْوَةَ، وَفِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ غِيَاثٍ: الْإِمَاءُ أَرْبَابُهُنَّ بِلَفْظِ الْجَمْعِ. وَالْمُرَادُ بِالرَّبِّ الْمَالِكُ أَوِ السَّيِّدُ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي مَعْنَى ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ، فَذَكَرَهَا لَكِنَّهَا مُتَدَاخِلَةٌ، وَقَدْ لَخَّصْتُهَا بِلَا تَدَاخُلٍ فَإِذَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ اتِّسَاعُ الْإِسْلَامِ وَاسْتِيلَاءُ أَهْلِهِ عَلَى بِلَادِ الشِّرْكِ وَسَبْيُ ذَرَارِيِّهِمْ، فَإِذَا مَلَكَ الرَّجُلُ الْجَارِيَةَ وَاسْتَوْلَدَهَا كَانَ الْوَلَدُ مِنْهَا بِمَنْزِلَةِ رَبِّهَا لِأَنَّهُ وَلَدُ سَيِّدِهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ: إِنَّهُ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ. قُلْتُ: لَكِنْ فِي كَوْنِهِ الْمُرَادَ نَظَرٌ ; لِأَنَّ اسْتِيلَادَ الْإِمَاءِ كَانَ مَوْجُودًا حِينَ الْمَقَالَةِ، وَالِاسْتِيلَاءُ عَلَى بِلَادِ الشِّرْكِ وَسَبْيُ ذَرَارِيِّهِمْ وَاتِّخَاذُهُمْ سَرَارِيَّ وَقَعَ أَكْثَرُهُ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ، وَسِيَاقُ الْكَلَامِ يَقْتَضِي الْإِشَارَةَ إِلَى وُقُوعِ مَا لَمْ يَقَعْ مِمَّا سَيَقَعُ قُرْبَ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَقَدْ فَسَّرَهُ وَكِيعٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ بِأَخَصَّ مِنَ الْأَوَّلِ.
قَالَ: أَنْ تَلِدَ الْعَجَمُ الْعَرَبَ، وَوَجَّهَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْإِمَاءَ يَلِدْنَ الْمُلُوكَ فَتَصِيرُ الْأُمُّ مِنْ جُمْلَةِ الرَّعِيَّةِ وَالْمَلِكُ سَيِّدُ رَعِيَّتِهِ، وَهَذَا لِإِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ، وَقَرَّبَهُ بأَنَّ الرُّؤَسَاءَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ كَانُوا يَسْتَنْكِفُونَ غَالِبًا مِنْ وَطْءِ الْإِمَاءِ وَيَتَنَافَسُونَ فِي الْحَرَائِرِ، ثُمَّ انْعَكَسَ الْأَمْرُ وَلَا سِيَّمَا فِي أَثْنَاءِ دَوْلَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَلَكِنَّ رِوَايَةَ رَبَّتَهَا بِتَاءِ التَّأْنِيثِ قَدْ لَا تُسَاعِدُ عَلَى ذَلِكَ.
وَوَجَّهَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ إِطْلَاقَ رَبَّتَهَا عَلَى وَلَدِهَا مَجَازٌ ; لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ سَبَبًا فِي عِتْقِهَا بِمَوْتِ أَبِيهِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَخَصَّهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ السَّبْيَ إِذَا كَثُرَ فَقَدْ يُسْبَى الْوَلَدُ أَوَّلًا، وهو صَغِيرٌ ثُمَّ يُعْتَقُ وَيَكْبَرُ وَيَصِيرُ رَئِيسًا بَلْ مَلِكًا ثُمَّ تُسْبَى أُمُّهُ فِيمَا بَعْدُ فَيَشْتَرِيهَا عَارِفًا بِهَا، أَوْ وهو لَا يَشْعُرُ أَنَّهَا أُمُّهُ، فَيَسْتَخْدِمُهَا أَوْ يَتَّخِذُهَا مَوْطُوءَةً أَوْ يُعْتِقُهَا وَيَتَزَوَّجُهَا. وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ بَعْلَهَا وَهِيَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَحُمِلَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْبَعْلِ الْمَالِكُ، وهو أَوْلَى لِتَتَّفِقَ الرِّوَايَاتُ. الثَّانِي أَنْ تَبِيعَ السَّادَةُ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِمْ وَيَكْثُرُ ذَلِكَ فَيَتَدَاوَلُ الْمُلَّاكُ الْمُسْتَوْلَدَةَ حَتَّى يَشْتَرِيَهَا وَلَدُهَا وَلَا يَشْعُرُ بِذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا فَالَّذِي يَكُونُ مِنَ الْأَشْرَاطِ غَلَبَةُ الْجَهْلِ بِتَحْرِيمِ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ أَوِ الِاسْتِهَانَةُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا فَلَا يَصْلُحُ الْحَمْلُ عَلَيْهَا ; لِأَنَّهُ لَا جَهْلَ وَلَا اسْتِهَانَةَ عِنْدَ الْقَائِلِ بِالْجَوَازِ، قُلْنَا: يَصْلُحُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى صُورَةِ اتِّفَاقِيَّةٍ كَبَيْعِهَا فِي حَالِ حَمْلِهَا، فَإِنَّهُ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ. الثَّالِثُ: وهو مِنْ نَمَطِ الَّذِي قَبْلَهُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: لَا يَخْتَصُّ شِرَاءُ الْوَلَدِ أُمَّهُ بِأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، بَلْ يُتَصَوَّرُ فِي غَيْرِهِنَّ بِأَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ حُرًّا مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا بِوَطْءِ شُبْهَةٍ، أَوْ رَقِيقًا بِنِكَاحٍ أَوْ زِنًا ثُمَّ تُبَاعُ الْأَمَةُ فِي الصُّورَتَيْنِ بَيْعًا صَحِيحًا وَتَدُورُ فِي الْأَيْدِي حَتَّى يَشْتَرِيَهَا ابْنُهَا أَوِ ابْنَتُهَا.
وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا تَفْسِيرُ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ بِأَنَّ الْمُرَادَ السَّرَارِيُّ لِأَنَّهُ تَخْصِيصٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ.
الرَّابِعُ: أَنْ يَكْثُرَ الْعُقُوقُ فِي الْأَوْلَادِ فَيُعَامِلُ الْوَلَدُ أُمَّهُ مُعَامَلَةَ السَّيِّدِ أَمَتَهُ مِنَ الْإِهَانَةِ بِالسَّبِّ
وَالضَّرْبِ وَالِاسْتِخْدَامِ. فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ رَبُّهَا مَجَازًا لِذَلِكَ. أَوِ الْمُرَادُ بِالرَّبِّ الْمُرَبِّي فَيَكُونُ حَقِيقَةً، وَهَذَا أَوْجَهُ الْأَوْجُهِ عِنْدِي لِعُمُومِهِ ; وَلِأَنَّ الْمَقَامَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ حَالَةٌ تَكُونُ مَعَ كَوْنِهَا تَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْأَحْوَالِ مُسْتَغْرَبَةً. وَمُحَصَّلُهُ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ السَّاعَةَ يَقْرُبُ قِيَامُهَا عِنْدَ انْعِكَاسِ الْأُمُورِ بِحَيْثُ يَصِيرُ الْمُرَبَّى مُرَبِّيًا وَالسَّافِلُ عَالِيًا، وهو مُنَاسِبٌ لِقَوْلِهِ فِي الْعَلَامَةِ الْأُخْرَى أَنْ تَصِيرَ الْحُفَاةُ مُلُوكَ الْأَرْضِ.
(تَنْبِيهَانِ): أَحَدُهُمَا قَالَ النَّوَوِيُّ: لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَلَا عَلَى جَوَازِهِ، وَقَدْ غَلِطَ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ لِكُلٍّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ ; لِأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا جُعِلَ عَلَامَةً عَلَى شَيْءٍ آخَرَ لَا يَدُلُّ عَلَى حَظْرٍ وَلَا إِبَاحَةٍ. الثَّانِي: يُجْمَعُ بَيْنَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ إِطْلَاقِ الرَّبِّ عَلَى السَّيِّدِ الْمَالِكِ فِي قَوْلِهِ رَبَّهَا وَبَيْنَ مَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ، وهو فِي الصَّحِيحِ (١): لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ، اسْقِ رَبَّكَ، وَلْيَقُلْ سَيِّدِي وَمَوْلَايَ بِأَنَّ اللَّفْظَ هُنَا خَرَجَ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ أَوِ الْمُرَادُ بِالرَّبِّ هُنَا الْمُرَبِّي، وَفِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ السَّيِّدُ، أَوْ أَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ مُتَأَخِّرٌ، أَوْ مُخْتَصٌّ بِغَيْرِ الرَّسُولِ ﷺ.
قَوْلُهُ: (تَطَاوَلَ) أَيْ: تَفَاخَرُوا فِي تَطْوِيلِ الْبُنَيَانِ وَتَكَاثَرُوا بِهِ.
قَوْلُهُ: (رُعَاةَ الْإِبِلِ) هُوَ بِضَمِّ الرَّاءِ جَمْعُ رَاعٍ كَقُضَاةٍ وَقَاضٍ. وَالْبُهْمُ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ بِفَتْحِهَا وَلَا يَتَّجِهُ مَعَ ذِكْرِ الْإِبِلِ، وَإِنَّمَا يَتَّجِهُ مَعَ ذِكْرِ الشِّيَاهِ أَوْ مَعَ عَدَمِ الْإِضَافَةِ كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: رِعَاءَ الْبُهْمِ، وَمِيمُ الْبُهْمِ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ يَجُوزُ ضَمُّهَا عَلَى أَنَّهَا صِفَةُ الرُّعَاةِ، وَيَجُوزُ الْكَسْرُ عَلَى أَنَّهَا صِفَةُ الْإِبِلِ يَعْنِي الْإِبِلَ السُّودَ، وَقِيلَ: إِنَّهَا شَرُّ الْأَلْوَانِ عِنْدَهُمْ، وَخَيْرُهَا الْحُمْرُ الَّتِي ضُرِبَ بِهَا الْمَثَلُ فَقِيلَ: خَيْرٌ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ وَوَصْفُ الرُّعَاةِ بِالْبُهْمِ إِمَّا لِأَنَّهُمْ مَجْهُولُو الْأَنْسَابِ، وَمِنْهُ أُبْهِمَ الْأَمْرُ فَهُوَ مُبْهَمٌ إِذَا لَمْ تُعْرَفْ حَقِيقَتُهُ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُمْ سُودُ الْأَلْوَانِ لِأَنَّ الْأُدْمَةَ غَالِبُ أَلْوَانِهِمْ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ لَا شَيْءَ لَهُمْ كَقَوْلِهِ ﷺ: يُحْشَرُ النَّاسُ حُفَاةً عُرَاةً بُهْمًا قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ قَدْ نَسَبَ لَهُمُ الْإِبِلَ، فَكَيْفَ يُقال: لا شَيْءَ لَهُمْ؟ قُلْتُ: يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهَا إِضَافَةُ اخْتِصَاصٍ لَا مِلْكٍ، وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ أَنَّ الرَّاعِيَ يَرْعَى لِغَيْرِهِ بِالْأُجْرَةِ، وَأَمَّا الْمَالِكُ فَقَلَّ أَنْ يُبَاشِرَ الرَّعْيَ بِنَفْسِهِ. قَوْلُهُ فِي التَّفْسِيرِ: وَإِذَا كَانَ الْحُفَاةُ الْعُرَاةُ، زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ: الصُّمُّ الْبُكْمُ. وَقِيلَ لَهُمْ ذَلِكَ مُبَالَغَةً فِي وَصْفِهِمْ بِالْجَهْلِ، أَيْ: لَمْ يَسْتَعْمِلُوا أَسْمَاعَهُمْ وَلَا أَبْصَارَهُمْ فِي الشَّيْءِ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ وَإِنْ كَانَتْ حَوَاسُّهُمْ سَلِيمَةً.
قَوْلُهُ رُءُوسُ النَّاسِ أَيْ: مُلُوكُ الْأَرْضِ، وَصَرَّحَ بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ مِثْلُهُ، وَالْمُرَادُ بِهِمْ أَهْلُ الْبَادِيَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ وَغَيْرِهِ. قَالَ: مَا الْحُفَاةُ الْعُرَاةُ؟ قَالَ: الْعُرَيْبُ. وهو بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى التَّصْغِيرِ. وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: مِنِ انْقِلَابِ الدِّينِ تَفَصُّحُ النَّبَطِ وَاتِّخَاذُهُمُ الْقُصُورَ فِي الْأَمْصَارِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْمَقْصُودُ الْإِخْبَارُ عَنْ تَبَدُّلِ الْحَالِ بِأَنْ يَسْتَوْلِيَ أَهْلُ الْبَادِيَةِ عَلَى الْأَمْرِ وَيَتَمَلَّكُوا الْبِلَادَ بِالْقَهْرِ فَتَكْثُرُ أَمْوَالُهُمْ وَتَنْصَرِفُ هِمَمُهُمْ إِلَى تَشْيِيدِ الْبُنْيَانِ وَالتَّفَاخُرِ بِهِ، وَقَدْ شَاهَدْنَا ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ. وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ: لَا تَقُومَ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ أَسْعَدَ النَّاسِ بِالدُّنْيَا لُكَعُ ابْنُ لُكَعٍ وَمِنْهُ: إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ - أَيْ: أُسْنِدَ - إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرُوا السَّاعَةَ وَكِلَاهُمَا فِي الصَّحِيحِ.
قَوْلُهُ: (فِي خَمْسٍ) أَيْ: عِلْمُ وَقْتِ السَّاعَةِ دَاخِلٌ فِي جُمْلَةِ خَمْسٍ. وَحَذْفُ مُتَعَلَّقِ الْجَارِّ سَائِغٌ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ أَيْ: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي جُمْلَةِ تِسْعِ آيَاتٍ، وَفِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ: قَالَ فَمَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: هِيَ فِي خَمْسٍ مِنَ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَا مَطْمَعَ لِأَحَدٍ فِي عِلْمِ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الْخَمْسَةِ لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ فَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ﴾
بِهَذِهِ الْخَمْسِ، وهو فِي الصَّحِيحِ. قَالَ: فَمَنِ ادَّعَى عِلْمَ شَيْءٍ مِنْهَا غَيْرَ مُسْنَدَةٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ كَاذِبًا فِي دَعْوَاهُ. قَالَ: وَأَمَّا ظَنُّ الْغَيْبِ فَقَدْ يَجُوزُ مِنَ الْمُنَجِّمِ وَغَيْرِهِ إِذَا كَانَ عَنْ أَمْرٍ عَادِيٍّ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِعِلْمٍ. وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَحْرِيمِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ وَالْجُعْلِ وَإِعْطَائِهَا فِي ذَلِكَ، وَجَاءَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أُوتِيَ نَبِيُّكُمْ ﷺ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ سِوَى هَذِهِ الْخَمْسِ. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا نَحْوُهُ أَخْرَجَهُمَا أَحْمَدُ، وَأَخْرَجَ حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ ذَكَرَ الْعِلْمَ بِوَقْتِ الْكُسُوفِ قَبْلَ ظُهُورِهِ فَأُنْكِرَ عَلَيْهِ فَقَالَ: إِنَّمَا الْغَيْبُ خَمْسٌ - وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ - وَمَا عَدَا ذَلِكَ غَيْبٌ يَعْلَمُهُ قَوْمٌ وَيَجْهَلُهُ قَوْمٌ.
(تَنْبِيهٌ): تَضَمَّنَ الْجَوَابُ زِيَادَةً عَلَى السُّؤَالِ لِلِاهْتِمَامِ بِذَلِكَ إِرْشَادًا لِلْأُمَّةِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ. فَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ فِي الْآيَة أَدَاةُ حَصْرٍ كَمَا فِي الْحَدِيثِ، أَجَابَ الطِّيبِيُّ بِأَنَّ الْفِعْلَ إِذَا كَانَ عَظِيمَ الْخَطَرِ وَمَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ الْفِعْلُ رَفِيعُ الشَّأْنِ فُهِمَ مِنْهُ الْحَصْرُ عَلَى سَبِيلِ الْكِنَايَةِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا لُوحِظَ مَا ذُكِرَ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ مِنْ أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَدَّعُونَ عِلْمَ نُزُولِ الْغَيْثِ. فَيُشْعِرُ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَةِ نَفْيُ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ وَاخْتِصَاصُهُ بِاللَّهِ ﷾.
(فَائِدَةٌ): النُّكْتَةُ فِي الْعُدُولِ عَنِ الْإِثْبَاتِ إِلَى النَّفْيِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ وَكَذَا التَّعْبِيرُ بِالدِّرَايَةِ دُونَ الْعِلْمِ لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّعْمِيمِ، إِذِ الدِّرَايَةُ اكْتِسَابُ عِلْمِ الشَّيْءِ بِحِيلَةٍ، فَإِذَا انْتَفَى ذَلِكَ عَنْ كُلِّ نَفْسٍ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ مُخْتَصَّاتِهَا وَلَمْ تَقَعْ مِنْهُ عَلَى عِلْمٍ كَانَ عَدَمُ اطِّلَاعِهَا عَلَى عِلْمِ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ بَابِ أَوْلَى. اهـ مُلَخَّصًا مِنْ كَلَامِ الطِّيبِيِّ.
قَوْلُهُ: (الْآيَةَ) أَيْ: تَلَا الْآيَةَ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ. وَلِمُسْلِمٍ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿خَبِيرٌ﴾ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ. وَأَمَّا مَا وَقَعَ عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ قَوْلِهِ إِلَى الْأَرْحَامِ فَهُوَ تَقْصِيرٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَالسِّيَاقُ يُرْشِدُ إِلَى أَنَّهُ تَلَا الْآيَةَ كُلَّهَا.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَدْبَرَ فَقَالَ: رُدُّوهُ) زَادَ فِي التَّفْسِيرِ: فَأَخَذُوا لِيَرُدُّوهُ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا. فِيهِ أَنَّ الْمَلَكَ يَجُوزُ أَنْ يَتَمَثَّلَ لِغَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَيَرَاهُ وَيَتَكَلَّمُ بِحَضْرَتِهِ، وهو يَسْمَعُ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ كَلَامَ الْمَلَائِكَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ) فِي التَّفْسِيرِ لِيُعَلِّمَ وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ: أَرَادَ أَنْ تَعْلَمُوا إِذَا لَمْ تَسْأَلُوا وَمِثْلُهُ لِعُمَارَةَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ: وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ مَا كُنْتُ بِأَعْلَمَ بِهِ مِنْ رَجُلٍ مِنْكُمْ، وَإِنَّهُ لَجِبْرِيلُ وَفِي حَدِيثِ أَبِي عَامِرٍ: ثُمَّ وَلَّى فَلَمَّا لَمْ نَرَ طَرِيقَهُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: سُبْحَانَ اللَّهُ، هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا جَاءَنِي قَطُّ وإِلَّا وَأَنَا أَعْرِفُهُ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمَرَّةُ، وَفِي رِوَايَةِ التَّيْمِيِّ: ثُمَّ نَهَضَ فَوَلَّى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عَلَيَّ بِالرَّجُلِ، فَطَلَبْنَاهُ كُلَّ مَطْلَبٍ فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ. فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَنْ هَذَا؟ هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ لِيُعَلِّمَكُمْ دِينَكُمْ، خُذُوا عَنْهُ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا شُبِّهَ عَلَيَّ مُنْذُ أَتَانِي قَبْلَ مَرَّتِي هَذِهِ، وَمَا عَرَفْتُهُ حَتَّى وَلَّى. قَالَ ابْنُ حِبَّانَ تَفَرَّدَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ بِقَوْلِهِ خُذُوا عَنْهُ. قُلْتُ: وهو مِنَ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ، وَفِي قَوْلِهِ جَاءَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ إِشَارَةٌ إِلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ، فَمَا تَفَرَّدَ إِلَّا بِالتَّصْرِيحِ، وَإِسْنَادُ التَّعْلِيمِ إِلَى جِبْرِيلَ مَجَازِيٌّ ; لِأَنَّهُ كَانَ السَّبَبَ فِي الْجَوَابِ، فَلِذَلِكَ أَمَرَ بِالْأَخْذِ عَنْهُ. وَاتَّفَقَتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَ الصَّحَابَةَ بِشَأْنِهِ بَعْدَ أَنِ الْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ.
وَأَمَّا مَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ فِي رِوَايَةِ كَهْمَسٍ: ثُمَّ انْطَلَقَ، قَالَ عُمَرُ: فَلَبِثْتُ مَلِيًّا ثُمَّ قَالَ: يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ ; فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ بِأَنَّ قَوْلَهُ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا أَيْ: زَمَانًا بَعْدَ انْصِرَافِهِ، فَكَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْلَمَهُمْ بِذَلِكَ بَعْدَ مُضِيِّ وَقْتٍ، وَلَكِنَّهُ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ. لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا الْجَمْعِ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ، وَالتِّرْمِذِيِّ: فَلَبِثْتُ ثَلَاثًا لَكِنِ ادَّعَى بَعْضُهُمْ فِيهَا التَّصْحِيفَ، وَأَنَّ مَلِيًّا صُغِّرَتْ مِيمُهَا فَأَشْبَهَتْ ثَلَاثًا لِأَنَّهَا تُكْتَبُ بِلَا أَلِفٍ، وَهَذِهِ الدَّعْوَى مَرْدُودَةٌ، فَإِنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٥٠ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سهمٍ، وأمُّه عُلَيَّة؛ بضمِّ العين المُهمَلَة وفتح اللَّام وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ) -بفتح الحاء المُهمَلَة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة- يحيى بن سعيد بن حيَّان (١) (التَّيْمِيُّ) نسبةً إلى تيم الرِّباب الكوفيُّ (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هرم بن عمرو بن جرير البجليِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ) وفي روايةٍ: «رسول الله» (ﷺ بَارِزًا) أي: ظاهرًا (يَوْمًا لِلنَّاسِ) غير محتجبٍ عنهم، و «يومًا» نُصِبَ على الظَّرفيَّة (فَأَتَاهُ رَجُلٌ) أي: مَلَكٌ في صورة رجلٍ، وهي (٢) رواية الأربعة، وفي روايةٍ في أصل متن فرع «اليونينيَّة» كهي، «جبريل» (فَقَالَ) بعد أن سَلَّم: يا محمَّد، كما في «مسلمٍ»، وإنَّما ناداه باسمه كما يناديه الأعراب تعميةً بحاله، أو لأنَّ له دالَّة المعلِّم: (مَا الإِيمَانُ؟) أي: ما مُتعلَّقاتُه؟ (قَالَ) ﷺ: (الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ) أي: تصدِّق بوجوده، وبصفاته الواجبة له تعالى، وقد وقع
السُّؤال بـ «ما» ولا يُسأَل بها إلَّا عنِ الماهيَّة، لكنَّ الظَّاهر أنَّه ﵊ علم أنَّه سأله عن متعلَّقات الإيمان لا عن حقيقته، وإِلَّا فكان الجواب: الإيمانُ: التَّصديقُ، وإنَّما فسَّر الإيمان بذلك؛ لأنَّ المُرَاد من المحدود الإيمان الشَّرعيُّ، ومن الحدِّ اللُّغويُّ، حتَّى لا يلزم تفسير الشَّيء بنفسه، وحَمَلَهُ الأُبِّيُّ على الحقيقة، معلِّلًا بأنَّ السُّؤال بـ «ما» بحسب الخصوصيَّة إنَّما يكون عن الحقيقة لا عن الحكم، وعلى هذا فقوله: «أن تؤمن … » إلى آخره؛ من حيث إنه جواب السُّؤال المذكور يتعيَّن أن يكون حدًّا؛ لأنَّ المقول في جوابه إنَّما هو الحدُّ، فإن قلت: لو كان حدًّا لم يَقُلْ جبريل ﵇ في جوابه: «صدقتَ»، كما في «مسلمٍ» لأنَّ الحدَّ لا يقبل التَّصديق، أُجِيب: بأنَّه إذا قِيلَ في الإنسان: إنَّه حيوانٌ ناطقٌ، وقُصِدَ به التَّعريف؛ فهو لا يقبل التَّصديق كما ذكرت، وإن قُصِدَ به أنَّه الذَّات المحكوم عليها بالحيوانيَّة والنَّاطقيَّة فهو دعوى وخبر (١) فيقبل التَّصديق، فلعلَّ جبريلَ ﵊ راعى هذا المعنى؛ فلذلك قال: «صدقتَ»، أو يكون قوله: «صدقت» تسليمًا، والحدُّ يقبل التَّسليم، ولا يقبل المنع لأنَّ المنع طلب الدَّليل، والدَّليل إنَّما يتوجَّه للخبر، والحدُّ تفسيرٌ لا خبرٌ، قاله أبو عبد الله الأُبِّيُّ (٢)، وأعاد لفظ «الإيمان» للاعتناء بشأنه وتفخيمًا لأمره (وَمَلَائِكَتِهِ) جمع مَلَكٍ، وأصله: مَلْأَكٌ «مَفْعَلٌ» مِنَ: الألوكة؛ بمعنى: الرِّسالة، زِيدَت فيه «التَّاء» لتأكيد معنى الجمع، أو لتأنيث الجمع، وهم
أجسامٌ (١) علويَّةٌ نورانيَّةٌ مُشكَّلةٌ بما شاءت من الأشكال، والإيمان بهم هو التَّصديق بوجودهم، وأنَّهم كما وصفهم الله تعالى: ﴿عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] أي: وأن تؤمن بملائكته (وَ) أن تؤمن (بِلِقَائِهِ) أي: برؤيته تعالى في الآخرة، كما قال الخطَّابيُّ، وتعقَّبه النَّوويُّ: بأنَّ أحدًا لا يقطع لنفسه بها؛ إذ هي مختصَّةٌ بمن مات مؤمنًا، والمرء لا يدري بِمَ يُختَم له؟ وأُجِيب: بأنَّ المُرَاد أنَّها حقٌّ في نفس الأمر، أو المُرَاد الانتقال من دار الدُّنيا (وَ) أن تؤمن (بِرُسُلِهِ) عليهم الصلاة والسلام، وفي رواية غير الأَصيليِّ: «ورسله» بإسقاط المُوحَّدة، أي: التَّصديق بأنَّهم صادقون فيما أخبروا به عن الله تعالى، وتأخيرهم في الذِّكر لتأخُّر إيجادهم لا لأفضليَّة الملائكة، وفي هامش فرع «اليونينيَّة» كهي زيادة: «وكتبه» للأَصيليِّ بإسقاط المُوحَّدة، أي: تصدِّق (٢) بأنَّها كلام الله تعالى، وأنَّ ما اشتملت عليه حقٌّ (وَ) أن (تُؤْمِنَ) أي: تصدِّق (بِالبَعْثِ) من القبور وما بعده؛ كالصِّراط والميزان، والجنَّة والنَّار، أو المُرَاد بعثة الأنبياء، وقد قِيلَ: إنَّ قوله: «وبلقائه» مُكرَّرةٌ لأنَّها داخلةٌ في الإيمان بالبعث، وتغايرُ تفسيرهما يحقِّق أنَّها ليست مُكرَّرةً، وإنما أعاد «تؤمن» لأنَّه إيمانٌ بما سيُوجَد، وما سبق إيمانٌ بالموجود في الحال، فهما نوعان، ثمَّ (قَالَ) أي: جبريل: يا رسول الله (مَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ) ﷺ: (الإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ) أي: تطيعه مع خضوعٍ وتذلُّلٍ، أو تنطق بالشَّهادتين (وَلَا تُشْرِكَ بِهِ) بالفتح، وفي نسخة كريمة: «ولا تشركُ» بالضَّمِّ، زاد الأَصيليُّ: «شيئًا» (وَ) أن (تُقِيمَ) أي: تديمَ (الصَّلَاةَ) المكتوبة؛ كما صرَّح به في «مسلمٍ» (٣)، أو تأتيَ بها على ما ينبغي، وهو وتاليه من عطف الخاصِّ على العامِّ (وَ) أن (تُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ) قيَّد بها احترازًا من صدقة التَّطوُّع؛ فإنَّها زكاةٌ لغويَّةٌ، أو من
المُعجَّلة، أو لأنَّ العرب كانت تدفع المال للسَّخاء والجود، فنبَّه بالفرض على رفض ما كانوا عليه، قال الزَّركشيُّ: والظَّاهر أنَّها للتَّأكيد، وفي رواية مسلمٍ (١): «تقيم الصَّلاة المكتوبة، وتؤتي الزَّكاة المفروضة» (وَتَصُومَ رَمَضَانَ) ولم يذكر الحجَّ؛ إمَّا ذهولًا أو نسيانًا من الرَّاوي، ويدلُّ له مجيئه في رواية كَهْمَس: «وتحجَّ البيت إنِ استطعتَ إليه سبيلًا»، وقِيلَ: لأنَّه لم يكن فُرِضَ، ودُفِعَ بأنَّ في رواية ابن منده بسندٍ على شرط مسلمٍ: أنَّ الرَّجل جاء في آخر عمره ﷺ، ولم يذكر «الصَّوم» في رواية عطاء الخراسانيِّ، واقتصر في حديث أبي عامرٍ على «الصَّلاة والزَّكاة»، ولم يزد في حديث ابن عبَّاسٍ على «الشَّهادتين»، وزاد سليمان التَّيميُّ بعد ذكر الجميع: الحجَّ والاعتمار، والاغتسال من الجنابة، وإتمام الوضوء، وقد وقع هنا التَّفريق بين الإيمان والإسلام، فجعل الإيمان عمل القلب، والإسلام عمل الجوارح، فالإيمان لغةً: التَّصديق مُطلَقًا، وفي الشَّرع: التَّصديق والنُّطق معًا، فأحدهما ليس بإيمانٍ، أمَّا التَّصديق فإنَّه لا ينجِّي وحده من النَّار، وأمَّا النُّطق فهو وحده نِفَاقٌ، فتفسيره في الحديث «الإيمان» بالتَّصديق و «الإسلام» بالعمل إنَّما فسَّر به إيمان القلب والإسلام في (٢) الظَّاهر، لا الإيمان الشَّرعيَّ والإسلام الشَّرعيَّ، والمؤلِّف يرى أنَّهما والدِّين عباراتٌ عن واحدٍ، والمتَّضح أنَّ محلَّ الخلاف إذا أُفْرِدَ لفظُ أحدِهما، فإنِ اجتمعا تغايرا، كما وقع هنا، ثمَّ (قَالَ) جبريل: يا رسول الله (مَا الإِحْسَانُ؟) مبتدأٌ وخبرٌ، و «ال» للعهد، أي: ما الإحسان المتكرِّر في القرآن المترتِّب عليه الثَّواب؟ (قَالَ) رسول الله ﷺ مُجِيبًا له: الإحسان: (أَنْ تَعْبُدَ اللهَ) أي: عبادتُك اللهَ تعالى حال كونك في عبادتك له (كَأَنَّكَ تَرَاهُ) أي: مثل حال كونك رائيًا له (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ) ﷾ فاستمِرَّ على إحسان العبادة (فَإِنَّهُ) ﷿ (يَرَاكَ) دائمًا، والإحسان: الإخلاص، أو إجادة العمل، وهذا من جوامع كَلِمِهِ ﵊؛ إذ هو شاملٌ لمَقام المُشاهَدَة ومقام المُراقَبَة، ويتَّضح لك
ذلك بأن تعرف أنَّ للعبد في عبادته ثلاثَ مقاماتٍ:
الأوَّل: أن يفعلها على الوجه الذي تسقط معه وظيفة التَّكليف؛ باستيفاء الشَّرائط والأركان.
الثَّاني: أن يفعلها كذلك وقد استغرق في بحار المُكاشَفَة، حتَّى كأنَّه يرى الله تعالى، وهذا مقامه ﷺ؛ كما قال: «وجُعِلَتْ قُرَّةُ عيني في الصَّلاة»؛ لحصول الاستلذاذ بالطَّاعة، والرَّاحة بالعبادة، وانسداد مسالك الالتفات إلى الغير باستيلاء أنوار الكشف عليه؛ وهو ثمرة امتلاء زوايا القلب من المحبوب، واشتغال السِّرِّ به، ونتيجته: نسيان الأحوال من المعلوم (١)، واضمحلال الرُّسوم.
الثَّالث: أن يفعلها وقد غلب عليه أنَّ الله تعالى يشاهده، وهذا هو مقام المُراقَبَة (٢).
فقوله: «فإن لم تكن تراه» نزولٌ عن مقام المُكاشَفَة إلى مقام المُراقَبَة، أي: إن لم تعبده وأنت من أهل الرُّؤية المعنويَّة فاعبده وأنت بحيث إنَّه يراك، وكلٌّ من المقامات الثَّلاثة إحسانٌ، إلَّا أنَّ الإحسان الذي هو شرطٌ في صحَّة العبادة إنَّما هو الأوَّل؛ لأنَّ الإحسان بالأخيرين (٣) من صفة الخواصِّ، ويتعذَّر من كثيرين، وإنَّما أخَّر السُّؤال عن الإحسان لأنَّه صفة الفعل، أو شرطٌ في صحَّته، والصِّفة بعد الموصوف، وبيان الشَّرط متأخِّرٌ عن المشروط، قاله أبو عبد الله الأُبِّيُّ، ثمَّ (قَالَ) جبريل: يا رسول الله (٤) (مَتَى) تقوم (السَّاعَةُ؟) اللَّام للعهد، والمُرَاد: يوم القيامة (قَالَ: مَا) أي: ليس (المَسْؤُولُ) زاد في رواية أبي ذَرٍّ: «عنها» (بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ) بزيادة «المُوحَّدة» في «أعلم» لتأكيد (٥) معنى النَّفيِ، والمُرَاد نفيُ علمِ وقتها لأنَّ عِلْمَ مجيئِها مقطوعٌ به، فهو علمٌ مُشتَرَكٌ، وهذا وإن أشعر بالتَّساوي في العلم إلَّا أنَّ المُرَاد التَّساوي في العلم
بأنَّ الله استأثر بعلم وقت مجيئها؛ لقوله بعد: «خمسٌ لا يعلمهنَّ إلَّا الله»، وليس السُّؤال عنها ليَعْلم الحاضرون كالأسئلة السَّابقة، بل لينزجروا عن السُّؤال عنها، كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأحزاب: ٦٣] فلمَّا وقع الجواب بأنَّه لا يعلمها إلَّا الله تعالى كفُّوا، وهذا السُّؤال والجواب وقعا بين عيسى ابن مريم وجبريل ﵉ كما في «نوادر الحميديِّ»، لكن كان عيسى هو السَّائل، وجبريل هو المسؤول، ولفظه: حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا مالك بن مِغْوَلٍ، عن إسماعيل بن رجاء، عن الشَّعبيِّ قال: سأل عيسى ابن مريم جبريلَ عنِ السَّاعة قال: ما المسؤولُ عنها بأعلمَ من السَّائل (وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا) بفتح الهمزة، جمع شَرَطٍ بالتَّحريك، أي: علاماتها السَّابقة عليها، أو مقدِّماتها لا المقارنة لها؛ وهي: (إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ) أي: وقت ولادة الأمة (رَبَّهَا) أي: مالكها وسيِّدها، وهو هنا كنايةٌ عن كثرة أولاد السَّراري، حتَّى تصير الأمُّ كأنَّها أَمَةٌ لابنها؛ من حيث إنَّها ملكٌ لأبيه، أو أنَّ الإماء يلدن الملوك، فتصير الأمُّ من جملة الرَّعايا، والمَلِك سيِّد رعيَّته، أو كنايةٌ عن فساد الحال لكثرة بيع أمَّهات الأولاد، فيتداولهنَّ المُلَّاك، فيشتري الرَّجل أمَّه وهو لا يشعر، أو هو كنايةٌ عن كثرة العقوق بأن يعامل الولد أمَّه مُعامَلَة السَّيِّد أَمَتَهُ في الإهانة بالسَّبِّ والضَّرب والاستخدام، فأطلق عليه «ربَّها» مجازًا لذلك، وعُورِضَ بأنَّه لا وجه لتخصيص ذلك بولد الأَمَة إلَّا أن يُقَال: إنَّه أقرب إلى العقوق، وعند المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦٤٧٧٧]: «ربَّتها» بتاء التَّأنيث على معنى النَّسمة؛ ليشمل الذَّكر والأنثى، وقِيلَ: كراهة أن يقول: «ربَّها» تعظيمًا للفظ الرَّبِّ تعالى، وعبَّر بـ «إذا» الدَّالَّة على الجزم لأنَّ الشَّرط
مُحقَّق الوقوع، ولم يعبِّر بـ «إن» لأنَّه لا يصحُّ أن يُقَال: إن قامت القيامة كان كذا، بل يرتكب قائله محظورًا لأنَّه يُشْعِرُ بالشك فيه (وَ) من أشراط السَّاعة: (إِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ) بضمِّ الرَّاء (البُهْمُ فِي البُنْيَانِ) أي: وقت تفاخر أهل البادية بإطالة البنيان، وتكاثرهم به (١) باستيلائهم على الأمر، وتملُّكهم البلاد بالقهر، المقتضي لتبسُّطهم في الدُّنيا؛ فهو عبارةٌ عن ارتفاع الأسافل؛ كالعبيد والسَّفلة من الجمَّالين وغيرهم، وما أحسن قول القائل:
إذا التحقَ الأسافلُ بالأعالي … فقد طابتْ منادمةُ المنايا
وفيه: إشارةٌ إلى اتِّساع دين الإسلام، كما أنَّ الأوَّل فيه اتِّساعُ الإسلام، واستيلاء أهله على بلاد الكفر، وسبيُ ذراريهم، قال البيضاويُّ: لأنَّ بلوغَ الأمرِ الغايةَ مُنْذِرٌ بالتَّراجع المُؤْذِنِ بأن القيامة ستقوم؛ كما قِيلَ:
وعند التَّناهي يقصرُ المتطاولُ
والبُهمُ: -بضمِّ المُوحَّدة- جمع الأبهم؛ وهو الذي لاشِيَةَ له، أو جمع بهيمٍ؛ وهي رواية أبي ذرٍّ وغيره، ورُوِيَ عن الأَصيليِّ: الضَّمُّ والفتحُ، وكذا ضبطه القابسيُّ بالفتح أيضًا، ولا وجه له؛ لأنَّها صغار الضَّأن والمعز، وفي الميم الرَّفع نعتًا لـ «الرعاة» أي: السُّود، أوِ (٢)
المجهولون الذين لا يُعرَفُون، والجرُّ صفةً لـ «الإبل» أي: رعاة الإبل البهمِ (١) السُّود، وقد عدَّ في الحديث من الأشراط علامتين، والجمع يقتضي ثلاثةً؛ فإمَّا أن يكون على أنَّ أقلَّ الجمع اثنان، أو أنَّه اكتفى باثنين لحصول المقصود بهما في علم أشراط السَّاعة، وعلم وقتها داخلٌ (فِي) جملة (خَمْسٍ) من الغيب (لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا الله، ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ ﷺ: ﴿إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]) أي: علم وقتها، وللأَصيليِّ: «﴿وَيُنَزِّلُ﴾ … » (الآيَةَ) بالنَّصبِ بتقدير: «اقرأ»، وبالرَّفع مبتدأ خبره محذوفٌ، أي: الآيةُ مقروءةٌ إلى آخر السُّورة، ولمسلمٍ: إلى قوله: ﴿خَبِيرٌ﴾ وكذا في رواية أبي فَرْوة، والسِّياق يرشد إلى أنَّه تلا الآية كلَّها، وسقط في رواية قوله «الآية» (٢) والجارُّ متعلِّقٌ بمحذوفٍ كما قدَّرته، فهو على حدِّ قوله تعالى: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ [النمل: ١٢] أي: اذهب إلى فرعون بهذه الآية في جملة تسع آياتٍ، وتمام الآية السَّابقة: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ أي: في أوانه المُقدَّر له، والمحلِّ المُعيَّن له ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ أذكرًا أم أنثى، تامًّا أم ناقصًا؟ ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ من خيرٍ أو شرٍّ، وربَّما يعزم على شيءٍ ويفعل خلافه ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ أي: كما لا تدري في أيِّ وقتٍ تموت، قال القرطبيُّ: لا مطمع لأحدٍ في علم شيءٍ من هذه الأمور الخمسة لهذا الحديث، فَمَنِ ادَّعى علم شيءٍ منها غير مستندٍ إلى الرَّسول ﷺ كان كاذبًا في دعواه.
(ثُمَّ أَدْبَرَ) الرَّجل السَّائل (فَقَالَ) رسول الله ﷺ: (رُدُّوهُ) فأخذوا ليردُّوه (فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا) لا عينه ولا أثره، قال ابن بَزِيْزَة: ولعلَّ قوله: «رُدُّوه عليَّ» إيقاظٌ للصَّحابة ليتفطَّنوا إلى أنَّه
مَلَكٌ لا بشرٌ (فَقَالَ) ﷺ: (هَذَا) ولكريمة: «إنَّ هذا» (جِبْرِيلُ) ﵇ (جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ) أي: قواعد دينهم، وهي جملةٌ وقعت حالًا مُقدَّرةً لأنَّه لم يكن مُعلِّمًا وقت المجيء، وأَسْنَدَ التَّعليمَ إليه -وإن كان سائلًا- لأنَّه لمَّا كان السَّبب فيه أسنده إليه، أو أنَّه كان من غرضه، وللإسماعيليِّ: «أراد أن تَعلَّموا إذ لم تسألوا»، وفي حديث أبي عامرٍ: «والَّذي نفسُ محمَّدٍ بيده؛ ما جاءني قطُّ إلَّا وأنا أعرفه، إلَّا أن تكون هذه المرَّة»، وفي رواية سليمانَ التَّيميِّ: «ما شُبِّهَ عليَّ منذ أتاني قبل مرَّتي هذه، وما عرفته حتَّى ولَّى».
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ رحمه الله تعالى: (جَعَلَ) النَّبيُّ ﷺ (ذَلِكَ) المذكور في هذا الحديث (كُلَّهُ مِنَ الإِيمَانِ) أي: الكامل المشتمل على هذه الأمور كلِّها، وفي هذا الحديث: بيان عِظَمِ الإخلاص والمُرَاقَبَة، وفيه: أنَّ العالِمَ إذا سُئِلَ عمَّا لا يعلمه يقول: لا أدري، ولا يُنْقِصُ ذلك من جلالته، بل يدلُّ على ورعه وتقواه ووفور علمه، وأنَّه يسأل العالِمَ لِيعلمَ السَّامعون، ويحتمل أنَّ في سؤال جبريلَ النَّبيَّ ﷺ في حضور الصَّحابة أنَّه يريد أنْ يُرِيَهم أنَّه ﵊ مليءٌ من العلوم، وأنَّ علمه مأخوذٌ من الوحيِ، فتزيد رغبتهم ونشاطهم فيه، وهو المعنيُّ بقوله: «جاء يعلِّم النَّاس دينَهم»، وأنَّ الملائكة تَمثَّلُ بأيِّ صورةٍ شاؤوا من صور بني آدم، وأخرجه المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦٤٧٧٧] وفي «الزَّكاة» مُختصرًا [خ¦١٣٩٧]، ومسلمٌ في «الإيمان»، وابن ماجه في «السُّنَّة» بتمامه، وفي «الفتن» ببعضه، وأبو داود في «السُّنَّة»، والنَّسائيُّ في «الإيمان»، وكذا التِّرمذيُّ، وأحمد في «مُسنَده»، والبزَّار بإسنادٍ حسنٍ، وأبو عوانة في «صحيحه»، وأخرجه مسلمٌ أيضًا عن عمر بن الخطَّاب، ولم يخرجه البخاريُّ لاختلافٍ فيه على بعض رواته، وبالجملة: فهو حديثٌ جليلٌ، حتَّى قال القرطبيُّ: يصلح أن يُقَال له: أمُّ السُّنَّة لِمَا تضمَّنه من جُمَلِ علمها، وقال عياضٌ إنَّه اشتمل على جميع وظائف العبادات الظَّاهرة والباطنة من عقود الإيمان، ابتداءً وحالًا ومآلًا، ومن أعمال الجوارح، ومن إخلاص السَّرائر، والتَّحفُّظ من آفات الأعمال، حتَّى إنَّ علوم الشَّريعة كلَّها راجعةٌ إليه ومتشعِّبةٌ منه. انتهى.
(٣٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، مع سقوط التَّرجمة لأبي الوقت وكريمة، وسقط ذلك للأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ وابن عساكر، ورجَّح النَّوويُّ الأوَّل بأنَّ الحديث التَّالي لا تعلُّق له بالتَّرجمة السَّابقة، وأُجِيب: بأنَّه يتعلَّق بها من جهة اشتراكهما في جعل الإيمان دِينًا، لكن استُشكِل من جهة الاستدلال بقول هِرَقْلَ مع كونه غير مؤمنٍ، وأُجِيب: بأنَّ هِرَقْلَ لم يَقُلْهُ من قِبَلِ رأيه، إنَّما رواه عن الكتب السَّالفة (١)، وفي شرعهم كان الإيمان دينًا، وشرعُ مَنْ قَبْلَنا شَرْعٌ (٢) لنا ما لم يرد ناسخٌ، وتداولته الصَّحابة.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْعَرَبِيِّ بِأَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ تَحْصُلُ بِمَا لَمْ يُقْصَدْ فِي الثَّانِي إِذَا قُصِدَ فِي الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ مُرَاعَاةَ الْقَصْدِ إِنَّمَا هُوَ فِي الْأَوَّلِ ثُمَّ يَسْتَرْسِلُ حُكْمُ النِّيَّةِ الْأُولَى عَلَى مُؤْتَنَفِ الْعَمَلِ، وَإِنْ عَزَبَ الْقَصْدُ خَيْرًا كَانَ أَوْ شَرًّا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا) أَيْ: وَإِنْ كَانَ عَدَمُ الرَّفْعِ أَزْيَدَ خَيْرًا وَأَوْلَى مِنْهُ ; لِأَنَّهُ مُتَحَقِّقٌ فِيهِ، لَكِنْ فِي الرَّفْعِ خَيْرٌ مَرْجُوٌّ لِاسْتِلْزَامِهِ مَزِيدَ الثَّوَابِ ; لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِزِيَادَةِ الِاجْتِهَادِ فِي الْتِمَاسِهَا، وَإِنَّمَا حَصَلَ ذَلِكَ بِبَرَكَةِ الرَّسُولِ ﷺ.
قَوْلُهُ: (فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ) كَذَا فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ بِتَقْدِيمِ السَّبْعِ الَّتِي أَوَّلُهَا السِّينُ عَلَى التِّسْعِ، فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ رَجَاءَهَا فِي السَّبْعِ أَقْوَى لِلِاهْتِمَامِ بِتَقْدِيمِهِ. وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ بِتَقْدِيمِ التِّسْعِ عَلَى تَرْتِيبِ التَّدَلِّي. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالتِّسْعِ وَغَيْرِهَا فَقِيلَ لِتِسْعٍ يَمْضِينَ مِنَ الْعَشْرِ، وَقِيلَ لِتِسْعٍ يَبْقَيْنَ مِنَ الشَّهْرِ، وَسَنَذْكُرُ بَسْطَ هَذَا فِي مَحَلِّهِ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الِاعْتِكَافِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٣٧ - بَاب سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالْإِحْسَانِ وَعِلْمِ السَّاعَةِ وَبَيَانِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ ثُمَّ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ، فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا، وَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ مِنْ الْإِيمَانِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾
٥٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قال: حدثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ فَأَتَاهُ رجل فَقال: ما الْإِيمَانُ؟ قَالَ: الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ قال: ما الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: الْإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ قال: ما الْإِحْسَانُ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قال: ما الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ، وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: إِذَا وَلَدَتْ الْأَمَةُ رَبَّهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الْإِبِلِ الْبُهْمُ فِي الْبُنْيَانِ فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ ﷺ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الْآيَةَ، ثُمَّ أَدْبَرَ فَقَالَ: رُدُّوهُ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا فَقال: هذا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ، قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: جَعَلَ ذَلِك كُلَّهُ مِنْ الْإِيمَانِ.
[الحديث ٥٠ - طرفه في: ٤٧٧٧]
قَوْلُهُ: (بَابُ سُؤَالِ جِبْرِيلَ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ إِلَخْ) تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ يَرَى أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ عِبَارَةٌ عَنْ مَعْنًى وَاحِدٍ، فَلَمَّا كَانَ ظَاهِرُ سُؤَالِ جِبْرِيلَ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَجَوَابُهُ يَقْتَضِي تَغَايُرَهُمَا، وَأَنَّ الْإِيمَانَ تَصْدِيقٌ بِأُمُورٍ مَخْصُوصَةٍ، وَالْإِسْلَامَ إِظْهَارُ أَعْمَالٍ مَخْصُوصَةٍ، أَرَادَ أَنْ يَرُدَّ ذَلِكَ بِالتَّأْوِيلِ إِلَى طَرِيقَتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَبَيَانِ) أَيْ: مَعَ بَيَانِ أَنَّ الِاعْتِقَادَ وَالْعَمَلَ دِينٌ، وَقَوْلُهُ: وَمَا بَيَّنَ أَيْ: مَعَ مَا بَيَّنَ لِلْوَفْدِ أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْإِسْلَامُ حَيْثُ فَسَّرَهُ فِي قِصَّتِهِمْ بِمَا فَسَّرَ بِهِ الْإِسْلَامَ هُنَا، وَقَوْلُهُ: وَقَوْلُ اللَّهِ أَيْ: مَعَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ أَنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ الدِّينُ، وَدَلَّ عَلَيْهِ خَبَرُ أَبِي سُفْيَانَ: أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الدِّينُ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الْإِسْلَامَ وَالْإِيمَانَ أَمْرٌ وَاحِدٌ. هَذَا مُحَصَّلُ كَلَامِهِ، وَقَدْ نَقَلَ أَبُو عَوَانَةَ الْإسْفَرَايِينِيُّ
فِي صَحِيحِهِ عَنِ الْمُزَنِيِّ صَاحِبِ الشَّافِعِيِّ الْجَزْمَ بِأَنَّهُمَا عِبَارَةٌ عَنْ مَعْنًى وَاحِدٍ، وَأَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ. وَعَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ الْجَزْمَ بِتَغَايُرِهِمَا، وَلِكُلٍّ مِنَ الْقَوْلَيْنِ أَدِلَّةٌ مُتَعَارِضَةٌ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: صَنَّفَ فِي الْمَسْأَلَةِ إِمَامَانِ كَبِيرَانِ، وَأَكْثَرَا مِنَ الْأَدِلَّةِ لِلْقَوْلَيْنِ، وَتَبَايَنَا فِي ذَلِكَ. وَالْحَقُّ أَنَّ بَيْنَهُمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا، فَكُلُّ مُؤْمِنٍ مُسْلِمٌ، وَلَيْسَ كُلُّ مُسْلِمٍ مُؤْمِنًا. انْتَهَى كَلَامُهُ مُلَخَّصًا. وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يُطْلَقُ عَلَى الِاعْتِقَادِ وَالْعَمَلِ مَعًا، بِخِلَافِ الْإِيمَانِ فَإِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِمَا مَعًا. وَيَرِدُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ هُنَا يَتَنَاوَلُ الْعَمَلَ وَالِاعْتِقَادَ مَعًا ; لِأَنَّ الْعَامِلَ غَيْرُ الْمُعْتَقِدِ لَيْسَ بِذِي دِينٍ مَرْضِيٍّ.
وَبِهَذَا اسْتَدَلَّ الْمُزَنِيُّ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ فَقَالَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ جِبْرِيلَ هَذَا: جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْإِسْلَامَ هُنَا اسْمًا لِمَا ظَهَرَ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَالْإِيمَانَ اسْمًا لِمَا بَطَنَ مِنَ الِاعْتِقَادِ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ لَيْسَتْ مِنَ الْإِيمَانِ، وَلَا لِأَنَّ التَّصْدِيقَ لَيْسَ مِنَ الْإِسْلَامِ، بَلْ ذَاكَ تَفْصِيلٌ لِجُمْلَةٍ كُلُّهَا شَيْءٌ وَاحِدٌ وَجِمَاعُهَا الدِّينُ، وَلِهَذَا قَالَ ﷺ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ وَقال ﷾: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ وَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ وَلَا يَكُونُ الدِّينُ فِي مَحَلِّ الرِّضَا وَالْقَبُولِ إِلَّا بِانْضِمَامِ التَّصْدِيقِ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ مَجْمُوعِ الْأَدِلَّةِ أَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً، كَمَا أَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً، لَكِنْ كُلٌّ مِنْهُمَا مُسْتَلْزِمٌ لِلْآخَرِ بِمَعْنَى التَّكْمِيلِ لَهُ، فَكَمَا أَنَّ الْعَامِلَ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا كَامِلًا إِلَّا إِذَا اعْتَقَدَ، فَكَذَلِكَ الْمُعْتَقِدُ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا كَامِلًا إِلَّا إِذَا عَمِلَ، وَحَيْثُ يُطْلَقُ الْإِيمَانُ فِي مَوْضِعِ الْإِسْلَامِ أَوِ الْعَكْسِ، أَوْ يُطْلَقُ أَحَدُهُمَا عَلَى إِرَادَتِهِمَا مَعًا فَهُوَ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ. وَيَتَبَيَّنُ الْمُرَادُ بِالسِّيَاقِ، فَإِنْ وَرَدَا مَعًا فِي مَقَامِ السُّؤَالِ حُمِلَا عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَإِنْ لَمْ يَرِدَا مَعًا أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي مَقَامِ سُؤَالٍ أَمْكَنَ الْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوِ الْمَجَازِ بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ مِنَ الْقَرَائِنِ. وَقَدْ حَكَى ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ قَالُوا: إِنَّهُمَا تَخْتَلِفُ دَلَالَتُهُمَا بِالِاقْتِرَانِ، فَإِنْ أُفْرِدَ أَحَدُهُمَا دَخَلَ الْآخَرُ فِيهِ. وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ مَا حَكَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وَتَبِعَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ الْأَكْثَرِ أَنَّهُمْ سَوَّوْا بَيْنَهُمَا عَلَى مَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَمَا حَكَاهُ اللَّالِكَائِيُّ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا عَلَى مَا فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
قَوْلُهُ: (وَعِلْمِ السَّاعَةِ) تَفْسِيرٌ مِنْهُ لِلْمُرَادِ بِقَوْلِ جِبْرِيلَ فِي السُّؤَالِ مَتَى السَّاعَةُ؟ أَيْ: مَتَى عِلْمُ السَّاعَةِ؟ وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ آخَرَ، أَيْ: مَتَى عِلْمُ وَقْتِ السَّاعَةِ؟
قَوْلُهُ: (وَبَيَانِ النَّبِيِّ ﷺ) هُوَ مَجْرُورٌ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى عِلْمِ الْمَعْطُوفِ عَلَى سُؤَالِ الْمَجْرُورِ بِالْإِضَافَةِ. فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يُبَيِّنِ النَّبِيُّ ﷺ وَقْتَ السَّاعَةِ، فَكَيْفَ قَالَ وَبَيَانِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ. فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَيَانِ بَيَانُ أَكْثَرِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ فَأَطْلَقَهُ ; لِأَنَّ حُكْمَ مُعْظَمِ الشَّيْءِ حُكْمُ كُلِّهِ. أَوْ جَعَلَ الْحُكْمَ فِي عِلْمِ السَّاعَةِ بِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ بَيَانًا لَهُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ الْبَصْرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ عُلَيَّةَ، قال: أخبرنَا أَبُو حَيَّانَ التَّمِيمِيُّ. وَأَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ لُقْمَانَ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ الْمَذْكُورِ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَرِيرٍ أَيْضًا عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ أَيْضًا عَنْ أَبِي فَرْوَةَ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. زَادَ أَبُو فَرْوَةَ: وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ أَيْضًا، وَسَاقَ حَدِيثَهُ عَنْهُمَا جَمِيعًا. وَفِيهِ فَوَائِدُ زَوَائِدُ سَنُشِيرُ إِلَيْهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلَمْ أَرَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ هَذَا عَنْهُ، وَلَمْ يُخَرِّجْهُ الْبُخَارِيُّ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَيَّانَ عَنْهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَفِي سِيَاقِهِ فَوَائِدُ زَوَائِدُ أَيْضًا. وَإِنَّمَا لَمْ يُخَرِّجُهُ الْبُخَارِيُّ لِاخْتِلَافٍ فِيهِ عَلَى بَعْضِ رُوَاتِهِ، فَمَشْهُورُهُ رِوَايَةُ كَهْمَسٍ - بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ قَبْلَهَا مِيمٌ مَفْتُوحَةٌ - ابْنِ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ - بِفَتْحِ الْمِيمِ أَوَّلُهُ يَاءٌ تَحْتَانِيَّةٌ مَفْتُوحَةٌ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عن أبيه عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَوَاهُ عَنْ كَهْمَسٍ جَمَاعَةٌ
مِنَ الْحُفَّاظِ، وَتَابَعَهُ مَطَرٌ الْوَرَّاقُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، وَتَابَعَهُ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، وَكَذَا رَوَاهُ عُثْمَانُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ لَكِنَّهُ قَالَ: عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، وَحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَعًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، زَادَ فِيهِ حُمَيْدًا، وَحُمَيْدٌ لَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ ذِكْرٌ لَا رِوَايَةٌ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ هَذِهِ الطُّرُقَ وَلَمْ يَسُقْ مِنْهَا إِلَّا مَتْنَ الطَّرِيقِ الْأُولَى وَأَحَالَ الْبَاقِيَ عَلَيْهَا، وَبَيْنَهَا اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ سَنُشِيرُ إِلَى بَعْضِهِ، فَأَمَّا رِوَايَةُ مَطَرٍ فَأَخْرَجَهَا أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا رِوَايَةُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ فَأَخْرَجَهَا ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا رِوَايَةُ عُثْمَانَ بْنِ غِيَاثٍ فَأَخْرَجَهَا أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ.
وَقَدْ خَالَفَهُمْ سُلَيْمَانُ بْنُ بُرَيْدَةَ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ فَرَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ ابْنِ عُمَرَ لَا مِنْ رِوَايَتِهِ، عن أبيه. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا. وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، وَكَذَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ. وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَالْبُخَارِيُّ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وَعَنْ جَرِيرٍ الْبَجَلِيِّ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ وَفِي إِسْنَادِهِ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، وهو الْعُمَرِيُّ وَلَا يَصْلُحُ لِلصَّحِيحِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي عَامِرٍ الْأَشْعَرِيِّ أَخْرَجَهُمَا أَحْمَدُ وَإِسْنَادُهُمَا حَسَنٌ. وَفِي كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الطُّرُقِ فَوَائِدُ سَنَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الْبَابِ. وَإِنَّمَا جَمَعْتُ طُرُقَهَا هُنَا وَعَزَوْتُهَا إِلَى مُخَرِّجِيهَا لِتَسْهِيلِ الْحَوَالَةِ عَلَيْهَا فِرَارًا مِنَ التَّكْرَارِ الْمُبَايِنِ لِطَرِيقِ الِاخْتِصَارِ. وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
قَوْلُهُ: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ) أَيْ: ظَاهِرًا لَهُمْ غَيْرَ مُحْتَجِبٍ عَنْهُمْ وَلَا مُلْتَبِسٍ بِغَيْرِهِ، وَالْبُرُوزُ الظُّهُورُ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا بَيَانُ ذَلِكَ، فَإِنَّ أَوَّلَهُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْلِسُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فَيَجِيءُ الْغَرِيبُ فَلَا يَدْرِي أَيُّهُمْ هُوَ، فَطَلَبْنَا إِلَيْهِ أَنْ نَجْعَلَ لَهُ مَجْلِسًا يَعْرِفُهُ الْغَرِيبُ إِذَا أَتَاهُ، قَالَ: فَبَنَيْنَا لَهُ دُكَّانًا مِنْ طِينٍ كَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهِ. انْتَهَى. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْقُرْطُبِيُّ اسْتِحْبَابَ جُلُوسِ الْعَالِمِ بِمَكَانٍ يَخْتَصُّ بِهِ وَيَكُونُ مُرْتَفِعًا إِذَا احْتَاجَ لِذَلِكَ لِضَرُورَةِ تَعْلِيمٍ وَنَحْوِهِ.
قَوْلُهُ: (فَأَتَاهُ رَجُلٌ) أَيْ: مَلَكٌ فِي صُورَةِ رَجُلٍ، وَفِي التَّفْسِيرِ لِلْمُصَنِّفِ: إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ يَمْشِي، وَلِأَبِي فَرْوَةَ: فَإِنَّا لَجُلُوسٌ عِنْدَهُ إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ أَحْسَنُ النَّاسِ وَجْهًا وَأَطْيَبُ النَّاسِ رِيحًا، كَأَنَّ ثِيَابَهُ لَمْ يَمَسَّهَا دَنَسٌ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ كَهْمَسٍ فِي حَدِيثِ عُمَرَ: بَيْنَمَا نَحْنُ ذَاتَ يَوْمٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ سَوَادِ اللِّحْيَةِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ. وَفِي رِوَايَةِ لِسُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ: لَيْسَ عَلَيْهِ سَحْنَاءُ السَّفَرِ، وَلَيْسَ مِنَ الْبَلَدِ، فَتَخَطَّى حَتَّى بَرَكَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا يَجْلِسُ أَحَدُنَا فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رُكْبَتَيِ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي عَامِرٍ الْأَشْعَرِيِّ: ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رُكْبَتَيِ النَّبِيِّ ﷺ.
فَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: عَلَى فَخِذَيْهِ يَعُودُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَبِهِ جَزَمَ الْبَغَوِيُّ، وَإِسْمَاعِيلُ التَّيْمِيُّ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ وَرَجَّحَهُ الطِّيبِيُّ بَحْثًا لِأَنَّهُ نَسَقُ الْكَلَامِ خِلَافًا لِمَا جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ، وَوَافَقَهُ التُّورِبَشْتِيُّ لِأَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّهُ جَلَسَ كَهَيْئَةِ الْمُتَعَلِّمِ بَيْنَ يَدَيْ مَنْ يَتَعَلَّمُ مِنْهُ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا مِنَ السِّيَاقِ لَكِنْ وَضْعُهُ يَدَيْهِ عَلَى فَخِذِ النَّبِيِّ ﷺ صَنِيعٌ مُنَبِّهٌ لِلْإِصْغَاءِ إِلَيْهِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ لِمَا يَنْبَغِي لِلْمَسْئُولِ مِنَ التَّوَاضُعِ وَالصَّفْحِ عَمَّا يَبْدُو مِنْ جَفَاءِ السَّائِلِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ الْمُبَالَغَةَ فِي تَعْمِيَةِ أَمْرِهِ لِيُقَوِّيَ الظَّنَّ بِأَنَّهُ مِنْ جُفَاةِ الْأَعْرَابِ، وَلِهَذَا تَخَطَّى النَّاسَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ كَمَا تَقَدَّمَ. وَلِهَذَا اسْتَغْرَبَ الصَّحَابَةُ صَنِيعَهُ ; وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ، وَجَاءَ مَاشِيًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَثَرُ سَفَرٍ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ عَرَفَ عُمَرُ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْتَنَدَ فِي ذَلِكَ إِلَى ظَنِّهِ، أَوْ إِلَى صَرِيحِ قَوْلِ الْحَاضِرِينَ. قُلْتُ: وَهَذَا الثَّانِي أَوْلَى، فَقَدْ جَاءَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ
عُثْمَانَ بْنِ غِيَاثٍ فَإِنَّ فِيهَا: فَنَظَرَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَقَالُوا: مَا نَعْرِفُ هَذَا. وَأَفَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ سَبَبَ وُرُودِ هَذَا الْحَدِيثِ، فَعِنْدَهُ فِي أَوَّلِهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَلُونِي، فَهَابُوا أَنْ يَسْأَلُوهُ، قَالَ فَجَاءَ رَجُلٌ.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، عَنْ كَهْمَسٍ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ - فَكَأَنَّ أَمْرَهُ لَهُمْ بِسُؤَالِهِ وَقَعَ فِي خُطْبَتِهِ - وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَجِيءَ الرَّجُلِ كَانَ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ وَافَقَ انْقِضَاءَهَا أَوْ كَانَ ذَكَرَ ذَلِكَ الْقَدْرَ جَالِسًا وَعَبَّرَ عَنْهُ الرَّاوِي بِالْخُطْبَةِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ) زَادَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّفْسِيرِ: يا رسول الله، مَا الْإِيمَانُ؟ فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ بَدَأَ بِالسُّؤَالِ قَبْلَ السَّلَامِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُبَالَغَةً فِي التَّعْمِيَةِ لِأَمْرِهِ، أَوْ لِيُبَيِّنَ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ وَاجِبٍ، أَوْ سَلَّمَ فَلَمْ يَنْقُلْهُ الرَّاوِي. قُلْتُ: وَهَذَا الثَّالِثُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ، فَفِيهَا بَعْدَ قَوْلِهِ كَأَنَّ ثِيَابَهُ لَمْ يَمَسَّهَا دَنَسٌ حَتَّى سَلَّمَ مِنْ طَرَفِ الْبِسَاطِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، فَرَدَّ ﵇. قَالَ: أَدْنُو يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: ادْنُ. فَمَا زَالَ يَقُولُ أَدْنُو مِرَارًا وَيَقُولُ لَهُ ادْنُ. وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، لَكِنْ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يا رسول الله. وَفِي رِوَايَةِ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ فَقَالَ: يا رسول الله، أَدْنُو مِنْكَ؟ قَالَ: أدْنُو. وَلَمْ يَذْكُرِ السَّلَامَ. فَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ، هَلْ قَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ أَوْ يا رسول الله؟ هَلْ سَلَّمَ أَوْ لَا؟
فَأَمَّا السَّلَامُ فَمَنْ ذَكَرَهُ مُقَدَّمٌ عَلَى مَنْ سَكَتَ عَنْهُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ وَقال: يا مُحَمَّدُ: إِنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ التَّعْمِيَةَ فَصَنَعَ صَنِيعَ الْأَعْرَابِ. قُلْتُ: وَيُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّهُ بَدَأَ أَوَّلًا بِنِدَائِهِ بِاسْمِهِ لِهَذَا الْمَعْنَى، ثُمَّ خَاطَبَهُ بِقَوْلِهِ يا رسول الله. وَوَقَعَ عِنْدَ الْقُرْطُبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا مُحَمَّدُ، فَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلدَّاخِلِ أَنْ يُعَمِّمَ بِالسَّلَامِ ثُمَّ يُخَصِّصَ مَنْ يُرِيدُ تَخْصِيصَهُ، انْتَهَى. وَالَّذِي وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنَ الرِّوَايَاتِ إِنَّمَا فِيهِ الْإِفْرَادُ، وهو قَوْلُهُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ.
قَوْلُهُ: (مَا الْإِيمَانُ؟) قِيلَ: قَدَّمَ السُّؤَالَ عَنِ الْإِيمَانِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَثَنَّى بِالْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ يُظْهِرُ مِصْدَاقَ الدَّعْوَى، وَثَلَّثَ بِالْإِحْسَانِ لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِمَا. وَفِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ: بَدَأَ بِالْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ بِالْأَمْرِ الظَّاهِرِ، وَثَنَّى بِالْإِيمَانِ لِأَنَّهُ بِالْأَمْرِ الْبَاطِنِ. وَرَجَّحَ هَذَا الطِّيبِيُّ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّرَقِّي. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ فِي تَأْدِيَتِهَا، وَلَيْسَ فِي السِّيَاقِ تَرْتِيبٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ فَإِنَّهُ بَدَأَ بِالْإِسْلَامِ وَثَنَّى بِالْإِحْسَانِ وَثَلَّثَ بِالْإِيمَانِ، فَالْحَقُّ أَنَّ الْوَاقِعَ أَمْرٌ وَاحِدٌ، وَالتَّقْدِ مُ وَالتَّأْخِيرُ وَقَعَ مِنَ الرُّوَاةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ: الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ إِلَخْ) دَلَّ الْجَوَابُ أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ مُتَعَلِّقَاتِهِ لَا عَنْ مَعْنَى لَفْظِهِ، وَإِلَّا لَكَانَ الْجَوَابُ: الْإِيمَانُ التَّصْدِيقُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا يُوهِمُ التَّكْرَارَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ مُضَمَّنٌ مَعْنَى أَنْ تَعْتَرِفَ بِهِ، وَلِهَذَا عَدَّاهُ بِالْبَاءِ، أَيْ: أَنْ تُصَدِّقَ مُعْتَرِفًا بِكَذَا. قُلْتُ: وَالتَّصْدِيقُ أَيْضًا يُعَدَّى بِالْبَاءِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى دَعْوَى التَّضْمِينِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: لَيْسَ هُوَ تَعْرِيفًا لِلشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، بَلِ الْمُرَادُ مِنَ الْمَحْدُودِ الْإِيمَانُ الشَّرْعِيُّ، وَمِنَ الْحَدِّ الْإِيمَانُ اللُّغَوِيُّ قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إِنَّمَا أَعَادَ لَفْظَ الْإِيمَانِ لِلِاعْتِنَاءِ بِشَأْنِهِ تَفْخِيمًا لِأَمْرِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فِي جَوَابِ: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ يَعْنِي أَنَّ قَوْلَهُ: أَنْ تُؤْمِنَ يَنْحَلُّ مِنْهُ الْإِيمَانُ فَكَأَنَّهُ قَالَ: الْإِيمَانُ الشَّرْعِيُّ تَصْدِيقٌ مَخْصُوصٌ، وَإِلَّا لَكَانَ الْجَوَابُ: الْإِيمَانُ التَّصْدِيقُ، وَالْإِيمَانُ بِاللَّهِ هُوَ التَّصْدِيقُ بِوُجُودِهِ وَأَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ مُنَزَّهٌ عَنْ صِفَاتِ النَّقْصِ.
قَوْلُهُ: (وَمَلَائِكَتِهِ) الْإِيمَانُ بِالْمَلَائِكَةِ هُوَ التَّصْدِيقُ بِوُجُودِهِمْ وَأَنَّهُمْ كَمَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ وَقَدَّمَ الْمَلَائِكَةَ عَلَى الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ نَظَرًا لِلتَّرْتِيبِ الْوَاقِعِ ; لِأَنَّهُ ﷾ أَرْسَلَ الْمَلَكَ بِالْكِتَابِ إِلَى الرَّسُولِ وَلَيْسَ فِيهِ مُتَمَسَّكٌ لِمَنْ فَضَّلَ الْمَلَكَ عَلَى الرَّسُولِ.
قَوْلُهُ: (وَكُتُبِهِ) هَذِهِ عِنْدَ الْأَصِيلِيِّ هُنَا، وَاتَّفَقَ الرُّوَاةُ عَلَى ذِكْرِهَا فِي التَّفْسِيرِ، وَالْإِيمَانُ بِكُتُبِ اللَّهِ التَّصْدِيقُ بِأَنَّهَا كَلَامُ اللَّهِ وَأَنَّ مَا تَضَمَّنَتْهُ
حَقٌّ.
قَوْلُهُ: (وَبِلِقَائِهِ) كَذَا وَقَعَتْ هُنَا بَيْنَ الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ، وَلَمْ تَقَعْ فِي بَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا مُكَرَّرَةٌ لِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي الْإِيمَانِ بِالْبَعْثِ، وَالْحَقُّ أَنَّهَا غَيْرُ مُكَرَّرَةٍ، فَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْبَعْثِ الْقِيَامُ مِنَ الْقُبُورِ، وَالْمُرَادُ بِاللِّقَاءِ مَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَقِيلَ اللِّقَاءُ يَحْصُلُ بِالِانْتِقال من دَارِ الدُّنْيَا، وَالْبَعْثُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا رِوَايَةُ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ فَإِنَّ فِيهَا وَبِالْمَوْتِ وَبِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِاللِّقَاءِ رُؤْيَةُ اللَّهِ، ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ. وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ أَحَدًا لَا يَقْطَعُ لِنَفْسِهِ بِرُؤْيَةِ اللَّهِ، فَإِنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِمَنْ مَاتَ مُؤْمِنًا، وَالْمَرْءُ لَا يَدْرِي بِمَ يُخْتَمُ لَهُ، فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ شُرُوطِ الْإِيمَانِ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْإِيمَانُ بِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَهَذَا مِنَ الْأَدِلَّةِ الْقَوِيَّةِ لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي إِثْبَاتِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْآخِرَةِ إِذْ جُعِلَتْ مِنْ قَوَاعِدِ الْإِيمَانِ.
قَوْلُهُ: (وَرُسُلِهِ) وَلِلْأَصِيلِيِّ: وَبِرُسُلِهِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ: وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ، وَكُلٌّ مِنَ السِّيَاقَيْنِ فِي الْقُرْآنِ فِي الْبَقَرَةِ، وَالتَّعْبِيرُ بِالنَّبِيِّينَ يَشْمَلُ الرُّسُلَ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، وَالْإِيمَانُ بِالرُّسُلِ التَّصْدِيقُ بِأَنَّهُمْ صَادِقُونَ فِيمَا أَخْبَرُوا بِهِ عَنِ اللَّهِ، وَدَلَّ الْإِجْمَالُ فِي الْمَلَائِكَةِ وَالْكُتُبِ وَالرُّسُلِ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِذَلِكَ فِي الْإِيمَانِ بِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، إِلَّا مَنْ ثَبَتَ تَسْمِيَتُهُ فَيَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ عَلَى التَّعْيِينِ. وَهَذَا التَّرْتِيبُ مُطَابِقٌ لِلْآيَةِ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ وَمُنَاسَبَةُ التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ وَإِنْ كَانَتِ الْوَاوُ لَا تُرَتِّبُ، بَلِ الْمُرَادُ مِنَ التَّقَدُّمِ أَنَّ الْخَيْرَ وَالرَّحْمَةَ مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ أَعْظَمِ رَحْمَتِهِ أَنْ أَنْزَلَ كُتُبَهُ إِلَى عِبَادِهِ، وَالْمُتَلَقِّي لِذَلِكَ مِنْهُمُ الْأَنْبِيَاءُ، وَالْوَاسِطَةُ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَهُمُ الْمَلَائِكَةُ.
قَوْلُهُ (وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ) زَادَ فِي التَّفْسِيرِ الْآخِرِ وَلِمُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ عُمَرَ: وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَأَمَّا الْبَعْثُ الْآخِرُ فَقِيلَ ذَكَرَ الْآخِرَ تَأْكِيدًا كَقَوْلِهِمْ أَمْسُ الذَّاهِبُ، وَقِيلَ لِأَنَّ الْبَعْثَ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ: الْأُولَى الْإِخْرَاجُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ أَوْ مِنْ بُطُونِ الْأُمَّهَاتِ بَعْدَ النُّطْفَةِ وَالْعَلَقَةِ إِلَى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَالثَّانِيَةُ الْبَعْثُ مِنْ بُطُونِ الْقُبُورِ إِلَى مَحَلِّ الِاسْتِقْرَارِ. وَأَمَّا الْيَوْمُ الْآخِرُ فَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ آخِرُ أَيَّامِ الدُّنْيَا أَوْ آخِرُ الْأَزْمِنَةِ الْمَحْدُودَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَالتَّصْدِيقِ بِمَا يَقَعُ فِيهِ مِنَ الْحِسَابِ وَالْمِيزَانِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ. وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِذِكْرِ الْأَرْبَعَةِ بَعْدَ ذِكْرِ الْبَعْثِ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا.
(فَائِدَةٌ): زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي مُسْتَخْرَجِهِ هُنَا: وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، وَهِيَ فِي رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ أَيْضًا، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، وَأَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ كُلِّهِ، وَفِي رِوَايَةِ كَهْمَسٍ، وَسُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ: وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ وَكَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وهو فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِزِيَادَةِ وَحُلْوِهِ وَمُرِّهِ مِنَ اللَّهِ، وَكَأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي إِعَادَةِ لَفْظِ وَتُؤْمِنَ عِنْدَ ذِكْرِ الْبَعْثِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُ نَوْعٌ آخَرُ مِمَّا يُؤْمَنُ بِهِ ; لِأَنَّ الْبَعْثَ سَيُوجَدُ بَعْدُ، وَمَا ذُكِرَ قَبْلَهُ مَوْجُودٌ الْآنَ، وَلِلتَّنْوِيهِ بِذِكْرِهِ لِكَثْرَةِ مَنْ كَانَ يُنْكِرُهُ مِنَ الْكُفَّارِ، وَلِهَذَا كَثُرَ تَكْرَارُهُ فِي الْقُرْآنِ، وَهَكَذَا الْحِكْمَةُ فِي إِعَادَةِ لَفْظِ وَتُؤْمِنَ عِنْدَ ذِكْرِ الْقَدَرِ كَأَنَّهَا إِشَارَةٌ إِلَى مَا يَقَعُ فِيهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ، فَحَصَلَ الِاهْتِمَامُ بِشَأْنِهِ بِإِعَادَةِ تُؤْمِنَ، ثُمَّ قَرَّرَهُ بِالْإِبْدَالِ بِقَوْلِهِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ وَحُلْوِهِ وَمُرِّهِ ثُمَّ زَادَهُ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ مِنَ اللَّهِ. وَالْقَدَرُ مَصْدَرٌ، تَقُولُ: قَدَرْتُ الشَّيْءَ بِتَخْفِيفِ الدَّالِ وَفَتْحِهَا أَقْدِرُهُ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ قَدْرًا وَقَدَرًا، إِذَا أَحَطْتُ بِمِقْدَارِهِ.
وَالْمُرَادُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلِمَ مَقَادِيرَ الْأَشْيَاءِ وَأَزْمَانَهَا قَبْلَ إِيجَادِهَا، ثُمَّ أَوْجَدَ مَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَنَّهُ يُوجَدُ، فَكُلُّ مُحْدَثٍ صَادِرٌ عَنْ عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ، هَذَا هُوَ الْمَعْلُومُ مِنَ الدِّينِ بِالْبَرَاهِينِ الْقَطْعِيَّةِ، وَعَلَيْهِ كَانَ السَّلَفُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَخِيَارِ التَّابِعِينَ، إِلَى أَنْ حَدَثَتْ بِدْعَةُ الْقَدَرِ فِي أَوَاخِرِ زَمَنِ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ الْقِصَّةَ فِي ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ كَهْمَسٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ، قَالَ فَانْطَلَقْتُ
أَنَا وَحُمَيْدٌ الْحِمْيَرِيُّ، فَذَكَرَ اجْتِمَاعَهُمَا بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَأَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ بِأَنَّهُ بَرِيءٌ مِمَّنْ يَقُولُ ذَلِكَ، وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالْقَدَرِ عَمَلًا. وَقَدْ حَكَى الْمُصَنِّفُونَ فِي الْمَقَالَاتِ عَنْ طَوَائِفَ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ إِنْكَارَ كَوْنِ الْبَارِئِ عَالِمًا بِشَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِ الْعِبَادِ قَبْلَ وُقُوعِهَا مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا يَعْلَمُهَا بَعْدَ كَوْنِهَا. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ: قَدِ انْقَرَضَ هَذَا الْمَذْهَبُ، وَلَا نَعْرِفُ أَحَدًا يُنْسَبُ إِلَيْهِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ. قَالَ: وَالْقَدَرِيَّةُ الْيَوْمُ مُطْبِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ قَبْلَ وُقُوعِهَا، وَإِنَّمَا خَالَفُوا السَّلَفَ فِي زَعْمِهِمْ بِأَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَقْدُورَةٌ لَهُمْ وَوَاقِعَةٌ مِنْهُمْ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِقْلَالِ، وهو مَعَ كَوْنِهِ مَذْهَبًا بَاطِلًا أَخَفُّ مِنَ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ.
وَأَمَّا الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْهُمْ فَأَنْكَرُوا تَعَلُّقَ الْإِرَادَةِ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ فِرَارًا مِنْ تَعَلُّقِ الْقَدِيمِ بِالْمُحْدَثِ، وَهُمْ مَخْصُومُونَ بِمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنْ سَلَّمَ الْقَدَرِيُّ الْعِلْمَ خُصِمَ. يَعْنِي يُقَالُ لَهُ: أَيَجُوزُ أَنْ يَقَعَ فِي الْوُجُودِ خِلَافُ مَا تَضَمَّنَهُ الْعِلْمُ؟ فَإِنْ مَنَعَ وَافَقَ قَوْلَ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَإِنْ أَجَازَ لَزِمَهُ نِسْبَةُ الْجَهْلِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
(تَنْبِيهٌ): ظَاهِرُ السِّيَاقِ يَقْتَضِي أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى مَنْ صَدَّقَ بِجَمِيعِ مَا ذُكِرَ، وَقَدِ اكْتَفَى الْفُقَهَاءُ بِإِطْلَاقِ الْإِيمَانِ عَلَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَا اخْتِلَافَ ; لِأَنَّ الْإِيمَانَ بِرَسُولِ اللَّهِ الْمُرَادُ بِهِ الْإِيمَانُ بِوُجُودِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ عَنْ رَبِّهِ، فَيَدْخُلُ جَمِيعُ مَا ذُكِرَ تَحْتَ ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ) قَالَ النَّوَوِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْعِبَادَةِ مَعْرِفَةَ اللَّهِ فَيَكُونُ عَطْفُ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا عَلَيْهَا لِإِدْخَالِهَا فِي الْإِسْلَامِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْعِبَادَةِ الطَّاعَةَ مُطْلَقًا، فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الْوَظَائِفِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ عَطْفُ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ. قُلْتُ: أَمَّا الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ فَبَعِيدٌ ; لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ مِنْ مُتَعَلَّقَاتِ الْإِيمَانِ، وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَهُوَ أَعْمَالٌ قَوْلِيَّةٌ وَبَدَنِيَّةٌ، وَقَدْ عَبَّرَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ هُنَا بِقَوْلِهِ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِبَادَةِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ دَفْعُ الِاحْتِمَالِ الثَّانِي. وَلَمَّا عَبَّرَ الرَّاوِي بِالْعِبَادَةِ احْتَاجَ أَنْ يُوَضِّحَهَا بِقَوْلِهِ: وَلَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَيْهَا فِي رِوَايَةِ عُمَرَ لِاسْتِلْزَامِهَا ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: السُّؤَالُ عَامٌّ لِأَنَّهُ سَأَلَ عَنْ مَاهِيَّةِ الْإِسْلَامِ، وَالْجَوَابُ خَاصٌّ لِقَوْلِهِ أَنْ تَعْبُدَ أَوْ تَشْهَدَ، وَكَذَا قَالَ فِي الْإِيمَانِ أَنْ تُؤْمِنَ، وَفِي الْإِحْسَانِ أَنْ تَعْبُدَ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ لِنُكْتَةِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَصْدَرِ وَبَيْنَ أَنْ وَالْفِعْلِ ; لِأَنَّ أَنْ تَفْعَلَ تَدُلُّ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ، وَالْمَصْدَرُ لَا يَدُلُّ عَلَى زَمَانٍ.
عَلَى أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ أَوْرَدَهُ هُنَا بِصِيغَةِ الْمَصْدَرِ، فَفِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ غِيَاثٍ قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِمُخَاطَبَتِهِ بِالْإِفْرَادِ اخْتِصَاصَهُ بِذَلِكَ، بَلِ الْمُرَادُ تَعْلِيمُ السَّامِعِينَ الْحُكْمَ فِي حَقِّهِمْ وَحَقِّ مَنْ أَشْبَهَهُمْ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ، وَقَدْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي آخِرِهِ: يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ. فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَذْكُرِ الْحَجَّ؟ أَجَابَ بَعْضُهُمْ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فُرِضَ، وهو مَرْدُودٌ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بِإِسْنَادِهِ الَّذِي عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ فِي حَدِيثِ عُمَرَ أَوَّلُهُ أَنَّ رَجُلًا فِي آخِرِ عُمْرِ النَّبِيِّ ﷺ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَآخِرُ عُمْرِهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَإِنَّهَا آخِرُ سَفَرَاتِهِ، ثُمَّ بَعْدَ قُدُومِهِ بِقَلِيلٍ دُونَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ مَاتَ، وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ بَعْدَ إِنْزَالِ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ لِتَقْرِيرِ أُمُورِ الدِّينِ - الَّتِي بَلَّغَهَا مُتَفَرِّقَةً - فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، لِتَنْضَبِطَ. وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ جَوَازُ سُؤَالِ الْعَالِمِ مَا لَا يَجْهَلُهُ السَّائِلُ لِيَعْلَمَهُ السَّامِعُ، وَأَمَّا الْحَجُّ فَقَدْ ذُكِرَ، لَكِنْ بَعْضُ الرُّوَاةِ إِمَّا ذَهَلَ عَنْهُ وَإِمَّا نَسِيَهُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ فِي ذِكْرِ بَعْضِ الْأَعْمَالِ دُونَ بَعْضٍ، فَفِي رِوَايَةِ كَهْمَسٍ: وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَفِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ لَمْ يَذْكُرِ الصَّوْمَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي عَامِرٍ ذَكَرَ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ حَسْبُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَزِيدًا عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ. وَذَكَرَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ فِي رِوَايَتِهِ الْجَمِيعَ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ وَتَحُجَّ
وَتَعْتَمِرَ، وَتَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَتُتَمِّمَ الْوُضُوءَ. وَقَالَ مَطَرٌ الْوَرَّاقُ فِي رِوَايَتِهِ: وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ قَالَ فَذَكَرَ عُرَى الْإِسْلَامِ، فَتَبَيَّنَ مَا قُلْنَاهُ: إِنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ ضَبَطَ مَا لَمْ يَضْبِطْهُ غَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ) زَادَ مُسْلِمٌ: الْمَكْتُوبَةَ أَيِ: الْمَفْرُوضَةَ. وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالْمَكْتُوبَةِ لِلتَّفَنُّنِ فِي الْعِبَارَةِ، فَإِنَّهُ عَبَّرَ فِي الزَّكَاةِ بِالْمَفْرُوضَةِ، وَلِاتِّبَاعِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾
قَوْلُهُ: (وَتَصُومَ رَمَضَانَ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى قَوْلِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ إِضَافَةِ شَهْرٍ إِلَيْهِ، وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (الْإِحْسَانُ) هُوَ مَصْدَرٌ، تَقُولُ أَحْسَنَ يُحْسِنُ إِحْسَانًا. وَيَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ تَقُولُ: أَحْسَنْتُ كَذَا إِذَا أَتْقَنْتُهُ، وَأَحْسَنْتُ إِلَى فُلَانٍ إِذَا أَوْصَلْتُ إِلَيْهِ النَّفْعَ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُرَادُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إِتْقَانُ الْعِبَادَةِ. وَقَدْ يُلْحَظُ الثَّانِي بِأَنَّ الْمُخْلِصَ مَثَلًا مُحْسِنٌ بِإِخْلَاصِهِ إِلَى نَفْسِهِ، وَإِحْسَانُ الْعِبَادَةِ الْإِخْلَاصُ فِيهَا وَالْخُشُوعُ وَفَرَاغُ الْبَالِ حَالَ التَّلَبُّسِ بِهَا وَمُرَاقَبَةُ الْمَعْبُودِ، وَأَشَارَ فِي الْجَوَابِ إِلَى حَالَتَيْنِ: أَرْفَعُهُمَا أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ مُشَاهَدَةُ الْحَقِّ بِقَلْبِهِ حَتَّى كَأَنَّهُ يَرَاهُ بِعَيْنِهِ، وهو قَوْلُهُ: كَأَنَّكَ تَرَاهُ أَيْ:، وهو يَرَاكَ، وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَسْتَحْضِرَ أَنَّ الْحَقَّ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ يَرَى كُلَّ مَا يَعْمَلُ، وهو قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَرَاكَ. وَهَاتَانِ الْحَالَتَانِ يُثَمِّرُهُمَا مَعْرِفَةُ اللَّهِ وَخَشْيَتُهُ، وَقَدْ عَبَّرَ فِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ بِقَوْلِهِ: أَنْ تَخْشَى اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّكَ إِنَّمَا تُرَاعِي الْآدَابَ الْمَذْكُورَةَ إِذَا كُنْتَ تَرَاهُ وَيَرَاكَ، لِكَوْنِهِ يَرَاكَ لَا لِكَوْنِكَ تَرَاهُ فَهُوَ دَائِمًا يَرَاكَ، فَأَحْسِنْ عِبَادَتَهُ وَإِنْ لَمْ تَرَهُ، فَتَقْدِيرُ الْحَدِيثِ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَاسْتَمِرَّ عَلَى إِحْسَانِ الْعِبَادَةِ فَإِنَّهُ يَرَاكَ.
قَالَ: وَهَذَا الْقَدْرُ مِنَ الْحَدِيثِ أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، وَقَاعِدَةٌ مُهِمَّةٌ مِنْ قَوَاعِدِ الْمُسْلِمِينَ، وهو عُمْدَةُ الصِّدِّيقِينَ وَبُغْيَةُ السَّالِكِينَ وَكَنْزُ الْعَارِفِينَ وَدَأْبُ الصَّالِحِينَ، وهو مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ الَّتِي أُوتِيَهَا ﷺ، وَقَدْ نَدَبَ أَهْلُ التَّحْقِيقِ إِلَى مُجَالَسَةِ الصَّالِحِينَ لِيَكُونَ ذَلِكَ مَانِعًا مِنَ التَّلَبُّسِ بِشَيْءٍ مِنَ النَّقَائِصِ احْتِرَامًا لَهُمْ وَاسْتِحْيَاءً مِنْهُمْ، فَكَيْفَ بِمَنْ لَا يَزَالُ اللَّهُ مُطَّلِعًا عَلَيْهِ فِي سِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ؟ انْتَهَى. وَقَدْ سَبَقَ إِلَى أَصْلِ هَذَا الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي تَفْسِيرِ لُقْمَانَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(تَنْبِيهٌ): دَلَّ سِيَاقُ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا بِالْأَبْصَارِ غَيْرُ وَاقِعَةٍ، وَأَمَّا رُؤْيَةُ النَّبِيِّ ﷺ فَذَاكَ لِدَلِيلٍ آخَرَ، وَقَدْ صَرَّحَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ بِقَوْلِهِ ﷺ: وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا. وَأَقْدَمَ بَعْضُ غُلَاةِ الصُّوفِيَّةِ عَلَى تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَقَالَ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَقَامِ الْمَحْوِ وَالْفَنَاءِ، وَتَقْدِيرُهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ - أَيْ: فَإِنْ لَمْ تَصِرْ - شَيْئًا وَفَنِيتَ عَنْ نَفْسِكَ حَتَّى كَأَنَّكَ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فَإِنَّكَ حِينَئِذٍ تَرَاهُ. وَغَفَلَ قَائِلُ هَذَا - لِلْجَهْلِ بِالْعَرَبِيَّةِ - عَنْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ مَا زَعَمَ لَكَانَ قَوْلُهُ: تَرَاهُ مَحْذُوفَ الْأَلِفِ ; لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَجْزُومًا، لِكَوْنِهِ عَلَى زَعْمِهِ جَوَابَ الشَّرْطِ، وَلَمْ يَرِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ بِحَذْفِ الْأَلِفِ، وَمَنِ ادَّعَى أَنَّ إِثْبَاتَهَا فِي الْفِعْلِ الْمَجْزُومِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِذْ لَا ضَرُورَةَ هُنَا. وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ مَا ادَّعَاهُ صَحِيحًا لَكَانَ قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَرَاكَ ضَائِعًا لِأَنَّهُ لَا ارْتِبَاطَ لَهُ بِمَا قَبْلَهُ. وَمِمَّا يُفْسِدُ تَأْوِيلَهُ رِوَايَةُ كَهْمَسٍ فَإِنَّ لَفْظَهَا فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، فَسَلَّطَ النَّفْيَ عَلَى الرُّؤْيَةِ لَا عَلَى الْكَوْنِ الَّذِي حُمِلَ عَلَى ارْتِكَابِ التَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ: فَإِنْ لَمْ تَرَهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ وَنَحْوُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَكُلُّ هَذَا يُبْطِلُ التَّأْوِيلَ الْمُتَقَدِّمَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ): زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ قَوْلَ السَّائِلِ صَدَقْتَ عَقِبَ كُلِّ جَوَابٍ مِنَ الْأَجْوِبَةِ الثَّلَاثَةِ، وَزَادَ أَبُو فَرْوَةَ فِي رِوَايَتِهِ فَلَمَّا سَمِعْنَا قَوْلَ الرَّجُلِ صَدَقْتَ أَنْكَرْنَاهُ وَفِي رِوَايَةِ كَهْمَسٍ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ. وَفِي رِوَايَةِ مَطَرٍ: انْظُرُوا إِلَيْهِ كَيْفَ يَسْأَلُهُ وَانْظُرُوا إِلَيْهِ كَيْفَ يُصَدِّقُهُ وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ: انْظُرُوا، وهو يَسْأَلُهُ، وهو يُصَدِّقُهُ كَأَنَّهُ أَعْلَمُ
مِنْهُ. وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ: قَالَ الْقَوْمُ: مَا رَأَيْنَا رَجُلًا مِثْلَ هَذَا، كَأَنَّهُ يُعَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ لَهُ: صَدَقْتَ صَدَقْتَ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّمَا عَجِبُوا مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ، وَلَيْسَ هَذَا السَّائِلُ مِمَّنْ عُرِفَ بِلِقَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا بِالسَّمَاعِ مِنْهُ، ثُمَّ هُوَ يَسْأَلُ سُؤَالَ عَارِفٍ بِمَا يَسْأَلُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ يُخْبِرُهُ بِأَنَّهُ صَادِقٌ فِيهِ، فَتَعَجَّبُوا مِنْ ذَلِكَ تَعَجُّبَ الْمُسْتَبْعِدِ لِذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (مَتَى السَّاعَةُ؟) أَيْ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ؟ وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ، وَالْمُرَادُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ.
قَوْلُهُ: (مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا) مَا نَافِيَةٌ. وَزَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ: فَنَكَسَ فَلَمْ يُجِبْهُ، ثُمَّ أَعَادَ فَلَمْ يُجِبْهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: مَا الْمَسْئُولُ.
قَوْلُهُ: (بِأَعْلَمَ) الْبَاءُ زَائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُشْعِرًا بِالتَّسَاوِي فِي الْعِلْمِ لَكِنَّ الْمُرَادَ التَّسَاوِي فِي الْعِلْمِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهَا لِقَوْلِهِ بَعْدَ: خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ وَسَيَأْتِي نَظِيرُ هَذَا التَّرْكِيبِ فِي أَوَاخِرِ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي قَوْلِهِ: مَا كُنْتُ بِأَعْلَمَ بِهِ مِنْ رَجُلٍ مِنْكُمْ فَإِنَّ الْمُرَادَ أَيْضًا التَّسَاوِي فِي عَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هُنَا فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، خَمْسٌ مِنَ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ تَلَا الْآيَةَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: يُسْتَنْبَطُ مِنْهُ أَنَّ الْعَالِمَ إِذَا سُئِلَ عَمَّا لَا يَعْلَمُ يُصَرِّحُ بِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ، وَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ نَقْصٌ مِنْ مَرْتَبَتِهِ، بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى مَزِيدِ وَرَعِهِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ مَقْصُودُ هَذَا السُّؤَالِ كَفُّ السَّامِعِينَ عَنِ السُّؤَالِ عَنْ وَقْتِ السَّاعَةِ ; لِأَنَّهُمْ قَدْ أَكْثَرُوا السُّؤَالَ عَنْهَا كَمَا وَرَدَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ، فَلَمَّا حَصَلَ الْجَوَابُ بِمَا ذُكِرَ هُنَا حَصَلَ الْيَأْسُ مِنْ مَعْرِفَتِهَا، بِخِلَافِ الْأَسْئِلَةِ الْمَاضِيَةِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَا اسْتِخْرَاجُ الْأَجْوِبَةِ لِيَتَعَلَّمَهَا السَّامِعُونَ وَيَعْمَلُوا بِهَا، وَنَبَّهَ بِهَذِهِ الْأَسْئِلَةِ عَلَى تَفْصِيلِ مَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ.
قَوْلُهُ: (مِنَ السَّائِلِ) عَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ لَسْتُ بِأَعْلَمَ بِهَا مِنْكَ إِلَى لَفْظٍ يُشْعِرُ بِالتَّعْمِيمِ تَعْرِيضًا لِلسَّامِعِينَ، أَيْ أَنَّ كُلَّ مَسْئُولٍ وَكُلَّ سَائِلٍ فَهُوَ كَذَلِكَ.
(فَائِدَةٌ): هَذَا السُّؤَالُ وَالْجَوَابُ وَقَعَ بَيْنَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَجِبْرِيلَ، لَكِنْ كَانَ عِيسَى سَائِلًا وَجِبْرِيلُ مَسْئُولًا. قَالَ الْحُمَيْدِيُّ فِي نَوَادِرِهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: سَأَلَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ جِبْرِيلَ (١) عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ فَانْتَفَضَ بِأَجْنِحَتِهِ وَقَالَ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ.
قَوْلُهُ: (وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا) وَفِي التَّفْسِيرِ وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُكَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ: وَلَكِنْ لَهَا عَلَامَاتٌ تُعْرَفُ بِهَا، وَفِي رِوَايَةِ كَهْمَسٍ: قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا فَأَخْبَرَهُ بِهَا فَتَرَدَّدْنَا فَحَصَلَ التَّرَدُّدُ هَلِ ابْتَدَأَهُ بِذِكْرِ الْأَمَارَاتِ أَوِ السَّائِلُ سَأَلَهُ عَنِ الْأَمَارَاتِ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ ابْتَدَأَ بِقَوْلِهِ: وَسَأُخْبِرُكَ، فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ: فَأَخْبِرْنِي. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ رِوَايَةُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ وَلَفْظُهَا وَلَكِنْ إِنْ شِئْتَ نَبَّأْتُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا، قَالَ: أَجَلْ وَنَحْوُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَزَادَ فَحَدِّثْنِي وَقَدْ حَصَلَ تَفْصِيلُ الْأَشْرَاطِ مِنَ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَأَنَّهَا الْعَلَامَاتُ، وَهِيَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ شَرَطٍ بِفَتْحَتَيْنِ كَقَلَمٍ وَأَقْلَامٍ، وَيُسْتَفَادُ مِنِ اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ التَّحْدِيثَ وَالْإِخْبَارَ وَالْإِنْبَاءَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا غَايَرَ بَيْنَهَا أَهْلُ الْحَدِيثِ اصْطِلَاحًا. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: عَلَامَاتُ السَّاعَةِ عَلَى قِسْمَيْنِ: مَا يَكُونُ مِنْ نَوْعِ الْمُعْتَادِ، أَوْ غَيْرِهِ. وَالْمَذْكُورُ هُنَا الْأَوَّلُ. وَأَمَّا الْغَيْرُ مِثْلُ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا فَتِلْكَ مُقَارِبَةٌ لَهَا أَوْ مُضَايِقَةٌ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْعَلَامَاتُ السَّابِقَةُ عَلَى ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (إِذَا وَلَدَتْ) التَّعْبِيرُ بِإِذَا لِلْإِشْعَارِ بِتَحَقُّقِ الْوُقُوعِ، وَوَقَعَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ بَيَانًا لِلْأَشْرَاطِ نَظَرًا إِلَى الْمَعْنَى، وَالتَّقْدِيرُ وِلَادَةُ الْأَمَةِ وَتَطَاوُلُ الرُّعَاةِ. فَإِنْ قِيلَ الْأَشْرَاطُ جَمْعٌ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ وَالْمَذْكُورُ هُنَا اثْنَانِ، أَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ: بِأَنَّهُ قَدْ تُسْتَقْرَضُ الْقِلَّةُ لِلْكَثْرَةِ، وَبِالْعَكْسِ.
أَوْ لِأَنَّ الْفَرْقَ بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ إِنَّمَا هُوَ فِي النَّكِرَاتِ لَا فِي الْمَعَارِفِ، أَوْ لِفَقْدِ جَمْعِ الْكَثْرَةِ لِلَفْظِ الشَّرْطِ. وَفِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَجْوِبَةِ نَظَرٌ، وَلَوْ أُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا دَلِيلُ الْقَوْلِ الصَّائِرِ إِلَى أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ لَمَا بَعُدَ عَنِ الصَّوَابِ. وَالْجَوَابُ الْمَرْضِيُّ أَنَّ الْمَذْكُورَ مِنَ الْأَشْرَاطِ ثَلَاثَةٌ، وَإِنَّمَا بَعْضُ الرُّوَاةِ اقْتَصَرَ عَلَى اثْنَيْنِ مِنْهَا لِأَنَّهُ هُنَا ذَكَرَ الْوِلَادَةَ وَالتَّطَاوُلَ، وَفِي التَّفْسِيرِ ذِكْرُ الْوِلَادَةِ وَتَرَؤُّسُ الْحُفَاةِ، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ الَّتِي أَخْرَجَ مُسْلِمٌ إِسْنَادَهَا وَسَاقَ ابْنُ خُزَيْمَةَ لَفْظَهَا عَنْ أَبِي حَيَّانَ ذِكْرُ الثَّلَاثَةِ، وَكَذَا فِي مُسْتَخْرَجِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَكَذَا ذَكَرَهَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ، وَوَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ، فَفِي رِوَايَةِ كَهْمَسٍ ذِكْرُ الْوِلَادَةِ وَالتَّطَاوُلُ فَقَطْ وَوَافَقَهُ عُثْمَانُ بْنُ غِيَاثٍ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ذِكْرُ الثَّلَاثَةِ وَوَافَقَهُ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وَكَذَا ذُكِرَتْ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي عَامِرٍ.
قَوْلُهُ: (إِذَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ رَبَّهَا) وَفِي التَّفْسِيرِ رَبَّتَهَا بِتَاءِ التَّأْنِيثِ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ، وَلِمُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ مِثْلُهُ وَزَادَ يَعْنِي السَّرَارِيَّ، وَفِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ: إِذَا رَأَيْتَ الْمَرْأَةَ تَلِدُ رَبَّهَا وَنَحْوُهُ لِأَبِي فَرْوَةَ، وَفِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ غِيَاثٍ: الْإِمَاءُ أَرْبَابُهُنَّ بِلَفْظِ الْجَمْعِ. وَالْمُرَادُ بِالرَّبِّ الْمَالِكُ أَوِ السَّيِّدُ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي مَعْنَى ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ، فَذَكَرَهَا لَكِنَّهَا مُتَدَاخِلَةٌ، وَقَدْ لَخَّصْتُهَا بِلَا تَدَاخُلٍ فَإِذَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ اتِّسَاعُ الْإِسْلَامِ وَاسْتِيلَاءُ أَهْلِهِ عَلَى بِلَادِ الشِّرْكِ وَسَبْيُ ذَرَارِيِّهِمْ، فَإِذَا مَلَكَ الرَّجُلُ الْجَارِيَةَ وَاسْتَوْلَدَهَا كَانَ الْوَلَدُ مِنْهَا بِمَنْزِلَةِ رَبِّهَا لِأَنَّهُ وَلَدُ سَيِّدِهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ: إِنَّهُ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ. قُلْتُ: لَكِنْ فِي كَوْنِهِ الْمُرَادَ نَظَرٌ ; لِأَنَّ اسْتِيلَادَ الْإِمَاءِ كَانَ مَوْجُودًا حِينَ الْمَقَالَةِ، وَالِاسْتِيلَاءُ عَلَى بِلَادِ الشِّرْكِ وَسَبْيُ ذَرَارِيِّهِمْ وَاتِّخَاذُهُمْ سَرَارِيَّ وَقَعَ أَكْثَرُهُ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ، وَسِيَاقُ الْكَلَامِ يَقْتَضِي الْإِشَارَةَ إِلَى وُقُوعِ مَا لَمْ يَقَعْ مِمَّا سَيَقَعُ قُرْبَ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَقَدْ فَسَّرَهُ وَكِيعٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ بِأَخَصَّ مِنَ الْأَوَّلِ.
قَالَ: أَنْ تَلِدَ الْعَجَمُ الْعَرَبَ، وَوَجَّهَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْإِمَاءَ يَلِدْنَ الْمُلُوكَ فَتَصِيرُ الْأُمُّ مِنْ جُمْلَةِ الرَّعِيَّةِ وَالْمَلِكُ سَيِّدُ رَعِيَّتِهِ، وَهَذَا لِإِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ، وَقَرَّبَهُ بأَنَّ الرُّؤَسَاءَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ كَانُوا يَسْتَنْكِفُونَ غَالِبًا مِنْ وَطْءِ الْإِمَاءِ وَيَتَنَافَسُونَ فِي الْحَرَائِرِ، ثُمَّ انْعَكَسَ الْأَمْرُ وَلَا سِيَّمَا فِي أَثْنَاءِ دَوْلَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَلَكِنَّ رِوَايَةَ رَبَّتَهَا بِتَاءِ التَّأْنِيثِ قَدْ لَا تُسَاعِدُ عَلَى ذَلِكَ.
وَوَجَّهَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ إِطْلَاقَ رَبَّتَهَا عَلَى وَلَدِهَا مَجَازٌ ; لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ سَبَبًا فِي عِتْقِهَا بِمَوْتِ أَبِيهِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَخَصَّهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ السَّبْيَ إِذَا كَثُرَ فَقَدْ يُسْبَى الْوَلَدُ أَوَّلًا، وهو صَغِيرٌ ثُمَّ يُعْتَقُ وَيَكْبَرُ وَيَصِيرُ رَئِيسًا بَلْ مَلِكًا ثُمَّ تُسْبَى أُمُّهُ فِيمَا بَعْدُ فَيَشْتَرِيهَا عَارِفًا بِهَا، أَوْ وهو لَا يَشْعُرُ أَنَّهَا أُمُّهُ، فَيَسْتَخْدِمُهَا أَوْ يَتَّخِذُهَا مَوْطُوءَةً أَوْ يُعْتِقُهَا وَيَتَزَوَّجُهَا. وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ بَعْلَهَا وَهِيَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَحُمِلَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْبَعْلِ الْمَالِكُ، وهو أَوْلَى لِتَتَّفِقَ الرِّوَايَاتُ. الثَّانِي أَنْ تَبِيعَ السَّادَةُ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِمْ وَيَكْثُرُ ذَلِكَ فَيَتَدَاوَلُ الْمُلَّاكُ الْمُسْتَوْلَدَةَ حَتَّى يَشْتَرِيَهَا وَلَدُهَا وَلَا يَشْعُرُ بِذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا فَالَّذِي يَكُونُ مِنَ الْأَشْرَاطِ غَلَبَةُ الْجَهْلِ بِتَحْرِيمِ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ أَوِ الِاسْتِهَانَةُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا فَلَا يَصْلُحُ الْحَمْلُ عَلَيْهَا ; لِأَنَّهُ لَا جَهْلَ وَلَا اسْتِهَانَةَ عِنْدَ الْقَائِلِ بِالْجَوَازِ، قُلْنَا: يَصْلُحُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى صُورَةِ اتِّفَاقِيَّةٍ كَبَيْعِهَا فِي حَالِ حَمْلِهَا، فَإِنَّهُ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ. الثَّالِثُ: وهو مِنْ نَمَطِ الَّذِي قَبْلَهُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: لَا يَخْتَصُّ شِرَاءُ الْوَلَدِ أُمَّهُ بِأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، بَلْ يُتَصَوَّرُ فِي غَيْرِهِنَّ بِأَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ حُرًّا مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا بِوَطْءِ شُبْهَةٍ، أَوْ رَقِيقًا بِنِكَاحٍ أَوْ زِنًا ثُمَّ تُبَاعُ الْأَمَةُ فِي الصُّورَتَيْنِ بَيْعًا صَحِيحًا وَتَدُورُ فِي الْأَيْدِي حَتَّى يَشْتَرِيَهَا ابْنُهَا أَوِ ابْنَتُهَا.
وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا تَفْسِيرُ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ بِأَنَّ الْمُرَادَ السَّرَارِيُّ لِأَنَّهُ تَخْصِيصٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ.
الرَّابِعُ: أَنْ يَكْثُرَ الْعُقُوقُ فِي الْأَوْلَادِ فَيُعَامِلُ الْوَلَدُ أُمَّهُ مُعَامَلَةَ السَّيِّدِ أَمَتَهُ مِنَ الْإِهَانَةِ بِالسَّبِّ
وَالضَّرْبِ وَالِاسْتِخْدَامِ. فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ رَبُّهَا مَجَازًا لِذَلِكَ. أَوِ الْمُرَادُ بِالرَّبِّ الْمُرَبِّي فَيَكُونُ حَقِيقَةً، وَهَذَا أَوْجَهُ الْأَوْجُهِ عِنْدِي لِعُمُومِهِ ; وَلِأَنَّ الْمَقَامَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ حَالَةٌ تَكُونُ مَعَ كَوْنِهَا تَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْأَحْوَالِ مُسْتَغْرَبَةً. وَمُحَصَّلُهُ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ السَّاعَةَ يَقْرُبُ قِيَامُهَا عِنْدَ انْعِكَاسِ الْأُمُورِ بِحَيْثُ يَصِيرُ الْمُرَبَّى مُرَبِّيًا وَالسَّافِلُ عَالِيًا، وهو مُنَاسِبٌ لِقَوْلِهِ فِي الْعَلَامَةِ الْأُخْرَى أَنْ تَصِيرَ الْحُفَاةُ مُلُوكَ الْأَرْضِ.
(تَنْبِيهَانِ): أَحَدُهُمَا قَالَ النَّوَوِيُّ: لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَلَا عَلَى جَوَازِهِ، وَقَدْ غَلِطَ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ لِكُلٍّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ ; لِأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا جُعِلَ عَلَامَةً عَلَى شَيْءٍ آخَرَ لَا يَدُلُّ عَلَى حَظْرٍ وَلَا إِبَاحَةٍ. الثَّانِي: يُجْمَعُ بَيْنَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ إِطْلَاقِ الرَّبِّ عَلَى السَّيِّدِ الْمَالِكِ فِي قَوْلِهِ رَبَّهَا وَبَيْنَ مَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ، وهو فِي الصَّحِيحِ (١): لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ، اسْقِ رَبَّكَ، وَلْيَقُلْ سَيِّدِي وَمَوْلَايَ بِأَنَّ اللَّفْظَ هُنَا خَرَجَ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ أَوِ الْمُرَادُ بِالرَّبِّ هُنَا الْمُرَبِّي، وَفِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ السَّيِّدُ، أَوْ أَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ مُتَأَخِّرٌ، أَوْ مُخْتَصٌّ بِغَيْرِ الرَّسُولِ ﷺ.
قَوْلُهُ: (تَطَاوَلَ) أَيْ: تَفَاخَرُوا فِي تَطْوِيلِ الْبُنَيَانِ وَتَكَاثَرُوا بِهِ.
قَوْلُهُ: (رُعَاةَ الْإِبِلِ) هُوَ بِضَمِّ الرَّاءِ جَمْعُ رَاعٍ كَقُضَاةٍ وَقَاضٍ. وَالْبُهْمُ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ بِفَتْحِهَا وَلَا يَتَّجِهُ مَعَ ذِكْرِ الْإِبِلِ، وَإِنَّمَا يَتَّجِهُ مَعَ ذِكْرِ الشِّيَاهِ أَوْ مَعَ عَدَمِ الْإِضَافَةِ كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: رِعَاءَ الْبُهْمِ، وَمِيمُ الْبُهْمِ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ يَجُوزُ ضَمُّهَا عَلَى أَنَّهَا صِفَةُ الرُّعَاةِ، وَيَجُوزُ الْكَسْرُ عَلَى أَنَّهَا صِفَةُ الْإِبِلِ يَعْنِي الْإِبِلَ السُّودَ، وَقِيلَ: إِنَّهَا شَرُّ الْأَلْوَانِ عِنْدَهُمْ، وَخَيْرُهَا الْحُمْرُ الَّتِي ضُرِبَ بِهَا الْمَثَلُ فَقِيلَ: خَيْرٌ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ وَوَصْفُ الرُّعَاةِ بِالْبُهْمِ إِمَّا لِأَنَّهُمْ مَجْهُولُو الْأَنْسَابِ، وَمِنْهُ أُبْهِمَ الْأَمْرُ فَهُوَ مُبْهَمٌ إِذَا لَمْ تُعْرَفْ حَقِيقَتُهُ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُمْ سُودُ الْأَلْوَانِ لِأَنَّ الْأُدْمَةَ غَالِبُ أَلْوَانِهِمْ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ لَا شَيْءَ لَهُمْ كَقَوْلِهِ ﷺ: يُحْشَرُ النَّاسُ حُفَاةً عُرَاةً بُهْمًا قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ قَدْ نَسَبَ لَهُمُ الْإِبِلَ، فَكَيْفَ يُقال: لا شَيْءَ لَهُمْ؟ قُلْتُ: يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهَا إِضَافَةُ اخْتِصَاصٍ لَا مِلْكٍ، وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ أَنَّ الرَّاعِيَ يَرْعَى لِغَيْرِهِ بِالْأُجْرَةِ، وَأَمَّا الْمَالِكُ فَقَلَّ أَنْ يُبَاشِرَ الرَّعْيَ بِنَفْسِهِ. قَوْلُهُ فِي التَّفْسِيرِ: وَإِذَا كَانَ الْحُفَاةُ الْعُرَاةُ، زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ: الصُّمُّ الْبُكْمُ. وَقِيلَ لَهُمْ ذَلِكَ مُبَالَغَةً فِي وَصْفِهِمْ بِالْجَهْلِ، أَيْ: لَمْ يَسْتَعْمِلُوا أَسْمَاعَهُمْ وَلَا أَبْصَارَهُمْ فِي الشَّيْءِ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ وَإِنْ كَانَتْ حَوَاسُّهُمْ سَلِيمَةً.
قَوْلُهُ رُءُوسُ النَّاسِ أَيْ: مُلُوكُ الْأَرْضِ، وَصَرَّحَ بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ مِثْلُهُ، وَالْمُرَادُ بِهِمْ أَهْلُ الْبَادِيَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ وَغَيْرِهِ. قَالَ: مَا الْحُفَاةُ الْعُرَاةُ؟ قَالَ: الْعُرَيْبُ. وهو بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى التَّصْغِيرِ. وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: مِنِ انْقِلَابِ الدِّينِ تَفَصُّحُ النَّبَطِ وَاتِّخَاذُهُمُ الْقُصُورَ فِي الْأَمْصَارِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْمَقْصُودُ الْإِخْبَارُ عَنْ تَبَدُّلِ الْحَالِ بِأَنْ يَسْتَوْلِيَ أَهْلُ الْبَادِيَةِ عَلَى الْأَمْرِ وَيَتَمَلَّكُوا الْبِلَادَ بِالْقَهْرِ فَتَكْثُرُ أَمْوَالُهُمْ وَتَنْصَرِفُ هِمَمُهُمْ إِلَى تَشْيِيدِ الْبُنْيَانِ وَالتَّفَاخُرِ بِهِ، وَقَدْ شَاهَدْنَا ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ. وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ: لَا تَقُومَ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ أَسْعَدَ النَّاسِ بِالدُّنْيَا لُكَعُ ابْنُ لُكَعٍ وَمِنْهُ: إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ - أَيْ: أُسْنِدَ - إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرُوا السَّاعَةَ وَكِلَاهُمَا فِي الصَّحِيحِ.
قَوْلُهُ: (فِي خَمْسٍ) أَيْ: عِلْمُ وَقْتِ السَّاعَةِ دَاخِلٌ فِي جُمْلَةِ خَمْسٍ. وَحَذْفُ مُتَعَلَّقِ الْجَارِّ سَائِغٌ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ أَيْ: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي جُمْلَةِ تِسْعِ آيَاتٍ، وَفِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ: قَالَ فَمَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: هِيَ فِي خَمْسٍ مِنَ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَا مَطْمَعَ لِأَحَدٍ فِي عِلْمِ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الْخَمْسَةِ لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ فَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ﴾
بِهَذِهِ الْخَمْسِ، وهو فِي الصَّحِيحِ. قَالَ: فَمَنِ ادَّعَى عِلْمَ شَيْءٍ مِنْهَا غَيْرَ مُسْنَدَةٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ كَاذِبًا فِي دَعْوَاهُ. قَالَ: وَأَمَّا ظَنُّ الْغَيْبِ فَقَدْ يَجُوزُ مِنَ الْمُنَجِّمِ وَغَيْرِهِ إِذَا كَانَ عَنْ أَمْرٍ عَادِيٍّ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِعِلْمٍ. وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَحْرِيمِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ وَالْجُعْلِ وَإِعْطَائِهَا فِي ذَلِكَ، وَجَاءَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أُوتِيَ نَبِيُّكُمْ ﷺ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ سِوَى هَذِهِ الْخَمْسِ. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا نَحْوُهُ أَخْرَجَهُمَا أَحْمَدُ، وَأَخْرَجَ حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ ذَكَرَ الْعِلْمَ بِوَقْتِ الْكُسُوفِ قَبْلَ ظُهُورِهِ فَأُنْكِرَ عَلَيْهِ فَقَالَ: إِنَّمَا الْغَيْبُ خَمْسٌ - وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ - وَمَا عَدَا ذَلِكَ غَيْبٌ يَعْلَمُهُ قَوْمٌ وَيَجْهَلُهُ قَوْمٌ.
(تَنْبِيهٌ): تَضَمَّنَ الْجَوَابُ زِيَادَةً عَلَى السُّؤَالِ لِلِاهْتِمَامِ بِذَلِكَ إِرْشَادًا لِلْأُمَّةِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ. فَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ فِي الْآيَة أَدَاةُ حَصْرٍ كَمَا فِي الْحَدِيثِ، أَجَابَ الطِّيبِيُّ بِأَنَّ الْفِعْلَ إِذَا كَانَ عَظِيمَ الْخَطَرِ وَمَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ الْفِعْلُ رَفِيعُ الشَّأْنِ فُهِمَ مِنْهُ الْحَصْرُ عَلَى سَبِيلِ الْكِنَايَةِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا لُوحِظَ مَا ذُكِرَ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ مِنْ أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَدَّعُونَ عِلْمَ نُزُولِ الْغَيْثِ. فَيُشْعِرُ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَةِ نَفْيُ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ وَاخْتِصَاصُهُ بِاللَّهِ ﷾.
(فَائِدَةٌ): النُّكْتَةُ فِي الْعُدُولِ عَنِ الْإِثْبَاتِ إِلَى النَّفْيِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ وَكَذَا التَّعْبِيرُ بِالدِّرَايَةِ دُونَ الْعِلْمِ لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّعْمِيمِ، إِذِ الدِّرَايَةُ اكْتِسَابُ عِلْمِ الشَّيْءِ بِحِيلَةٍ، فَإِذَا انْتَفَى ذَلِكَ عَنْ كُلِّ نَفْسٍ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ مُخْتَصَّاتِهَا وَلَمْ تَقَعْ مِنْهُ عَلَى عِلْمٍ كَانَ عَدَمُ اطِّلَاعِهَا عَلَى عِلْمِ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ بَابِ أَوْلَى. اهـ مُلَخَّصًا مِنْ كَلَامِ الطِّيبِيِّ.
قَوْلُهُ: (الْآيَةَ) أَيْ: تَلَا الْآيَةَ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ. وَلِمُسْلِمٍ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿خَبِيرٌ﴾ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ. وَأَمَّا مَا وَقَعَ عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ قَوْلِهِ إِلَى الْأَرْحَامِ فَهُوَ تَقْصِيرٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَالسِّيَاقُ يُرْشِدُ إِلَى أَنَّهُ تَلَا الْآيَةَ كُلَّهَا.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَدْبَرَ فَقَالَ: رُدُّوهُ) زَادَ فِي التَّفْسِيرِ: فَأَخَذُوا لِيَرُدُّوهُ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا. فِيهِ أَنَّ الْمَلَكَ يَجُوزُ أَنْ يَتَمَثَّلَ لِغَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَيَرَاهُ وَيَتَكَلَّمُ بِحَضْرَتِهِ، وهو يَسْمَعُ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ كَلَامَ الْمَلَائِكَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ) فِي التَّفْسِيرِ لِيُعَلِّمَ وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ: أَرَادَ أَنْ تَعْلَمُوا إِذَا لَمْ تَسْأَلُوا وَمِثْلُهُ لِعُمَارَةَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ: وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ مَا كُنْتُ بِأَعْلَمَ بِهِ مِنْ رَجُلٍ مِنْكُمْ، وَإِنَّهُ لَجِبْرِيلُ وَفِي حَدِيثِ أَبِي عَامِرٍ: ثُمَّ وَلَّى فَلَمَّا لَمْ نَرَ طَرِيقَهُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: سُبْحَانَ اللَّهُ، هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا جَاءَنِي قَطُّ وإِلَّا وَأَنَا أَعْرِفُهُ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمَرَّةُ، وَفِي رِوَايَةِ التَّيْمِيِّ: ثُمَّ نَهَضَ فَوَلَّى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عَلَيَّ بِالرَّجُلِ، فَطَلَبْنَاهُ كُلَّ مَطْلَبٍ فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ. فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَنْ هَذَا؟ هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ لِيُعَلِّمَكُمْ دِينَكُمْ، خُذُوا عَنْهُ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا شُبِّهَ عَلَيَّ مُنْذُ أَتَانِي قَبْلَ مَرَّتِي هَذِهِ، وَمَا عَرَفْتُهُ حَتَّى وَلَّى. قَالَ ابْنُ حِبَّانَ تَفَرَّدَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ بِقَوْلِهِ خُذُوا عَنْهُ. قُلْتُ: وهو مِنَ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ، وَفِي قَوْلِهِ جَاءَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ إِشَارَةٌ إِلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ، فَمَا تَفَرَّدَ إِلَّا بِالتَّصْرِيحِ، وَإِسْنَادُ التَّعْلِيمِ إِلَى جِبْرِيلَ مَجَازِيٌّ ; لِأَنَّهُ كَانَ السَّبَبَ فِي الْجَوَابِ، فَلِذَلِكَ أَمَرَ بِالْأَخْذِ عَنْهُ. وَاتَّفَقَتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَ الصَّحَابَةَ بِشَأْنِهِ بَعْدَ أَنِ الْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ.
وَأَمَّا مَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ فِي رِوَايَةِ كَهْمَسٍ: ثُمَّ انْطَلَقَ، قَالَ عُمَرُ: فَلَبِثْتُ مَلِيًّا ثُمَّ قَالَ: يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ ; فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ بِأَنَّ قَوْلَهُ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا أَيْ: زَمَانًا بَعْدَ انْصِرَافِهِ، فَكَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْلَمَهُمْ بِذَلِكَ بَعْدَ مُضِيِّ وَقْتٍ، وَلَكِنَّهُ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ. لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا الْجَمْعِ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ، وَالتِّرْمِذِيِّ: فَلَبِثْتُ ثَلَاثًا لَكِنِ ادَّعَى بَعْضُهُمْ فِيهَا التَّصْحِيفَ، وَأَنَّ مَلِيًّا صُغِّرَتْ مِيمُهَا فَأَشْبَهَتْ ثَلَاثًا لِأَنَّهَا تُكْتَبُ بِلَا أَلِفٍ، وَهَذِهِ الدَّعْوَى مَرْدُودَةٌ، فَإِنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٥٠ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سهمٍ، وأمُّه عُلَيَّة؛ بضمِّ العين المُهمَلَة وفتح اللَّام وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ) -بفتح الحاء المُهمَلَة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة- يحيى بن سعيد بن حيَّان (١) (التَّيْمِيُّ) نسبةً إلى تيم الرِّباب الكوفيُّ (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هرم بن عمرو بن جرير البجليِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ) وفي روايةٍ: «رسول الله» (ﷺ بَارِزًا) أي: ظاهرًا (يَوْمًا لِلنَّاسِ) غير محتجبٍ عنهم، و «يومًا» نُصِبَ على الظَّرفيَّة (فَأَتَاهُ رَجُلٌ) أي: مَلَكٌ في صورة رجلٍ، وهي (٢) رواية الأربعة، وفي روايةٍ في أصل متن فرع «اليونينيَّة» كهي، «جبريل» (فَقَالَ) بعد أن سَلَّم: يا محمَّد، كما في «مسلمٍ»، وإنَّما ناداه باسمه كما يناديه الأعراب تعميةً بحاله، أو لأنَّ له دالَّة المعلِّم: (مَا الإِيمَانُ؟) أي: ما مُتعلَّقاتُه؟ (قَالَ) ﷺ: (الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ) أي: تصدِّق بوجوده، وبصفاته الواجبة له تعالى، وقد وقع
السُّؤال بـ «ما» ولا يُسأَل بها إلَّا عنِ الماهيَّة، لكنَّ الظَّاهر أنَّه ﵊ علم أنَّه سأله عن متعلَّقات الإيمان لا عن حقيقته، وإِلَّا فكان الجواب: الإيمانُ: التَّصديقُ، وإنَّما فسَّر الإيمان بذلك؛ لأنَّ المُرَاد من المحدود الإيمان الشَّرعيُّ، ومن الحدِّ اللُّغويُّ، حتَّى لا يلزم تفسير الشَّيء بنفسه، وحَمَلَهُ الأُبِّيُّ على الحقيقة، معلِّلًا بأنَّ السُّؤال بـ «ما» بحسب الخصوصيَّة إنَّما يكون عن الحقيقة لا عن الحكم، وعلى هذا فقوله: «أن تؤمن … » إلى آخره؛ من حيث إنه جواب السُّؤال المذكور يتعيَّن أن يكون حدًّا؛ لأنَّ المقول في جوابه إنَّما هو الحدُّ، فإن قلت: لو كان حدًّا لم يَقُلْ جبريل ﵇ في جوابه: «صدقتَ»، كما في «مسلمٍ» لأنَّ الحدَّ لا يقبل التَّصديق، أُجِيب: بأنَّه إذا قِيلَ في الإنسان: إنَّه حيوانٌ ناطقٌ، وقُصِدَ به التَّعريف؛ فهو لا يقبل التَّصديق كما ذكرت، وإن قُصِدَ به أنَّه الذَّات المحكوم عليها بالحيوانيَّة والنَّاطقيَّة فهو دعوى وخبر (١) فيقبل التَّصديق، فلعلَّ جبريلَ ﵊ راعى هذا المعنى؛ فلذلك قال: «صدقتَ»، أو يكون قوله: «صدقت» تسليمًا، والحدُّ يقبل التَّسليم، ولا يقبل المنع لأنَّ المنع طلب الدَّليل، والدَّليل إنَّما يتوجَّه للخبر، والحدُّ تفسيرٌ لا خبرٌ، قاله أبو عبد الله الأُبِّيُّ (٢)، وأعاد لفظ «الإيمان» للاعتناء بشأنه وتفخيمًا لأمره (وَمَلَائِكَتِهِ) جمع مَلَكٍ، وأصله: مَلْأَكٌ «مَفْعَلٌ» مِنَ: الألوكة؛ بمعنى: الرِّسالة، زِيدَت فيه «التَّاء» لتأكيد معنى الجمع، أو لتأنيث الجمع، وهم
أجسامٌ (١) علويَّةٌ نورانيَّةٌ مُشكَّلةٌ بما شاءت من الأشكال، والإيمان بهم هو التَّصديق بوجودهم، وأنَّهم كما وصفهم الله تعالى: ﴿عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] أي: وأن تؤمن بملائكته (وَ) أن تؤمن (بِلِقَائِهِ) أي: برؤيته تعالى في الآخرة، كما قال الخطَّابيُّ، وتعقَّبه النَّوويُّ: بأنَّ أحدًا لا يقطع لنفسه بها؛ إذ هي مختصَّةٌ بمن مات مؤمنًا، والمرء لا يدري بِمَ يُختَم له؟ وأُجِيب: بأنَّ المُرَاد أنَّها حقٌّ في نفس الأمر، أو المُرَاد الانتقال من دار الدُّنيا (وَ) أن تؤمن (بِرُسُلِهِ) عليهم الصلاة والسلام، وفي رواية غير الأَصيليِّ: «ورسله» بإسقاط المُوحَّدة، أي: التَّصديق بأنَّهم صادقون فيما أخبروا به عن الله تعالى، وتأخيرهم في الذِّكر لتأخُّر إيجادهم لا لأفضليَّة الملائكة، وفي هامش فرع «اليونينيَّة» كهي زيادة: «وكتبه» للأَصيليِّ بإسقاط المُوحَّدة، أي: تصدِّق (٢) بأنَّها كلام الله تعالى، وأنَّ ما اشتملت عليه حقٌّ (وَ) أن (تُؤْمِنَ) أي: تصدِّق (بِالبَعْثِ) من القبور وما بعده؛ كالصِّراط والميزان، والجنَّة والنَّار، أو المُرَاد بعثة الأنبياء، وقد قِيلَ: إنَّ قوله: «وبلقائه» مُكرَّرةٌ لأنَّها داخلةٌ في الإيمان بالبعث، وتغايرُ تفسيرهما يحقِّق أنَّها ليست مُكرَّرةً، وإنما أعاد «تؤمن» لأنَّه إيمانٌ بما سيُوجَد، وما سبق إيمانٌ بالموجود في الحال، فهما نوعان، ثمَّ (قَالَ) أي: جبريل: يا رسول الله (مَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ) ﷺ: (الإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ) أي: تطيعه مع خضوعٍ وتذلُّلٍ، أو تنطق بالشَّهادتين (وَلَا تُشْرِكَ بِهِ) بالفتح، وفي نسخة كريمة: «ولا تشركُ» بالضَّمِّ، زاد الأَصيليُّ: «شيئًا» (وَ) أن (تُقِيمَ) أي: تديمَ (الصَّلَاةَ) المكتوبة؛ كما صرَّح به في «مسلمٍ» (٣)، أو تأتيَ بها على ما ينبغي، وهو وتاليه من عطف الخاصِّ على العامِّ (وَ) أن (تُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ) قيَّد بها احترازًا من صدقة التَّطوُّع؛ فإنَّها زكاةٌ لغويَّةٌ، أو من
المُعجَّلة، أو لأنَّ العرب كانت تدفع المال للسَّخاء والجود، فنبَّه بالفرض على رفض ما كانوا عليه، قال الزَّركشيُّ: والظَّاهر أنَّها للتَّأكيد، وفي رواية مسلمٍ (١): «تقيم الصَّلاة المكتوبة، وتؤتي الزَّكاة المفروضة» (وَتَصُومَ رَمَضَانَ) ولم يذكر الحجَّ؛ إمَّا ذهولًا أو نسيانًا من الرَّاوي، ويدلُّ له مجيئه في رواية كَهْمَس: «وتحجَّ البيت إنِ استطعتَ إليه سبيلًا»، وقِيلَ: لأنَّه لم يكن فُرِضَ، ودُفِعَ بأنَّ في رواية ابن منده بسندٍ على شرط مسلمٍ: أنَّ الرَّجل جاء في آخر عمره ﷺ، ولم يذكر «الصَّوم» في رواية عطاء الخراسانيِّ، واقتصر في حديث أبي عامرٍ على «الصَّلاة والزَّكاة»، ولم يزد في حديث ابن عبَّاسٍ على «الشَّهادتين»، وزاد سليمان التَّيميُّ بعد ذكر الجميع: الحجَّ والاعتمار، والاغتسال من الجنابة، وإتمام الوضوء، وقد وقع هنا التَّفريق بين الإيمان والإسلام، فجعل الإيمان عمل القلب، والإسلام عمل الجوارح، فالإيمان لغةً: التَّصديق مُطلَقًا، وفي الشَّرع: التَّصديق والنُّطق معًا، فأحدهما ليس بإيمانٍ، أمَّا التَّصديق فإنَّه لا ينجِّي وحده من النَّار، وأمَّا النُّطق فهو وحده نِفَاقٌ، فتفسيره في الحديث «الإيمان» بالتَّصديق و «الإسلام» بالعمل إنَّما فسَّر به إيمان القلب والإسلام في (٢) الظَّاهر، لا الإيمان الشَّرعيَّ والإسلام الشَّرعيَّ، والمؤلِّف يرى أنَّهما والدِّين عباراتٌ عن واحدٍ، والمتَّضح أنَّ محلَّ الخلاف إذا أُفْرِدَ لفظُ أحدِهما، فإنِ اجتمعا تغايرا، كما وقع هنا، ثمَّ (قَالَ) جبريل: يا رسول الله (مَا الإِحْسَانُ؟) مبتدأٌ وخبرٌ، و «ال» للعهد، أي: ما الإحسان المتكرِّر في القرآن المترتِّب عليه الثَّواب؟ (قَالَ) رسول الله ﷺ مُجِيبًا له: الإحسان: (أَنْ تَعْبُدَ اللهَ) أي: عبادتُك اللهَ تعالى حال كونك في عبادتك له (كَأَنَّكَ تَرَاهُ) أي: مثل حال كونك رائيًا له (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ) ﷾ فاستمِرَّ على إحسان العبادة (فَإِنَّهُ) ﷿ (يَرَاكَ) دائمًا، والإحسان: الإخلاص، أو إجادة العمل، وهذا من جوامع كَلِمِهِ ﵊؛ إذ هو شاملٌ لمَقام المُشاهَدَة ومقام المُراقَبَة، ويتَّضح لك
ذلك بأن تعرف أنَّ للعبد في عبادته ثلاثَ مقاماتٍ:
الأوَّل: أن يفعلها على الوجه الذي تسقط معه وظيفة التَّكليف؛ باستيفاء الشَّرائط والأركان.
الثَّاني: أن يفعلها كذلك وقد استغرق في بحار المُكاشَفَة، حتَّى كأنَّه يرى الله تعالى، وهذا مقامه ﷺ؛ كما قال: «وجُعِلَتْ قُرَّةُ عيني في الصَّلاة»؛ لحصول الاستلذاذ بالطَّاعة، والرَّاحة بالعبادة، وانسداد مسالك الالتفات إلى الغير باستيلاء أنوار الكشف عليه؛ وهو ثمرة امتلاء زوايا القلب من المحبوب، واشتغال السِّرِّ به، ونتيجته: نسيان الأحوال من المعلوم (١)، واضمحلال الرُّسوم.
الثَّالث: أن يفعلها وقد غلب عليه أنَّ الله تعالى يشاهده، وهذا هو مقام المُراقَبَة (٢).
فقوله: «فإن لم تكن تراه» نزولٌ عن مقام المُكاشَفَة إلى مقام المُراقَبَة، أي: إن لم تعبده وأنت من أهل الرُّؤية المعنويَّة فاعبده وأنت بحيث إنَّه يراك، وكلٌّ من المقامات الثَّلاثة إحسانٌ، إلَّا أنَّ الإحسان الذي هو شرطٌ في صحَّة العبادة إنَّما هو الأوَّل؛ لأنَّ الإحسان بالأخيرين (٣) من صفة الخواصِّ، ويتعذَّر من كثيرين، وإنَّما أخَّر السُّؤال عن الإحسان لأنَّه صفة الفعل، أو شرطٌ في صحَّته، والصِّفة بعد الموصوف، وبيان الشَّرط متأخِّرٌ عن المشروط، قاله أبو عبد الله الأُبِّيُّ، ثمَّ (قَالَ) جبريل: يا رسول الله (٤) (مَتَى) تقوم (السَّاعَةُ؟) اللَّام للعهد، والمُرَاد: يوم القيامة (قَالَ: مَا) أي: ليس (المَسْؤُولُ) زاد في رواية أبي ذَرٍّ: «عنها» (بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ) بزيادة «المُوحَّدة» في «أعلم» لتأكيد (٥) معنى النَّفيِ، والمُرَاد نفيُ علمِ وقتها لأنَّ عِلْمَ مجيئِها مقطوعٌ به، فهو علمٌ مُشتَرَكٌ، وهذا وإن أشعر بالتَّساوي في العلم إلَّا أنَّ المُرَاد التَّساوي في العلم
بأنَّ الله استأثر بعلم وقت مجيئها؛ لقوله بعد: «خمسٌ لا يعلمهنَّ إلَّا الله»، وليس السُّؤال عنها ليَعْلم الحاضرون كالأسئلة السَّابقة، بل لينزجروا عن السُّؤال عنها، كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأحزاب: ٦٣] فلمَّا وقع الجواب بأنَّه لا يعلمها إلَّا الله تعالى كفُّوا، وهذا السُّؤال والجواب وقعا بين عيسى ابن مريم وجبريل ﵉ كما في «نوادر الحميديِّ»، لكن كان عيسى هو السَّائل، وجبريل هو المسؤول، ولفظه: حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا مالك بن مِغْوَلٍ، عن إسماعيل بن رجاء، عن الشَّعبيِّ قال: سأل عيسى ابن مريم جبريلَ عنِ السَّاعة قال: ما المسؤولُ عنها بأعلمَ من السَّائل (وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا) بفتح الهمزة، جمع شَرَطٍ بالتَّحريك، أي: علاماتها السَّابقة عليها، أو مقدِّماتها لا المقارنة لها؛ وهي: (إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ) أي: وقت ولادة الأمة (رَبَّهَا) أي: مالكها وسيِّدها، وهو هنا كنايةٌ عن كثرة أولاد السَّراري، حتَّى تصير الأمُّ كأنَّها أَمَةٌ لابنها؛ من حيث إنَّها ملكٌ لأبيه، أو أنَّ الإماء يلدن الملوك، فتصير الأمُّ من جملة الرَّعايا، والمَلِك سيِّد رعيَّته، أو كنايةٌ عن فساد الحال لكثرة بيع أمَّهات الأولاد، فيتداولهنَّ المُلَّاك، فيشتري الرَّجل أمَّه وهو لا يشعر، أو هو كنايةٌ عن كثرة العقوق بأن يعامل الولد أمَّه مُعامَلَة السَّيِّد أَمَتَهُ في الإهانة بالسَّبِّ والضَّرب والاستخدام، فأطلق عليه «ربَّها» مجازًا لذلك، وعُورِضَ بأنَّه لا وجه لتخصيص ذلك بولد الأَمَة إلَّا أن يُقَال: إنَّه أقرب إلى العقوق، وعند المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦٤٧٧٧]: «ربَّتها» بتاء التَّأنيث على معنى النَّسمة؛ ليشمل الذَّكر والأنثى، وقِيلَ: كراهة أن يقول: «ربَّها» تعظيمًا للفظ الرَّبِّ تعالى، وعبَّر بـ «إذا» الدَّالَّة على الجزم لأنَّ الشَّرط
مُحقَّق الوقوع، ولم يعبِّر بـ «إن» لأنَّه لا يصحُّ أن يُقَال: إن قامت القيامة كان كذا، بل يرتكب قائله محظورًا لأنَّه يُشْعِرُ بالشك فيه (وَ) من أشراط السَّاعة: (إِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ) بضمِّ الرَّاء (البُهْمُ فِي البُنْيَانِ) أي: وقت تفاخر أهل البادية بإطالة البنيان، وتكاثرهم به (١) باستيلائهم على الأمر، وتملُّكهم البلاد بالقهر، المقتضي لتبسُّطهم في الدُّنيا؛ فهو عبارةٌ عن ارتفاع الأسافل؛ كالعبيد والسَّفلة من الجمَّالين وغيرهم، وما أحسن قول القائل:
إذا التحقَ الأسافلُ بالأعالي … فقد طابتْ منادمةُ المنايا
وفيه: إشارةٌ إلى اتِّساع دين الإسلام، كما أنَّ الأوَّل فيه اتِّساعُ الإسلام، واستيلاء أهله على بلاد الكفر، وسبيُ ذراريهم، قال البيضاويُّ: لأنَّ بلوغَ الأمرِ الغايةَ مُنْذِرٌ بالتَّراجع المُؤْذِنِ بأن القيامة ستقوم؛ كما قِيلَ:
وعند التَّناهي يقصرُ المتطاولُ
والبُهمُ: -بضمِّ المُوحَّدة- جمع الأبهم؛ وهو الذي لاشِيَةَ له، أو جمع بهيمٍ؛ وهي رواية أبي ذرٍّ وغيره، ورُوِيَ عن الأَصيليِّ: الضَّمُّ والفتحُ، وكذا ضبطه القابسيُّ بالفتح أيضًا، ولا وجه له؛ لأنَّها صغار الضَّأن والمعز، وفي الميم الرَّفع نعتًا لـ «الرعاة» أي: السُّود، أوِ (٢)
المجهولون الذين لا يُعرَفُون، والجرُّ صفةً لـ «الإبل» أي: رعاة الإبل البهمِ (١) السُّود، وقد عدَّ في الحديث من الأشراط علامتين، والجمع يقتضي ثلاثةً؛ فإمَّا أن يكون على أنَّ أقلَّ الجمع اثنان، أو أنَّه اكتفى باثنين لحصول المقصود بهما في علم أشراط السَّاعة، وعلم وقتها داخلٌ (فِي) جملة (خَمْسٍ) من الغيب (لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا الله، ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ ﷺ: ﴿إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]) أي: علم وقتها، وللأَصيليِّ: «﴿وَيُنَزِّلُ﴾ … » (الآيَةَ) بالنَّصبِ بتقدير: «اقرأ»، وبالرَّفع مبتدأ خبره محذوفٌ، أي: الآيةُ مقروءةٌ إلى آخر السُّورة، ولمسلمٍ: إلى قوله: ﴿خَبِيرٌ﴾ وكذا في رواية أبي فَرْوة، والسِّياق يرشد إلى أنَّه تلا الآية كلَّها، وسقط في رواية قوله «الآية» (٢) والجارُّ متعلِّقٌ بمحذوفٍ كما قدَّرته، فهو على حدِّ قوله تعالى: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ [النمل: ١٢] أي: اذهب إلى فرعون بهذه الآية في جملة تسع آياتٍ، وتمام الآية السَّابقة: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ أي: في أوانه المُقدَّر له، والمحلِّ المُعيَّن له ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ أذكرًا أم أنثى، تامًّا أم ناقصًا؟ ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ من خيرٍ أو شرٍّ، وربَّما يعزم على شيءٍ ويفعل خلافه ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ أي: كما لا تدري في أيِّ وقتٍ تموت، قال القرطبيُّ: لا مطمع لأحدٍ في علم شيءٍ من هذه الأمور الخمسة لهذا الحديث، فَمَنِ ادَّعى علم شيءٍ منها غير مستندٍ إلى الرَّسول ﷺ كان كاذبًا في دعواه.
(ثُمَّ أَدْبَرَ) الرَّجل السَّائل (فَقَالَ) رسول الله ﷺ: (رُدُّوهُ) فأخذوا ليردُّوه (فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا) لا عينه ولا أثره، قال ابن بَزِيْزَة: ولعلَّ قوله: «رُدُّوه عليَّ» إيقاظٌ للصَّحابة ليتفطَّنوا إلى أنَّه
مَلَكٌ لا بشرٌ (فَقَالَ) ﷺ: (هَذَا) ولكريمة: «إنَّ هذا» (جِبْرِيلُ) ﵇ (جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ) أي: قواعد دينهم، وهي جملةٌ وقعت حالًا مُقدَّرةً لأنَّه لم يكن مُعلِّمًا وقت المجيء، وأَسْنَدَ التَّعليمَ إليه -وإن كان سائلًا- لأنَّه لمَّا كان السَّبب فيه أسنده إليه، أو أنَّه كان من غرضه، وللإسماعيليِّ: «أراد أن تَعلَّموا إذ لم تسألوا»، وفي حديث أبي عامرٍ: «والَّذي نفسُ محمَّدٍ بيده؛ ما جاءني قطُّ إلَّا وأنا أعرفه، إلَّا أن تكون هذه المرَّة»، وفي رواية سليمانَ التَّيميِّ: «ما شُبِّهَ عليَّ منذ أتاني قبل مرَّتي هذه، وما عرفته حتَّى ولَّى».
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ رحمه الله تعالى: (جَعَلَ) النَّبيُّ ﷺ (ذَلِكَ) المذكور في هذا الحديث (كُلَّهُ مِنَ الإِيمَانِ) أي: الكامل المشتمل على هذه الأمور كلِّها، وفي هذا الحديث: بيان عِظَمِ الإخلاص والمُرَاقَبَة، وفيه: أنَّ العالِمَ إذا سُئِلَ عمَّا لا يعلمه يقول: لا أدري، ولا يُنْقِصُ ذلك من جلالته، بل يدلُّ على ورعه وتقواه ووفور علمه، وأنَّه يسأل العالِمَ لِيعلمَ السَّامعون، ويحتمل أنَّ في سؤال جبريلَ النَّبيَّ ﷺ في حضور الصَّحابة أنَّه يريد أنْ يُرِيَهم أنَّه ﵊ مليءٌ من العلوم، وأنَّ علمه مأخوذٌ من الوحيِ، فتزيد رغبتهم ونشاطهم فيه، وهو المعنيُّ بقوله: «جاء يعلِّم النَّاس دينَهم»، وأنَّ الملائكة تَمثَّلُ بأيِّ صورةٍ شاؤوا من صور بني آدم، وأخرجه المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦٤٧٧٧] وفي «الزَّكاة» مُختصرًا [خ¦١٣٩٧]، ومسلمٌ في «الإيمان»، وابن ماجه في «السُّنَّة» بتمامه، وفي «الفتن» ببعضه، وأبو داود في «السُّنَّة»، والنَّسائيُّ في «الإيمان»، وكذا التِّرمذيُّ، وأحمد في «مُسنَده»، والبزَّار بإسنادٍ حسنٍ، وأبو عوانة في «صحيحه»، وأخرجه مسلمٌ أيضًا عن عمر بن الخطَّاب، ولم يخرجه البخاريُّ لاختلافٍ فيه على بعض رواته، وبالجملة: فهو حديثٌ جليلٌ، حتَّى قال القرطبيُّ: يصلح أن يُقَال له: أمُّ السُّنَّة لِمَا تضمَّنه من جُمَلِ علمها، وقال عياضٌ إنَّه اشتمل على جميع وظائف العبادات الظَّاهرة والباطنة من عقود الإيمان، ابتداءً وحالًا ومآلًا، ومن أعمال الجوارح، ومن إخلاص السَّرائر، والتَّحفُّظ من آفات الأعمال، حتَّى إنَّ علوم الشَّريعة كلَّها راجعةٌ إليه ومتشعِّبةٌ منه. انتهى.
(٣٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، مع سقوط التَّرجمة لأبي الوقت وكريمة، وسقط ذلك للأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ وابن عساكر، ورجَّح النَّوويُّ الأوَّل بأنَّ الحديث التَّالي لا تعلُّق له بالتَّرجمة السَّابقة، وأُجِيب: بأنَّه يتعلَّق بها من جهة اشتراكهما في جعل الإيمان دِينًا، لكن استُشكِل من جهة الاستدلال بقول هِرَقْلَ مع كونه غير مؤمنٍ، وأُجِيب: بأنَّ هِرَقْلَ لم يَقُلْهُ من قِبَلِ رأيه، إنَّما رواه عن الكتب السَّالفة (١)، وفي شرعهم كان الإيمان دينًا، وشرعُ مَنْ قَبْلَنا شَرْعٌ (٢) لنا ما لم يرد ناسخٌ، وتداولته الصَّحابة.