الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٠١٤
الحديث رقم ٥٠١٤ من كتاب «كتاب فضائل القرآن» في صحيح البخاري، تحت باب: باب فضل قل هو الله أحد.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٥٠١٤ - وَزَادَ أَبُو مَعْمَرٍ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : أَخْبَرَنِي أَخِي قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ :
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ - وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ.
[الحديث ٥٠١٣ - طرفاه في: ٦٦٤٣، ٧٣٧٤]
٥٠١٤ - وَزَادَ أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَخْبَرَنِي أَخِي قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَقْرَأُ مِنْ السَّحَرِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا فَلَمَّا أَصْبَحْنَا أَتَى الرَّجُلُ النَّبِيَّ ﷺ نَحْوَهُ"
٥٠١٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ وَالضَّحَّاكُ الْمَشْرِقِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ قال النبي ﷺ: " لِأَصْحَابِهِ أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا أَيُّنَا يُطِيقُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ الْقُرْآنِ" قال الفربري سمعت أبا جعفر محمد بن أبي حاتم ورّاق أبي عبد الله يقول: قال أبو عبد الله: عن إبراهيم مرسل، وعن الضحاك المشرقي مسند"
قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، فِيهِ عَمْرَةُ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ أَوَّلُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، فَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ فَيَخْتِمُ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ الْحَدِيثُ وَفِي آخِرِهِ أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ وَسَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي أَوَّلِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ بِتَمَامِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ، وَبَيَّنْتُ هُنَاكَ الِاخْتِلَافَ فِي تَسْمِيَتِهِ، وَذَكَرْتُ فِيهِ بَعْضَ فَوَائِدِهِ، وَأَحَلْتُ بِبَقِيَّةِ شَرْحِهِ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ وَذَهِلَ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ: قَوْلُهُ: فِيهِ عَمْرَةُ أَيْ رَوَتْ عَنْ عَائِشَةَ حَدِيثًا فِي فَضْلِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ عَلَى شَرْطِهِ لَمْ يَذْكُرْهُ بِنَصِّهِ وَاكْتَفَى بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ إِجْمَالًا. كَذَا قَالَ، وَغَفَلَ عَمَّا فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ) هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ، وَكَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ، وَرَوَاهُ أَبُو صَفْوَانَ الْأُمَوِيُّ، عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ، وَمَعْنٍ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ بَعْدَهُ: إِنَّ الصَّوَابَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، كَمَا فِي الْأَصْلِ، وَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ مَالِكٍ كَذَلِكَ، وَقَالَ بَعْدَهُ الصَّوَابُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذَا الِاخْتِلَافِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنْ مَالِكٍ فِي كِتَابِ الْأَذَانِ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ يُرَدِّدُهَا) الْقَارِئُ هُوَ قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، أَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: بَاتَ قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ كُلِّهِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا الْحَدِيثَ، وَالَّذِي سَمِعَهُ لَعَلَّهُ أَبُو سَعِيدٍ رَاوِي الْحَدِيثِ لِأَنَّهُ أَخُوهُ لِأُمِّهِ وَكَانَا مُتَجَاوِرَيْنِ وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، فَكَأَنَّهُ أَبْهَمَ نَفْسَهُ وَأَخَاهُ، وَقَدْ أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ
الطَّبَّاعِ، عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظِ إِنَّ لِي جَارًا يَقُومُ بِاللَّيْلِ فَمَا يَقْرَأُ إِلَّا بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ.
قَوْلُهُ: (يَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَهْضَمٍ يَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ كُلَّهَا يُرَدِّدُهَا.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ الرَّجُلُ) أَيِ السَّائِلُ.
قَوْلُهُ: (يَتَقَالُّهَا) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَأَصْلُهُ يَتَقَالَلُهَا أَيْ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا قَلِيلَةً، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الطَّبَّاعِ الْمَذْكُورَةِ كَأَنَّهُ يُقَلِّلُهَا وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ مَالِكٍ فَكَأَنَّهُ اسْتَقَلَّهَا وَالْمُرَادُ اسْتِقْلَالُ الْعَمَلِ لَا التَّنْقِيصُ.
قَوْلُهُ: (وَزَادَ أَبُو مَعْمَرٍ) قَالَ الدِّمْيَاطِيُّ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْحَجَّاجِ الْمِنْقَرِيُّ، وَخَالَفَهُ الْمِزِّيُّ تَبَعًا لِابْنِ عَسَاكِرَ فَجَزَمَا بِأَنَّهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْهُذَلِيُّ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنَ الْمِنْقَرِيِّ، وَالْهُذَلِيِّ يُكَنَّى أَبَا مَعْمَرٍ وَكِلَاهُمَا مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، لَكِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ إِنَّمَا يُعْرَفُ بِالْهُذَلِيِّ، بَلْ لَا نَعْرِفُ لِلْمِنْقَرِيِّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ شَيْئًا، وَقَدْ وَصَلَهُ النَّسَائِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْهُذَلِيِّ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مَالِكٍ) هُوَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَقْرَانِ.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي أَخِي قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ) هُوَ أَخُوهُ لِأُمِّهِ، أُمُّهُمَا أُنَيْسَةُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ قَيْسِ بْنِ مَالِكٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ.
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا أَصْبَحْنَا أَتَى الرَّجُلُ النَّبِيَّ ﷺ نَحْوَهُ) يَعْنِي نَحْوَ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَلَفْظُهُ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إن فلانا قَامَ اللَّيْلَةَ يَقْرَأُ مِنَ السَّحَرِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فَسَاقَ السُّورَةَ يُرَدِّدُهَا لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّهَا لِتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ.
قَالَ الْفَرَبْرِيُّ. سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حَاتِمٍ وَرَّاقَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: عَنْ إِبْرَاهِيمَ مُرْسَلٌ، وَعَنِ الضَّحَّاكِ الْمِشْرَقِيِّ مُسْنَدٌ.
قَوْلُهُ: (إِبْرَاهِيمُ) هُوَ النَّخَعِيُّ وَالضَّحَّاكُ الْمِشْرَقِيُّ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ نِسْبَةً إِلَى مِشْرَقِ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُشَمِ بْنِ حَاشِدٍ بَطْنٌ مِنْ هَمْدَانَ، قَيَّدَهُ الْعَسْكَرِيُّ وَقَالَ: مَنْ فَتَحَ الْمِيمَ فَقَدْ صَحَّفَ، كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مَشْرِقٌ مَوْضِعٌ، وَقَدْ ضَبَطَهُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَابْنَ مَاكُولَا وَتَبِعَهُمَا ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي مَوْضِعٍ، ثُمَّ غَفَلَ فَذَكَرَهُ بِكَسْرِ الْمِيمِ كَمَا قَالَ الْعَسْكَرِيُّ لَكِنْ جَعَلَ قَافَهُ فَاءً، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فَأَصَابَ. وَالضَّحَّاكُ الْمَذْكُورُ هُوَ ابْنُ شَرَاحِيلَ وَيُقَالُ: شُرَاحْبِيلَ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرَ يَأْتِي فِي كِتَابِ الْأَدَبِ قَرَنَهُ فِيهِ بِأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَحَكَى الْبَزَّارُ أَنَّ بَعْضَهُمْ زَعَمَ أَنَّهُ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ وَهُوَ غَلَطٌ.
قَوْلُهُ: (أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ) بِكَسْرِ الْجِيمِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ) لَعَلَّ هَذِهِ قِصَّةٌ أُخْرَى غَيْرُ قِصَّةِ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانَ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِهَذَا.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: اللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ الْقُرْآنِ) عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ، عَنِ الْأَعْمَشِ فَقَالَ: يَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فَهِيَ ثُلُثُ الْقُرْآنِ فَكَأَنَّ رِوَايَةَ الْبَابِ بِالْمَعْنَى. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْمَذْكُورِ نَظِيرَ ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَمَّى السُّورَةَ بِهَذَا الِاسْمِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الصِّفَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ، أَوْ يَكُونَ بَعْضُ رُوَاتِهِ كَانَ يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ، فَقَدْ جَاءَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ بِغَيْرِ قُلْ فِي أَوَّلِهَا.
قَوْلُهُ: (قَالَ الْفَرَبْرِيُّ. سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حَاتِمٍ وَرَّاقَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: عَنْ إِبْرَاهِيمَ مُرْسَلٌ، وَعَنِ الضَّحَّاكِ الْمِشْرَقِيِّ مُسْنَدٌ) ثَبَتَ هَذَا عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ عَنْ شُيُوخِهِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ رِوَايَةَ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مُنْقَطِعَةٌ وَرِوَايَةُ الضَّحَّاكِ عَنْهُ مُتَّصِلَةٌ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورُ هُوَ الْبُخَارِيُّ الْمُصَنِّفُ، وَكَأَنَّ الْفَرَبْرِيَّ مَا سَمِعَ هَذَا الْكَلَامَ مِنْهُ فَحَمَلَهُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْهُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ كَانَ يُوَرِّقُ لِلْبُخَارِيِّ أَيْ يَنْسَخُ لَهُ وَكَانَ مِنَ الْمُلَازِمِينَ لَهُ وَالْعَارِفِينَ بِهِ وَالْمُكْثِرِينَ عَنْهُ، وَقَدْ ذَكَرَ الْفَرَبْرِيُّ عَنْهُ فِي الْحَجِّ وَالْمَظَالِمِ وَالِاعْتِصَامِ وَغَيْرِهَا فَوَائِدَ عَنِ الْبُخَارِيِّ وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ كَانَ يُطْلِقُ عَلَى الْمُنْقَطِعِ لَفْظَ الْمُرْسَلِ وَعَلَى الْمُتَّصِلِ لَفْظَ الْمُسْنَدِ، وَالْمَشْهُورُ فِي الِاسْتِعْمَالِ أَنَّ الْمُرْسَلَ مَا يُضِيفُهُ التَّابِعِيُّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُسْنَدُ مَا يُضِيفُهُ
الصَّحَابِيُّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرَ الْإِسْنَادِ إِلَيْهِ الِاتِّصَالُ، وَهَذَا الثَّانِي لَا يُنَافِي مَا أَطْلَقَهُ الْمُصَنِّفُ.
قَوْلُهُ: (ثُلُثَ الْقُرْآنِ) حَمَلَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالَ: هِيَ ثُلُثٌ بِاعْتِبَارِ مَعَانِي الْقُرْآنِ، لِأَنَّهُ أَحْكَامٌ وَأَخْبَارٌ وَتَوْحِيدٌ وَقَدِ اشْتَمَلَتْ هِيَ عَلَى الْقِسْمِ الثَّالِثِ فَكَانَتْ ثُلُثًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَيُسْتَأْنَسُ لِهَذَا بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: جَزء النَّبِيُّ ﷺ الْقُرْآنَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ: فَجَعَلَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ الْقُرْآنِ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلَى اسْمَيْنِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى يَتَضَمَّنَانِ جَمِيعَ أَصْنَافِ الْكَمَالِ لَمْ يُوجَدَا فِي غَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ وَهُمَا الْأَحَدُ الصَّمَدُ، لِأَنَّهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى أَحَدِيَّةِ الذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ الْمَوْصُوفَةِ بِجَمِيعِ أَوْصَافِ الْكَمَالِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَحَدَ يُشْعِرُ بِوُجُودِهِ الْخَاصِّ الَّذِي لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، وَالصَّمَدُ يُشْعِرُ بِجَمِيعِ أَوْصَافِ الْكَمَالِ لِأَنَّهُ الَّذِي انْتَهَى إِلَيْهِ سُؤْدُدُهُ فَكَانَ مَرْجِعُ الطَّلَبِ مِنْهُ وَإِلَيْهِ، وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّحْقِيقِ إِلَّا لِمَنْ حَازَ جَمِيعَ خِصَالِ الْكَمَالِ وَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَمَّا اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلَى مَعْرِفَةِ الذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ كَانَتْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَمَامِ الْمَعْرِفَةِ بِصِفَاتِ الذَّاتِ وَصِفَاتِ الْفِعْلِ ثُلُثًا اهـ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: تَضَمَّنَتْ هَذِهِ السُّورَةُ تَوْجِيهَ الِاعْتِقَادِ وَصِدْقَ الْمَعْرِفَةِ وَمَا يَجِبُ إِثْبَاتُهُ لِلَّهِ مِنَ الْأَحَدِيَّةِ الْمُنَافِيَةِ لِمُطْلَقِ الشَّرِكَةِ، وَالصَّمَدِيَّةِ الْمُثْبِتَةِ لَهُ جَمِيعَ صِفَاتِ الْكَمَالِ الَّذِي لَا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ، وَنَفْيَ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ الْمُقَرِّرَ لِكَمَالِ الْمَعْنَى، وَنَفْيَ الْكُفْءِ الْمُتَضَمِّنَ لِنَفْيِ الشَّبِيهِ وَالنَّظِيرِ، وَهَذِهِ مَجْمَعُ التَّوْحِيدِ الِاعْتِقَادِيِّ، وَلِذَلِكَ عَادَلَتْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ لِأَنَّ الْقُرْآنَ خَبَرٌ وَإِنْشَاءٌ، وَالْإِنْشَاءُ أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَإِبَاحَةٌ، وَالْخَبَرُ خَبَرٌ عَنِ الْخَالِقِ وَخَبَرٌ عَنْ خَلْقِهِ، فَأَخْلَصَتْ سُورَةُ الْإِخْلَاصِ الْخَبَرَ عَنِ اللَّهِ، وَخَلَّصَتْ قَارِئَهَا مِنَ الشِّرْكِ الِاعْتِقَادِيِّ. وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ الْمِثْلِيَّةَ عَلَى تَحْصِيلِ الثَّوَابِ فَقَالَ: مَعْنَى كَوْنِهَا ثُلُثَ الْقُرْآنِ أَنَّ ثَوَابَ قِرَاءَتِهَا يَحْصُلُ لِلْقَارِئِ مِثْلَ ثَوَابِ مَنْ قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ وَقِيلَ: مِثْلُهُ بِغَيْرِ تَضْعِيفٍ، وَهِيَ دَعْوَى بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَيُؤَيِّدُ الْإِطْلَاقَ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْأَخِيرِ وَقَالَ فِيهِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: احْشُدُوا، فَسَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ.
فَخَرَجَ فَقَرَأَ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا إِنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ وَلِأَبِي عُبَيْدٍ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: مَنْ قَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فَكَأَنَّمَا قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، وَإِذَا حُمِلَ ذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَهَلْ ذَلِكَ لِثُلُثٍ مِنَ الْقُرْآنِ مُعَيَّنٍ أَوْ لِأَيِ ثُلُثٍ فُرِضَ مِنْهُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَيَلْزَمُ عَلَى الثَّانِي أَنَّ مَنْ قَرَأَهَا ثَلَاثًا كَانَ كَمَنْ قَرَأَ خَتْمَةً كَامِلَةً. وَقِيلَ: الْمُرَادُ مَنْ عَمِلَ بِمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الْإِخْلَاصِ وَالتَّوْحِيدِ كَانَ كَمَنْ قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ. وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ قَوْلَهُ: تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ يَخْتَصُّ بِصَاحِبِ الْوَاقِعَةِ لِأَنَّهُ لَمَّا رَدَّدَهَا فِي لَيْلَتِهِ كَانَ كَمَنْ قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ بِغَيْرِ تَرْدِيدٍ، قَالَ الْقَابِسِيُّ: وَلَعَلَّ الرَّجُلَ الَّذِي جَرَى لَهُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ يَحْفَظُ غَيْرَهَا فَلِذَلِكَ اسْتَقَلَّ عَمَلَهُ، فَقَالَ لَهُ الشَّارِعُ ذَلِكَ تَرْغِيبًا لَهُ فِي عَمَلِ الْخَيْرِ وَإِنْ قَلَّ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَنْ لَمْ يَتَأَوَّلْ هَذَا الْحَدِيثَ أَخْلَصُ مِمَّنْ أَجَابَ فِيهِ بِالرَّأْيِ. وَفِي الْحَدِيثِ إِثْبَاتُ فَضْلِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّهَا تُضَاهِي كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْجُمَلِ الْمُثْبِتَةِ وَالنَّافِيَةِ مَعَ زِيَادَةِ تَعْلِيلٍ، وَمَعْنَى النَّفْيِ فِيهَا أَنَّهُ الْخَالِقُ الرَّزَّاقُ الْمَعْبُودُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فَوْقَهُ مَنْ يَمْنَعُهُ كَالْوَالِدِ، وَلَا مَنْ يُسَاوِيهِ فِي ذَلِكَ كَالْكُفْءِ، وَلَا مَنْ يُعِينُهُ عَلَى ذَلِكَ كَالْوَلَدِ.
وَفِيهِ إِلْقَاءُ الْعَالِمِ الْمَسَائِلَ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَاسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَا يَتَبَادَرُ لِلْفَهْمِ، لِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ إِطْلَاقِ ثُلُثِ الْقُرْآنِ أَنَّ الْمُرَادَ ثُلُثُ حَجْمِهِ الْمَكْتُوبِ مَثَلًا، وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُرَادٍ.
(تَنْبِيهٌ): أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَأَبُو الشَّيْخِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ: إِذَا زُلْزِلَتْ تَعْدِلُ نِصْفَ الْقُرْآنِ، وَالْكَافِرُونَ تَعْدِلُ رُبْعَ الْقُرْآنِ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو الشَّيْخِ مِنْ طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ وَرْدَانَ، عَنْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
والتِّرمذي: «احشدوا (١)، فسأقرأُ عليكُم ثلثَ القرآنِ، فخرج يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ ثمَّ قال: ألا إنَّها تعدلُ ثلثَ القرآنِ»، وإذا حملناهُ على ظاهرهِ فهل ذلك الثُّلث معيَّن، أو أيُّ ثلثٍ كان منه؟ فيه نظر، وعلى الثَّاني فمَن قرأهَا ثلاثًا كان كمَن قرأَ ختمةً كاملةً.
٥٠١٤ - (وَزَادَ أَبُو مَعْمَرٍ) بسكون العين بين فتحتين، عبدُ اللهِ بن عمرو المنقريُّ، قاله الدِّمياطيُّ. وقال المزيُّ -كابنِ عساكرٍ-: إنَّه إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ الهذليُّ، وصوَّبه في «الفتح» بأنَّ الحديثَ إنَّما يعرفُ بالهذليِّ، بل لا نعرفُ للمنقريِّ عن إسماعيلَ بنِ جعفرٍ شيئًا، وقد وصله النَّسائي عن إسماعيلَ الهذليِّ. وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بنِ أبي كثيرٍ الأنصاريُّ الزرقيُّ (عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ) الإمام، وسقط «ابنِ أنسٍ» للأَصيليِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَخِي) لأمي (قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَقْرَأُ مِنَ السَّحَرِ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا أَتَى رَجُلٌ) ولأبي ذرٍّ: «أتى الرَّجل» (النَّبِيَّ ﷺ، نَحْوَهُ) أي: نحو الحديثِ السَّابق [خ¦٥٠١٣] ولفظهُ عند الإسماعيليِّ: «فقال: يا رسول الله، إنَّ فلانًا قامَ اللَّيلة يقرأُ من السَّحر: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ فساق السُّورة يردِّدها لا يزيدُ عليها، وكأنَّ الرَّجل يتقالُّها، فقال النَّبيُّ ﷺ: «إنَّها لتعدلُ ثلثَ القرآن»».
٥٠١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ بنُ غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ بنُ مهران قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ (وَالضَّحَّاكُ) بالضَّاد المعجمة والحاء المهملة المشددة، ابنُ شراحيلَ، وقيل: شرحبيل (المَشْرِقِيُّ) بفتح الميم وكسر الراء في الفرع، كالدَّارقطنيِّ
وابنِ ماكولا، وكذا هو عند أبي ذرٍّ، وقيَّده العسكريُّ بكسر الميم وفتح الراء، نسبة إلى مشرقِ بنِ زيدِ بنِ جُشمِ بنِ حاشدٍ، بطنٌ من همدان، وقال: من فتح الميم فقد (١) صحَّف.
قال في «الفتح»: وكأنَّه يشيرُ إلى قولِ ابنِ أبي حاتمٍ: مشرقٌ موضع، وهو بالقاف اتِّفاقًا، وبالفاء تصحيفٌ.
كلاهما أعني: إبراهيمَ والضَّحَّاك (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁) وسقط «الخدريِّ» للأَصيليِّ (٢) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَصْحَابِهِ: أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ) بكسر الجيم، من باب ضَرَب يَضْرِب، والهمزة للاستفهام الاستخباريِّ، في «القاموس»: والعُجُوز -بالضم- الضَّعف، والفعل كضَرَبَ وسَمِعَ، فهو عاجزٌ، من عواجزَ (٣) (أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ القُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ) ولأبوي ذرٍّ والوقتِ: «بثلث» بزيادة الموحدة، ولأبي ذرٍّ وحده: «في ليلتهِ» (فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَقَالُوا: أَيُّنَا يُطِيقُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ) ﵊: (اللهُ الوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ القُرْآنِ) وعند الإسماعيليِّ من روايةِ أبي خالدٍ الأحمر عن الأعمشِ: «فقال: يقرأُ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ فهي ثلثُ القرآنِ».
قال في «الفتح»: فكأنَّ رواية الباب بالمعنى، ويحتملُ أن يكونَ بعضُ رواتهِ كان يقرؤها كذلك، كما جاءَ أنَّ عمر كان يقرأ: ﴿اللهُ أَحَدٌ. اللهُ الصَّمَدُ﴾ بغير قل في أولها، أو سمَّى السُّورة بهذا الاسم لاشتمالها على الصِّفتين المذكورتين، وقد قيل في معنى الثُّلث غير ما ذكرَ: أنَّ المرادَ مَن عملَ بما تضمَّنَتْه من الإخلاصِ والتَّوحيد كان كمَن قرأ ثلثَ القرآنِ.
وقال الطِّيبي: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ في معنى لا إله إلا الله؛ لوجهين:
أحدهما: أنَّه تعالى وحدَه هو الصَّمد المرجوعُ إليهِ في حوائجِ المخلوقاتِ، ولا صمَدَ سواهُ، ولو صوِّر سواهُ صمد لفسدَ نظامُ العوالم، ومن ثمَّ كرَّر ﴿اللهُ﴾ وأوقعَ ﴿الصَّمَدُ﴾ المعرَّف خبرًا له، وقطعهُ جملة مستأنفة على بيانِ الموجبِ.
ثانيهما: أنَّ الله هو الأحدُ في الإلهيَّة؛ إذ لو تصوِّر غيره لكان إمَّا أن يكون فوقه فيها، وهو محالٌ، وإليه الإشارة بقوله: ﴿لَمْ يُولَدْ (١)﴾ أو دونه، فلا يستقيم أيضًا، وإليه لمح بقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ أو مساويًا له، وهو محالٌ أيضًا، وإليه رمز بقوله: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ويجوز أن تكون الجملُ المنفيَّة تعليلًا للجملةِ الثَّانية المثبتةِ، كأنَّه لما قيل: هو الصَّمد المعبودُ الخالقُ الرَّازق المثيبُ المعاقبُ ولا صمدَ سواهُ؛ قيل: لِمَ كان كذلك؟ أُجيب: لأنَّه ليس فوقهُ أحدٌ يمنعه من ذلك، ولا مساوٍ يعاونه (٢)، ولا دونه يستقلُّ به، وقد أخرجَ التِّرمذيُّ عن ابن عبَّاس وأنسِ بن مالكٍ قالا: قال رسولُ الله ﷺ: «﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ تعدلُ نصفَ القرآنِ، و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ تعدلُ ثلثَ القرآنِ (٣)، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ تعدلُ ربعَ القرآنِ».
وأخرج التِّرمذيُّ أيضًا، وابنُ أبي شيبةَ، وأبو الشَّيخ من طريقِ سلمةَ بنِ وردان عن أنسٍ: «الكافرون والنَّصر تعدلُ كلٌّ منهما ربع القرآنِ، و ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ تعدلُ ربعَ القرآنِ»، زاد ابنُ أبي شيبةَ وأبو الشَّيخ: «وآية الكرسيِّ تعدلُ ربعَ القرآنِ».
قال في «الفتح»: وهو حديثٌ ضعيفٌ لضعفِ سلمة، وإنْ حسَّنه التِّرمذيُّ، فلعلَّه تساهلَ فيه لكونهِ في فضائلِ الأعمالِ، وكذا صحَّحه الحاكم من حديثِ ابن عبَّاس، وفي سندهِ يمانُ بنُ المغيرةَ، وهو ضعيفٌ عندهم. انتهى.
وأبدى القاضِي البيضاوي الحكمةَ فقال: يحتملُ أن يقال: المقصودُ الأعظمُ بالذَّات من القرآنِ بيان المبدأ والمعادِ، و ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ مقصورةٌ على ذكرِ (٤) المعاد مستقلَّة ببيانِ أحوالهِ، فتعادِلُ نصفَهُ، وأمَّا ما جاء أنَّها ربعهُ فلأنَّه يشتملُ على تقريرِ التَّوحيد، والنُّبوَّات، وبيانِ أحكامِ المعاشِ، وأحوالِ المعاد، وهذه السُّورة مشتملةٌ على القسمِ الأخيرِ، وأمَّا الكافرونَ فمحتويةٌ على القسمِ الأوَّل منها؛ لأنَّ البراءة عن الشِّرك إثباتٌ للتَّوحيدِ، فيكون كلُّ واحدٍ منهما كأنَّه ربع.
فإن قلتَ: هلَّا حملوا المعادلة على التَّسوية في الثَّواب على المقدارِ المنصوصِ عليهِ؟ أُجيب بأنَّه منعهُم من ذلك لزومُ فضلِ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ على سورةِ الإخلاص، والقولُ الجامعُ فيه ما ذكرهُ الشَّيخ التُّوْرِبِشتي ﵀ في «شرح المشكاة» من قوله: نحنُ وإن سلكنَا هذا المسلك بمبلغِ علمنا نعتقدُ ونعترفُ أنَّ بيانَ ذلك على الحقيقةِ إنَّما يتلقَّى من قبلِ الرَّسول صلوات الله وسلامه عليه، فإنَّه (١) هو الَّذي يُنتهى إليه في معرفةِ حقائقِ الأشياء والكشفِ عن خفيَّاتِ العلومِ، فأمَّا القول الَّذي نحنُ بصددهِ ونحومُ حولَه على مقدارِ فهمنا؛ فهو (٢) وإن سلم من الخللِ والزَّلل لا يتعدَّى عن ضربٍ من الاحتمالِ، نقلهُ الطِّيبي في «شرح المشكاة».
(قَالَ الفَِرَبْرِيِّ) أبو عبدِ اللهِ محمَّد بن يوسفَ بنِ مطرِ بنِ صالحٍ: (سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرَ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حَاتِمٍ) بالحاء المهملة والفوقية (وَرَّاقَ أَبِي عَبْدِ اللهِ) محمَّد بنِ إسماعيلَ البخاريِّ؛ أي: كاتبهُ الَّذي كان يكتب له (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ، عن أبي سعيدٍ (مُرْسَلٌ) أي: منقطعٌ (وَعَنِ الضَّحَّاكِ المَشْرِقِيِّ) بفتح ميم «المشرقي» وكسر الراء لأبي ذرٍّ، قال اليونيني: وقد اختلفَ فيه الحفَّاظ (مُسْنَدٌ) ظاهره أنَّ المؤلِّف كان يطلق على المنقطعِ لفظ المرسل، وعلى المتَّصل لفظَ المسند، والمشهورُ في الاستعمالِ أنَّ المرسل ما يضيفه التَّابعيُّ إلى النَّبيِّ ﷺ، والمسندُ ما يضيفهُ الصَّحابي إلى النَّبيِّ ﷺ، بشرط أن يكون ظاهر الإسنادِ إليه الاتصال، وثبتَ: «قال الفَِرَبْرِيِّ … » إلى آخر (٣) قوله: «أبي عبد الله» لأبي ذرٍّ، وسقطَ لغيره «قال أبو عبد الله … » إلى آخره (٤).
(١٤) (باب (٥) فَضْلِ المُعَوِّذَاتِ) بكسر الواو، وثبتَ لفظ: «باب» لأبي ذرٍّ.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ - وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ.
[الحديث ٥٠١٣ - طرفاه في: ٦٦٤٣، ٧٣٧٤]
٥٠١٤ - وَزَادَ أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَخْبَرَنِي أَخِي قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَقْرَأُ مِنْ السَّحَرِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا فَلَمَّا أَصْبَحْنَا أَتَى الرَّجُلُ النَّبِيَّ ﷺ نَحْوَهُ"
٥٠١٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ وَالضَّحَّاكُ الْمَشْرِقِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ قال النبي ﷺ: " لِأَصْحَابِهِ أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا أَيُّنَا يُطِيقُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ الْقُرْآنِ" قال الفربري سمعت أبا جعفر محمد بن أبي حاتم ورّاق أبي عبد الله يقول: قال أبو عبد الله: عن إبراهيم مرسل، وعن الضحاك المشرقي مسند"
قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، فِيهِ عَمْرَةُ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ أَوَّلُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، فَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ فَيَخْتِمُ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ الْحَدِيثُ وَفِي آخِرِهِ أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ وَسَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي أَوَّلِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ بِتَمَامِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ، وَبَيَّنْتُ هُنَاكَ الِاخْتِلَافَ فِي تَسْمِيَتِهِ، وَذَكَرْتُ فِيهِ بَعْضَ فَوَائِدِهِ، وَأَحَلْتُ بِبَقِيَّةِ شَرْحِهِ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ وَذَهِلَ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ: قَوْلُهُ: فِيهِ عَمْرَةُ أَيْ رَوَتْ عَنْ عَائِشَةَ حَدِيثًا فِي فَضْلِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ عَلَى شَرْطِهِ لَمْ يَذْكُرْهُ بِنَصِّهِ وَاكْتَفَى بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ إِجْمَالًا. كَذَا قَالَ، وَغَفَلَ عَمَّا فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ) هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ، وَكَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ، وَرَوَاهُ أَبُو صَفْوَانَ الْأُمَوِيُّ، عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ، وَمَعْنٍ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ بَعْدَهُ: إِنَّ الصَّوَابَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، كَمَا فِي الْأَصْلِ، وَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ مَالِكٍ كَذَلِكَ، وَقَالَ بَعْدَهُ الصَّوَابُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذَا الِاخْتِلَافِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنْ مَالِكٍ فِي كِتَابِ الْأَذَانِ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ يُرَدِّدُهَا) الْقَارِئُ هُوَ قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، أَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: بَاتَ قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ كُلِّهِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا الْحَدِيثَ، وَالَّذِي سَمِعَهُ لَعَلَّهُ أَبُو سَعِيدٍ رَاوِي الْحَدِيثِ لِأَنَّهُ أَخُوهُ لِأُمِّهِ وَكَانَا مُتَجَاوِرَيْنِ وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، فَكَأَنَّهُ أَبْهَمَ نَفْسَهُ وَأَخَاهُ، وَقَدْ أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ
الطَّبَّاعِ، عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظِ إِنَّ لِي جَارًا يَقُومُ بِاللَّيْلِ فَمَا يَقْرَأُ إِلَّا بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ.
قَوْلُهُ: (يَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَهْضَمٍ يَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ كُلَّهَا يُرَدِّدُهَا.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ الرَّجُلُ) أَيِ السَّائِلُ.
قَوْلُهُ: (يَتَقَالُّهَا) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَأَصْلُهُ يَتَقَالَلُهَا أَيْ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا قَلِيلَةً، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الطَّبَّاعِ الْمَذْكُورَةِ كَأَنَّهُ يُقَلِّلُهَا وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ مَالِكٍ فَكَأَنَّهُ اسْتَقَلَّهَا وَالْمُرَادُ اسْتِقْلَالُ الْعَمَلِ لَا التَّنْقِيصُ.
قَوْلُهُ: (وَزَادَ أَبُو مَعْمَرٍ) قَالَ الدِّمْيَاطِيُّ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْحَجَّاجِ الْمِنْقَرِيُّ، وَخَالَفَهُ الْمِزِّيُّ تَبَعًا لِابْنِ عَسَاكِرَ فَجَزَمَا بِأَنَّهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْهُذَلِيُّ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنَ الْمِنْقَرِيِّ، وَالْهُذَلِيِّ يُكَنَّى أَبَا مَعْمَرٍ وَكِلَاهُمَا مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، لَكِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ إِنَّمَا يُعْرَفُ بِالْهُذَلِيِّ، بَلْ لَا نَعْرِفُ لِلْمِنْقَرِيِّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ شَيْئًا، وَقَدْ وَصَلَهُ النَّسَائِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْهُذَلِيِّ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مَالِكٍ) هُوَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَقْرَانِ.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي أَخِي قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ) هُوَ أَخُوهُ لِأُمِّهِ، أُمُّهُمَا أُنَيْسَةُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ قَيْسِ بْنِ مَالِكٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ.
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا أَصْبَحْنَا أَتَى الرَّجُلُ النَّبِيَّ ﷺ نَحْوَهُ) يَعْنِي نَحْوَ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَلَفْظُهُ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إن فلانا قَامَ اللَّيْلَةَ يَقْرَأُ مِنَ السَّحَرِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فَسَاقَ السُّورَةَ يُرَدِّدُهَا لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّهَا لِتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ.
قَالَ الْفَرَبْرِيُّ. سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حَاتِمٍ وَرَّاقَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: عَنْ إِبْرَاهِيمَ مُرْسَلٌ، وَعَنِ الضَّحَّاكِ الْمِشْرَقِيِّ مُسْنَدٌ.
قَوْلُهُ: (إِبْرَاهِيمُ) هُوَ النَّخَعِيُّ وَالضَّحَّاكُ الْمِشْرَقِيُّ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ نِسْبَةً إِلَى مِشْرَقِ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُشَمِ بْنِ حَاشِدٍ بَطْنٌ مِنْ هَمْدَانَ، قَيَّدَهُ الْعَسْكَرِيُّ وَقَالَ: مَنْ فَتَحَ الْمِيمَ فَقَدْ صَحَّفَ، كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مَشْرِقٌ مَوْضِعٌ، وَقَدْ ضَبَطَهُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَابْنَ مَاكُولَا وَتَبِعَهُمَا ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي مَوْضِعٍ، ثُمَّ غَفَلَ فَذَكَرَهُ بِكَسْرِ الْمِيمِ كَمَا قَالَ الْعَسْكَرِيُّ لَكِنْ جَعَلَ قَافَهُ فَاءً، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فَأَصَابَ. وَالضَّحَّاكُ الْمَذْكُورُ هُوَ ابْنُ شَرَاحِيلَ وَيُقَالُ: شُرَاحْبِيلَ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرَ يَأْتِي فِي كِتَابِ الْأَدَبِ قَرَنَهُ فِيهِ بِأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَحَكَى الْبَزَّارُ أَنَّ بَعْضَهُمْ زَعَمَ أَنَّهُ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ وَهُوَ غَلَطٌ.
قَوْلُهُ: (أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ) بِكَسْرِ الْجِيمِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ) لَعَلَّ هَذِهِ قِصَّةٌ أُخْرَى غَيْرُ قِصَّةِ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانَ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِهَذَا.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: اللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ الْقُرْآنِ) عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ، عَنِ الْأَعْمَشِ فَقَالَ: يَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فَهِيَ ثُلُثُ الْقُرْآنِ فَكَأَنَّ رِوَايَةَ الْبَابِ بِالْمَعْنَى. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْمَذْكُورِ نَظِيرَ ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَمَّى السُّورَةَ بِهَذَا الِاسْمِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الصِّفَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ، أَوْ يَكُونَ بَعْضُ رُوَاتِهِ كَانَ يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ، فَقَدْ جَاءَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ بِغَيْرِ قُلْ فِي أَوَّلِهَا.
قَوْلُهُ: (قَالَ الْفَرَبْرِيُّ. سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حَاتِمٍ وَرَّاقَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: عَنْ إِبْرَاهِيمَ مُرْسَلٌ، وَعَنِ الضَّحَّاكِ الْمِشْرَقِيِّ مُسْنَدٌ) ثَبَتَ هَذَا عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ عَنْ شُيُوخِهِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ رِوَايَةَ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مُنْقَطِعَةٌ وَرِوَايَةُ الضَّحَّاكِ عَنْهُ مُتَّصِلَةٌ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورُ هُوَ الْبُخَارِيُّ الْمُصَنِّفُ، وَكَأَنَّ الْفَرَبْرِيَّ مَا سَمِعَ هَذَا الْكَلَامَ مِنْهُ فَحَمَلَهُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْهُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ كَانَ يُوَرِّقُ لِلْبُخَارِيِّ أَيْ يَنْسَخُ لَهُ وَكَانَ مِنَ الْمُلَازِمِينَ لَهُ وَالْعَارِفِينَ بِهِ وَالْمُكْثِرِينَ عَنْهُ، وَقَدْ ذَكَرَ الْفَرَبْرِيُّ عَنْهُ فِي الْحَجِّ وَالْمَظَالِمِ وَالِاعْتِصَامِ وَغَيْرِهَا فَوَائِدَ عَنِ الْبُخَارِيِّ وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ كَانَ يُطْلِقُ عَلَى الْمُنْقَطِعِ لَفْظَ الْمُرْسَلِ وَعَلَى الْمُتَّصِلِ لَفْظَ الْمُسْنَدِ، وَالْمَشْهُورُ فِي الِاسْتِعْمَالِ أَنَّ الْمُرْسَلَ مَا يُضِيفُهُ التَّابِعِيُّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُسْنَدُ مَا يُضِيفُهُ
الصَّحَابِيُّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرَ الْإِسْنَادِ إِلَيْهِ الِاتِّصَالُ، وَهَذَا الثَّانِي لَا يُنَافِي مَا أَطْلَقَهُ الْمُصَنِّفُ.
قَوْلُهُ: (ثُلُثَ الْقُرْآنِ) حَمَلَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالَ: هِيَ ثُلُثٌ بِاعْتِبَارِ مَعَانِي الْقُرْآنِ، لِأَنَّهُ أَحْكَامٌ وَأَخْبَارٌ وَتَوْحِيدٌ وَقَدِ اشْتَمَلَتْ هِيَ عَلَى الْقِسْمِ الثَّالِثِ فَكَانَتْ ثُلُثًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَيُسْتَأْنَسُ لِهَذَا بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: جَزء النَّبِيُّ ﷺ الْقُرْآنَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ: فَجَعَلَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ الْقُرْآنِ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلَى اسْمَيْنِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى يَتَضَمَّنَانِ جَمِيعَ أَصْنَافِ الْكَمَالِ لَمْ يُوجَدَا فِي غَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ وَهُمَا الْأَحَدُ الصَّمَدُ، لِأَنَّهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى أَحَدِيَّةِ الذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ الْمَوْصُوفَةِ بِجَمِيعِ أَوْصَافِ الْكَمَالِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَحَدَ يُشْعِرُ بِوُجُودِهِ الْخَاصِّ الَّذِي لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، وَالصَّمَدُ يُشْعِرُ بِجَمِيعِ أَوْصَافِ الْكَمَالِ لِأَنَّهُ الَّذِي انْتَهَى إِلَيْهِ سُؤْدُدُهُ فَكَانَ مَرْجِعُ الطَّلَبِ مِنْهُ وَإِلَيْهِ، وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّحْقِيقِ إِلَّا لِمَنْ حَازَ جَمِيعَ خِصَالِ الْكَمَالِ وَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَمَّا اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلَى مَعْرِفَةِ الذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ كَانَتْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَمَامِ الْمَعْرِفَةِ بِصِفَاتِ الذَّاتِ وَصِفَاتِ الْفِعْلِ ثُلُثًا اهـ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: تَضَمَّنَتْ هَذِهِ السُّورَةُ تَوْجِيهَ الِاعْتِقَادِ وَصِدْقَ الْمَعْرِفَةِ وَمَا يَجِبُ إِثْبَاتُهُ لِلَّهِ مِنَ الْأَحَدِيَّةِ الْمُنَافِيَةِ لِمُطْلَقِ الشَّرِكَةِ، وَالصَّمَدِيَّةِ الْمُثْبِتَةِ لَهُ جَمِيعَ صِفَاتِ الْكَمَالِ الَّذِي لَا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ، وَنَفْيَ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ الْمُقَرِّرَ لِكَمَالِ الْمَعْنَى، وَنَفْيَ الْكُفْءِ الْمُتَضَمِّنَ لِنَفْيِ الشَّبِيهِ وَالنَّظِيرِ، وَهَذِهِ مَجْمَعُ التَّوْحِيدِ الِاعْتِقَادِيِّ، وَلِذَلِكَ عَادَلَتْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ لِأَنَّ الْقُرْآنَ خَبَرٌ وَإِنْشَاءٌ، وَالْإِنْشَاءُ أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَإِبَاحَةٌ، وَالْخَبَرُ خَبَرٌ عَنِ الْخَالِقِ وَخَبَرٌ عَنْ خَلْقِهِ، فَأَخْلَصَتْ سُورَةُ الْإِخْلَاصِ الْخَبَرَ عَنِ اللَّهِ، وَخَلَّصَتْ قَارِئَهَا مِنَ الشِّرْكِ الِاعْتِقَادِيِّ. وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ الْمِثْلِيَّةَ عَلَى تَحْصِيلِ الثَّوَابِ فَقَالَ: مَعْنَى كَوْنِهَا ثُلُثَ الْقُرْآنِ أَنَّ ثَوَابَ قِرَاءَتِهَا يَحْصُلُ لِلْقَارِئِ مِثْلَ ثَوَابِ مَنْ قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ وَقِيلَ: مِثْلُهُ بِغَيْرِ تَضْعِيفٍ، وَهِيَ دَعْوَى بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَيُؤَيِّدُ الْإِطْلَاقَ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْأَخِيرِ وَقَالَ فِيهِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: احْشُدُوا، فَسَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ.
فَخَرَجَ فَقَرَأَ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا إِنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ وَلِأَبِي عُبَيْدٍ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: مَنْ قَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فَكَأَنَّمَا قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، وَإِذَا حُمِلَ ذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَهَلْ ذَلِكَ لِثُلُثٍ مِنَ الْقُرْآنِ مُعَيَّنٍ أَوْ لِأَيِ ثُلُثٍ فُرِضَ مِنْهُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَيَلْزَمُ عَلَى الثَّانِي أَنَّ مَنْ قَرَأَهَا ثَلَاثًا كَانَ كَمَنْ قَرَأَ خَتْمَةً كَامِلَةً. وَقِيلَ: الْمُرَادُ مَنْ عَمِلَ بِمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الْإِخْلَاصِ وَالتَّوْحِيدِ كَانَ كَمَنْ قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ. وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ قَوْلَهُ: تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ يَخْتَصُّ بِصَاحِبِ الْوَاقِعَةِ لِأَنَّهُ لَمَّا رَدَّدَهَا فِي لَيْلَتِهِ كَانَ كَمَنْ قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ بِغَيْرِ تَرْدِيدٍ، قَالَ الْقَابِسِيُّ: وَلَعَلَّ الرَّجُلَ الَّذِي جَرَى لَهُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ يَحْفَظُ غَيْرَهَا فَلِذَلِكَ اسْتَقَلَّ عَمَلَهُ، فَقَالَ لَهُ الشَّارِعُ ذَلِكَ تَرْغِيبًا لَهُ فِي عَمَلِ الْخَيْرِ وَإِنْ قَلَّ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَنْ لَمْ يَتَأَوَّلْ هَذَا الْحَدِيثَ أَخْلَصُ مِمَّنْ أَجَابَ فِيهِ بِالرَّأْيِ. وَفِي الْحَدِيثِ إِثْبَاتُ فَضْلِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّهَا تُضَاهِي كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْجُمَلِ الْمُثْبِتَةِ وَالنَّافِيَةِ مَعَ زِيَادَةِ تَعْلِيلٍ، وَمَعْنَى النَّفْيِ فِيهَا أَنَّهُ الْخَالِقُ الرَّزَّاقُ الْمَعْبُودُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فَوْقَهُ مَنْ يَمْنَعُهُ كَالْوَالِدِ، وَلَا مَنْ يُسَاوِيهِ فِي ذَلِكَ كَالْكُفْءِ، وَلَا مَنْ يُعِينُهُ عَلَى ذَلِكَ كَالْوَلَدِ.
وَفِيهِ إِلْقَاءُ الْعَالِمِ الْمَسَائِلَ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَاسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَا يَتَبَادَرُ لِلْفَهْمِ، لِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ إِطْلَاقِ ثُلُثِ الْقُرْآنِ أَنَّ الْمُرَادَ ثُلُثُ حَجْمِهِ الْمَكْتُوبِ مَثَلًا، وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُرَادٍ.
(تَنْبِيهٌ): أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَأَبُو الشَّيْخِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ: إِذَا زُلْزِلَتْ تَعْدِلُ نِصْفَ الْقُرْآنِ، وَالْكَافِرُونَ تَعْدِلُ رُبْعَ الْقُرْآنِ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو الشَّيْخِ مِنْ طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ وَرْدَانَ، عَنْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
والتِّرمذي: «احشدوا (١)، فسأقرأُ عليكُم ثلثَ القرآنِ، فخرج يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ ثمَّ قال: ألا إنَّها تعدلُ ثلثَ القرآنِ»، وإذا حملناهُ على ظاهرهِ فهل ذلك الثُّلث معيَّن، أو أيُّ ثلثٍ كان منه؟ فيه نظر، وعلى الثَّاني فمَن قرأهَا ثلاثًا كان كمَن قرأَ ختمةً كاملةً.
٥٠١٤ - (وَزَادَ أَبُو مَعْمَرٍ) بسكون العين بين فتحتين، عبدُ اللهِ بن عمرو المنقريُّ، قاله الدِّمياطيُّ. وقال المزيُّ -كابنِ عساكرٍ-: إنَّه إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ الهذليُّ، وصوَّبه في «الفتح» بأنَّ الحديثَ إنَّما يعرفُ بالهذليِّ، بل لا نعرفُ للمنقريِّ عن إسماعيلَ بنِ جعفرٍ شيئًا، وقد وصله النَّسائي عن إسماعيلَ الهذليِّ. وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بنِ أبي كثيرٍ الأنصاريُّ الزرقيُّ (عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ) الإمام، وسقط «ابنِ أنسٍ» للأَصيليِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَخِي) لأمي (قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَقْرَأُ مِنَ السَّحَرِ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا أَتَى رَجُلٌ) ولأبي ذرٍّ: «أتى الرَّجل» (النَّبِيَّ ﷺ، نَحْوَهُ) أي: نحو الحديثِ السَّابق [خ¦٥٠١٣] ولفظهُ عند الإسماعيليِّ: «فقال: يا رسول الله، إنَّ فلانًا قامَ اللَّيلة يقرأُ من السَّحر: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ فساق السُّورة يردِّدها لا يزيدُ عليها، وكأنَّ الرَّجل يتقالُّها، فقال النَّبيُّ ﷺ: «إنَّها لتعدلُ ثلثَ القرآن»».
٥٠١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ بنُ غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ بنُ مهران قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ (وَالضَّحَّاكُ) بالضَّاد المعجمة والحاء المهملة المشددة، ابنُ شراحيلَ، وقيل: شرحبيل (المَشْرِقِيُّ) بفتح الميم وكسر الراء في الفرع، كالدَّارقطنيِّ
وابنِ ماكولا، وكذا هو عند أبي ذرٍّ، وقيَّده العسكريُّ بكسر الميم وفتح الراء، نسبة إلى مشرقِ بنِ زيدِ بنِ جُشمِ بنِ حاشدٍ، بطنٌ من همدان، وقال: من فتح الميم فقد (١) صحَّف.
قال في «الفتح»: وكأنَّه يشيرُ إلى قولِ ابنِ أبي حاتمٍ: مشرقٌ موضع، وهو بالقاف اتِّفاقًا، وبالفاء تصحيفٌ.
كلاهما أعني: إبراهيمَ والضَّحَّاك (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁) وسقط «الخدريِّ» للأَصيليِّ (٢) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَصْحَابِهِ: أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ) بكسر الجيم، من باب ضَرَب يَضْرِب، والهمزة للاستفهام الاستخباريِّ، في «القاموس»: والعُجُوز -بالضم- الضَّعف، والفعل كضَرَبَ وسَمِعَ، فهو عاجزٌ، من عواجزَ (٣) (أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ القُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ) ولأبوي ذرٍّ والوقتِ: «بثلث» بزيادة الموحدة، ولأبي ذرٍّ وحده: «في ليلتهِ» (فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَقَالُوا: أَيُّنَا يُطِيقُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ) ﵊: (اللهُ الوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ القُرْآنِ) وعند الإسماعيليِّ من روايةِ أبي خالدٍ الأحمر عن الأعمشِ: «فقال: يقرأُ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ فهي ثلثُ القرآنِ».
قال في «الفتح»: فكأنَّ رواية الباب بالمعنى، ويحتملُ أن يكونَ بعضُ رواتهِ كان يقرؤها كذلك، كما جاءَ أنَّ عمر كان يقرأ: ﴿اللهُ أَحَدٌ. اللهُ الصَّمَدُ﴾ بغير قل في أولها، أو سمَّى السُّورة بهذا الاسم لاشتمالها على الصِّفتين المذكورتين، وقد قيل في معنى الثُّلث غير ما ذكرَ: أنَّ المرادَ مَن عملَ بما تضمَّنَتْه من الإخلاصِ والتَّوحيد كان كمَن قرأ ثلثَ القرآنِ.
وقال الطِّيبي: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ في معنى لا إله إلا الله؛ لوجهين:
أحدهما: أنَّه تعالى وحدَه هو الصَّمد المرجوعُ إليهِ في حوائجِ المخلوقاتِ، ولا صمَدَ سواهُ، ولو صوِّر سواهُ صمد لفسدَ نظامُ العوالم، ومن ثمَّ كرَّر ﴿اللهُ﴾ وأوقعَ ﴿الصَّمَدُ﴾ المعرَّف خبرًا له، وقطعهُ جملة مستأنفة على بيانِ الموجبِ.
ثانيهما: أنَّ الله هو الأحدُ في الإلهيَّة؛ إذ لو تصوِّر غيره لكان إمَّا أن يكون فوقه فيها، وهو محالٌ، وإليه الإشارة بقوله: ﴿لَمْ يُولَدْ (١)﴾ أو دونه، فلا يستقيم أيضًا، وإليه لمح بقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ أو مساويًا له، وهو محالٌ أيضًا، وإليه رمز بقوله: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ويجوز أن تكون الجملُ المنفيَّة تعليلًا للجملةِ الثَّانية المثبتةِ، كأنَّه لما قيل: هو الصَّمد المعبودُ الخالقُ الرَّازق المثيبُ المعاقبُ ولا صمدَ سواهُ؛ قيل: لِمَ كان كذلك؟ أُجيب: لأنَّه ليس فوقهُ أحدٌ يمنعه من ذلك، ولا مساوٍ يعاونه (٢)، ولا دونه يستقلُّ به، وقد أخرجَ التِّرمذيُّ عن ابن عبَّاس وأنسِ بن مالكٍ قالا: قال رسولُ الله ﷺ: «﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ تعدلُ نصفَ القرآنِ، و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ تعدلُ ثلثَ القرآنِ (٣)، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ تعدلُ ربعَ القرآنِ».
وأخرج التِّرمذيُّ أيضًا، وابنُ أبي شيبةَ، وأبو الشَّيخ من طريقِ سلمةَ بنِ وردان عن أنسٍ: «الكافرون والنَّصر تعدلُ كلٌّ منهما ربع القرآنِ، و ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ تعدلُ ربعَ القرآنِ»، زاد ابنُ أبي شيبةَ وأبو الشَّيخ: «وآية الكرسيِّ تعدلُ ربعَ القرآنِ».
قال في «الفتح»: وهو حديثٌ ضعيفٌ لضعفِ سلمة، وإنْ حسَّنه التِّرمذيُّ، فلعلَّه تساهلَ فيه لكونهِ في فضائلِ الأعمالِ، وكذا صحَّحه الحاكم من حديثِ ابن عبَّاس، وفي سندهِ يمانُ بنُ المغيرةَ، وهو ضعيفٌ عندهم. انتهى.
وأبدى القاضِي البيضاوي الحكمةَ فقال: يحتملُ أن يقال: المقصودُ الأعظمُ بالذَّات من القرآنِ بيان المبدأ والمعادِ، و ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ مقصورةٌ على ذكرِ (٤) المعاد مستقلَّة ببيانِ أحوالهِ، فتعادِلُ نصفَهُ، وأمَّا ما جاء أنَّها ربعهُ فلأنَّه يشتملُ على تقريرِ التَّوحيد، والنُّبوَّات، وبيانِ أحكامِ المعاشِ، وأحوالِ المعاد، وهذه السُّورة مشتملةٌ على القسمِ الأخيرِ، وأمَّا الكافرونَ فمحتويةٌ على القسمِ الأوَّل منها؛ لأنَّ البراءة عن الشِّرك إثباتٌ للتَّوحيدِ، فيكون كلُّ واحدٍ منهما كأنَّه ربع.
فإن قلتَ: هلَّا حملوا المعادلة على التَّسوية في الثَّواب على المقدارِ المنصوصِ عليهِ؟ أُجيب بأنَّه منعهُم من ذلك لزومُ فضلِ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ على سورةِ الإخلاص، والقولُ الجامعُ فيه ما ذكرهُ الشَّيخ التُّوْرِبِشتي ﵀ في «شرح المشكاة» من قوله: نحنُ وإن سلكنَا هذا المسلك بمبلغِ علمنا نعتقدُ ونعترفُ أنَّ بيانَ ذلك على الحقيقةِ إنَّما يتلقَّى من قبلِ الرَّسول صلوات الله وسلامه عليه، فإنَّه (١) هو الَّذي يُنتهى إليه في معرفةِ حقائقِ الأشياء والكشفِ عن خفيَّاتِ العلومِ، فأمَّا القول الَّذي نحنُ بصددهِ ونحومُ حولَه على مقدارِ فهمنا؛ فهو (٢) وإن سلم من الخللِ والزَّلل لا يتعدَّى عن ضربٍ من الاحتمالِ، نقلهُ الطِّيبي في «شرح المشكاة».
(قَالَ الفَِرَبْرِيِّ) أبو عبدِ اللهِ محمَّد بن يوسفَ بنِ مطرِ بنِ صالحٍ: (سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرَ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حَاتِمٍ) بالحاء المهملة والفوقية (وَرَّاقَ أَبِي عَبْدِ اللهِ) محمَّد بنِ إسماعيلَ البخاريِّ؛ أي: كاتبهُ الَّذي كان يكتب له (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ، عن أبي سعيدٍ (مُرْسَلٌ) أي: منقطعٌ (وَعَنِ الضَّحَّاكِ المَشْرِقِيِّ) بفتح ميم «المشرقي» وكسر الراء لأبي ذرٍّ، قال اليونيني: وقد اختلفَ فيه الحفَّاظ (مُسْنَدٌ) ظاهره أنَّ المؤلِّف كان يطلق على المنقطعِ لفظ المرسل، وعلى المتَّصل لفظَ المسند، والمشهورُ في الاستعمالِ أنَّ المرسل ما يضيفه التَّابعيُّ إلى النَّبيِّ ﷺ، والمسندُ ما يضيفهُ الصَّحابي إلى النَّبيِّ ﷺ، بشرط أن يكون ظاهر الإسنادِ إليه الاتصال، وثبتَ: «قال الفَِرَبْرِيِّ … » إلى آخر (٣) قوله: «أبي عبد الله» لأبي ذرٍّ، وسقطَ لغيره «قال أبو عبد الله … » إلى آخره (٤).
(١٤) (باب (٥) فَضْلِ المُعَوِّذَاتِ) بكسر الواو، وثبتَ لفظ: «باب» لأبي ذرٍّ.