(قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ أَفْضَلَكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ) بالواو، وللأربعة: «أو علَّمه» والأول أظهر في المعنى؛ لأنَّ الَّتي بـ «أو» تقتضي إثبات الأفضليَّة المذكورة لمن فعلَ أحد الأمرينِ، فيلزمُ أنَّ من تعلَّم القرآنَ ولو لم يعلِّمه غيره أن يكون خيرًا ممَّن عملَ بما فيه (١)، وإن لم يتعلَّمه، ولا ريبَ أنَّ الجامع بينَ تعلُّم القرآنِ وتعليمهِ مكمِّلٌ لنفسهِ ولغيرهِ، جامعٌ بين النَّفع القاصِر والنَّفع المتعدي، ولا يقال: إنَّ مِن لازم هذا أفضليَّة المقرئِ على الفقيهِ؛ لأنَّ المخاطبين بذلك كانوا فقهاءَ النُّفوس؛ إذ كانوا يدرون مَعاني القرآن بالسَّليقة (٢) أكثر من درايةِ من بعدهم بالاكتسابِ.
فإن قلتَ: المقرئُ أفضل ممَّن هو أعظمُ غناء في الإسلامِ بالمجاهدةِ والرِّباط والأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِّ عن المنكرِ؟ أُجيب بأنَّ ذلك دائرٌ على النَّفع المتعدِّي، فمن كان حصولهُ عندهُ أكثر كان أفضل، فلعلَّ «من» مضمرة في الحديثِ بعد «إن»، وفي الحديث الحثُّ على تعليمِ القرآنِ، وقد سُئل الثَّوريُّ عن الجهادِ وإقراءِ القرآن فرجَّح الثَّاني، واحتجَّ بهذا الحديث، أخرجَه ابنُ أبي داود، قاله في «الفتح».
٥٠٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ) بفتح العين فيهما وآخر الثاني نون (٣)، ابنِ أوسٍ الواسطيُّ، نزيل البصرةِ، قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابنُ زيدٍ (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة
والزاي، سلمةَ بنِ دينارٍ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون الهاء والعين، السَّاعديِّ الأنصاريِّ ﵁، أنَّه (قَالَ: أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ امْرَأَةٌ) قيل: هي خولةُ بنتُ حكيمٍ، وقيل: أمُّ شريكٍ، وقيل: ميمونة، ولا يصحُّ ذلك؛ لأنَّ الأوليان لم تتزوَّجا، وأمَّا ميمونة فهي إحدى زوجاتهِ ﷺ ولم يزوِّجها لغيرهِ (فَقَالَتْ: إِنَّهَا قَدْ (١) وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِه) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «وللرَّسولِ» (ﷺ، فَقَالَ) ﷺ لها: (مَا لِي فِي النِّسَاءِ مِنْ حَاجَةٍ، فَقَالَ رَجُلٌ) لم يسمَّ: (زَوِّجْنِيهَا) يا رسولَ الله (قَالَ) ﵊: (أَعْطِهَا ثَوْبًا) صداقًا (قَالَ) الرَّجل: (لَا أَجِدُ) ثوبًا (قَالَ: أَعْطِهَا وَلَوْ) كان الَّذي تعطيها (خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ) كلمة «مِنْ» بيانيَّة (فَاعْتَلَّ) قال الكِرْمانيُّ: أي: حزنَ وتضجَّر (لَهُ) أي: لأجلِ ذلك (فَقَالَ) ﵊ له، ولأبوي الوقتِ وذرٍّ: «قالَ»: (مَا مَعَكَ) أي: أيَّ شيءٍ تحفظهُ (مِنَ القُرْآنِ؟ قَالَ): معي سورة (كَذَا وَكَذَا) في روايةِ أبي داود عن أبي هُريرة: سورة البقرة والَّتي تليها، وعندَ الدَّارقطنيِّ عن ابنِ مسعودٍ: البقرة وسور من المفصَّل، ولتمَّام الرَّازي عن أبي أُمامة: زوَّج النَّبيُّ ﷺ رجلًا من الأنصارِ على سبعِ سورٍ (قَالَ) ﵊: (فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ) الباء في «بما» للتَّعويض، وتسمَّى باء المقابلة على تقدير مضاف؛ أي: زوَّجتكهَا بتعليمكَ إيَّاها ما معكَ من القرآنِ. وقال الحنفيَّةُ: بل للسَّببية، والمعنى: زوَّجتكها بسببِ ما معكَ من القرآنِ (٢). ومباحثُ ذلك تأتي في موضعها إن شاء الله تعالى في «كتاب النِّكاح» [خ¦٥٠٨٧].
(٢٢) (باب) استحباب (القِرَاءَةِ) للقرآن (عَنْ ظَهْرِ القَلْبِ) من غير نظرٍ في المصحفِ؛ لأنَّ ذلك أمكن في التوصُّل إلى التعليم.