وأجابَ في «الانتقاض» بأنَّ المرادَ بجبرِ الكسر وإلغائهِ في عبارةِ أهلِ الحديثِ ما زادَ على السَّنةِ من الشُّهور، وما زادَ على عقدِ العشرةِ وغيرها من السِّنين، فلمَّا لم يعرف العينيُّ هذا الاصطلاح جنحَ لمحبَّته في الاعتراضِ إلى تفسيرِ الكسرِ في اصطلاحِ أهلِ الحساب، وعلى تقديرِ تسليمِ (١) ما صوَّبه من كلامِ الدَّاودي من أنَّ روايةَ عشر سنين وهمٌ، فماذا يصنعُ في بقيةِ الاختلاف؟ انتهى.
٥٠٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي الوقتِ: «حَدَّثني» بالإفراد (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بنِ كثيرٍ الدَّورقيُّ البغداديُّ الحافظُ قال: (حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) بضم الهاء وفتح المعجمة، ابنُ بشيرٍ، بوزن عظيمٍ، أبو معاويةَ السُّلَمِيُّ الواسطيُّ، حافظ بغداد، قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ) جعفرُ بنُ أبي وحشيَّة (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أنَّه قال: (جَمَعْتُ المُحْكَمَ) الَّذي ليس بمنسوخٍ (فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ) قال ابنُ جبيرٍ: (فَقُلْتُ لَهُ) لابنِ عبَّاس: (وَمَا المُحْكَمُ؟ قَالَ: المُفَصَّلُ) بالصاد المهملة (٢)، السُّور التي كثُرت فصولها، وفي الرِّواية الأولى: أنَّ تفسيرَ المفصَّل بالمحكمِ من كلامِ ابن جبير.
قال الحافظُ ابن حجرٍ: وهو دالٌّ على أنَّ الضَّمير في قولهِ في الرِّواية الأخرى: فقلتُ له: وما المحكم؟ لسعيدِ بنِ جبيرٍ، وفاعل «قلتُ» هو أبو بشرٍ، بخلافِ ما يتبادرُ أنَّ الضَّمير لابنِ عبَّاس، وفاعل «قلتُ» سعيدُ بنُ جبيرٍ. انتهى.
وتعقَّبه العينيُّ فقال: هذا تصرُّف واهٍ؛ لأنَّ الظَّاهر من السِّياق أنَّ السَّائلَ سعيدٌ والمجيبَ ابنُ عبَّاس، ولا يستلزمُ (٣) كون سعيد فسَّر المفصَّل في تلك الرِّواية أن يكون هو الَّذي فسَّره في هذه الرِّواية. انتهى.
وأجابَ في «انتقاض الاعتراض» بأنَّ الحديثَ واحدٌ جاء من طريقينِ مجملًا ومبيَّنًا، فمن الَّذي يتوقف أن يفسِّر المجمل بالمبيَّن.
(٢٦) (باب نِسْيَانِ القُرْآنِ) لعدمِ تعاهدهِ (وَهَلْ يَقُولُ) الرَّجل: (نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا)؟ نعم، لا يمتنع (٤)
ذلك إن كانَ نسيانهُ عن أمرٍ ديني كالجهاد (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) مخاطبًا لنبيِّه ﷺ: (﴿سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى﴾) أي: سنعلِّمك القرآنَ حتَّى لا تنساهُ (﴿إِلَّا مَا شَاء اللهُ﴾ [الأعلى: ٦ - ٧]) أن ينسخَه (١)، وهذا بشارةٌ من اللهِ لنبيِّه أن يحفظَ عليه الوحي حتَّى لا يتفلَّت منهُ شيءٌ، إلَّا ما شاءَ الله أن ينسخَه فيذهب بهِ (٢) عن حفظهِ برفعِ حكمهِ وتلاوتهِ. وسأل ابنُ كيسانَ النَّحوي جُنيدًا عنه فقال: فلا تنسَى العملَ بهِ، فقال: مثلُكَ يُصدَّر. وقيل: قوله: ﴿فَلَا تَنسَى﴾ على النَّهي، والألف مزيدةٌ للفاصلة، كقوله: ﴿السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٧] فلا تُغْفل قراءتَهُ وتكريرَهُ فتنساهُ، إلَّا ما شاء الله أنْ يُنْسيكه برفع تلاوتهِ.
واختلفَ في نسيانِ القرآن؛ فصرَّح النَّوويُّ في «الرَّوضة» بأنَّ نسيانه أو شيء منه كبيرةٌ؛ لحديثِ أبي داود: «عُرضَتْ عليَّ ذنوبُ أمَّتي، فلم أرَ ذنبًا أعظمَ من سورةٍ أو آيةٍ أُوتيها رجلٌ ثمَّ نَسِيها».
وأخرج أبو داود من طريق أبي العالية موقوفًا: «كنَّا نعدُّ من أعظمِ الذُّنوب أن يتعلَّم الرَّجل القرآن، ثمَّ ينام عنهُ حتَّى ينساهُ»، واحتجَّ الرُّوياني لذلك بأنَّ الإعراضَ عن التِّلاوة يتسبَّبُ عنه نسيان القرآنِ، ونسيانه يدلُّ على عدمِ الاعتناءِ به والتَّهاون بأمرهِ.