«غَدَوْنَا عَلَى عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ رَجُلٌ: قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٠٤٣

الحديث رقم ٥٠٤٣ من كتاب «كتاب فضائل القرآن» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الترتيل في القراءة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٠٤٣ في صحيح البخاري

«غَدَوْنَا عَلَى عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ رَجُلٌ: قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ الْبَارِحَةَ، فَقَالَ: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ، إِنَّا قَدْ سَمِعْنَا الْقِرَاءَةَ، وَإِنِّي لَأَحْفَظُ الْقُرَنَاءَ الَّتِي كَانَ يَقْرَأُ بِهِنَّ النَّبِيُّ ، ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سُورَةً مِنَ الْمُفَصَّلِ، وَسُورَتَيْنِ مِنْ آلِ حم».

إسناد حديث رقم ٥٠٤٣ من صحيح البخاري

٥٠٤٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٠٤٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمُصَنِّفُ مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ وَجَاءَتْ فِيهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ: يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: سُورَةُ الْبَقَرَةِ - إِلَى أَنْ قَالَ -: وَسُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ، وَكَذَلِكَ الْبَاقِي وَلَا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ.

وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: يُكْرَهُ ذَلِكَ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ قَوْلُ الْجَمَاهِيرِ، وَالْأَحَادِيثُ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ، وَكَذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ. قُلْتُ: وَقَدْ جَاءَ فِيمَا يُوَافِقُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْبَعْضُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ: لَا تَقُولُوا: سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَلَا سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ وَلَا سُورَةُ النِّسَاءِ وَكَذَلِكَ الْقُرْآنُ كُلُّهُ أَخْرَجَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ قَانِعٍ فِي فَوَائِدِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَفِي سَنَدِهِ عُبَيْسُ بْنُ مَيْمُونٍ الْعَطَّارُ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَأَوْرَدَه ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ وَنَقَلَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ تَأْلِيفِ الْقُرْآنِ حَدِيثُ يَزِيدَ الْفَارِسِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَقُولُ: ضَعُوهَا فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ أَحْوَطُ، وَلَكِنِ اسْتَقَرَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْجَوَازِ فِي الْمَصَاحِفِ وَالتَّفَاسِيرِ، قُلْتُ: وَقَدْ تَمَسَّكَ بِالِاحْتِيَاطِ الْمَذْكُورِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ مِنْهُمْ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَاتِمٍ، وَمِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ الْكَلْبِيُّ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَنَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ الْحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ مِنْ حُرْمَةِ الْقُرْآنِ أَنْ لَا يُقَالَ: سُورَةُ كَذَا، كَقَوْلِكَ: سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَسُورَةُ النَّحْلِ وَسُورَةُ النِّسَاءِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا.

وَتَعَقَّبَهُ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي مَسْعُودٍ يُعَارِضُهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَا مُعَارَضَةَ مَعَ إِمْكَانٍ، فَيَكُونُ حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ وَمَنْ وَافَقَهُ دَالًّا عَلَى الْجَوَازِ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ إِنْ ثَبَتَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ تَشْهَدُ لِمَا تَرْجَمَ لَهُ:

أَحَدُهَا: حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ فِي الْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ قَرِيبًا.

الثَّانِي: حَدِيثُ عُمَرَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَابِ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ.

الثالث: حَدِيثُ عَائِشَةَ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ.

٢٨ - بَاب التَّرْتِيلِ فِي الْقِرَاءَةِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ وَقَوْلِهِ تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ وَمَا يُكْرَهُ أَنْ يُهَذَّ كَهَذِّ الشِّعْرِ فِيهَا، يُفْرَقُ يُفَصَّلُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَرَقْنَاهُ: فَصَّلْنَاهُ.

٥٠٤٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: غَدَوْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ رَجُلٌ: قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ الْبَارِحَةَ، فَقَالَ: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ، إِنَّا قَدْ سَمِعْنَا الْقِرَاءَةَ، وَإِنِّي لَأَحْفَظُ الْقُرَنَاءَ الَّتِي كَانَ يَقْرَأُ بِهِنَّ النَّبِيُّ : ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سُورَةً مِنْ الْمُفَصَّلِ وَسُورَتَيْنِ مِنْ آلِ حم.

٥٠٤٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا نَزَلَ جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ وَكَانَ يُعْرَفُ مِنْهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ الَّتِي فِي ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ فَإِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ فِي

صَدْرِكَ وَقُرْآنَهُ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فَإِذَا أَنْزَلْنَاهُ فَاسْتَمِعْ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ قَالَ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ قَالَ وَكَانَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ أَطْرَقَ فَإِذَا ذَهَبَ قَرَأَهُ كَمَا وَعَدَهُ اللَّهُ"

قَوْلُهُ: (بَابُ التَّرْتِيلِ فِي الْقِرَاءَةِ) أَيْ تَبْيِينُ حُرُوفِهَا وَالتَّأَنِّي فِي أَدَائِهَا لِيَكُونَ أَدْعَى إِلَى فَهْمِ مَعَانِيهَا.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا وَرَدَ عَنِ السَّلَفِ فِي تَفْسِيرِهَا، فَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ﴾ قَالَ: بَعْضَهُ إِثْرَ بَعْضٍ عَلَى تُؤَدَةٍ. وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: بَيِّنْهُ بَيَانًا. وَالْأَمْرُ بِذَلِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْوُجُوبِ يَكُونُ مُسْتَحَبًّا.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ سَيَأْتِي تَوْجِيهُهُ.

قَوْلُهُ: (وَمَا يُكْرَهُ أَنْ يُهَذَّ كَهَذِّ الشِّعْرِ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ اسْتِحْبَابَ التَّرْتِيلِ لَا يَسْتَلْزِمُ كَرَاهَةَ الْإِسْرَاعِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُكْرَهُ الْهَذُّ وَهُوَ الْإِسْرَاعُ الْمُفْرِطُ بِحَيْثُ يَخْفَى كَثِيرٌ مِنَ الْحُرُوفِ أَوْ لَا تَخْرُجُ مِنْ مَخَارِجِهَا. وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْبَابِ إِنْكَارَ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى مَنْ يَهُذُّ الْقِرَاءَةَ كَهَذِّ الشِّعْرِ، وَدَلِيلُ جَوَازِ الْإِسْرَاعِ مَا تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ الْقُرْآنُ، فَكَانَ يَأْمُرُ بِدَوَابِّهِ فَتُسْرَجُ، فَيَفْرُغُ مِنَ الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تُسْرَجَ.

قَوْلُهُ: (فِيهَا يُفْرَقُ يُفَصَّلُ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَرَقْنَاهُ: فَصَّلْنَاهُ) وَصَلَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ، وَعِنْدَ أَبِي عُبَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ رَجُلٍ قَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ وَرَجُلٍ قَرَأَ الْبَقَرَةَ فَقَطْ، قِيَامُهُمَا وَاحِدٌ رُكُوعُهُمَا وَاحِدٌ وَسُجُودُهُمَا وَاحِدٌ. فَقَالَ: الَّذِي قَرَأَ الْبَقَرَةَ فَقَطْ أَفْضَلُ. ثُمَّ تَلَا ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي حَمْزَةَ قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنِّي سَرِيعُ الْقِرَاءَةِ، وَإِنِّي لِأَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي ثَلَاثٍ فَقَالَ: لَأَنْ أَقْرَأَ الْبَقَرَةَ أُرَتِّلُهَا فَأَتَدَبَّرُهَا خَيْرٌ مِنْ أَنْ أَقْرَأَ كَمَا تَقُولُ وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي حَمْزَةَ قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنِّي رَجُلٌ سَرِيعُ الْقِرَاءَةِ، إِنِّي لأَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي لَيْلَةٍ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَأَنْ أَقْرَأَ سُورَةً أَحَبُّ إِلَيَّ. إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَاقْرَأْ قِرَاءَةً تُسْمِعُهَا أُذُنَيْكَ وَيُوعِهَا قَلْبُكَ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ لِكُلٍّ مِنَ الْإِسْرَاعِ وَالتَّرْتِيلِ جِهَةَ فَضْلٍ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْرِعُ لَا يُخِلُّ بِشَيْءٍ مِنَ الْحُرُوفِ وَالْحَرَكَاتِ وَالسُّكُونِ الْوَاجِبَاتِ، فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَفْضُلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ وَأَنْ يَسْتَوِيَا، فَإِنَّ مَنْ رَتَّلَ وَتَأَمَّلَ كَمَنْ تَصَدَّقَ بِجَوْهَرَةٍ وَاحِدَةٍ مُثْمَنَةٍ، وَمَنْ أَسْرَعَ كَمَنْ تَصَدَّقَ بِعِدَّةِ جَوَاهِرَ لَكِنْ قِيمَةَ الْوَاحِدَةِ، وَقَدْ تَكُونُ قِيمَةُ الْوَاحِدَةِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْأُخْرَيَاتِ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْعَكْسِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا وَاصِلٌ) هُوَ ابْنُ حَيَّانَ بِمُهْمَلَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ الْأَحْدَبُ الْكُوفِيُّ، وَوَقَعَ صَرِيحًا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَزَعَمَ خَلَفٌ فِي الْأَطْرَافِ أَنَّهُ وَاصِلٌ مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، وَغَلَّطُوهُ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ بَصْرِيٌّ وَرِوَايَتُهُ عَنِ الْبَصْرِيِّينَ، وَلَيْسَتْ لَهُ رِوَايَةٌ عَنِ الْكُوفِيِّينَ وَأَبُو وَائِلٍ شَيْخُ وَاصِلٍ هَذَا كُوفِيٌّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: غَدَوْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ ابْنِ مَسْعُودٍ (فَقَالَ رَجُلٌ: قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ) كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ منه الْبُخَارِيُّ فَزَادَ فِي أَوَّلِهِ: غَدَوْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يَوْمًا بَعْدَمَا صَلَّيْنَا الْغَدَاةَ، فَسَلَّمْنَا بِالْبَابِ فَأَذِنَ لَنَا، فَمَكَثْنَا بِالْبَابِ هُنَيْهَةً، فَخَرَجَتِ الْجَارِيَةُ فَقَالَتْ: أَلَا تَدْخُلُونَ؟ فَدَخَلْنَا، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ يُسَبِّحُ فَقَالَ: مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا وَقَدْ أُذِنَ لَكُمْ؟ قُلْنَا: ظَنَنَّا أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْبَيْتِ نَائِمٌ، قَالَ: ظَنَنْتُمْ بِآلِ أُمِّ عَبْدٍ غَفْلَةَ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ الْبَارِحَةَ كُلَّهُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وانتظامهُ على استقامةٍ، يقال: رجل رَتِلُ الأسنان، والتَّرتيل: إرسالُ الكلمة من الفمِ بسهولةٍ واستقامةٍ، أو اقرأْ على تؤدةٍ بتبيينِ الحروفِ وحفظِ الوقوف (﴿تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]) تأكيدٌ في إيجابِ الأمرِ به، وأنَّه لا بدَّ للقارئ منه؛ إذ هو عونٌ على فهمِ القرآنِ وتدبُّره (وَقَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَقُرْآناً﴾) نصب بفعل يفسِّره: (﴿فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦]) على تؤدةٍ وتثبُّتٍ (وَمَا يُكْرَهُ) بضم الياء وفتح الراء (أَنْ يُهَذَّ) بضم الياء وفتح الهاء والذَّال المعجمة المشددة؛ أي: وبيان كراهةِ الهذِّ (كَهَذِّ الشِّعْرِ) من الإسراعِ المفرطِ؛ بحيثُ يخفى كثيرٌ من الحروفِ (﴿فِيهَا﴾) في ليلةِ القدر (﴿يُفْرَقُ﴾ [الدخان: ٤]) أي: (يُفَصَّلُ) وهذا تفسيرُ أبي عبيدة، وثبتَ قوله: «فيها» في روايةِ أبوي ذرٍّ والوقتِ وابنِ عساكرٍ.

(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ، فيما رواهُ ابنُ المنذر، وابنُ جرير في «تفسيره»: (﴿فَرَقْنَا﴾ [الإسراء: ١٠٦]) السَّابق ذكره (١) (فَصَّلْنَاهُ).

٥٠٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّدُ بنُ الفضلِ السَّدوسيُّ، عارِمٌ قال: (حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ) الأزديُّ المِعْوَلي -بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الواو- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا وَاصِلٌ) الأحدبُ بنُ حَيَّان -بفتح المهملة والتحتية المشددة- الكوفيُّ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقُ بنُ سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعودٍ (قَالَ: غَدَوْنَا عَلَى عَبْدِ اللهِ) يعني: ابنَ مسعودٍ. زاد مسلمٌ من (٢) هذا الوجهِ: يومًا بعدما صلَّينا الغداةَ، فسلَّمنا بالبابِ فأذن لنا فمكثنَا بالبابِ هُنَيهةً، فخرجَتِ الجاريةُ، فقالت: ألا تدخلونَ؟ فدخلنا فإذا هو جالسٌ يسبِّح، فقال: ما منعكُم أن تدخلوا وقد

أُذنَ لكم؟ قلنا: ظنَنَّا أنَّ بعضَ أهلِ البيتِ نائمٌ، قال: ظننتُم بآل ابن (١) أمَّ عبدٍ غَفْلَةً (فَقَالَ رَجُلٌ) من القومِ، اسمه: نُهيك بنُ سنانَ، كما في «مسلمٍ» (قَرَأْتُ المُفَصَّلَ البَارِحَةَ) كلَّه (فَقَالَ) ولأبي الوقتِ: «قال» هذذتَ (هَذًّا) بفتح الهاء والذال المعجمة المنوَّنة (كَهَذِّ الشِّعْرِ) قال الخطَّابيُّ: معناه سرعةُ القراءةِ بغيرِ تأمُّلٍ، كما ينشدُ الشِّعر (إِنَّا) بكسر الهمزة وتشديد النون (قَدْ سَمِعْنَا القِرَاءَةَ) قال الكِرْمانيُّ: بلفظ المصدرِ، ويروى «القرَّاء» جمع القارئ (وَإِنِّي لأَحْفَظُ القُرَنَاءَ) النَّظائر في الطُّول والقصر (الَّتِي كَانَ يَقْرَأُ بِهِنَّ النَّبِيُّ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ) بإثبات التحتية بعد نون، ولأبوي ذرٍّ والوقتِ وابنِ عساكرٍ: «ثمانِ عشرةَ» (سُورَةً مِنَ المُفَصَّلِ، وَسُورَتَيْنِ (٢) مِنْ آلِ حم) أي: السُّور (٣) التي أوَّلها حم.

واستشكلَ بما سبقَ في «بابِ تأليفِ القرآنِ»، من طريقِ الأعمش، عن شقيقٍ حيث قالَ هناك: عشرون من أول المفصَّل على تأليفِ ابنِ مسعودٍ، آخرهن من الحواميم ﴿حم﴾ الدُّخان و ﴿عَمَّ يَتَسَاءلُونَ﴾ [خ¦٤٩٩٦] فعدَّ حم (٤) من المفصَّل وهنا أخرجها.

وأجيب بأنَّ الثَّماني عشرةَ غير سورة الدُّخان والَّتي معها، وإطلاقُ المفصَّل على الجميعِ تغليبٌ، وإلَّا فالدُّخان ليست من المفصَّل على الرَّاجح، لكن يحتمل أن يكون تأليفُ مصحفِ ابنِ مسعودٍ على خلافِ تأليفِ مصحفِ غيرهِ، فيكون أوَّل المفصَّل عند ابنِ مسعودٍ أوَّل الجاثية، والدُّخان متأخِّرة في ترتيبهِ عن الجاثية.

وأجابَ النَّوويُّ على طريق التَّنزل بأنَّ المراد بقولهِ: عشرون من المفصَّل؛ أي: معظم العشرين.

وهذا الحديثُ قد سبقَ في «بابِ الجمع بين السُّورتين في الرَّكعة»، من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٧٧٥].

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمُصَنِّفُ مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ وَجَاءَتْ فِيهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ: يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: سُورَةُ الْبَقَرَةِ - إِلَى أَنْ قَالَ -: وَسُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ، وَكَذَلِكَ الْبَاقِي وَلَا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ.

وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: يُكْرَهُ ذَلِكَ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ قَوْلُ الْجَمَاهِيرِ، وَالْأَحَادِيثُ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ، وَكَذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ. قُلْتُ: وَقَدْ جَاءَ فِيمَا يُوَافِقُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْبَعْضُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ: لَا تَقُولُوا: سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَلَا سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ وَلَا سُورَةُ النِّسَاءِ وَكَذَلِكَ الْقُرْآنُ كُلُّهُ أَخْرَجَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ قَانِعٍ فِي فَوَائِدِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَفِي سَنَدِهِ عُبَيْسُ بْنُ مَيْمُونٍ الْعَطَّارُ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَأَوْرَدَه ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ وَنَقَلَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ تَأْلِيفِ الْقُرْآنِ حَدِيثُ يَزِيدَ الْفَارِسِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَقُولُ: ضَعُوهَا فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ أَحْوَطُ، وَلَكِنِ اسْتَقَرَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْجَوَازِ فِي الْمَصَاحِفِ وَالتَّفَاسِيرِ، قُلْتُ: وَقَدْ تَمَسَّكَ بِالِاحْتِيَاطِ الْمَذْكُورِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ مِنْهُمْ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَاتِمٍ، وَمِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ الْكَلْبِيُّ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَنَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ الْحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ مِنْ حُرْمَةِ الْقُرْآنِ أَنْ لَا يُقَالَ: سُورَةُ كَذَا، كَقَوْلِكَ: سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَسُورَةُ النَّحْلِ وَسُورَةُ النِّسَاءِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا.

وَتَعَقَّبَهُ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي مَسْعُودٍ يُعَارِضُهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَا مُعَارَضَةَ مَعَ إِمْكَانٍ، فَيَكُونُ حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ وَمَنْ وَافَقَهُ دَالًّا عَلَى الْجَوَازِ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ إِنْ ثَبَتَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ تَشْهَدُ لِمَا تَرْجَمَ لَهُ:

أَحَدُهَا: حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ فِي الْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ قَرِيبًا.

الثَّانِي: حَدِيثُ عُمَرَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَابِ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ.

الثالث: حَدِيثُ عَائِشَةَ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ.

٢٨ - بَاب التَّرْتِيلِ فِي الْقِرَاءَةِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ وَقَوْلِهِ تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ وَمَا يُكْرَهُ أَنْ يُهَذَّ كَهَذِّ الشِّعْرِ فِيهَا، يُفْرَقُ يُفَصَّلُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَرَقْنَاهُ: فَصَّلْنَاهُ.

٥٠٤٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: غَدَوْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ رَجُلٌ: قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ الْبَارِحَةَ، فَقَالَ: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ، إِنَّا قَدْ سَمِعْنَا الْقِرَاءَةَ، وَإِنِّي لَأَحْفَظُ الْقُرَنَاءَ الَّتِي كَانَ يَقْرَأُ بِهِنَّ النَّبِيُّ : ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سُورَةً مِنْ الْمُفَصَّلِ وَسُورَتَيْنِ مِنْ آلِ حم.

٥٠٤٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا نَزَلَ جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ وَكَانَ يُعْرَفُ مِنْهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ الَّتِي فِي ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ فَإِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ فِي

صَدْرِكَ وَقُرْآنَهُ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فَإِذَا أَنْزَلْنَاهُ فَاسْتَمِعْ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ قَالَ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ قَالَ وَكَانَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ أَطْرَقَ فَإِذَا ذَهَبَ قَرَأَهُ كَمَا وَعَدَهُ اللَّهُ"

قَوْلُهُ: (بَابُ التَّرْتِيلِ فِي الْقِرَاءَةِ) أَيْ تَبْيِينُ حُرُوفِهَا وَالتَّأَنِّي فِي أَدَائِهَا لِيَكُونَ أَدْعَى إِلَى فَهْمِ مَعَانِيهَا.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا وَرَدَ عَنِ السَّلَفِ فِي تَفْسِيرِهَا، فَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ﴾ قَالَ: بَعْضَهُ إِثْرَ بَعْضٍ عَلَى تُؤَدَةٍ. وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: بَيِّنْهُ بَيَانًا. وَالْأَمْرُ بِذَلِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْوُجُوبِ يَكُونُ مُسْتَحَبًّا.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ سَيَأْتِي تَوْجِيهُهُ.

قَوْلُهُ: (وَمَا يُكْرَهُ أَنْ يُهَذَّ كَهَذِّ الشِّعْرِ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ اسْتِحْبَابَ التَّرْتِيلِ لَا يَسْتَلْزِمُ كَرَاهَةَ الْإِسْرَاعِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُكْرَهُ الْهَذُّ وَهُوَ الْإِسْرَاعُ الْمُفْرِطُ بِحَيْثُ يَخْفَى كَثِيرٌ مِنَ الْحُرُوفِ أَوْ لَا تَخْرُجُ مِنْ مَخَارِجِهَا. وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْبَابِ إِنْكَارَ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى مَنْ يَهُذُّ الْقِرَاءَةَ كَهَذِّ الشِّعْرِ، وَدَلِيلُ جَوَازِ الْإِسْرَاعِ مَا تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ الْقُرْآنُ، فَكَانَ يَأْمُرُ بِدَوَابِّهِ فَتُسْرَجُ، فَيَفْرُغُ مِنَ الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تُسْرَجَ.

قَوْلُهُ: (فِيهَا يُفْرَقُ يُفَصَّلُ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَرَقْنَاهُ: فَصَّلْنَاهُ) وَصَلَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ، وَعِنْدَ أَبِي عُبَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ رَجُلٍ قَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ وَرَجُلٍ قَرَأَ الْبَقَرَةَ فَقَطْ، قِيَامُهُمَا وَاحِدٌ رُكُوعُهُمَا وَاحِدٌ وَسُجُودُهُمَا وَاحِدٌ. فَقَالَ: الَّذِي قَرَأَ الْبَقَرَةَ فَقَطْ أَفْضَلُ. ثُمَّ تَلَا ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي حَمْزَةَ قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنِّي سَرِيعُ الْقِرَاءَةِ، وَإِنِّي لِأَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي ثَلَاثٍ فَقَالَ: لَأَنْ أَقْرَأَ الْبَقَرَةَ أُرَتِّلُهَا فَأَتَدَبَّرُهَا خَيْرٌ مِنْ أَنْ أَقْرَأَ كَمَا تَقُولُ وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي حَمْزَةَ قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنِّي رَجُلٌ سَرِيعُ الْقِرَاءَةِ، إِنِّي لأَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي لَيْلَةٍ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَأَنْ أَقْرَأَ سُورَةً أَحَبُّ إِلَيَّ. إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَاقْرَأْ قِرَاءَةً تُسْمِعُهَا أُذُنَيْكَ وَيُوعِهَا قَلْبُكَ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ لِكُلٍّ مِنَ الْإِسْرَاعِ وَالتَّرْتِيلِ جِهَةَ فَضْلٍ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْرِعُ لَا يُخِلُّ بِشَيْءٍ مِنَ الْحُرُوفِ وَالْحَرَكَاتِ وَالسُّكُونِ الْوَاجِبَاتِ، فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَفْضُلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ وَأَنْ يَسْتَوِيَا، فَإِنَّ مَنْ رَتَّلَ وَتَأَمَّلَ كَمَنْ تَصَدَّقَ بِجَوْهَرَةٍ وَاحِدَةٍ مُثْمَنَةٍ، وَمَنْ أَسْرَعَ كَمَنْ تَصَدَّقَ بِعِدَّةِ جَوَاهِرَ لَكِنْ قِيمَةَ الْوَاحِدَةِ، وَقَدْ تَكُونُ قِيمَةُ الْوَاحِدَةِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْأُخْرَيَاتِ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْعَكْسِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا وَاصِلٌ) هُوَ ابْنُ حَيَّانَ بِمُهْمَلَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ الْأَحْدَبُ الْكُوفِيُّ، وَوَقَعَ صَرِيحًا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَزَعَمَ خَلَفٌ فِي الْأَطْرَافِ أَنَّهُ وَاصِلٌ مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، وَغَلَّطُوهُ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ بَصْرِيٌّ وَرِوَايَتُهُ عَنِ الْبَصْرِيِّينَ، وَلَيْسَتْ لَهُ رِوَايَةٌ عَنِ الْكُوفِيِّينَ وَأَبُو وَائِلٍ شَيْخُ وَاصِلٍ هَذَا كُوفِيٌّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: غَدَوْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ ابْنِ مَسْعُودٍ (فَقَالَ رَجُلٌ: قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ) كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ منه الْبُخَارِيُّ فَزَادَ فِي أَوَّلِهِ: غَدَوْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يَوْمًا بَعْدَمَا صَلَّيْنَا الْغَدَاةَ، فَسَلَّمْنَا بِالْبَابِ فَأَذِنَ لَنَا، فَمَكَثْنَا بِالْبَابِ هُنَيْهَةً، فَخَرَجَتِ الْجَارِيَةُ فَقَالَتْ: أَلَا تَدْخُلُونَ؟ فَدَخَلْنَا، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ يُسَبِّحُ فَقَالَ: مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا وَقَدْ أُذِنَ لَكُمْ؟ قُلْنَا: ظَنَنَّا أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْبَيْتِ نَائِمٌ، قَالَ: ظَنَنْتُمْ بِآلِ أُمِّ عَبْدٍ غَفْلَةَ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ الْبَارِحَةَ كُلَّهُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وانتظامهُ على استقامةٍ، يقال: رجل رَتِلُ الأسنان، والتَّرتيل: إرسالُ الكلمة من الفمِ بسهولةٍ واستقامةٍ، أو اقرأْ على تؤدةٍ بتبيينِ الحروفِ وحفظِ الوقوف (﴿تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]) تأكيدٌ في إيجابِ الأمرِ به، وأنَّه لا بدَّ للقارئ منه؛ إذ هو عونٌ على فهمِ القرآنِ وتدبُّره (وَقَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَقُرْآناً﴾) نصب بفعل يفسِّره: (﴿فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦]) على تؤدةٍ وتثبُّتٍ (وَمَا يُكْرَهُ) بضم الياء وفتح الراء (أَنْ يُهَذَّ) بضم الياء وفتح الهاء والذَّال المعجمة المشددة؛ أي: وبيان كراهةِ الهذِّ (كَهَذِّ الشِّعْرِ) من الإسراعِ المفرطِ؛ بحيثُ يخفى كثيرٌ من الحروفِ (﴿فِيهَا﴾) في ليلةِ القدر (﴿يُفْرَقُ﴾ [الدخان: ٤]) أي: (يُفَصَّلُ) وهذا تفسيرُ أبي عبيدة، وثبتَ قوله: «فيها» في روايةِ أبوي ذرٍّ والوقتِ وابنِ عساكرٍ.

(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ، فيما رواهُ ابنُ المنذر، وابنُ جرير في «تفسيره»: (﴿فَرَقْنَا﴾ [الإسراء: ١٠٦]) السَّابق ذكره (١) (فَصَّلْنَاهُ).

٥٠٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّدُ بنُ الفضلِ السَّدوسيُّ، عارِمٌ قال: (حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ) الأزديُّ المِعْوَلي -بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الواو- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا وَاصِلٌ) الأحدبُ بنُ حَيَّان -بفتح المهملة والتحتية المشددة- الكوفيُّ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقُ بنُ سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعودٍ (قَالَ: غَدَوْنَا عَلَى عَبْدِ اللهِ) يعني: ابنَ مسعودٍ. زاد مسلمٌ من (٢) هذا الوجهِ: يومًا بعدما صلَّينا الغداةَ، فسلَّمنا بالبابِ فأذن لنا فمكثنَا بالبابِ هُنَيهةً، فخرجَتِ الجاريةُ، فقالت: ألا تدخلونَ؟ فدخلنا فإذا هو جالسٌ يسبِّح، فقال: ما منعكُم أن تدخلوا وقد

أُذنَ لكم؟ قلنا: ظنَنَّا أنَّ بعضَ أهلِ البيتِ نائمٌ، قال: ظننتُم بآل ابن (١) أمَّ عبدٍ غَفْلَةً (فَقَالَ رَجُلٌ) من القومِ، اسمه: نُهيك بنُ سنانَ، كما في «مسلمٍ» (قَرَأْتُ المُفَصَّلَ البَارِحَةَ) كلَّه (فَقَالَ) ولأبي الوقتِ: «قال» هذذتَ (هَذًّا) بفتح الهاء والذال المعجمة المنوَّنة (كَهَذِّ الشِّعْرِ) قال الخطَّابيُّ: معناه سرعةُ القراءةِ بغيرِ تأمُّلٍ، كما ينشدُ الشِّعر (إِنَّا) بكسر الهمزة وتشديد النون (قَدْ سَمِعْنَا القِرَاءَةَ) قال الكِرْمانيُّ: بلفظ المصدرِ، ويروى «القرَّاء» جمع القارئ (وَإِنِّي لأَحْفَظُ القُرَنَاءَ) النَّظائر في الطُّول والقصر (الَّتِي كَانَ يَقْرَأُ بِهِنَّ النَّبِيُّ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ) بإثبات التحتية بعد نون، ولأبوي ذرٍّ والوقتِ وابنِ عساكرٍ: «ثمانِ عشرةَ» (سُورَةً مِنَ المُفَصَّلِ، وَسُورَتَيْنِ (٢) مِنْ آلِ حم) أي: السُّور (٣) التي أوَّلها حم.

واستشكلَ بما سبقَ في «بابِ تأليفِ القرآنِ»، من طريقِ الأعمش، عن شقيقٍ حيث قالَ هناك: عشرون من أول المفصَّل على تأليفِ ابنِ مسعودٍ، آخرهن من الحواميم ﴿حم﴾ الدُّخان و ﴿عَمَّ يَتَسَاءلُونَ﴾ [خ¦٤٩٩٦] فعدَّ حم (٤) من المفصَّل وهنا أخرجها.

وأجيب بأنَّ الثَّماني عشرةَ غير سورة الدُّخان والَّتي معها، وإطلاقُ المفصَّل على الجميعِ تغليبٌ، وإلَّا فالدُّخان ليست من المفصَّل على الرَّاجح، لكن يحتمل أن يكون تأليفُ مصحفِ ابنِ مسعودٍ على خلافِ تأليفِ مصحفِ غيرهِ، فيكون أوَّل المفصَّل عند ابنِ مسعودٍ أوَّل الجاثية، والدُّخان متأخِّرة في ترتيبهِ عن الجاثية.

وأجابَ النَّوويُّ على طريق التَّنزل بأنَّ المراد بقولهِ: عشرون من المفصَّل؛ أي: معظم العشرين.

وهذا الحديثُ قد سبقَ في «بابِ الجمع بين السُّورتين في الرَّكعة»، من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٧٧٥].

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله