«جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ⦗٧⦘ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٠٨٧

الحديث رقم ٥٠٨٧ من كتاب «كتاب النكاح» في صحيح البخاري، تحت باب: باب تزويج المعسر.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٠٨٧ في صحيح البخاري

«جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ

⦗٧⦘

، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِي، قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اللهِ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا، فَقَالَ: وَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا وَاللهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي قَالَ سَهْلٌ: مَا لَهُ رِدَاءٌ فَلَهَا نِصْفُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ، فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ، فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ مُوَلِّيًا، فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا، عَدَّدَهَا، فَقَالَ: تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ.»

بَابُ الْأَكْفَاءِ فِي الدِّينِ وَقَوْلُهُ ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾

إسناد حديث رقم ٥٠٨٧ من صحيح البخاري

٥٠٨٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٠٨٧: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إِذْ ذَاكَ مَا يُرْضِيهَا بِهِ، وَلَمْ يَرَ أَنْ يَقْتَصِرَ، فَجَعَلَ صَدَاقَهَا نَفْسَهَا، وَذَلِكَ عِنْدَهَا أَشْرَفُ مِنَ الْمَالِ الْكَثِيرِ.

١٤ - بَاب تَزْوِيجِ الْمُعْسِرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾

٥٠٨٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِي، قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا، وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا، فَقَالَ: وَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه : انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي، قَالَ سَهْلٌ: مَا لَهُ رِدَاءٌ، فَلَهَا نِصْفُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ، إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ، فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ، قَامَ فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ مُوَلِّيًا، فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: مَاذَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا، عَدَّدَهَا، فَقَالَ: تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ.

قَوْلُهُ (بَابُ تَزْوِيجِ الْمُعْسِرِ) تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ النِّكَاحِ بَابُ تَزْوِيجِ الْمُعْسِرِ الَّذِي مَعَهُ الْقُرْآنُ وَالْإِسْلَامُ، وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ أَخَصُّ مِنْ تِلْكَ، وَعَلَّقَ هُنَاكَ حَدِيثَ سَهْلٍ الَّذِي أَوْرَدَهُ فِي هَذَا الْبَابِ مَبْسُوطًا، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ بَعْدَ ثَلَاثِينَ بَابًا.

قَوْلُهُ (لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ هُوَ تَعْلِيلٌ لِحُكْمِ التَّرْجَمَةِ، وَمُحَصِّلُهُ أَنَّ الْفَقْرَ فِي الْحَالِ لَا يَمْنَعُ التَّزْوِيجَ، لِاحْتِمَالِ حُصُولِ الْمَالِ فِي الْمَآلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ

١٥ - بَاب الْأَكْفَاءِ فِي الدِّينِ وَقَوْلُهُ ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾

٥٠٨٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ تَبَنَّى سَالِمًا، وَأَنْكَحَهُ بِنْتَ أَخِيهِ هِنْدا بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَهُوَ مَوْلًى لِامْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ كَمَا تَبَنَّى النَّبِيُّ زَيْدًا، وَكَانَ مَنْ تَبَنَّى رَجُلًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ دَعَاهُ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَوَرِثَ مِنْ مِيرَاثِهِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وقال في «مصابيح الجامع»: وظاهرُ الآية وعْدُ كلِّ فقيرٍ تزوَّجَ بالغِنىَ، ووعدُ اللهِ واجبٌ، فإذا رأينَا فقيرًا تزوَّج فلم (١) يستغنِ فليسَ ذلك لإخلافِ الوعدِ، حاشَ للهِ، ولكن لإخلالِهِ هو بالقصدِ؛ لأنَّ الله تعالى إنَّما وعدَ على حسنِ القصدِ، فمَن لم يستغنِ فليرجِع باللَّومِ على نفسهِ. وقال ابنُ كثير: والمعهودُ من كرمِ اللهِ ولطفهِ رزقُهُ وإيَّاهَا بما فيه كفايةٌ له ولها. وأما حديثُ: «تزوَّجُوا فقرَاءَ يغنِكُم اللهُ» فلا أصلَ له، ولم أرَهُ بإسناد قويٍّ ولا ضعيفٍ، وفي القرآنِ غنيةٌ عنه.

٥٠٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) أبي حازمٍ سلمة بن دينارٍ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ) أنَّه (قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ) قال في «المقدمة»: يقال: إنَّها خولةُ بنت حكيمٍ، وقيل: أمُّ شريكٍ، ولا يثبتُ شيءٌ من ذلك (إِلَى رَسُولِ اللهِ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِي) أي: أكونُ لكَ زوجةً بلا مهرٍ، وهو من الخصائصِ، أو التَّقديرُ: وهبتُ أمرَ نفسِي لكَ، فاللَّام لامُ التَّمليكِ، استعملت هنا في تمليكِ المنافعِ (قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ فَصَعَّدَ النَّظَرَ) بتشديد العين، أي: رفعهُ (فِيهَا وَصَوَّبَهُ) بتشديد

الواو، أي: خفضهُ (ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «ثم طَأطَأ لها رسولُ الله» ( رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَتِ المَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ) لم يسمَّ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي (١): «فِيهَا» (حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا. فَقَالَ) له: (وَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ) تصدقها إيَّاهُ؟ (قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا وَاللهِ، مَا وَجَدْتُ شَيْئًا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : انْظُرْ وَلَوْ) كان الَّذي تجدهُ (خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ) فأصدقها إيَّاهُ، ففيه حذف كان واسمها، وجوابُ لو، وفيه دَلالةٌ على جواز التَّختُّم بالحديدِ، وفيه خلافٌ، فقيل: يكرهُ لأنَّه من لباسِ أهلِ النَّارِ، والأصحُّ عند الشَّافعيَّة: لا يكرهُ (فَذَهَبَ) إلى أهلهِ (ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي. -قَالَ سَهْلٌ) السَّاعديُّ ممَّا أدرجهُ في الحديث: (مَا لَهُ رِدَاءٌ- فَلَهَا نِصْفُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : مَا تَصْنَعُ) أي: المرأةُ (بِإِزَارِكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ) أنت (لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ) هي (لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ) وللأَصيليِّ وأبوي الوقتِ وذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لم يكُن عليكَ منهُ شيءٌ» (فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ) بكسر (٢) اللام (قَامَ فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ مُوَلِّيًا) مدبرًا (فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ) بضم (٣) الدال وكسر العين (فَلَمَّا جَاءَ قَالَ) له: (مَاذَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ؟ قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا؛ عَدَّدَهَا) عيَّن النَّسائيُّ في روايته، وكذا أبو داود من حديث عطاء، عن أبي هُريرة: «البقرَةُ والَّتي (٤) تَليها». وفي الدَّارقطني عن ابنِ مسعودٍ: «البقرةُ وسورٌ من المفصَّلِ». ولتمَّام الرَّازيِّ عن أبي أمامة قال: «زوَّج النَّبيُّ رجلًا من الأنصارِ على

سبعِ سور» (١) (فَقَالَ) : (تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟) أي: من حفظِكَ (قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ) بفتح الميم. قال الدَّارقطنيُّ: هذه وهمٌ، والصَّوابُ «زوَّجتُكَها» وهي روايةُ الأكثرين.

قال النَّوويُّ: يحتملُّ صحَّةَ الوجهينِ بأن يكون جرى لفظُ التَّزويجِ أولًا، ثمَّ لفظُ التَّمليكِ ثانيًا، أي: لأنَّهُ ملكَ عصمَتها بالتَّزويجِ السَّابق. زادَ البيهقيُّ في «المعرفة» من طريق زائدةَ عن أبي حازمٍ، عن سهل: «انطَلِق فقد زوَّجتُكَها بما تعلِّمُها من القُرآنِ»، وفي حديثِ أبي هُريرة عنده أيضًا قال: «ما تحفظُ من القُرآنِ» قال: سورة البقرَةِ والَّتي تَلِيها. قال: «قُم فعلِّمها عشرينَ آيةً وهي امرأتكُ»، وفي تعليمها القرآن منفعةٌ تعودُ إليها، وهو عملٌ من أعمالِ البدنِ الَّتي لها أجرةٌ، والباءُ في: «بما معكَ» باء المقابلة، و «ما»: موصولةٌ، وصلتهَا الظَّرفُ، والعائدُ ضميرُ الاستقرارِ، وقيل: الباء سببيَّةٌ، أي: بسببِ ما معكَ من القرآنِ. قيل: ويرجعُ إلى صداقِ المثلِ، وهذا مذهبُ الحنفيَّة. قالوا: لأنَّ المسمَّى ليسَ بمالٍ (٢)، والشَّارعُ إنَّما شرعَ ابتغاءَ النِّكاحِ للمالِ بقوله: ﴿أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم﴾ [النساء: ٢٤] وتعليمُ (٣) القرآنِ ليسَ بمالٍ، فيجبُ مهر المثلِ، وليس في قوله: «زوجتُكَها بما معَكَ من القرآنِ» أنَّه جعلهُ (٤) مهرًا، و «مِن» للبيان أو للتبعيضِ.

(١٥) (بابُ الأَكْفَاءِ فِي الدِّينِ) بفتح الهمزة الأولى، جمع: كُفءٍ -بضم الكاف وسكون تاليها آخره همزة-: المثلُ والنَّظيرُ، يقال: كافأَهُ، أي: ساواهُ، ومنه قوله : «المؤمِنونَ تتكافَأُ دِمَاؤُهُم، ويسعى بذمَّتِهم (٥) أَدنَاهُم» فالكفاءَةُ معتبرةٌ في النِّكاحِ لِمَا روى جابرٌ أنَّه قال: «ألَّا لا يزوِّجُ النِّساءَ إلَّا الأولياءَ، ولا يُزَوَّجْنَّ من غيرِ الأكفاءِ» ولأنَّ النِّكاحَ يعقدُ (٦) للعمرِ، ويشتملُ على

أغراضٍ ومقاصدَ، كالازدواجِ والصُّحبةِ والألفَةِ وتأسيسِ القراباتِ، ولا ينتظِمُ ذلك عادةً إلَّا بينَ الأكفاءِ، وقد جزمَ مالكٌ بأنَّ اعتبارَ الكفاءةِ مختصٌّ بالدِّينِ لقوله : «النَّاسُ سواءٌ، لا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ، إنَّما الفضلُ بالتَّقوى»، وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] وأُجيب بأنَّ المرادَ به في حكمِ الآخرةِ، وكلامُنَا في الدُّنيا. وقال الشَّيخ خليل في «مختصره»: والكفاءةُ الدِّينُ والحالُ. قال شارحُهُ: واعتبر فيها خمسة أوصافٍ (١):

الدِّينُ: وهو متَّفق عليه، وظاهرُ قولِ «المدوَّنة»: المسلمون بعضُهم لبعضٍ أكفاءٌ، أنَّ الرقيقَ كفءٌ، ونقلهُ عبد الوهاب نصًّا، وعن المغيرة أنَّه يفسخُ، وصحَّحه هو وغيرهُ.

والنَّسبُ: وفي «المدونة»: المولَى كفءٌ للعربيَّةِ، وقيل: ليسَ بكفءٍ.

والحالُ: وهو أن يكون الزَّوجُ سالِمًا من العيوبِ الفاحِشةِ.

والمالُ: فالعجزُ عن حقوقِهَا يوجبُ مقالَها. وقيل: المعتبرُ من ذلكَ كله عند مالكٍ: الدِّينُ والحالُ. وعند ابن القاسم: الدِّينُ والمالُ. وعندهما: المالُ والحالُ. انتهى.

وخصالُ الكفاءةِ عندَ الشَّافعيَّةِ خمسة: سلامةٌ من عيبِ نكاحٍ: كجنونٍ وجذامٍ وبرصٍ.

وحرِّيَّة: فمن مسَّهُ أو مسَّ أبًا له أقرب رقٌّ ليس كفءَ سليمةٍ من ذلك لأنَّها تعيَّرُ به، وَخَرَجَ بالآباءِ الأمهاتُ، فلا يؤثِّرُ فيهنَّ مسُّ الرِّقِّ.

ونَسَبٌ: ولو في العجَمِ لأنَّه من المفاخرِ، فعجميٌّ أبًا وإن كانت أمُّه عربيةً ليسَ كفءَ عربيَّةٍ أبًا وإن كانَت أمُّها أعجميَّة، ولا غيرُ قرشيٍّ من العربِ كفؤًا لقرشيَّةٍ لحديثِ: «قدِّمُوا قريشًا ولا تقدَّمُوها» رواه الشَّافعيُّ بلاغًا، ولا غيرُ هاشميٍّ ومطَّلِبيٍّ كفؤًا لهُما لحديث مسلمٍ: «إنَّ اللهَ اصطفَى كنانَةَ من ولدِ إسماعيلَ، واصطفَى قُريشًا من كنانَةَ، واصطَفَى من قريشٍ بني هاشمٍ واصْطَفاني من بني هاشمٍ (٢)» فبنُو هاشمٍ وبنو المطَّلبِ أكفاءٌ لحديث البخاريِّ: «نحنُ وبنُو المطَّلب شيءٌ واحدٌ» [خ¦٣١٤٠].

وعفَّةٌ: بدينٍ وصلاحٍ، فليسَ فاسقٌ كفءَ عفيفةٍ.

وحرفةٌ: فليسَ ذو حرفةٍ دنيئةٍ كفءَ أرفعَ منه، فنحُو كنَّاس ليس كفءَ بنتِ خيَّاطٍ، ولا خيَّاط بنت تاجرٍ، ولا تاجر بنت عالمٍ، ولا يعتبرُ في خصالِ الكفاءةِ اليسارُ لأنَّ المال غادٍ ورائحٍ، ولا يفتخِرُ به أهلُ (١) المروءاتِ والبصائر. وقال الحنابلة -واللَّفظُ للمرداويِّ في «تنقيحه» -: والكفاءةُ في زوجٍ شرطٌ لصحَّةِ النِّكاحِ عند الأكثرِ، فهي حقٌّ للهِ والمرأةِ والأولياءِ كلِّهم، حتَّى مَن يَحْدُث، ولو زالَتْ بعد العقدِ فلها الفسخُ فقط، وعنه ليست بشرطٍ بل للُّزومِ، واختارَهُ أكثرُ المتأخِّرينَ، وهو أظهرُ، ولمن (٢) لم يرضَ الفسخُ من المرأةِ والأولياءِ جميعِهم فورًا وتراخيًا، فهي حقٌّ للأولياءِ والمرأةِ، وهي: دينٌ، ومنصبٌ -وهو النَّسَب-، وحرِّيَّةٌ، وصناعَةٌ غيرُ زريَّةٍ، ويسارٌ بمالٍ بحسبِ ما يجبُ لها.

وقال الشَّافعيُّ: ليسَ نكاحُ غيرِ الأكفاءِ حرامًا فأردُّ به النِّكاحَ، وإنَّما هو تقصيرٌ بالمرأةِ والأولياءِ، فإذا رضُوا صحَّ، ويكون حقًّا لهم تركُوه، فلو رضُوا إلَّا واحدًا فلهُ فسخُهُ.

(وَقَوْلِهِ) ﷿: (﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء﴾) أي: النُّطفة (﴿بَشَرًا﴾) إنسانًا (﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾) يريدُ: فقسَّمَ البشرَ قسمين: ذوي نسبٍ، أي: ذكورًا ينسبُ إليهم، فقال: فلانُ ابن فلان وفلانةُ بنت فلان، وذوات صهرٍ، أي: إناثًا يُصاهرُ بهنَّ، وهو كقوله: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى﴾ [القيامة: ٣٩] (﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٤]) حيث خلقَ من النُّطفةِ الواحدةِ بشرًا نوعَين ذكرًا وأنثى، وقيل: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا﴾ قرابةً ﴿وَصِهْرًا﴾ أي: مصاهرةً، يعني: الوصلة بالنِّكاحِ من بالأنسابِ (٣) لأنَّ التواصُلَ يقع بها وبالمصاهرةِ لأنَّ التوالد يكونُ بها، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾» وقال بعد ﴿وَصِهْرًا﴾: «الآيةَ».

ومرادُ المؤلِّف من سياقِ هذه الآية: الإشارةُ إلى أنَّ النَّسبَ والصِّهرَ ممَّا يتعلَّقُ به حكمُ الكفاءةِ، ونقلَ العينيُّ عن ابنِ سيرين أنَّ هذه الآية نزلتْ في النَّبيِّ وعليٍّ، وزوَّج فاطمةَ عليًّا، وهو ابنُ عمِّه وزوجُ ابنتِهِ، فكانَ نسبًا وكان صهرًا.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إِذْ ذَاكَ مَا يُرْضِيهَا بِهِ، وَلَمْ يَرَ أَنْ يَقْتَصِرَ، فَجَعَلَ صَدَاقَهَا نَفْسَهَا، وَذَلِكَ عِنْدَهَا أَشْرَفُ مِنَ الْمَالِ الْكَثِيرِ.

١٤ - بَاب تَزْوِيجِ الْمُعْسِرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾

٥٠٨٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِي، قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا، وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا، فَقَالَ: وَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه : انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي، قَالَ سَهْلٌ: مَا لَهُ رِدَاءٌ، فَلَهَا نِصْفُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ، إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ، فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ، قَامَ فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ مُوَلِّيًا، فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: مَاذَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا، عَدَّدَهَا، فَقَالَ: تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ.

قَوْلُهُ (بَابُ تَزْوِيجِ الْمُعْسِرِ) تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ النِّكَاحِ بَابُ تَزْوِيجِ الْمُعْسِرِ الَّذِي مَعَهُ الْقُرْآنُ وَالْإِسْلَامُ، وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ أَخَصُّ مِنْ تِلْكَ، وَعَلَّقَ هُنَاكَ حَدِيثَ سَهْلٍ الَّذِي أَوْرَدَهُ فِي هَذَا الْبَابِ مَبْسُوطًا، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ بَعْدَ ثَلَاثِينَ بَابًا.

قَوْلُهُ (لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ هُوَ تَعْلِيلٌ لِحُكْمِ التَّرْجَمَةِ، وَمُحَصِّلُهُ أَنَّ الْفَقْرَ فِي الْحَالِ لَا يَمْنَعُ التَّزْوِيجَ، لِاحْتِمَالِ حُصُولِ الْمَالِ فِي الْمَآلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ

١٥ - بَاب الْأَكْفَاءِ فِي الدِّينِ وَقَوْلُهُ ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾

٥٠٨٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ تَبَنَّى سَالِمًا، وَأَنْكَحَهُ بِنْتَ أَخِيهِ هِنْدا بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَهُوَ مَوْلًى لِامْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ كَمَا تَبَنَّى النَّبِيُّ زَيْدًا، وَكَانَ مَنْ تَبَنَّى رَجُلًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ دَعَاهُ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَوَرِثَ مِنْ مِيرَاثِهِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وقال في «مصابيح الجامع»: وظاهرُ الآية وعْدُ كلِّ فقيرٍ تزوَّجَ بالغِنىَ، ووعدُ اللهِ واجبٌ، فإذا رأينَا فقيرًا تزوَّج فلم (١) يستغنِ فليسَ ذلك لإخلافِ الوعدِ، حاشَ للهِ، ولكن لإخلالِهِ هو بالقصدِ؛ لأنَّ الله تعالى إنَّما وعدَ على حسنِ القصدِ، فمَن لم يستغنِ فليرجِع باللَّومِ على نفسهِ. وقال ابنُ كثير: والمعهودُ من كرمِ اللهِ ولطفهِ رزقُهُ وإيَّاهَا بما فيه كفايةٌ له ولها. وأما حديثُ: «تزوَّجُوا فقرَاءَ يغنِكُم اللهُ» فلا أصلَ له، ولم أرَهُ بإسناد قويٍّ ولا ضعيفٍ، وفي القرآنِ غنيةٌ عنه.

٥٠٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) أبي حازمٍ سلمة بن دينارٍ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ) أنَّه (قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ) قال في «المقدمة»: يقال: إنَّها خولةُ بنت حكيمٍ، وقيل: أمُّ شريكٍ، ولا يثبتُ شيءٌ من ذلك (إِلَى رَسُولِ اللهِ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِي) أي: أكونُ لكَ زوجةً بلا مهرٍ، وهو من الخصائصِ، أو التَّقديرُ: وهبتُ أمرَ نفسِي لكَ، فاللَّام لامُ التَّمليكِ، استعملت هنا في تمليكِ المنافعِ (قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ فَصَعَّدَ النَّظَرَ) بتشديد العين، أي: رفعهُ (فِيهَا وَصَوَّبَهُ) بتشديد

الواو، أي: خفضهُ (ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «ثم طَأطَأ لها رسولُ الله» ( رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَتِ المَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ) لم يسمَّ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي (١): «فِيهَا» (حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا. فَقَالَ) له: (وَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ) تصدقها إيَّاهُ؟ (قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا وَاللهِ، مَا وَجَدْتُ شَيْئًا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : انْظُرْ وَلَوْ) كان الَّذي تجدهُ (خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ) فأصدقها إيَّاهُ، ففيه حذف كان واسمها، وجوابُ لو، وفيه دَلالةٌ على جواز التَّختُّم بالحديدِ، وفيه خلافٌ، فقيل: يكرهُ لأنَّه من لباسِ أهلِ النَّارِ، والأصحُّ عند الشَّافعيَّة: لا يكرهُ (فَذَهَبَ) إلى أهلهِ (ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي. -قَالَ سَهْلٌ) السَّاعديُّ ممَّا أدرجهُ في الحديث: (مَا لَهُ رِدَاءٌ- فَلَهَا نِصْفُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : مَا تَصْنَعُ) أي: المرأةُ (بِإِزَارِكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ) أنت (لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ) هي (لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ) وللأَصيليِّ وأبوي الوقتِ وذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لم يكُن عليكَ منهُ شيءٌ» (فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ) بكسر (٢) اللام (قَامَ فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ مُوَلِّيًا) مدبرًا (فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ) بضم (٣) الدال وكسر العين (فَلَمَّا جَاءَ قَالَ) له: (مَاذَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ؟ قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا؛ عَدَّدَهَا) عيَّن النَّسائيُّ في روايته، وكذا أبو داود من حديث عطاء، عن أبي هُريرة: «البقرَةُ والَّتي (٤) تَليها». وفي الدَّارقطني عن ابنِ مسعودٍ: «البقرةُ وسورٌ من المفصَّلِ». ولتمَّام الرَّازيِّ عن أبي أمامة قال: «زوَّج النَّبيُّ رجلًا من الأنصارِ على

سبعِ سور» (١) (فَقَالَ) : (تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟) أي: من حفظِكَ (قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ) بفتح الميم. قال الدَّارقطنيُّ: هذه وهمٌ، والصَّوابُ «زوَّجتُكَها» وهي روايةُ الأكثرين.

قال النَّوويُّ: يحتملُّ صحَّةَ الوجهينِ بأن يكون جرى لفظُ التَّزويجِ أولًا، ثمَّ لفظُ التَّمليكِ ثانيًا، أي: لأنَّهُ ملكَ عصمَتها بالتَّزويجِ السَّابق. زادَ البيهقيُّ في «المعرفة» من طريق زائدةَ عن أبي حازمٍ، عن سهل: «انطَلِق فقد زوَّجتُكَها بما تعلِّمُها من القُرآنِ»، وفي حديثِ أبي هُريرة عنده أيضًا قال: «ما تحفظُ من القُرآنِ» قال: سورة البقرَةِ والَّتي تَلِيها. قال: «قُم فعلِّمها عشرينَ آيةً وهي امرأتكُ»، وفي تعليمها القرآن منفعةٌ تعودُ إليها، وهو عملٌ من أعمالِ البدنِ الَّتي لها أجرةٌ، والباءُ في: «بما معكَ» باء المقابلة، و «ما»: موصولةٌ، وصلتهَا الظَّرفُ، والعائدُ ضميرُ الاستقرارِ، وقيل: الباء سببيَّةٌ، أي: بسببِ ما معكَ من القرآنِ. قيل: ويرجعُ إلى صداقِ المثلِ، وهذا مذهبُ الحنفيَّة. قالوا: لأنَّ المسمَّى ليسَ بمالٍ (٢)، والشَّارعُ إنَّما شرعَ ابتغاءَ النِّكاحِ للمالِ بقوله: ﴿أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم﴾ [النساء: ٢٤] وتعليمُ (٣) القرآنِ ليسَ بمالٍ، فيجبُ مهر المثلِ، وليس في قوله: «زوجتُكَها بما معَكَ من القرآنِ» أنَّه جعلهُ (٤) مهرًا، و «مِن» للبيان أو للتبعيضِ.

(١٥) (بابُ الأَكْفَاءِ فِي الدِّينِ) بفتح الهمزة الأولى، جمع: كُفءٍ -بضم الكاف وسكون تاليها آخره همزة-: المثلُ والنَّظيرُ، يقال: كافأَهُ، أي: ساواهُ، ومنه قوله : «المؤمِنونَ تتكافَأُ دِمَاؤُهُم، ويسعى بذمَّتِهم (٥) أَدنَاهُم» فالكفاءَةُ معتبرةٌ في النِّكاحِ لِمَا روى جابرٌ أنَّه قال: «ألَّا لا يزوِّجُ النِّساءَ إلَّا الأولياءَ، ولا يُزَوَّجْنَّ من غيرِ الأكفاءِ» ولأنَّ النِّكاحَ يعقدُ (٦) للعمرِ، ويشتملُ على

أغراضٍ ومقاصدَ، كالازدواجِ والصُّحبةِ والألفَةِ وتأسيسِ القراباتِ، ولا ينتظِمُ ذلك عادةً إلَّا بينَ الأكفاءِ، وقد جزمَ مالكٌ بأنَّ اعتبارَ الكفاءةِ مختصٌّ بالدِّينِ لقوله : «النَّاسُ سواءٌ، لا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ، إنَّما الفضلُ بالتَّقوى»، وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] وأُجيب بأنَّ المرادَ به في حكمِ الآخرةِ، وكلامُنَا في الدُّنيا. وقال الشَّيخ خليل في «مختصره»: والكفاءةُ الدِّينُ والحالُ. قال شارحُهُ: واعتبر فيها خمسة أوصافٍ (١):

الدِّينُ: وهو متَّفق عليه، وظاهرُ قولِ «المدوَّنة»: المسلمون بعضُهم لبعضٍ أكفاءٌ، أنَّ الرقيقَ كفءٌ، ونقلهُ عبد الوهاب نصًّا، وعن المغيرة أنَّه يفسخُ، وصحَّحه هو وغيرهُ.

والنَّسبُ: وفي «المدونة»: المولَى كفءٌ للعربيَّةِ، وقيل: ليسَ بكفءٍ.

والحالُ: وهو أن يكون الزَّوجُ سالِمًا من العيوبِ الفاحِشةِ.

والمالُ: فالعجزُ عن حقوقِهَا يوجبُ مقالَها. وقيل: المعتبرُ من ذلكَ كله عند مالكٍ: الدِّينُ والحالُ. وعند ابن القاسم: الدِّينُ والمالُ. وعندهما: المالُ والحالُ. انتهى.

وخصالُ الكفاءةِ عندَ الشَّافعيَّةِ خمسة: سلامةٌ من عيبِ نكاحٍ: كجنونٍ وجذامٍ وبرصٍ.

وحرِّيَّة: فمن مسَّهُ أو مسَّ أبًا له أقرب رقٌّ ليس كفءَ سليمةٍ من ذلك لأنَّها تعيَّرُ به، وَخَرَجَ بالآباءِ الأمهاتُ، فلا يؤثِّرُ فيهنَّ مسُّ الرِّقِّ.

ونَسَبٌ: ولو في العجَمِ لأنَّه من المفاخرِ، فعجميٌّ أبًا وإن كانت أمُّه عربيةً ليسَ كفءَ عربيَّةٍ أبًا وإن كانَت أمُّها أعجميَّة، ولا غيرُ قرشيٍّ من العربِ كفؤًا لقرشيَّةٍ لحديثِ: «قدِّمُوا قريشًا ولا تقدَّمُوها» رواه الشَّافعيُّ بلاغًا، ولا غيرُ هاشميٍّ ومطَّلِبيٍّ كفؤًا لهُما لحديث مسلمٍ: «إنَّ اللهَ اصطفَى كنانَةَ من ولدِ إسماعيلَ، واصطفَى قُريشًا من كنانَةَ، واصطَفَى من قريشٍ بني هاشمٍ واصْطَفاني من بني هاشمٍ (٢)» فبنُو هاشمٍ وبنو المطَّلبِ أكفاءٌ لحديث البخاريِّ: «نحنُ وبنُو المطَّلب شيءٌ واحدٌ» [خ¦٣١٤٠].

وعفَّةٌ: بدينٍ وصلاحٍ، فليسَ فاسقٌ كفءَ عفيفةٍ.

وحرفةٌ: فليسَ ذو حرفةٍ دنيئةٍ كفءَ أرفعَ منه، فنحُو كنَّاس ليس كفءَ بنتِ خيَّاطٍ، ولا خيَّاط بنت تاجرٍ، ولا تاجر بنت عالمٍ، ولا يعتبرُ في خصالِ الكفاءةِ اليسارُ لأنَّ المال غادٍ ورائحٍ، ولا يفتخِرُ به أهلُ (١) المروءاتِ والبصائر. وقال الحنابلة -واللَّفظُ للمرداويِّ في «تنقيحه» -: والكفاءةُ في زوجٍ شرطٌ لصحَّةِ النِّكاحِ عند الأكثرِ، فهي حقٌّ للهِ والمرأةِ والأولياءِ كلِّهم، حتَّى مَن يَحْدُث، ولو زالَتْ بعد العقدِ فلها الفسخُ فقط، وعنه ليست بشرطٍ بل للُّزومِ، واختارَهُ أكثرُ المتأخِّرينَ، وهو أظهرُ، ولمن (٢) لم يرضَ الفسخُ من المرأةِ والأولياءِ جميعِهم فورًا وتراخيًا، فهي حقٌّ للأولياءِ والمرأةِ، وهي: دينٌ، ومنصبٌ -وهو النَّسَب-، وحرِّيَّةٌ، وصناعَةٌ غيرُ زريَّةٍ، ويسارٌ بمالٍ بحسبِ ما يجبُ لها.

وقال الشَّافعيُّ: ليسَ نكاحُ غيرِ الأكفاءِ حرامًا فأردُّ به النِّكاحَ، وإنَّما هو تقصيرٌ بالمرأةِ والأولياءِ، فإذا رضُوا صحَّ، ويكون حقًّا لهم تركُوه، فلو رضُوا إلَّا واحدًا فلهُ فسخُهُ.

(وَقَوْلِهِ) ﷿: (﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء﴾) أي: النُّطفة (﴿بَشَرًا﴾) إنسانًا (﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾) يريدُ: فقسَّمَ البشرَ قسمين: ذوي نسبٍ، أي: ذكورًا ينسبُ إليهم، فقال: فلانُ ابن فلان وفلانةُ بنت فلان، وذوات صهرٍ، أي: إناثًا يُصاهرُ بهنَّ، وهو كقوله: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى﴾ [القيامة: ٣٩] (﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٤]) حيث خلقَ من النُّطفةِ الواحدةِ بشرًا نوعَين ذكرًا وأنثى، وقيل: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا﴾ قرابةً ﴿وَصِهْرًا﴾ أي: مصاهرةً، يعني: الوصلة بالنِّكاحِ من بالأنسابِ (٣) لأنَّ التواصُلَ يقع بها وبالمصاهرةِ لأنَّ التوالد يكونُ بها، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾» وقال بعد ﴿وَصِهْرًا﴾: «الآيةَ».

ومرادُ المؤلِّف من سياقِ هذه الآية: الإشارةُ إلى أنَّ النَّسبَ والصِّهرَ ممَّا يتعلَّقُ به حكمُ الكفاءةِ، ونقلَ العينيُّ عن ابنِ سيرين أنَّ هذه الآية نزلتْ في النَّبيِّ وعليٍّ، وزوَّج فاطمةَ عليًّا، وهو ابنُ عمِّه وزوجُ ابنتِهِ، فكانَ نسبًا وكان صهرًا.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد