الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٠٩٨
الحديث رقم ٥٠٩٨ من كتاب «كتاب النكاح» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لا يتزوج أكثر من أربع.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابٌ: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ
٥٠٩٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ،
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ (بَابُ الْحُرَّةِ تَحْتَ الْعَبْدِ) أَيْ جَوَازُ تَزْوِيجِ الْعَبْدِ الْحُرَّةَ إِنْ رَضِيَتْ بِهِ، وَأَوْرَدَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ قِصَّةِ بَرِيرَةَ حَيْثُ خُيِّرَتْ حِينَ عَتَقَتْ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ، وَهُوَ مَصِيرٌ مِنَ الْمُصَنِّفِ إِلَى أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ حِينَ عَتَقَتْ كَانَ عَبْدًا، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
١٩ - بَاب لَا يَتَزَوَّجُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ﵉: يَعْنِي مَثْنَى أَوْ ثُلَاثَ أَوْ رُبَاعَ
وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ يَعْنِي مَثْنَى أَوْ ثُلَاثَ أَوْ رُبَاعَ
٥٠٩٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ قَالَتْ: هي الْيَتِيمَةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ، وَهُوَ وَلِيُّهَا فَيَتَزَوَّجُهَا عَلَى مَالِهَا، وَيُسِيءُ صُحْبَتَهَا، وَلَا يَعْدِلُ فِي مَالِهَا، فَلْيَتَزَوَّجْ مَا طَابَ لَهُ مِنْ النِّسَاءِ سِوَاهَا؛ مَثْنَى، وَثُلَاثَ، وَرُبَاعَ.
قَوْلُهُ (بَابُ لَا يَتَزَوَّجُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ أَمَّا حُكْمُ التَّرْجَمَةِ فَبِالْإِجْمَاعِ، إِلَّا قَوْلَ مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ مِنْ رَافِضِيٍّ وَنَحْوِهِ، وَأَمَّا انْتِزَاعُهُ مِنَ الْآيَةِ فَلِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْهَا التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْأَعْدَادِ الْمَذْكُورَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْآيَةِ نَفْسِهَا ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ وَلِأَنَّ مَنْ قَالَ جَاءَ الْقَوْمُ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ أَرَادَ أَنَّهُمْ جَاءُوا اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ وَثَلَاثَةً ثَلَاثَةً وَأَرْبَعَةً أَرْبَعَةً، فَالْمُرَادُ تَبْيِينُ حَقِيقَةِ مَجِيئِهِمْ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَجِيئُوا جُمْلَةً وَلَا فُرَادَى، وَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى الْآيَةِ انْكِحُوا اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثَةً ثَلَاثَةً وَأَرْبَعَةً أَرْبَعَةً، فَالْمُرَادُ الْجَمِيعُ لَا الْمَجْمُوعُ، وَلَوْ أُرِيدَ مَجْمُوعُ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ لَكَانَ قَوْلُهُ مَثَلًا تِسْعًا أَرْشَقُ وَأَبْلَغُ، وَأَيْضًا فَإِنَّ لَفْظَ مَثْنَى مَعْدُولٌ عَنِ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ، فَدَلَّ إِيرَادُهُ أَنَّ الْمُرَادَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْأَعْدَادِ الْمَذْكُورَةِ، وَاحْتِجَاجُهُمْ بِأَنَّ الْوَاوَ لِلْجَمْعِ لَا يُفِيدُ مَعَ وُجُودِ الْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَى عَدَمِ الْجَمْعِ، وَبِكَوْنِهِ ﷺ جَمَعَ بَيْنَ تِسْعِ، مُعَارَضٌ بِأَمْرِهِ ﷺ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ بِمُفَارَقَةِ مَنْ زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ لِغَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ وَغَيْرِهِ كَمَا خَرَّجَ فِي كُتُبِ السُّنَنِ فَدَلَّ عَلَى خُصُوصِيَّتِهِ ﷺ بِذَلِكَ، وَقَوْلُهُ ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ فَاطِرٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ
الْمُرَادَ بِهِ تَنْوِيعُ الْأَعْدَادِ لَا أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَجْمُوعَ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ) أَيِ ابْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (يَعْنِي مَثْنَى أَوْ ثُلَاثَ أَوْ رُبَاعَ) أَرَادَ أَنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى أَوْ، فَهِيَ لِلتَّنَوُّيعِ، أَوْ هِيَ عَاطِفَةٌ عَلَى الْعَامِلِ وَالتَّقْدِيرِ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى، وَانْكِحُوا مَا طَابَ مِنَ النِّسَاءِ ثَلَاثَ إِلَخْ، وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْأَدِلَّةِ فِي الرَّدِّ عَلَى الرَّافِضَةِ لِكَوْنِهِ مِنْ تَفْسِيرِ زَيْنِ الْعَابِدِينَ وَهُوَ مِنْ أَئِمَّتِهِمُ الَّذِينَ يَرْجِعُونَ إِلَى قَوْلِهِمْ وَيَعْتَقِدُونَ عِصْمَتَهَمْ. ثُمَّ سَاقَ الْمُصَنِّفُ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ وَقَدْ سَبَقَ قَبْلَ هَذَا بِبَابٍ أَتَمَّ سِيَاقًا مِنَ الَّذِي هُنَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
٢٠ - بَاب ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ وَيَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاع مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ
٥٠٩٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عِنْدَهَا، وَأَنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُلٍ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
و ﴿ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] وقسمٌ يؤتَى بهِ لا ليضمَّ بعضه إلى بعضٍ، وإنما يرادُ به الانفرادُ لا الاجتماعُ، وهو الأعدادُ المعدولةُ، كهذه الآية وآيةِ فاطرٍ، أي: منهم جماعةٌ ذوو جناحينِ جناحينِ، وجماعةٌ ذوو ثلاثةٍ ثلاثةٍ، وجماعةٌ ذوو أربعةٍ أربعةٍ، فكل جنسٍ مفرد بعددٍ، وقال:
ولَكِنَّما أَهْلِي بوَادٍ أَنِيسُه … ذِئَابٌ تَبَغَّى النَّاسَ مَثْنى ومَوْحَد
ولم يقولُوا: ثُلاثٌ وخُماسٌ ويريدونَ ثمانية، كما قال تعالى: ﴿ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ وللجهلِ بموقعِ هذه الألفاظِ استعملها المتنبِّي في غير موضعِ التَّقسيمِ، فقال:
أُحَادٌ أَمْ سُدَاسٌ فِي أُحَادِ … لُيَيْلَتُنا المَنُوطةُ بالتَّنادِ
٥٠٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هو ابنُ سلامٍ البيكنديُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ) بسكون الموحدة، ابنُ سليمان (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بن الزُّبيرِ (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنَّها قالت في قوله تعالى: (﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «فإن خِفتُم» (﴿أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣]) أي: أن لا تعدِلُوا فيهم (قَالَ) أي: عروة عن عائشة، ولأبي ذرٍّ: «قالتْ)»: هي (اليَتِيمَةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ) سقط لفظ «تكونُ» لأبي ذرٍّ (وَهْوَ وَلِيُّهَا) القائم بأمورها (فَيَتَزَوَّجُهَا عَلَى مَالِهَا، وَيُسِيءُ صُحْبَتَهَا) بضم الياء من الإساءةِ (وَلَا يَعْدِلُ فِي مَالِهَا، فَلْيَتَزَوَّجْ مَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «من» (طَابَ لَهُ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهَا مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) والإجماعُ على أنَّه لا يجوزُ للحرِّ أن ينكحَ أكثرَ من أربعٍ لما سبق، إلَّا قول رافضِي ونحوه ممَّن لا يعتدُّ بخلافهِ، فإنْ احتجُّوا بأنَّه ﷺ توفِّي عن تسعٍ ولنَا به أسوةٌ قلنَا: هذا من خصائصِهِ ﷺ كغيره من الأنبياء (١) فلا دليلَ فيه، وهو معارضٌ بقولهِ ﷺ لغيلانَ وقد أسلمَ وتحتهُ عشرُ نسوةٍ: «أَمْسِك أَربَعًا وفَارِق
سَائِرهنُّ». رواه ابن حبَّان والحاكمُ وغيرهما وصحَّحوهُ، وهو يدلُّ على تخصيصِهِ ﷺ بذلكَ، فلو جمعَ الرَّجلُ خمسًا في عقدٍ واحدٍ لم يصحَّ نكاحهُنَّ إذ لا أولويَّةَ لإحداهنَّ على الباقياتِ، فإن كانَ فيهنَّ أختانِ اختصَّتَا بالبُطْلانِ دون غيرهما عملًا بتفريقِ الصَّفْقةِ، وإنَّما بطلَ فيهما معًا لأنَّه لا يمكنُ الجمعُ بينهما، ولا أولويَّةَ لإحداهُمَا على الأُخرى، أو مرتبًا فالخامسةُ.
وهذا الحديثُ قد سبقَ غير مرَّة [خ¦٢٤٩٤] [خ¦٢٧٦٣] [خ¦٥٠٩٢].
(٢٠) هذا (بابٌ) بالتنوينِ: في حكمِ الرَّضاعِ لقوله تعالى: (﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾) هو معطوفٌ على قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] قال في «الفتح»: ووقعَ هنا في بعضِ الشُّروحِ: «كتاب الرضاع» ولم أرهُ في شيءٍ من الأصولِ. انتهى. والرَّضَاع بفتح الراء وكسرها اسمٌ لمصِّ الثَّديِ وشربِ لبنهِ، وهذا جَرى على الغالبِ الموافق للُّغةِ، وإلَّا فهو اسمٌ لحصولِ لبنِ امرأةٍ، أو ما حصلَ منه في جوفِ طفلٍ، والأصلُ في تحريمهِ قبلَ الإجماعِ هذه الآية (وَ) حديث: (يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَة) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «من الرَّضاعِ» (مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ) وهو مرويٌّ في «الصحيحين» [خ¦٢٦٤٥] وجعلَ سببًا للتَّحريمِ لأنَّ جزءًا من المرضعةِ -وهو اللَّبنُ- صار جزءًا للرَّضيعِ باغتذائِهِ به (١)، فأشبهَ منيَّها وحيضَهَا، وأركانهُ ثلاثةٌ: المرضعِ، فيشترطُ كونُها امرأةً حيَّةً بلغَت سنَّ الحيضِ، وإن لم تلِدْ، فلا تحريمَ بلبن رجلٍ وخنثَى، ولا لبن بهيمةٍ، ولا لبنٍ انفصلَ عن ميتةٍ. والثَّاني: اللَّبنُ، فيثبتُ به التَّحريمُ وإن تغيَّرَ كالجبْنِ والزُّبْدِ، أو عجنَ به دقيقٌ، أو خالطهُ ماءٌ، أو مائعٌ وغلبَ اللَّبنُ على الخليطِ، وكذا لو كان مغلوبًا بحيثُ لم يبقَ من صفاتِهِ الثَّلاثِ -الطَّعم واللَّون والرِّيح- حسًّا وتقديرًا شيءٌ، فإنَّه يثبتُ به التَّحريمُ، لكن يشترطُ شربُ الجميعِ وكون اللَّبن المخلوط مقدار ما لو كان منفردًا (٢) أثَّر في التَّحريم بأن يمكن أن يُسقى منه خمس دفعاتٍ، والثَّالثُ: المحلُّ، وهي معدةُ الطِّفلِ الحيِّ أو دماغهُ لا ابنَ حولينِ، ولا أثرَ له عند الشَّافعيَّة دونَ خمسِ رضعاتٍ، إلَّا إن حكمَ به حاكمٌ يراهُ فلا ينقضُ حكمهُ.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ (بَابُ الْحُرَّةِ تَحْتَ الْعَبْدِ) أَيْ جَوَازُ تَزْوِيجِ الْعَبْدِ الْحُرَّةَ إِنْ رَضِيَتْ بِهِ، وَأَوْرَدَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ قِصَّةِ بَرِيرَةَ حَيْثُ خُيِّرَتْ حِينَ عَتَقَتْ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ، وَهُوَ مَصِيرٌ مِنَ الْمُصَنِّفِ إِلَى أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ حِينَ عَتَقَتْ كَانَ عَبْدًا، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
١٩ - بَاب لَا يَتَزَوَّجُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ﵉: يَعْنِي مَثْنَى أَوْ ثُلَاثَ أَوْ رُبَاعَ
وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ يَعْنِي مَثْنَى أَوْ ثُلَاثَ أَوْ رُبَاعَ
٥٠٩٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ قَالَتْ: هي الْيَتِيمَةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ، وَهُوَ وَلِيُّهَا فَيَتَزَوَّجُهَا عَلَى مَالِهَا، وَيُسِيءُ صُحْبَتَهَا، وَلَا يَعْدِلُ فِي مَالِهَا، فَلْيَتَزَوَّجْ مَا طَابَ لَهُ مِنْ النِّسَاءِ سِوَاهَا؛ مَثْنَى، وَثُلَاثَ، وَرُبَاعَ.
قَوْلُهُ (بَابُ لَا يَتَزَوَّجُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ أَمَّا حُكْمُ التَّرْجَمَةِ فَبِالْإِجْمَاعِ، إِلَّا قَوْلَ مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ مِنْ رَافِضِيٍّ وَنَحْوِهِ، وَأَمَّا انْتِزَاعُهُ مِنَ الْآيَةِ فَلِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْهَا التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْأَعْدَادِ الْمَذْكُورَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْآيَةِ نَفْسِهَا ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ وَلِأَنَّ مَنْ قَالَ جَاءَ الْقَوْمُ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ أَرَادَ أَنَّهُمْ جَاءُوا اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ وَثَلَاثَةً ثَلَاثَةً وَأَرْبَعَةً أَرْبَعَةً، فَالْمُرَادُ تَبْيِينُ حَقِيقَةِ مَجِيئِهِمْ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَجِيئُوا جُمْلَةً وَلَا فُرَادَى، وَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى الْآيَةِ انْكِحُوا اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثَةً ثَلَاثَةً وَأَرْبَعَةً أَرْبَعَةً، فَالْمُرَادُ الْجَمِيعُ لَا الْمَجْمُوعُ، وَلَوْ أُرِيدَ مَجْمُوعُ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ لَكَانَ قَوْلُهُ مَثَلًا تِسْعًا أَرْشَقُ وَأَبْلَغُ، وَأَيْضًا فَإِنَّ لَفْظَ مَثْنَى مَعْدُولٌ عَنِ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ، فَدَلَّ إِيرَادُهُ أَنَّ الْمُرَادَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْأَعْدَادِ الْمَذْكُورَةِ، وَاحْتِجَاجُهُمْ بِأَنَّ الْوَاوَ لِلْجَمْعِ لَا يُفِيدُ مَعَ وُجُودِ الْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَى عَدَمِ الْجَمْعِ، وَبِكَوْنِهِ ﷺ جَمَعَ بَيْنَ تِسْعِ، مُعَارَضٌ بِأَمْرِهِ ﷺ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ بِمُفَارَقَةِ مَنْ زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ لِغَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ وَغَيْرِهِ كَمَا خَرَّجَ فِي كُتُبِ السُّنَنِ فَدَلَّ عَلَى خُصُوصِيَّتِهِ ﷺ بِذَلِكَ، وَقَوْلُهُ ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ فَاطِرٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ
الْمُرَادَ بِهِ تَنْوِيعُ الْأَعْدَادِ لَا أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَجْمُوعَ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ) أَيِ ابْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (يَعْنِي مَثْنَى أَوْ ثُلَاثَ أَوْ رُبَاعَ) أَرَادَ أَنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى أَوْ، فَهِيَ لِلتَّنَوُّيعِ، أَوْ هِيَ عَاطِفَةٌ عَلَى الْعَامِلِ وَالتَّقْدِيرِ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى، وَانْكِحُوا مَا طَابَ مِنَ النِّسَاءِ ثَلَاثَ إِلَخْ، وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْأَدِلَّةِ فِي الرَّدِّ عَلَى الرَّافِضَةِ لِكَوْنِهِ مِنْ تَفْسِيرِ زَيْنِ الْعَابِدِينَ وَهُوَ مِنْ أَئِمَّتِهِمُ الَّذِينَ يَرْجِعُونَ إِلَى قَوْلِهِمْ وَيَعْتَقِدُونَ عِصْمَتَهَمْ. ثُمَّ سَاقَ الْمُصَنِّفُ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ وَقَدْ سَبَقَ قَبْلَ هَذَا بِبَابٍ أَتَمَّ سِيَاقًا مِنَ الَّذِي هُنَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
٢٠ - بَاب ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ وَيَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاع مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ
٥٠٩٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عِنْدَهَا، وَأَنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُلٍ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
و ﴿ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] وقسمٌ يؤتَى بهِ لا ليضمَّ بعضه إلى بعضٍ، وإنما يرادُ به الانفرادُ لا الاجتماعُ، وهو الأعدادُ المعدولةُ، كهذه الآية وآيةِ فاطرٍ، أي: منهم جماعةٌ ذوو جناحينِ جناحينِ، وجماعةٌ ذوو ثلاثةٍ ثلاثةٍ، وجماعةٌ ذوو أربعةٍ أربعةٍ، فكل جنسٍ مفرد بعددٍ، وقال:
ولَكِنَّما أَهْلِي بوَادٍ أَنِيسُه … ذِئَابٌ تَبَغَّى النَّاسَ مَثْنى ومَوْحَد
ولم يقولُوا: ثُلاثٌ وخُماسٌ ويريدونَ ثمانية، كما قال تعالى: ﴿ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ وللجهلِ بموقعِ هذه الألفاظِ استعملها المتنبِّي في غير موضعِ التَّقسيمِ، فقال:
أُحَادٌ أَمْ سُدَاسٌ فِي أُحَادِ … لُيَيْلَتُنا المَنُوطةُ بالتَّنادِ
٥٠٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هو ابنُ سلامٍ البيكنديُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ) بسكون الموحدة، ابنُ سليمان (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بن الزُّبيرِ (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنَّها قالت في قوله تعالى: (﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «فإن خِفتُم» (﴿أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣]) أي: أن لا تعدِلُوا فيهم (قَالَ) أي: عروة عن عائشة، ولأبي ذرٍّ: «قالتْ)»: هي (اليَتِيمَةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ) سقط لفظ «تكونُ» لأبي ذرٍّ (وَهْوَ وَلِيُّهَا) القائم بأمورها (فَيَتَزَوَّجُهَا عَلَى مَالِهَا، وَيُسِيءُ صُحْبَتَهَا) بضم الياء من الإساءةِ (وَلَا يَعْدِلُ فِي مَالِهَا، فَلْيَتَزَوَّجْ مَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «من» (طَابَ لَهُ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهَا مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) والإجماعُ على أنَّه لا يجوزُ للحرِّ أن ينكحَ أكثرَ من أربعٍ لما سبق، إلَّا قول رافضِي ونحوه ممَّن لا يعتدُّ بخلافهِ، فإنْ احتجُّوا بأنَّه ﷺ توفِّي عن تسعٍ ولنَا به أسوةٌ قلنَا: هذا من خصائصِهِ ﷺ كغيره من الأنبياء (١) فلا دليلَ فيه، وهو معارضٌ بقولهِ ﷺ لغيلانَ وقد أسلمَ وتحتهُ عشرُ نسوةٍ: «أَمْسِك أَربَعًا وفَارِق
سَائِرهنُّ». رواه ابن حبَّان والحاكمُ وغيرهما وصحَّحوهُ، وهو يدلُّ على تخصيصِهِ ﷺ بذلكَ، فلو جمعَ الرَّجلُ خمسًا في عقدٍ واحدٍ لم يصحَّ نكاحهُنَّ إذ لا أولويَّةَ لإحداهنَّ على الباقياتِ، فإن كانَ فيهنَّ أختانِ اختصَّتَا بالبُطْلانِ دون غيرهما عملًا بتفريقِ الصَّفْقةِ، وإنَّما بطلَ فيهما معًا لأنَّه لا يمكنُ الجمعُ بينهما، ولا أولويَّةَ لإحداهُمَا على الأُخرى، أو مرتبًا فالخامسةُ.
وهذا الحديثُ قد سبقَ غير مرَّة [خ¦٢٤٩٤] [خ¦٢٧٦٣] [خ¦٥٠٩٢].
(٢٠) هذا (بابٌ) بالتنوينِ: في حكمِ الرَّضاعِ لقوله تعالى: (﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾) هو معطوفٌ على قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] قال في «الفتح»: ووقعَ هنا في بعضِ الشُّروحِ: «كتاب الرضاع» ولم أرهُ في شيءٍ من الأصولِ. انتهى. والرَّضَاع بفتح الراء وكسرها اسمٌ لمصِّ الثَّديِ وشربِ لبنهِ، وهذا جَرى على الغالبِ الموافق للُّغةِ، وإلَّا فهو اسمٌ لحصولِ لبنِ امرأةٍ، أو ما حصلَ منه في جوفِ طفلٍ، والأصلُ في تحريمهِ قبلَ الإجماعِ هذه الآية (وَ) حديث: (يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَة) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «من الرَّضاعِ» (مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ) وهو مرويٌّ في «الصحيحين» [خ¦٢٦٤٥] وجعلَ سببًا للتَّحريمِ لأنَّ جزءًا من المرضعةِ -وهو اللَّبنُ- صار جزءًا للرَّضيعِ باغتذائِهِ به (١)، فأشبهَ منيَّها وحيضَهَا، وأركانهُ ثلاثةٌ: المرضعِ، فيشترطُ كونُها امرأةً حيَّةً بلغَت سنَّ الحيضِ، وإن لم تلِدْ، فلا تحريمَ بلبن رجلٍ وخنثَى، ولا لبن بهيمةٍ، ولا لبنٍ انفصلَ عن ميتةٍ. والثَّاني: اللَّبنُ، فيثبتُ به التَّحريمُ وإن تغيَّرَ كالجبْنِ والزُّبْدِ، أو عجنَ به دقيقٌ، أو خالطهُ ماءٌ، أو مائعٌ وغلبَ اللَّبنُ على الخليطِ، وكذا لو كان مغلوبًا بحيثُ لم يبقَ من صفاتِهِ الثَّلاثِ -الطَّعم واللَّون والرِّيح- حسًّا وتقديرًا شيءٌ، فإنَّه يثبتُ به التَّحريمُ، لكن يشترطُ شربُ الجميعِ وكون اللَّبن المخلوط مقدار ما لو كان منفردًا (٢) أثَّر في التَّحريم بأن يمكن أن يُسقى منه خمس دفعاتٍ، والثَّالثُ: المحلُّ، وهي معدةُ الطِّفلِ الحيِّ أو دماغهُ لا ابنَ حولينِ، ولا أثرَ له عند الشَّافعيَّة دونَ خمسِ رضعاتٍ، إلَّا إن حكمَ به حاكمٌ يراهُ فلا ينقضُ حكمهُ.