«كَانَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ مِنَ اللَّائِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥١١٣

الحديث رقم ٥١١٣ من كتاب «كتاب النكاح» في صحيح البخاري، تحت باب: باب هل للمرأة أن تهب نفسها لأحد.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥١١٣ في صحيح البخاري

«كَانَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ مِنَ اللَّائِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِلنَّبِيِّ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَمَا تَسْتَحِي الْمَرْأَةُ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لِلرَّجُلِ؟ فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿تُرْجِئُ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ» رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدِّبُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ وَعَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ.

بَابُ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ

إسناد حديث رقم ٥١١٣ من صحيح البخاري

٥١١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥١١٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

إِلَى صِحَّتِهِ وَوُجُوبِ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَمَكْحُولٍ وَالثَّوْرِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَهُوَ قَوْلٌ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، لِاخْتِلَافِ الْجِهَةِ. لَكِنْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّ النِّسَاءَ مُحَرَّمَاتٌ إِلَّا مَا أَحَلَّ اللَّهُ أَوْ مِلْكَ يَمِينٍ، فَإِذَا وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ نِكَاحٍ تَأَكَّدَ التَّحْرِيمُ

(تَنْبِيهٌ):

ذِكْرُ الْبِنْتِ فِي تَفْسِيرِ الشِّغَارِ مِثَالٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى ذِكْرُ الْأُخْتِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْبَنَاتِ مِنَ الْأَخَوَاتِ وَبَنَاتِ الْأَخِ وَغَيْرِهِنَّ كَالْبَنَاتِ فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ

٢٩ - بَاب هَلْ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لِأَحَدٍ

٥١١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ مِنْ اللَّائِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِلنَّبِيِّ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَمَا تَسْتَحِي الْمَرْأَةُ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لِلرَّجُلِ؟ فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ. رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدِّبُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، وَعَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ

قَوْلُهُ: (بَابُ هَلْ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لِأَحَدٍ)؛ أَيْ فَيَحِلَّ لَهُ نِكَاحُهَا بِذَلِكَ، وَهَذَا يَتَنَاوَلُ صُورَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا مُجَرَّدُ الْهِبَةِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ مَهْرٍ، وَالثَّانِي: الْعَقْدُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ. فَالصُّورَةُ الْأُولَى ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى بُطْلَانِ النِّكَاحِ، وَأَجَازَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَلَكِنْ قَالُوا: يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إِنْ تَزَوَّجَ بِلَفْظِ الْهِبَةِ، وَشَرَطَ أَنْ لَا مَهْرَ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ. وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فَعَدُّوا ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ وَأَنَّهُ يَتَزَوَّجُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ بِغَيْرِ مَهْرٍ فِي الْحَالِ وَلَا فِي الْمَآلِ.

وَأَجَابَ الْمُجِيزُونَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْوَاهِبَةَ تَخْتَصُّ بِهِ لَا مُطْلَقُ الْهِبَةِ.

وَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَطَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِلَفْظِ النِّكَاحِ أَوِ التَّزْوِيجِ؛ لِأَنَّهُمَا الصَّرِيحَانِ اللَّذَانِ وَرَدَ بِهِمَا الْقُرْآنُ وَالْحَدِيثُ. وَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى أَنَّهُ يَصِحُّ بِالْكِنَايَاتِ، وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ لَهُمْ بِالْقِيَاسِ عَلَى الطَّلَاقِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِصَرَائِحِهِ وَبِكِنَايَاتِهِ مَعَ الْقَصْدِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ)، هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ (قَالَ: كَانَتْ خَوْلَةُ)، هَذَا مُرْسَلٌ؛ لِأَنَّ عُرْوَةَ لَمْ يُدْرِكِ زَمَنَ الْقِصَّةِ، لَكِنَّ السِّيَاقَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ حَمَلَهُ عَنْ عَائِشَةَ. وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ عَقِبَ هَذِهِ الطَّرِيقِ رِوَايَةَ مَنْ صَرَّحَ فِيهِ بِذِكْرِ عَائِشَةَ تَعْلِيقًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْأَحْزَابِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ كَذَلِكَ مَوْصُولًا.

قَوْلُهُ: (بِنْتُ حَكِيمٍ): أَيِ ابْنِ أُمَيَّةَ بْنِ الْأَوْقَصِ السِّلَمِيَّةُ، وَكَانَتْ زَوْجَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، وَهِيَ مِنَ السَّابِقَاتِ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأُمُّهَا مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ.

قَوْلُهُ: (مِنَ اللَّائِي وَهَبْنَ) وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ الْمَذْكُورَةِ قَالَتْ: كُنْتُ أَغَارُ مِنَ اللَّائِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِتَعَدُّدِ الْوَاهِبَاتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُنَّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْمُؤَدِّبِ الْآتِي ذِكْرُهَا فِي الْمُعَلَّقَاتِ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ: الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى تَأْوِيلِ أَنَّهَا السَّابِقَةُ إِلَى ذَلِكَ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْوُجُوهِ الَّتِي لَا تَقْتَضِي الْحَصْرَ الْمُطْلَقَ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَمَا تَسْتَحِي الْمَرْأَةُ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا)، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ الْمَوْصُولَةِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُعَيِّرُ اللَّائِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ.

قَوْلُهُ: (أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا) زَادَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ بِغَيْرِ صَدَاقٍ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾ فِي رِوَايَةِ عَبَدَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تُرْجِئ، وَهَذَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

يقعُ بهما، فليس في اللَّفظ ما يشعرُ أنَّه لا استحلالَ إلَّا بذلك، ولو سلِّم أنَّ في اللَّفظ ما يشعرُ بالحصرِ فعندنا ما يأباه وهو أنَّه قد ذكر لفظ المراجعة معبَّرًا به عن التَّزويج. قال الله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] والمعنى: فإن طلَّقها الزَّوج الثَّاني (١) ثلاثًا فلا جناحَ على الزَّوج الأوَّل، وعلى الزَّوجة المطلَّقة من هذا الثَّاني أن يتراجعَا، فقد عبَّر بالمراجعةِ عن التَّزويج، والمراد: أن يتناكحَا، وذلك يأبى الحصر المسلَّم فيه ظهوره (٢) تقديرًا. انتهى.

وحديث أنَّه زوَّج امرأةً فقال: «ملكتُكَها بما معَكَ من القرآنِ» قيل: إنَّه وهمٌ من الرَّاوي: وبتقدير (٣) صحَّته معارضٌ برواية الجمهور «زوَّجتُكها» قال البيهقيُّ: والجماعة أولى بالحفظِ من الواحد، ويحتملُ أنَّه جمعَ بين اللَّفظين.

٥١١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) بتخفيف اللام، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ) بضم الفاء، محمدٌ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بنِ الزُّبير أنَّه (قَالَ: كَانَتْ خَوْلَةُ) بفتح الخاء المعجمة (بِنْتُ حَكِيمٍ) بفتح المهملة، ابنِ أميَّةَ السَّلَميَّة، وكانت امرأةَ عثمانَ بنِ مظعونَ، وكانت من السَّابقات إلى الإسلام (مِنَ اللَّائِي) بالهمزة (وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِلنَّبِيِّ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ) -فيه إشعارٌ بأنَّ عروة حمل الحديث عن عائشةَ، فلا يكون مرسلًا-: (أَمَا) بتخفيف الميم (تَسْتَحِي المَرْأَةُ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لِلرَّجُلِ؟) زاد محمد بنُ سيرينَ: «بغير صَدَاق» (فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿تُرْجِي﴾) أي: تؤخِّر (﴿مَن تَشَاء مِنْهُنَّ﴾ (٤)) وفي رواية عبدةَ بنِ سليمانَ: فأنزل الله: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاء﴾ [الأحزاب: ٥١] وهي أظهرُ في أنَّ نزول هذه الآية بهذا السَّبب (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَرَى) بفتح

الهمزة (رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ) أي: في رِضاك (رَوَاهُ) أي: الحديث المذكور (أَبُو سَعِيدٍ) محمد بنُ مسلمِ بنِ أبي الوضَّاح (المُؤَدِّبُ) وكان مؤدِّبَ موسى الهادي، فيما وصله ابن مَرْدَويه في «تفسيره» من طريق منصور بنِ أبي مُزَاحم عنه (وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، العَبديُّ الكوفيُّ، فيما (١) وصله الإمام أحمد عنه بتمام الحديث (وَعَبْدَةُ) بنُ سليمانَ، فيما وصله مسلمٌ وابن ماجه؛ الثَّلاثة: (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بنِ الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) (يَزِيدُ بَعْضُهُمْ) في روايته (عَلَى بَعْضٍ) فأمَّا لفظ رواية ابن مَرْدَويه فهو: قالت الَّتي وهبَت نفسها للنَّبيِّ خولةُ بنتُ حكيمٍ. وأمَّا روايةُ الإمام أحمد عنها فهو: كانَت تعيِّرُ اللَّاتي وهبنَ أنفسهنَّ، فلمَّا نزلت: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ﴾ قالتْ: إنِّي لأرى ربَّك يسارعُ لك في هواك. وأمَّا رواية مسلمٍ فلفظها أنَّها كانت تقول: أما تستَحي المرأةُ تهب نفسَها لرجلٍ؟ حتى أنزلَ الله: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء﴾ [الأحزاب: ٥١] فقلت: إنَّ ربَّك يسارعُ لك في هواك. وإنَّما قالت عائشةُ ذلك لما عندَها من الغيرةِ الَّتي طبعت عليها النِّساء، وإلَّا فقد علمت أنَّ الله تعالى قد أباح لنبيِّه ذلك، وأنَّ جميع النِّساء لو ملَّكه الله رقَّهُنَّ لكان قليلًا، فيغتفرُ في الغيرةِ ما لا يُغتفر في غيرها من الحالاتِ، والله أعلم.

(٣٠) (بابُ نِكَاحِ المُحْرِمِ) بالحجِّ أو العمرة أو بهما هل يجوز أم لا؟ والَّذي ذهب إليه الشَّافعيَّة (٢) الثَّاني، سواءٌ كان الإحرامُ صحيحًا أو (٣) فاسدًا لحديث مسلمٍ عن أبان بنِ عثمانَ ابنِ عفَّان، عن أبيه مرفوعًا: «المحرمُ لا ينكِحُ ولا يُنكح» فيبطلُ النِّكاح بإحرام أحد الزَّوجين، أو العاقدين من وليٍّ ولو حاكمًا، وتنتقلُ الولايةُ للحاكم لا للأبعدِ؛ إذ الإحرامُ لا يسلبُ الولاية لبقاء الرُّشد والنَّظر، وإنَّما يمنع النِّكاح كما يمنعه إحرامُ الزَّوج والزَّوجة، ولو أحرم الوليُّ أو الزَّوج فعقدَ وكيله الحلال لم يصحَّ لأنَّ الوكيل سفيرٌ (٤) محضٌ، فكان كالعاقد

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

إِلَى صِحَّتِهِ وَوُجُوبِ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَمَكْحُولٍ وَالثَّوْرِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَهُوَ قَوْلٌ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، لِاخْتِلَافِ الْجِهَةِ. لَكِنْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّ النِّسَاءَ مُحَرَّمَاتٌ إِلَّا مَا أَحَلَّ اللَّهُ أَوْ مِلْكَ يَمِينٍ، فَإِذَا وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ نِكَاحٍ تَأَكَّدَ التَّحْرِيمُ

(تَنْبِيهٌ):

ذِكْرُ الْبِنْتِ فِي تَفْسِيرِ الشِّغَارِ مِثَالٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى ذِكْرُ الْأُخْتِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْبَنَاتِ مِنَ الْأَخَوَاتِ وَبَنَاتِ الْأَخِ وَغَيْرِهِنَّ كَالْبَنَاتِ فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ

٢٩ - بَاب هَلْ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لِأَحَدٍ

٥١١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ مِنْ اللَّائِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِلنَّبِيِّ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَمَا تَسْتَحِي الْمَرْأَةُ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لِلرَّجُلِ؟ فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ. رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدِّبُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، وَعَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ

قَوْلُهُ: (بَابُ هَلْ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لِأَحَدٍ)؛ أَيْ فَيَحِلَّ لَهُ نِكَاحُهَا بِذَلِكَ، وَهَذَا يَتَنَاوَلُ صُورَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا مُجَرَّدُ الْهِبَةِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ مَهْرٍ، وَالثَّانِي: الْعَقْدُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ. فَالصُّورَةُ الْأُولَى ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى بُطْلَانِ النِّكَاحِ، وَأَجَازَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَلَكِنْ قَالُوا: يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إِنْ تَزَوَّجَ بِلَفْظِ الْهِبَةِ، وَشَرَطَ أَنْ لَا مَهْرَ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ. وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فَعَدُّوا ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ وَأَنَّهُ يَتَزَوَّجُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ بِغَيْرِ مَهْرٍ فِي الْحَالِ وَلَا فِي الْمَآلِ.

وَأَجَابَ الْمُجِيزُونَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْوَاهِبَةَ تَخْتَصُّ بِهِ لَا مُطْلَقُ الْهِبَةِ.

وَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَطَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِلَفْظِ النِّكَاحِ أَوِ التَّزْوِيجِ؛ لِأَنَّهُمَا الصَّرِيحَانِ اللَّذَانِ وَرَدَ بِهِمَا الْقُرْآنُ وَالْحَدِيثُ. وَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى أَنَّهُ يَصِحُّ بِالْكِنَايَاتِ، وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ لَهُمْ بِالْقِيَاسِ عَلَى الطَّلَاقِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِصَرَائِحِهِ وَبِكِنَايَاتِهِ مَعَ الْقَصْدِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ)، هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ (قَالَ: كَانَتْ خَوْلَةُ)، هَذَا مُرْسَلٌ؛ لِأَنَّ عُرْوَةَ لَمْ يُدْرِكِ زَمَنَ الْقِصَّةِ، لَكِنَّ السِّيَاقَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ حَمَلَهُ عَنْ عَائِشَةَ. وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ عَقِبَ هَذِهِ الطَّرِيقِ رِوَايَةَ مَنْ صَرَّحَ فِيهِ بِذِكْرِ عَائِشَةَ تَعْلِيقًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْأَحْزَابِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ كَذَلِكَ مَوْصُولًا.

قَوْلُهُ: (بِنْتُ حَكِيمٍ): أَيِ ابْنِ أُمَيَّةَ بْنِ الْأَوْقَصِ السِّلَمِيَّةُ، وَكَانَتْ زَوْجَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، وَهِيَ مِنَ السَّابِقَاتِ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأُمُّهَا مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ.

قَوْلُهُ: (مِنَ اللَّائِي وَهَبْنَ) وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ الْمَذْكُورَةِ قَالَتْ: كُنْتُ أَغَارُ مِنَ اللَّائِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِتَعَدُّدِ الْوَاهِبَاتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُنَّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْمُؤَدِّبِ الْآتِي ذِكْرُهَا فِي الْمُعَلَّقَاتِ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ: الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى تَأْوِيلِ أَنَّهَا السَّابِقَةُ إِلَى ذَلِكَ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْوُجُوهِ الَّتِي لَا تَقْتَضِي الْحَصْرَ الْمُطْلَقَ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَمَا تَسْتَحِي الْمَرْأَةُ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا)، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ الْمَوْصُولَةِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُعَيِّرُ اللَّائِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ.

قَوْلُهُ: (أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا) زَادَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ بِغَيْرِ صَدَاقٍ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾ فِي رِوَايَةِ عَبَدَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تُرْجِئ، وَهَذَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

يقعُ بهما، فليس في اللَّفظ ما يشعرُ أنَّه لا استحلالَ إلَّا بذلك، ولو سلِّم أنَّ في اللَّفظ ما يشعرُ بالحصرِ فعندنا ما يأباه وهو أنَّه قد ذكر لفظ المراجعة معبَّرًا به عن التَّزويج. قال الله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] والمعنى: فإن طلَّقها الزَّوج الثَّاني (١) ثلاثًا فلا جناحَ على الزَّوج الأوَّل، وعلى الزَّوجة المطلَّقة من هذا الثَّاني أن يتراجعَا، فقد عبَّر بالمراجعةِ عن التَّزويج، والمراد: أن يتناكحَا، وذلك يأبى الحصر المسلَّم فيه ظهوره (٢) تقديرًا. انتهى.

وحديث أنَّه زوَّج امرأةً فقال: «ملكتُكَها بما معَكَ من القرآنِ» قيل: إنَّه وهمٌ من الرَّاوي: وبتقدير (٣) صحَّته معارضٌ برواية الجمهور «زوَّجتُكها» قال البيهقيُّ: والجماعة أولى بالحفظِ من الواحد، ويحتملُ أنَّه جمعَ بين اللَّفظين.

٥١١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) بتخفيف اللام، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ) بضم الفاء، محمدٌ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بنِ الزُّبير أنَّه (قَالَ: كَانَتْ خَوْلَةُ) بفتح الخاء المعجمة (بِنْتُ حَكِيمٍ) بفتح المهملة، ابنِ أميَّةَ السَّلَميَّة، وكانت امرأةَ عثمانَ بنِ مظعونَ، وكانت من السَّابقات إلى الإسلام (مِنَ اللَّائِي) بالهمزة (وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِلنَّبِيِّ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ) -فيه إشعارٌ بأنَّ عروة حمل الحديث عن عائشةَ، فلا يكون مرسلًا-: (أَمَا) بتخفيف الميم (تَسْتَحِي المَرْأَةُ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لِلرَّجُلِ؟) زاد محمد بنُ سيرينَ: «بغير صَدَاق» (فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿تُرْجِي﴾) أي: تؤخِّر (﴿مَن تَشَاء مِنْهُنَّ﴾ (٤)) وفي رواية عبدةَ بنِ سليمانَ: فأنزل الله: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاء﴾ [الأحزاب: ٥١] وهي أظهرُ في أنَّ نزول هذه الآية بهذا السَّبب (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَرَى) بفتح

الهمزة (رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ) أي: في رِضاك (رَوَاهُ) أي: الحديث المذكور (أَبُو سَعِيدٍ) محمد بنُ مسلمِ بنِ أبي الوضَّاح (المُؤَدِّبُ) وكان مؤدِّبَ موسى الهادي، فيما وصله ابن مَرْدَويه في «تفسيره» من طريق منصور بنِ أبي مُزَاحم عنه (وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، العَبديُّ الكوفيُّ، فيما (١) وصله الإمام أحمد عنه بتمام الحديث (وَعَبْدَةُ) بنُ سليمانَ، فيما وصله مسلمٌ وابن ماجه؛ الثَّلاثة: (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بنِ الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) (يَزِيدُ بَعْضُهُمْ) في روايته (عَلَى بَعْضٍ) فأمَّا لفظ رواية ابن مَرْدَويه فهو: قالت الَّتي وهبَت نفسها للنَّبيِّ خولةُ بنتُ حكيمٍ. وأمَّا روايةُ الإمام أحمد عنها فهو: كانَت تعيِّرُ اللَّاتي وهبنَ أنفسهنَّ، فلمَّا نزلت: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ﴾ قالتْ: إنِّي لأرى ربَّك يسارعُ لك في هواك. وأمَّا رواية مسلمٍ فلفظها أنَّها كانت تقول: أما تستَحي المرأةُ تهب نفسَها لرجلٍ؟ حتى أنزلَ الله: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء﴾ [الأحزاب: ٥١] فقلت: إنَّ ربَّك يسارعُ لك في هواك. وإنَّما قالت عائشةُ ذلك لما عندَها من الغيرةِ الَّتي طبعت عليها النِّساء، وإلَّا فقد علمت أنَّ الله تعالى قد أباح لنبيِّه ذلك، وأنَّ جميع النِّساء لو ملَّكه الله رقَّهُنَّ لكان قليلًا، فيغتفرُ في الغيرةِ ما لا يُغتفر في غيرها من الحالاتِ، والله أعلم.

(٣٠) (بابُ نِكَاحِ المُحْرِمِ) بالحجِّ أو العمرة أو بهما هل يجوز أم لا؟ والَّذي ذهب إليه الشَّافعيَّة (٢) الثَّاني، سواءٌ كان الإحرامُ صحيحًا أو (٣) فاسدًا لحديث مسلمٍ عن أبان بنِ عثمانَ ابنِ عفَّان، عن أبيه مرفوعًا: «المحرمُ لا ينكِحُ ولا يُنكح» فيبطلُ النِّكاح بإحرام أحد الزَّوجين، أو العاقدين من وليٍّ ولو حاكمًا، وتنتقلُ الولايةُ للحاكم لا للأبعدِ؛ إذ الإحرامُ لا يسلبُ الولاية لبقاء الرُّشد والنَّظر، وإنَّما يمنع النِّكاح كما يمنعه إحرامُ الزَّوج والزَّوجة، ولو أحرم الوليُّ أو الزَّوج فعقدَ وكيله الحلال لم يصحَّ لأنَّ الوكيل سفيرٌ (٤) محضٌ، فكان كالعاقد

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله