«تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ.» بَابُ نَهْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥١١٤

الحديث رقم ٥١١٤ من كتاب «كتاب النكاح» في صحيح البخاري، تحت باب: باب نكاح المحرم.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥١١٤ في صحيح البخاري

«تَزَوَّجَ النَّبِيُّ وَهُوَ مُحْرِمٌ.»

بَابُ نَهْيِ رَسُولِ اللهِ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ آخِرًا

إسناد حديث رقم ٥١١٤ من صحيح البخاري

٥١١٤ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ: أَخْبَرَنَا عَمْرٌو: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ ،

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥١١٤: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَظْهَرُ فِي أَنَّ نُزُولَ الْآيَةِ بِهَذَا السَّبَبِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ حَمَلَتْ عَائِشَةَ عَلَى هَذَا القيبحِ الْغَيْرَةُ الَّتِي طُبِعَتْ عَلَيْهَا النِّسَاءُ وَإِلَّا فَقَدْ عَلِمَتْ أَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ لِنَبِيِّهِ ذَلِكَ، وَأَنَّ جَمِيعَ النِّسَاءِ لَوْ مُلِكْنَ لَهُ رِقَّهُنَّ لَكَانَ قَلِيلًا.

قَوْلُهُ: (مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ: إِنِّي لِأَرَى رَبَّكَ يُسَارِعُ لَكَ فِي هَوَاكَ: أَيْ فِي رِضَاكَ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا قَوْلٌ أَبْرَزَهُ الدَّلَالُ وَالْغَيْرَةُ، وَهُوَ مِنْ نَوْعِ قَوْلِهَا مَا أَحْمَدُكُمَا وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا اللَّهَ، وَإِلَّا فَإِضَافَةُ الْهَوَى إِلَى النَّبِيِّ لَا تُحْمَلُ عَلَى ظَاهِرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى وَلَا يَفْعَلُ بِالْهَوَى، وَلَوْ قَالَتْ إِلَى مَرْضَاتِكَ لَكَانَ أَلْيَقَ، وَلَكِنَّ الْغَيْرَةَ يُغْتَفَرُ لِأَجْلِهَا إِطْلَاقُ مِثْلِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدِّبُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، وَعَبَدَةُ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ)، أَمَّا رِوَايَةُ أَبِي سَعِيدٍ، وَاسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي الْوَضَّاحِ فَوَصَلَهَا ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي التَّفْسِيرِ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورِ بْنِ أَبِي مُزَاحِمٍ عَنْهُ مُخْتَصَرًا كَمَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ: قَالَتِ الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ حَسْبُ، وَأَمَّا رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ فَوَصَلَهَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْهُ بِتَمَامِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ بَيَّنْتُ مَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةٍ وَفَائِدَةٍ، وَأَمَّا رِوَايَةُ عَبَدَةَ وَهُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ فَوَصَلَهَا مُسْلِمٌ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِهِ، وَهِيَ نَحْوُ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ

٣٠ - بَاب نِكَاحِ الْمُحْرِمِ

٥١١٤ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، أَخْبَرَنَا عَمْرٌو، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ تَزَوَّجَ النَّبِيُّ وَهُوَ مُحْرِمٌ.

قَوْلُهُ: (بَابُ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ) كَأَنَّهُ يَحْتَجُّ إِلَى الْجَوَازِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْبَابِ شَيْئًا غَيْرَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يُخَرِّجْ حَدِيثَ الْمَنْعِ كَأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَه عَلَى شَرْطِهِ.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا عَمْرٌو) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ هُوَ أَبُو الشَّعْثَاءِ.

قَوْلُهُ: (تَزَوَّجَ النَّبِيُّ وَهُوَ مُحْرِمٌ) تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الْحَجِّ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَفِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ الْمَذْكُورَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ: تَزَوَّجَ النَّبِيُّ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ جَعَلَتْ أَمْرَهَا إِلَى الْعَبَّاسِ فَأَنْكَحَهَا إِيَّاهُ، وَتَقَدَّمَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ بِلَفْظِ حَدِيثِ الْأَوْزَاعِيِّ وَزَادَ: وَبَنَى بِهَا وَهِيَ حَلَالٌ وَمَاتَتْ بِسَرِفَ، قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ إِنَّ أَبَا ثَوْرٍ يَقُولُ بِأَيِّ شَيْءٍ يُدْفَعُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ - أَيْ مَعَ صِحَّتِهِ - قَالَ فَقَالَ: اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، ابْنُ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: وَهِمَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمَيْمُونَةُ تَقُولُ: تَزَوَّجَنِي وَهُوَ حَلَالٌ اهـ.

وَقَدْ عَارَضَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثُ عُثْمَانَ: لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِحَمْلِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ .

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: اخْتَلَفَتِ الْآثَارُ فِي هَذَا الْحُكْمِ؛ لَكِنَّ الرِّوَايَةَ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ، جَاءَتْ مِنْ طُرُقٍ شَتَّى، وَحَدِيثُ ابْنُ عَبَّاسٍ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، لَكِنَّ الْوَهْمَ إِلَى الْوَاحِدِ أَقْرَبُ إِلَى الْوَهْمِ مِنَ الْجَمَاعَةِ، فَأَقَلُّ أَحْوَالِ الْخَبَرَيْنِ أَنْ يَتَعَارَضَا فَتُطْلَبُ الْحُجَّةُ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَحَدِيثُ عُثْمَانَ صَحِيحٌ فِي مَنْعِ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ اهـ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ مُلَخَّصًا، وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ حَدِيثَ عُثْمَانَ عَلَى الْوَطْءِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ ثَبَتَ فِيهِ: لَا يَنْكِحُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَلَا يُنْكَحُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَلَا يَخْطُبُ، وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ زِيَادَةٌ وَلَا يُخْطَبُ عَلَيْهِ، وَيَتَرَجَّحُ حَدِيثُ عُثْمَانَ بِأَنَّهُ تَقْعِيدُ قَاعِدَةٍ.

وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَاقِعَةُ عَيْنٍ تَحْتَمِلُ أَنْوَاعًا مِنَ الِاحْتِمَالَاتِ: فَمِنْهَا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَرَى أَنَّ مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ يَصِيرُ مُحْرِمًا كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ عَنْهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ، وَالنَّبِيُّ كَانَ قَلَّدَ الْهَدْيَ فِي عُمْرَتِهِ تِلْكَ الَّتِي تَزَوَّجَ فِيهَا مَيْمُونَةَ، فَيَكُونُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الموكَّل، ولو أحرمَ السُّلطان أو القاضي فلخلفائه أن يزوِّجوهُ لأنَّ تصرفهم بالولايةِ لا بالوكالةِ كما جزم به الخفَّاف وصحَّحه الرُّوياني، وقيل: هذا في السُّلطان لا في القاضي لأنَّ خلفاءه لا ينعزلون بموتهِ وانعزالهِ، بخلاف خلفاءِ القاضِي، ويصحُّ بشهادةِ المحرم لأنَّه ليس بعاقدٍ ولا معقودٍ، ولو راجعَ امرأتهُ وهو محرمٌ صحَّ لأنَّها استدامةٌ كالإمساكِ في دوام النِّكاح لا ابتداء عقد، وفي انعقادِ النِّكاح ابتداءً من المحرمِ بين التَّحلُّلين قولان صحَّح الرَّافعيُّ الصِّحَّة لأنَّه من المحرَّمات الَّتي لا توجب تعاطِيها إفسادًا، فأشبهَتِ الحلق، وصحَّح النَّوويُّ البطلان لأنَّه محرمٌ، وقال الحنفيَّةُ: يجوز تزويج المُحرِم والمُحرِمة حالةَ الإحرام دون الوطءِ، ولو كان المزوِّج لها مُحْرِمًا، قالوا: وهو قولُ ابن مسعود وابن عبَّاسٍ وأنسِ بنِ مالكٍ، وجمهور التَّابعين؛ إذ هو عقدُ معاوضةٍ، والمُحْرِم غير ممنوعٍ منه كشراء الجارية للتَّسري، ولو جعل عقد النِّكاح بمنزلةِ ما هو المقصود به وهو الوطء لكان تأثيرُه في إيجابِ الجزاء أو فسادِ الإحرامِ لا في بطلان النِّكاح، وحديث عثمان ضعيفٌ قاله البخاريُّ (١) لأنَّ في إسناده نُبَيْه (٢) بن وهبٍ، ولا يلزم حُجَّةً، ولئن صحَّ فهو محمولٌ على الوطء لأنَّه الحقيقةُ، أي: لا يطأُ المحرمُ، واستدلُّوا لذلك بحديث البابِ، وهو ما رويناه بالسَّند إلى البخاريِّ، قال:

٥١١٤ - (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بنِ زياد النَّهديُّ الكوفيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (٣) (ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيانُ قال: (أَخْبَرَنَا عَمْرٌو) بفتح العين، ابنُ دينارٍ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرنَا» (جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ) أبو الشَّعثاء (قَالَ: أَنْبَأَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرنَا» (ابْنُ عَبَّاسٍ ) قال: (تَزَوَّجَ النَّبِيُّ وَهْوَ) أي: والحالُ أنَّه (مُحْرِمٌ) بعمرةِ القضيَّةِ، وسبق في «أواخر (٤) الحجِّ» من طريق الأوزاعيِّ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عبَّاس: «تزوَّج ميمونة وهو محرمٌ» [خ¦١٨٣٧]

وسبقَ أيضًا في «عمرة القضاءِ» من رواية عكرمةَ بلفظ حديثِ الأوزاعيِّ. وزاد (١): «وبنى بها وهو (٢) حلالٌ» [خ¦٤٢٥٨] وهذا قد عدَّ من خصائصهِ ، على أنَّ أكثر الرِّوايات (٣) أنَّه تزوَّجها وهو حلالٌ، وعند مسلمٍ عن يزيد بن الأصمِّ، قال: «حدَّثتني ميمونة: أنَّ رسول الله تزوَّجها وهو حلالٌ. قال: وكانت خالتي وخالة ابن عبَّاس». وعند التِّرمذي وابن خزيمةَ وابن حبَّان عن أبي رافعٍ في «صحيحهما»: «أنَّه تزوج ميمونة وهو حلالٌ، وبنى بها وهو حلالٌ، وكنتُ أنا الرَّسول بينهما».

وقرأت في كتاب «المعرفة» للبيهقيِّ بسنده إلى الشَّافعيِّ قال: أخبرنا مالكٌ، عن ربيعةَ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ: أنَّ رسول الله بعث أبا رافعٍ مولاه ورجلًا من الأنصارِ، فزوَّجاه ميمونةَ بنت الحارث، وهو بالمدينةِ قبل أن يخرجَ. وقد ردَّ الشَّافعيُّ بذلك رواية ابن عبَّاس الأولى، واحتجَّ على المخالف بحديث عثمان السَّابق الثَّابت، وبأنَّ عثمان كان غير غائبٍ عن نكاح ميمونةَ، وبأنَّ ابن أختها يزيدَ بنَ الأصمِّ يقول: نكحها حلالًا. ومعه سليمانُ بنُ يسارٍ عتيقها أو (٤) ابن عتيقها، وخبر اثنين أكثر من خبر واحدٍ، مع روايةِ عثمان الَّتي هي أثبتُ من هذا كله، ولئن سلَّمنا أنَّ الخبرين تكافأا نظرنا فيما فعل أصحابُ رسول الله بعده، وقد رأينا عمر وزيد (٥) بنَ ثابتٍ يردَّان نكاح المحرم، ويقول (٦) ابن عمر: إنَّ (٧) المحرمَ لا يَنكِح ولا يُنكِح. ولا أعلمُ من أصحاب رسولِ الله مخالفًا لذلك، وقد روِّينا عن الحسنِ: أنَّ عليًّا قال: من تزوَّج وهو محرمٌ نزعنَا منه امرأتهُ ولم نُجِزْ نكاحه. انتهى ملخصًا من كتاب «المعرفة».

وهذا الحديث سبق في «كتاب الحج» في «باب تزويج المحرم» [خ¦١٨٣٧] والظَّاهر من صنيع البخاري الجواز كالحنفية.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَظْهَرُ فِي أَنَّ نُزُولَ الْآيَةِ بِهَذَا السَّبَبِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ حَمَلَتْ عَائِشَةَ عَلَى هَذَا القيبحِ الْغَيْرَةُ الَّتِي طُبِعَتْ عَلَيْهَا النِّسَاءُ وَإِلَّا فَقَدْ عَلِمَتْ أَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ لِنَبِيِّهِ ذَلِكَ، وَأَنَّ جَمِيعَ النِّسَاءِ لَوْ مُلِكْنَ لَهُ رِقَّهُنَّ لَكَانَ قَلِيلًا.

قَوْلُهُ: (مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ: إِنِّي لِأَرَى رَبَّكَ يُسَارِعُ لَكَ فِي هَوَاكَ: أَيْ فِي رِضَاكَ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا قَوْلٌ أَبْرَزَهُ الدَّلَالُ وَالْغَيْرَةُ، وَهُوَ مِنْ نَوْعِ قَوْلِهَا مَا أَحْمَدُكُمَا وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا اللَّهَ، وَإِلَّا فَإِضَافَةُ الْهَوَى إِلَى النَّبِيِّ لَا تُحْمَلُ عَلَى ظَاهِرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى وَلَا يَفْعَلُ بِالْهَوَى، وَلَوْ قَالَتْ إِلَى مَرْضَاتِكَ لَكَانَ أَلْيَقَ، وَلَكِنَّ الْغَيْرَةَ يُغْتَفَرُ لِأَجْلِهَا إِطْلَاقُ مِثْلِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدِّبُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، وَعَبَدَةُ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ)، أَمَّا رِوَايَةُ أَبِي سَعِيدٍ، وَاسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي الْوَضَّاحِ فَوَصَلَهَا ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي التَّفْسِيرِ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورِ بْنِ أَبِي مُزَاحِمٍ عَنْهُ مُخْتَصَرًا كَمَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ: قَالَتِ الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ حَسْبُ، وَأَمَّا رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ فَوَصَلَهَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْهُ بِتَمَامِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ بَيَّنْتُ مَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةٍ وَفَائِدَةٍ، وَأَمَّا رِوَايَةُ عَبَدَةَ وَهُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ فَوَصَلَهَا مُسْلِمٌ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِهِ، وَهِيَ نَحْوُ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ

٣٠ - بَاب نِكَاحِ الْمُحْرِمِ

٥١١٤ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، أَخْبَرَنَا عَمْرٌو، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ تَزَوَّجَ النَّبِيُّ وَهُوَ مُحْرِمٌ.

قَوْلُهُ: (بَابُ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ) كَأَنَّهُ يَحْتَجُّ إِلَى الْجَوَازِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْبَابِ شَيْئًا غَيْرَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يُخَرِّجْ حَدِيثَ الْمَنْعِ كَأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَه عَلَى شَرْطِهِ.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا عَمْرٌو) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ هُوَ أَبُو الشَّعْثَاءِ.

قَوْلُهُ: (تَزَوَّجَ النَّبِيُّ وَهُوَ مُحْرِمٌ) تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الْحَجِّ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَفِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ الْمَذْكُورَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ: تَزَوَّجَ النَّبِيُّ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ جَعَلَتْ أَمْرَهَا إِلَى الْعَبَّاسِ فَأَنْكَحَهَا إِيَّاهُ، وَتَقَدَّمَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ بِلَفْظِ حَدِيثِ الْأَوْزَاعِيِّ وَزَادَ: وَبَنَى بِهَا وَهِيَ حَلَالٌ وَمَاتَتْ بِسَرِفَ، قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ إِنَّ أَبَا ثَوْرٍ يَقُولُ بِأَيِّ شَيْءٍ يُدْفَعُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ - أَيْ مَعَ صِحَّتِهِ - قَالَ فَقَالَ: اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، ابْنُ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: وَهِمَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمَيْمُونَةُ تَقُولُ: تَزَوَّجَنِي وَهُوَ حَلَالٌ اهـ.

وَقَدْ عَارَضَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثُ عُثْمَانَ: لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِحَمْلِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ .

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: اخْتَلَفَتِ الْآثَارُ فِي هَذَا الْحُكْمِ؛ لَكِنَّ الرِّوَايَةَ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ، جَاءَتْ مِنْ طُرُقٍ شَتَّى، وَحَدِيثُ ابْنُ عَبَّاسٍ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، لَكِنَّ الْوَهْمَ إِلَى الْوَاحِدِ أَقْرَبُ إِلَى الْوَهْمِ مِنَ الْجَمَاعَةِ، فَأَقَلُّ أَحْوَالِ الْخَبَرَيْنِ أَنْ يَتَعَارَضَا فَتُطْلَبُ الْحُجَّةُ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَحَدِيثُ عُثْمَانَ صَحِيحٌ فِي مَنْعِ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ اهـ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ مُلَخَّصًا، وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ حَدِيثَ عُثْمَانَ عَلَى الْوَطْءِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ ثَبَتَ فِيهِ: لَا يَنْكِحُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَلَا يُنْكَحُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَلَا يَخْطُبُ، وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ زِيَادَةٌ وَلَا يُخْطَبُ عَلَيْهِ، وَيَتَرَجَّحُ حَدِيثُ عُثْمَانَ بِأَنَّهُ تَقْعِيدُ قَاعِدَةٍ.

وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَاقِعَةُ عَيْنٍ تَحْتَمِلُ أَنْوَاعًا مِنَ الِاحْتِمَالَاتِ: فَمِنْهَا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَرَى أَنَّ مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ يَصِيرُ مُحْرِمًا كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ عَنْهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ، وَالنَّبِيُّ كَانَ قَلَّدَ الْهَدْيَ فِي عُمْرَتِهِ تِلْكَ الَّتِي تَزَوَّجَ فِيهَا مَيْمُونَةَ، فَيَكُونُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الموكَّل، ولو أحرمَ السُّلطان أو القاضي فلخلفائه أن يزوِّجوهُ لأنَّ تصرفهم بالولايةِ لا بالوكالةِ كما جزم به الخفَّاف وصحَّحه الرُّوياني، وقيل: هذا في السُّلطان لا في القاضي لأنَّ خلفاءه لا ينعزلون بموتهِ وانعزالهِ، بخلاف خلفاءِ القاضِي، ويصحُّ بشهادةِ المحرم لأنَّه ليس بعاقدٍ ولا معقودٍ، ولو راجعَ امرأتهُ وهو محرمٌ صحَّ لأنَّها استدامةٌ كالإمساكِ في دوام النِّكاح لا ابتداء عقد، وفي انعقادِ النِّكاح ابتداءً من المحرمِ بين التَّحلُّلين قولان صحَّح الرَّافعيُّ الصِّحَّة لأنَّه من المحرَّمات الَّتي لا توجب تعاطِيها إفسادًا، فأشبهَتِ الحلق، وصحَّح النَّوويُّ البطلان لأنَّه محرمٌ، وقال الحنفيَّةُ: يجوز تزويج المُحرِم والمُحرِمة حالةَ الإحرام دون الوطءِ، ولو كان المزوِّج لها مُحْرِمًا، قالوا: وهو قولُ ابن مسعود وابن عبَّاسٍ وأنسِ بنِ مالكٍ، وجمهور التَّابعين؛ إذ هو عقدُ معاوضةٍ، والمُحْرِم غير ممنوعٍ منه كشراء الجارية للتَّسري، ولو جعل عقد النِّكاح بمنزلةِ ما هو المقصود به وهو الوطء لكان تأثيرُه في إيجابِ الجزاء أو فسادِ الإحرامِ لا في بطلان النِّكاح، وحديث عثمان ضعيفٌ قاله البخاريُّ (١) لأنَّ في إسناده نُبَيْه (٢) بن وهبٍ، ولا يلزم حُجَّةً، ولئن صحَّ فهو محمولٌ على الوطء لأنَّه الحقيقةُ، أي: لا يطأُ المحرمُ، واستدلُّوا لذلك بحديث البابِ، وهو ما رويناه بالسَّند إلى البخاريِّ، قال:

٥١١٤ - (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بنِ زياد النَّهديُّ الكوفيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (٣) (ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيانُ قال: (أَخْبَرَنَا عَمْرٌو) بفتح العين، ابنُ دينارٍ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرنَا» (جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ) أبو الشَّعثاء (قَالَ: أَنْبَأَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرنَا» (ابْنُ عَبَّاسٍ ) قال: (تَزَوَّجَ النَّبِيُّ وَهْوَ) أي: والحالُ أنَّه (مُحْرِمٌ) بعمرةِ القضيَّةِ، وسبق في «أواخر (٤) الحجِّ» من طريق الأوزاعيِّ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عبَّاس: «تزوَّج ميمونة وهو محرمٌ» [خ¦١٨٣٧]

وسبقَ أيضًا في «عمرة القضاءِ» من رواية عكرمةَ بلفظ حديثِ الأوزاعيِّ. وزاد (١): «وبنى بها وهو (٢) حلالٌ» [خ¦٤٢٥٨] وهذا قد عدَّ من خصائصهِ ، على أنَّ أكثر الرِّوايات (٣) أنَّه تزوَّجها وهو حلالٌ، وعند مسلمٍ عن يزيد بن الأصمِّ، قال: «حدَّثتني ميمونة: أنَّ رسول الله تزوَّجها وهو حلالٌ. قال: وكانت خالتي وخالة ابن عبَّاس». وعند التِّرمذي وابن خزيمةَ وابن حبَّان عن أبي رافعٍ في «صحيحهما»: «أنَّه تزوج ميمونة وهو حلالٌ، وبنى بها وهو حلالٌ، وكنتُ أنا الرَّسول بينهما».

وقرأت في كتاب «المعرفة» للبيهقيِّ بسنده إلى الشَّافعيِّ قال: أخبرنا مالكٌ، عن ربيعةَ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ: أنَّ رسول الله بعث أبا رافعٍ مولاه ورجلًا من الأنصارِ، فزوَّجاه ميمونةَ بنت الحارث، وهو بالمدينةِ قبل أن يخرجَ. وقد ردَّ الشَّافعيُّ بذلك رواية ابن عبَّاس الأولى، واحتجَّ على المخالف بحديث عثمان السَّابق الثَّابت، وبأنَّ عثمان كان غير غائبٍ عن نكاح ميمونةَ، وبأنَّ ابن أختها يزيدَ بنَ الأصمِّ يقول: نكحها حلالًا. ومعه سليمانُ بنُ يسارٍ عتيقها أو (٤) ابن عتيقها، وخبر اثنين أكثر من خبر واحدٍ، مع روايةِ عثمان الَّتي هي أثبتُ من هذا كله، ولئن سلَّمنا أنَّ الخبرين تكافأا نظرنا فيما فعل أصحابُ رسول الله بعده، وقد رأينا عمر وزيد (٥) بنَ ثابتٍ يردَّان نكاح المحرم، ويقول (٦) ابن عمر: إنَّ (٧) المحرمَ لا يَنكِح ولا يُنكِح. ولا أعلمُ من أصحاب رسولِ الله مخالفًا لذلك، وقد روِّينا عن الحسنِ: أنَّ عليًّا قال: من تزوَّج وهو محرمٌ نزعنَا منه امرأتهُ ولم نُجِزْ نكاحه. انتهى ملخصًا من كتاب «المعرفة».

وهذا الحديث سبق في «كتاب الحج» في «باب تزويج المحرم» [خ¦١٨٣٧] والظَّاهر من صنيع البخاري الجواز كالحنفية.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله