الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥١١٥
الحديث رقم ٥١١٥ من كتاب «كتاب النكاح» في صحيح البخاري، تحت باب: باب نهي رسول الله ﷺ عن نكاح المتعة آخرا.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٥١١٥ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَأَخُوهُ عَبْدُ اللهِ، عَنْ أَبِيهِمَا، أَنَّ عَلِيًّا ﵁، قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
إِطْلَاقُهُ أَنَّهُ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ، أَيْ عَقَدَ عَلَيْهَا بَعْدَ أَنْ قَلَّدَ الْهَدْي وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَلَبَّسَ بِالْإِحْرَامِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ أَرْسَلَ إِلَيْهَا أَبَا رَافِعٍ يَخْطُبُهَا، فَجَعَلَتْ أَمْرَهَا إِلَى الْعَبَّاسِ فَزَوَّجَهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ.
وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ طَرِيقِ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ، وَبَنَى بِهَا وَهُوَ حَلَالٌ، وَكُنْتُ أَنَا الرَّسُولُ بَيْنَهُمَا، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَسْنَدَهُ غَيْرَ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ مَطَرٍ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ مُرْسَلًا. وَمِنْهَا أَنَّ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ: تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، أَيْ دَاخِلَ الْبَلَدِ الْحَرَامِ أَوْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، قَالَ الْأَعْشَى:
قَتَلُوا كِسْرَى بِلَيْلٍ مُحْرِمًا
؛ أَيْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَقَالَ آخَرُ:
قَتَلُوا ابْنَ عَفَّانَ الْخَلِيفَةَ مُحْرِمًا
؛ أَيْ فِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ، وَإِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ جَنَحَ ابْنُ حِبَّانَ فَجَزَمَ بِهِ فِي صَحِيحِهِ.
وَعَارَضَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا حَدِيثُ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: وَكَانَتْ خَالَتَهُ كَمَا كَانَتْ خَالَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يَزِيدَ ابنِ الْأَصَمِّ قَالَ: حَدَّثَتْنِي مَيْمُونَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ، قَالَ: وَكَانَتْ خَالَتِي وَخَالَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَمَّا أَثَرُ ابْنِ الْمُسَيَّبِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْحَدِيثَ قَالَ: وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: ذَهِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَإِنْ كَانَتْ خَالَتَهُ مَا تَزَوَّجَهَا إِلَّا بَعْدَمَا أَحَلَّ.
قَالَ الطَّبَرِيُّ: الصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدَنَا أَنَّ نِكَاحَ الْمُحْرِمِ فَاسِدٌ لِصِحَّةِ حَدِيثِ عُثْمَانَ، وَأَمَّا قِصَّةُ مَيْمُونَةَ فَتَعَارَضَتِ الْأَخْبَارَ فِيهَا، ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ قَالَ: أُنْبِئْتُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي زَوَاجِ مَيْمُونَةَ إِنَّمَا وَقَعَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ بَعَثَ إِلَى الْعَبَّاسِ لِيُنْكِحَهَا إِيَّاهُ فَأَنْكَحَهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَنْكَحَهَا قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ النَّبِيُّ ﷺ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَعْدَ مَا أَحْرَمَ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ، وَعَلِيًّا وَغَيْرَهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ فَرَّقُوا بَيْنَ مُحْرِمٍ نَكَحَ، وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ وَلَا يَكُونُ هَذَا إِلَّا عَنْ ثَبْتٍ.
(تَنْبِيهٌ): قَدَّمْتُ فِي الْحَجِّ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ جَاءَ مِثْلُهُ صَحِيحًا عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، فَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَالْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ مَسْرُوقٍ عَنْهَا وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَكْثَرُ مَا أُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِحٍ فِيهِ.
وَقَالَ النَّسَائِيُّ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ أَنْبَأَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ، قَالَ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قُلْتُ لِأَبِي عَاصِمٍ: أَنْتَ أَمْلَيْتَ عَلَيْنَا مِنَ الرُّقْعَةِ لَيْسَ فِيهِ عَائِشَةُ، فَقَالَ: دَعْ عَائِشَةَ حَتَّى أَنْظُرَ فِيهِ، وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ لَوْلَا هَذِهِ الْقِصَّةُ، لَكِنْ هُوَ شَاهِدٌ قَوِيٌّ أَيْضًا، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ كَامِلٌ أَبُو الْعَلَاءِ وَفِيهِ ضَعْفٌ، لَكِنَّهُ يَعْتَضِدُ بِحَدِيثَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ تَفَرَّدَ مِنْ بَيْنِ الصَّحَابَةِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَجَاءَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَمُجَاهِدٍ مُرْسَلًا مِثْلُهُ، أَخْرَجَهُمَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا عَنْ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ وَهَلْ هُوَ [إِلَّا] كَالْبَيْعِ، وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ لَكِنَّهُ قِيَاسٌ فِي مُقَابِلِ النَّصِّ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ، وَكَأَنَّ أَنَسًا لَمْ يَبْلُغْهُ حَدِيثُ عُثْمَانَ
٣١ - بَاب نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ أخِيرًا
٥١١٥ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ سَمِعَ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَأَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِمَا أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الْمُتْعَةِ وَعَنْ لُحُومِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٣١) (بابُ نَهْيِ رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيِّ» (ﷺ) نهي تحريمٍ (عَنْ نِكَاحِ المُتْعَةِ آخرًا) ولأبي ذرٍّ: «أخيرًا» (١) وهو المؤقَّت بمدَّةٍ معلومةٍ كسنةٍ، أو مجهولةٍ كقدوم زيدٍ، وسمِّي بذلك لأنَّ الغرض منه مجرَّد التَّمتُّع دون التَّوالد وسائر أغراض النِّكاح، وقد كان جائزًا في صدرِ الإسلام للمضطرِّ كأكل الميتة ثمَّ حرِّم، كما أفهمه قول المصنِّف، ويأتي إن شاء الله تعالى ما وردَ فيه.
٥١١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) النَّهديُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيانُ (أنَّه سَمِعَ الزُّهْرِيَّ) محمد بن مسلمٍ (يَقُولُ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ) أي: ابن أبي طالبٍ (وَأَخُوهُ) أي: أخو الحسنِ (عَبْدُ اللهِ) أبو هاشمٍ، ولأبي ذرٍّ: «عبدُ الله بنُ محمد» كلاهما (عَنْ أَبِيهِمَا) محمد ابن الحنفيَّةِ (أَنَّ) أباه (عَلِيًّا ﵁ قَالَ لاِبْنِ عَبَّاسٍ) لمَّا سمعه يفتي في متعةِ النِّساء أنَّه لا بأس بها: (إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ المُتْعَةِ) في رواية أحمد عن سفيان: «عن نكاحِ المتعةِ» (وَعَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ زَمَنَ خَيْبَرَ) ظرفٌ للاثنين.
وفي «غزوة خيبرَ» من «كتاب المغازي»: «نهى رسول الله ﷺ يوم خيبرَ عن متعةِ النِّساء، وعن لحوم الحمُرِ الأهليَّة (٢)» [خ¦٤٢١٦]. لكن قال البيهقيُّ -فيما قرأته في كتاب «المعرفة» -: وكان ابنُ عُيينةَ يزعمُ أنَّ تاريخ خيبر في حديث عليٍّ إنَّما هو في النَّهي عن لحوم الحمُر الأهليَّة، لا في نكاح المتعةِ. قال البيهقيُّ: وهو يشبه أن يكون كما قال، فقد روي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه رخَّص فيه بعد ذلك ثمَّ نهى عنه، فيكون احتجاجُ عليٍّ بنهيه آخرًا حتَّى تقوم به الحجَّة على ابن عبَّاسٍ. وقال السُّهيليُّ: النَّهي عن نكاح المتعة يوم خيبر شيءٌ لا يعرفه أحدٌ من أهل السِّير ولا رواة أهل (٣) الأثرِ،
فالَّذي يظهر أنَّه وقع تقديمٌ وتأخيرٌ في لفظ الزُّهريِّ. انتهى.
واتَّفق أصحابُ الزُّهريِّ كلُّهم على خيبر بالخاء المعجمة والراء آخره، إلَّا ما رواه عبدُ الوهَّاب الثَّقفيُّ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن مالكٍ في هذا الحديث، فقال: «حنين» بالحاء المهملة والنونين، أخرجه النَّسائيُّ والدَّارقطنيُّ، وقالا: إنَّه وهمٌ تفرَّد به، وقد اختلف في وقتِ تحريم نكاح المتعة، والَّذي تحصَّل من ذلك أنَّ أوَّلها خيبر -ثمَّ عمرة القضاء- كما رواه عبدُ الرَّزَّاق من مرسلِ الحسنِ البصريِّ، ومراسيله ضعيفةٌ لأنَّه كان يأخذ عن كلِّ أحدٍ -ثمَّ الفتح- كما في مسلمٍ بلفظ: «إنَّها حرامٌ من يومكُم هذا إلى يومِ القيامة» -ثمَّ أوطاس- كما في مسلمٍ بلفظ: رخَّص لنا رسول الله ﷺ عام أوطاسٍ في المتعةِ ثلاثًا ثمَّ نهى عنها، لكن يحتمل أنَّه أطلق على عام الفتح عام أوطاسٍ لتقارُبِهما، لكن يبعدُ أن يقع الإذن في غزوة أوطاسٍ بعد أن يقع التَّصريح قبلها في الفتح: بأنَّها حرِّمت إلى يوم القيامةِ -ثمَّ تبوك- فيما أخرجه إسحاقُ بنُ رَاهُوْيَه، وابنُ حبَّان من طريقهِ من حديث أبي هريرةَ، وهو ضعيفٌ لأنَّه من رواية المؤمِّلِ بنِ إسماعيلَ، عن عكرمة بن عمَّارٍ، وفي كلٍّ منهما مقالٌ، وعلى تقدير صحَّته فليس فيه أنَّهم استمتعوا (١) في تلك الحالةِ، أو كان النَّهيُ قديمًا فلم يبلغ بعضهم، فاستمرَّ على الرُّخصة؛ ولذلك قرن النَّبيُّ ﷺ النَّهي بالغضبِ، كما في رواية الحازميِّ من حديث جابرٍ لتقدُّم النَّهي عنه -ثمَّ حجَّة الوداعِ- كما عند أبي داودٍ (٢)، لكن اختلف فيه على الرَّبيعِ ابنِ سَبْرَة، والرِّواية عنه بأنَّها في الفتح أصحُّ وأشهر، فإنْ كان حفظه فليس في سياقِ أبي داودٍ سوى مجرَّد النَّهي، فلعلَّه ﷺ أراد إعادةَ النَّهي ليسمعه من لم يسمعْه قبل، ويقوِّيه (٣) أنَّهم كانوا حجُّوا بنسائهم بعد أن وسَّع الله عليهم بفتح خيبر من المال والسَّبي، فلم يكونوا في شدَّةٍ ولا طولِ عُزوبةٍ (٤)، فلم يبق صحيحٌ صريح سوى خيبر والفتح، مع ما وقعَ في خيبر من الكلام، وأيَّده ابن القيَّم في «الهدي» بأنَّ الصَّحابة لم يكونوا يستمتعون باليهوديَّاتِ. وقال النَّوويُّ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
إِطْلَاقُهُ أَنَّهُ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ، أَيْ عَقَدَ عَلَيْهَا بَعْدَ أَنْ قَلَّدَ الْهَدْي وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَلَبَّسَ بِالْإِحْرَامِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ أَرْسَلَ إِلَيْهَا أَبَا رَافِعٍ يَخْطُبُهَا، فَجَعَلَتْ أَمْرَهَا إِلَى الْعَبَّاسِ فَزَوَّجَهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ.
وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ طَرِيقِ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ، وَبَنَى بِهَا وَهُوَ حَلَالٌ، وَكُنْتُ أَنَا الرَّسُولُ بَيْنَهُمَا، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَسْنَدَهُ غَيْرَ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ مَطَرٍ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ مُرْسَلًا. وَمِنْهَا أَنَّ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ: تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، أَيْ دَاخِلَ الْبَلَدِ الْحَرَامِ أَوْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، قَالَ الْأَعْشَى:
قَتَلُوا كِسْرَى بِلَيْلٍ مُحْرِمًا
؛ أَيْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَقَالَ آخَرُ:
قَتَلُوا ابْنَ عَفَّانَ الْخَلِيفَةَ مُحْرِمًا
؛ أَيْ فِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ، وَإِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ جَنَحَ ابْنُ حِبَّانَ فَجَزَمَ بِهِ فِي صَحِيحِهِ.
وَعَارَضَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا حَدِيثُ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: وَكَانَتْ خَالَتَهُ كَمَا كَانَتْ خَالَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يَزِيدَ ابنِ الْأَصَمِّ قَالَ: حَدَّثَتْنِي مَيْمُونَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ، قَالَ: وَكَانَتْ خَالَتِي وَخَالَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَمَّا أَثَرُ ابْنِ الْمُسَيَّبِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْحَدِيثَ قَالَ: وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: ذَهِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَإِنْ كَانَتْ خَالَتَهُ مَا تَزَوَّجَهَا إِلَّا بَعْدَمَا أَحَلَّ.
قَالَ الطَّبَرِيُّ: الصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدَنَا أَنَّ نِكَاحَ الْمُحْرِمِ فَاسِدٌ لِصِحَّةِ حَدِيثِ عُثْمَانَ، وَأَمَّا قِصَّةُ مَيْمُونَةَ فَتَعَارَضَتِ الْأَخْبَارَ فِيهَا، ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ قَالَ: أُنْبِئْتُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي زَوَاجِ مَيْمُونَةَ إِنَّمَا وَقَعَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ بَعَثَ إِلَى الْعَبَّاسِ لِيُنْكِحَهَا إِيَّاهُ فَأَنْكَحَهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَنْكَحَهَا قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ النَّبِيُّ ﷺ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَعْدَ مَا أَحْرَمَ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ، وَعَلِيًّا وَغَيْرَهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ فَرَّقُوا بَيْنَ مُحْرِمٍ نَكَحَ، وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ وَلَا يَكُونُ هَذَا إِلَّا عَنْ ثَبْتٍ.
(تَنْبِيهٌ): قَدَّمْتُ فِي الْحَجِّ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ جَاءَ مِثْلُهُ صَحِيحًا عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، فَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَالْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ مَسْرُوقٍ عَنْهَا وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَكْثَرُ مَا أُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِحٍ فِيهِ.
وَقَالَ النَّسَائِيُّ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ أَنْبَأَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ، قَالَ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قُلْتُ لِأَبِي عَاصِمٍ: أَنْتَ أَمْلَيْتَ عَلَيْنَا مِنَ الرُّقْعَةِ لَيْسَ فِيهِ عَائِشَةُ، فَقَالَ: دَعْ عَائِشَةَ حَتَّى أَنْظُرَ فِيهِ، وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ لَوْلَا هَذِهِ الْقِصَّةُ، لَكِنْ هُوَ شَاهِدٌ قَوِيٌّ أَيْضًا، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ كَامِلٌ أَبُو الْعَلَاءِ وَفِيهِ ضَعْفٌ، لَكِنَّهُ يَعْتَضِدُ بِحَدِيثَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ تَفَرَّدَ مِنْ بَيْنِ الصَّحَابَةِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَجَاءَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَمُجَاهِدٍ مُرْسَلًا مِثْلُهُ، أَخْرَجَهُمَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا عَنْ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ وَهَلْ هُوَ [إِلَّا] كَالْبَيْعِ، وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ لَكِنَّهُ قِيَاسٌ فِي مُقَابِلِ النَّصِّ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ، وَكَأَنَّ أَنَسًا لَمْ يَبْلُغْهُ حَدِيثُ عُثْمَانَ
٣١ - بَاب نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ أخِيرًا
٥١١٥ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ سَمِعَ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَأَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِمَا أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الْمُتْعَةِ وَعَنْ لُحُومِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٣١) (بابُ نَهْيِ رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيِّ» (ﷺ) نهي تحريمٍ (عَنْ نِكَاحِ المُتْعَةِ آخرًا) ولأبي ذرٍّ: «أخيرًا» (١) وهو المؤقَّت بمدَّةٍ معلومةٍ كسنةٍ، أو مجهولةٍ كقدوم زيدٍ، وسمِّي بذلك لأنَّ الغرض منه مجرَّد التَّمتُّع دون التَّوالد وسائر أغراض النِّكاح، وقد كان جائزًا في صدرِ الإسلام للمضطرِّ كأكل الميتة ثمَّ حرِّم، كما أفهمه قول المصنِّف، ويأتي إن شاء الله تعالى ما وردَ فيه.
٥١١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) النَّهديُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيانُ (أنَّه سَمِعَ الزُّهْرِيَّ) محمد بن مسلمٍ (يَقُولُ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ) أي: ابن أبي طالبٍ (وَأَخُوهُ) أي: أخو الحسنِ (عَبْدُ اللهِ) أبو هاشمٍ، ولأبي ذرٍّ: «عبدُ الله بنُ محمد» كلاهما (عَنْ أَبِيهِمَا) محمد ابن الحنفيَّةِ (أَنَّ) أباه (عَلِيًّا ﵁ قَالَ لاِبْنِ عَبَّاسٍ) لمَّا سمعه يفتي في متعةِ النِّساء أنَّه لا بأس بها: (إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ المُتْعَةِ) في رواية أحمد عن سفيان: «عن نكاحِ المتعةِ» (وَعَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ زَمَنَ خَيْبَرَ) ظرفٌ للاثنين.
وفي «غزوة خيبرَ» من «كتاب المغازي»: «نهى رسول الله ﷺ يوم خيبرَ عن متعةِ النِّساء، وعن لحوم الحمُرِ الأهليَّة (٢)» [خ¦٤٢١٦]. لكن قال البيهقيُّ -فيما قرأته في كتاب «المعرفة» -: وكان ابنُ عُيينةَ يزعمُ أنَّ تاريخ خيبر في حديث عليٍّ إنَّما هو في النَّهي عن لحوم الحمُر الأهليَّة، لا في نكاح المتعةِ. قال البيهقيُّ: وهو يشبه أن يكون كما قال، فقد روي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه رخَّص فيه بعد ذلك ثمَّ نهى عنه، فيكون احتجاجُ عليٍّ بنهيه آخرًا حتَّى تقوم به الحجَّة على ابن عبَّاسٍ. وقال السُّهيليُّ: النَّهي عن نكاح المتعة يوم خيبر شيءٌ لا يعرفه أحدٌ من أهل السِّير ولا رواة أهل (٣) الأثرِ،
فالَّذي يظهر أنَّه وقع تقديمٌ وتأخيرٌ في لفظ الزُّهريِّ. انتهى.
واتَّفق أصحابُ الزُّهريِّ كلُّهم على خيبر بالخاء المعجمة والراء آخره، إلَّا ما رواه عبدُ الوهَّاب الثَّقفيُّ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن مالكٍ في هذا الحديث، فقال: «حنين» بالحاء المهملة والنونين، أخرجه النَّسائيُّ والدَّارقطنيُّ، وقالا: إنَّه وهمٌ تفرَّد به، وقد اختلف في وقتِ تحريم نكاح المتعة، والَّذي تحصَّل من ذلك أنَّ أوَّلها خيبر -ثمَّ عمرة القضاء- كما رواه عبدُ الرَّزَّاق من مرسلِ الحسنِ البصريِّ، ومراسيله ضعيفةٌ لأنَّه كان يأخذ عن كلِّ أحدٍ -ثمَّ الفتح- كما في مسلمٍ بلفظ: «إنَّها حرامٌ من يومكُم هذا إلى يومِ القيامة» -ثمَّ أوطاس- كما في مسلمٍ بلفظ: رخَّص لنا رسول الله ﷺ عام أوطاسٍ في المتعةِ ثلاثًا ثمَّ نهى عنها، لكن يحتمل أنَّه أطلق على عام الفتح عام أوطاسٍ لتقارُبِهما، لكن يبعدُ أن يقع الإذن في غزوة أوطاسٍ بعد أن يقع التَّصريح قبلها في الفتح: بأنَّها حرِّمت إلى يوم القيامةِ -ثمَّ تبوك- فيما أخرجه إسحاقُ بنُ رَاهُوْيَه، وابنُ حبَّان من طريقهِ من حديث أبي هريرةَ، وهو ضعيفٌ لأنَّه من رواية المؤمِّلِ بنِ إسماعيلَ، عن عكرمة بن عمَّارٍ، وفي كلٍّ منهما مقالٌ، وعلى تقدير صحَّته فليس فيه أنَّهم استمتعوا (١) في تلك الحالةِ، أو كان النَّهيُ قديمًا فلم يبلغ بعضهم، فاستمرَّ على الرُّخصة؛ ولذلك قرن النَّبيُّ ﷺ النَّهي بالغضبِ، كما في رواية الحازميِّ من حديث جابرٍ لتقدُّم النَّهي عنه -ثمَّ حجَّة الوداعِ- كما عند أبي داودٍ (٢)، لكن اختلف فيه على الرَّبيعِ ابنِ سَبْرَة، والرِّواية عنه بأنَّها في الفتح أصحُّ وأشهر، فإنْ كان حفظه فليس في سياقِ أبي داودٍ سوى مجرَّد النَّهي، فلعلَّه ﷺ أراد إعادةَ النَّهي ليسمعه من لم يسمعْه قبل، ويقوِّيه (٣) أنَّهم كانوا حجُّوا بنسائهم بعد أن وسَّع الله عليهم بفتح خيبر من المال والسَّبي، فلم يكونوا في شدَّةٍ ولا طولِ عُزوبةٍ (٤)، فلم يبق صحيحٌ صريح سوى خيبر والفتح، مع ما وقعَ في خيبر من الكلام، وأيَّده ابن القيَّم في «الهدي» بأنَّ الصَّحابة لم يكونوا يستمتعون باليهوديَّاتِ. وقال النَّوويُّ: