«قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: رَأَيْتُكِ فِي الْمَنَامِ يَجِيءُ بِكِ الْمَلَكُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥١٢٥

الحديث رقم ٥١٢٥ من كتاب «كتاب النكاح» في صحيح البخاري، تحت باب: باب النظر إلى المرأة قبل التزويج.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥١٢٥ في صحيح البخاري

«قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ : رَأَيْتُكِ فِي الْمَنَامِ يَجِيءُ بِكِ الْمَلَكُ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ، فَقَالَ لِي هَذِهِ امْرَأَتُكَ، فَكَشَفْتُ عَنْ وَجْهِكِ الثَّوْبَ، فَإِذَا أَنْتِ هِيَ، فَقُلْتُ: إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ يُمْضِهِ.»

إسناد حديث رقم ٥١٢٥ من صحيح البخاري

٥١٢٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

شرح حديث ٥١٢٥: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

رَسُولِ اللَّهِ وَمِنْ عَلِيٍّ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَطَاءٌ: يُعَرِّضُ وَلَا يَبُوحُ)؛ أَيْ لَا يُصَرِّحُ (يَقُولُ: إِنَّ لِي حَاجَةٌ وَأَبْشِرِي).

قَوْلُهُ: (نَافِقَةٌ) بِنُونٍ وَفَاءٍ وَقَافٍ؛ أَيْ رَائِجَةٌ بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَالْجِيمِ.

قَوْلُهُ: (وَلَا تُعِدْ شَيْئًا) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِ، وَأَثَرُ عَطَاءٍ هَذَا وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْهُ مُفَرَّقًا، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: كَيْفَ يَقُولُ الْخَاطِبُ؟ قَالَ: يُعَرِّضُ تَعْرِيضًا وَلَا يَبُوحُ بِشَيْءٍ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ إِلَى قَوْلِهِ: وَلَا تُعِدْ شَيْئًا.

قَوْلُهُ: (وَإِنْ وَاعَدَتْ رَجُلًا فِي عِدَّتِهَا ثُمَّ نَكَحَهَا)؛ أَيْ تَزَوَّجَهَا (بَعْدُ)؛ أَيْ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ (لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا)؛ أَيْ لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ وَإِنْ وَقَعَ الْإِثْمُ. وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَقِبَ أَثَرِ عَطَاءٍ قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَيْرٌ لَكَ أَنْ تُفَارِقَهَا. وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ صَرَّحَ بِالْخِطْبَةِ فِي الْعِدَّةِ لَكِنْ لَمْ يَعْقِدْ إِلَّا بَعْدَ انْقِضَائِهَا فَقَالَ مَالِكٌ: يُفَارِقُهَا دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: صَحَّ الْعَقْدُ، وَإِنِ ارْتَكَبَ النَّهْي بِالتَّصْرِيحِ الْمَذْكُورِ لِاخْتِلَافِ الْجِهَةِ، وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: عِلَّةُ الْمَنْعِ مِنَ التَّصْرِيحِ فِي الْعِدَّةِ أَنَّ ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ إِلَى الْمُوَافَقَةِ فِي الْعِدَّةِ الَّتِي هِيَ مَحْبُوسَةٌ فِيهَا عَلَى مَاءِ الْمَيِّتِ أَوِ الْمُطْلِقِ اهـ.

وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ لِمَنْعِ الْعَقْدِ لَا لِمُجَرَّدِ التَّصْرِيحِ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ: التَّصْرِيحُ ذَرِيعَةٌ إِلَى الْعَقْدِ وَالْعَقْدُ ذَرِيعَةٌ إِلَى الْوِقَاعِ. وَقَدِ اخْتَلَفُوا لَوْ وَقَعَ الْعَقْدُ فِي الْعِدَّةِ وَدَخَلَ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا. وَقَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا بَعْدُ. وَقَالَ الْبَاقُونَ: بَلْ يَحِلُّ لَهُ إِذَا انْقَضَتِ الْعِدَّةِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إِذَا شَاءَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا الزِّنَا) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْرٍ عَنْهُ بِلَفْظِهِ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: هُوَ الْفَاحِشَةُ. قَالَ قَتَادَةُ قَوْلُهُ: سِرًّا أَيْ لَا تَأْخُذُ عَهْدَهَا فِي عِدَّتِهَا أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ غَيْرُهُ. وَأَخْرَجَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ وَقَالَ: هَذَا أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ مَنْ فَسَّرَهُ بِالزِّنَا؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَ الْكَلَامِ وَمَا بَعْدَهُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ فِي اللُّغَةِ أَنْ يُسَمَّى الْجِمَاعُ سِرًّا، فَلِذَلِكَ يجُوزُ إِطْلَاقُهُ عَلَى الْعَقْدِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُوَاعَدَةَ عَلَى ذَلِكَ تَزِيدُ عَلَى التَّعْرِيضِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، وَاسْتُدِلَّ بِالْآيَةِ عَلَى أَنَّ التَّعْرِيضَ فِي الْقَذْفِ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ؛ لِأَنَّ خِطْبَةَ الْمُعْتَدَّةِ حَرَامٌ، وَفَرَّقَ فِيهَا بَيْنَ التَّصْرِيحِ وَالتَّعْرِيضِ فَمُنِعَ التَّصْرِيحُ وَأُجِيزَ التَّعْرِيضُ، مَعَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مَفْهُومٌ مِنْهُمَا، فَكَذَلِكَ يفَرَّقُ فِي إِيجَابِ حَدِّ الْقَذْفِ بَيْنَ التَّصْرِيحِ وَالتَّعْرِيضِ.

وَاعْتَرَضَ ابْنُ بَطَّالٍ فَقَالَ: يَلْزَمُ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى هَذَا أَنْ يَقُولُوا بِإِبَاحَةِ التَّعْرِيضِ بِالْقَذْفِ، وَهَذَا لَيْسَ بِلَازِمٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ التَّعْرِيضَ دُونَ التَّصْرِيحِ فِي الْإِفْهَامِ فَلَا يَلْتَحِقُ بِهِ فِي إِيجَابِ الْحَدِّ؛ لِأَنَّ لِلَّذِي يُعَرِّضُ أَنْ يَقُولَ لَمْ أُرِدِ الْقَذْفَ بِخِلَافِ الْمُصَرِّحِ.

قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ يَقُولُ: حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ

٣٥ - بَاب النَّظَرِ إِلَى الْمَرْأَةِ قَبْلَ التَّزْوِيجِ

٥١٢٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ : أُرِيتُكِ فِي الْمَنَامِ يَجِيءُ بِكِ الْمَلَكُ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ، فَقَالَ لِي: هَذِهِ امْرَأَتُكَ فَكَشَفْتُ عَنْ وَجْهِكِ الثَّوْبَ، فَإِذَا أَنْتِ هِيَ، فَقُلْتُ: إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ.

٥١٢٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ

فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْتُ لِأَهَبَ لَكَ نَفْسِي فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ فَصَعَّدَ النَّظَرَ إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ فَلَمَّا رَأَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَيْ رَسُولَ اللَّهِ إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا فَقَالَ هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ قَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا قَالَ انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي قَالَ سَهْلٌ مَا لَهُ رِدَاءٌ فَلَهَا نِصْفُهُ فَقال رسول الله : "مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى طَالَ مَجْلِسُهُ ثُمَّ قَامَ فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ مُوَلِّيًا فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ مَاذَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ قَالَ مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا عَدَّدَهَا قَالَ أَتَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ"

قَوْلُهُ: (بَابُ النَّظَرِ إِلَى الْمَرْأَةِ قَبْلَ التَّزْوِيجِ) اسْتَنْبَطَ الْبُخَارِيُّ جَوَازَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثَيِ الْبَابِ؛ لِكَوْنِ التَّصْرِيحُ الْوَارِدُ فِي ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ، وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ فِي أَحَادِيثَ، أَصَحُّهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالَ رَجُلٌ: إِنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : أَنْظَرْتَ إِلَيْهَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَاذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ.

وَفِي لَفْظٍ لَهُ صَحِيحٍ أَنَّ رَجُلًا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً، فَذَكَرَهُ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ: اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ شَيْئًا فَقِيلَ: عَمَشٌ وَقِيلَ: صِغَرٌ. قُلْتُ: الثَّانِي وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ فِي مُسْتَخْرَجِهِ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَهَذَا الرَّجُلُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُغِيرَةُ، فَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِهِ أَنَّهُ: خَطَبَ امْرَأَةً فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ : انْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يَدُومَ بَيْنَكُمَا وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْبَزَّارُ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ حَدِيثَيْنِ: الْأَوَّلُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ.

قَوْلُهُ: (أُرِيتُكِ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ (فِي الْمَنَامِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ مَرَّتَيْنِ.

قَوْلُهُ: (يَجِيءُ بِكِ الْمَلَكُ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ إِذَا رَجُلٌ يَحْمِلُكِ فَكَأَنَّ الْمَلَكَ تَمَثَّلَ لَهُ حِينَئِذٍ رَجُلًا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ عَائِشَةَ: جَاءَ بِي جِبْرِيلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ .

قَوْلُهُ: (فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ) السَّرَقَةُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ وَالْقَافِ هِيَ الْقِطْعَةُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ: فِي خِرْقَةٍ حَرِيرٍ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: السَّرَقَةُ الثَّوْبُ، فَإِنْ أَرَادَ تَفْسِيرَهُ هُنَا فَصَحِيحٌ، وَإِلَّا فَالسَّرَقَةُ أَعَمُّ. وَأَغْرَبَ الْمُهَلَّبُ فَقَالَ: السَّرَقَةُ كَالْكَلَّةِ أَوْ كَالْبُرْقُعِ. وَعِنْدَ الْآجُرِّيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ: لَقَدْ نَزَلَ جِبْرِيلُ بِصُورَتِي فِي رَاحَتِهِ حِينَ أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي، وَيُجْمَعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ صُورَتَهَا كَانَتْ فِي الْخِرْقَةِ وَالْخِرْقَةُ فِي رَاحَتِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ بِالْكَيْفِيَّتَيْنِ لِقَوْلِهَا فِي نَفْسِ الْخَبَرِ: نَزَلَ مَرَّتَيْنِ قَوْلُهُ: (فَكَشَفْتُ عَنْ وَجْهكِ الثَّوْبَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ فَأَكْشِفُهَا فَعَبَّرَ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ؛ اسْتِحْضَارًا لِصُورَةِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

عبدِ السَّلام استحباب النَّظر بمن يرجو رجاءً ظاهرًا أنَّه يُجاب إلى خطبتهِ دون غيره، ولكلٍّ أن ينظر إلى الآخر وإن لم يأذنْ له اكتفاءً بإذن الشَّارع، سواءً خشي فتنةً أم لا، والمنظورُ غير العورةِ المقرَّرة في شروطِ الصَّلاة، فينظرُ الرَّجل من الحرَّة الوجه والكفَّين لأنَّ الوجه يدلُّ على الجمالِ، والكفَّين على خصبِ البدَن، وينظرُ من الأمَة ما عدا ما بين السُّرَّة والرُّكبة، وهما ينظرانه (١) منه، والنَّوويُّ إنَّما حرَّم نظر (٢) ذلك بلا حاجةٍ مع أنَّه ليس بعورةٍ لخوف الفتنةِ، وهي غيرُ معتبرةٍ هنا، فإن لم يتيسَّر نظره إليها بعثَ امرأةً تتأمَّلها وتصفُها له لأنَّه بعثَ أمَّ سليمٍ إلى امرأةٍ، وقال: «انظري عُرْقُوبَيها وشُمِّي عوارِضَها». رواه الحاكم وصحَّحه، والعوارضُ: الأسنانُ الَّتي في عرضِ الفم؛ وهي ما بين الثَّنايا والأضراسِ وذلك لاختبار النَّكهة، فإن لم تعجبْه سكتَ، ولا يقولُ: لا أريدها لأنَّه إيذاءٌ.

٥١٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو: ابنُ مُسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بن الزُّبيرِ (عَنْ عَائِشَةَ ) أنَّها (قَالَتْ: قَالَ لِي (٣) رَسُولُ اللهِ : رَأَيْتُكِ فِي المَنَامِ) ولأبي ذرٍّ: «أُريتكِ في المنامِ» (٤) بتقديم الهمزة على الرَّاء المضمومة (يَجِيءُ بِكِ المَلَكُ) جبريلُ (فِي سَرَقَةٍ) بفتح الراء (٥)، أي: قطعة (مِنْ حَرِيرٍ، فَقَالَ لِي: هَذِهِ امْرَأَتُكَ، فَكَشَفْتُ عَنْ وَجْهِكِ الثَّوْبَ) أي: عن وجهِ صورتكِ (فَإِذَا أَنْتِ هِيَ) أي: فإذا أنت الآن تلك الصُّورة، أو كشفتُ عن وجهك عندما شاهدتُك فإذا أنت مثل الصُّورة التي رأيتُها في المنامِ. وهو تشبيهٌ بليغٌ حيث حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مُقامهُ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فإذا هيَ أنت» (فَقُلْتُ: إِنْ يَكُ

هَذَا) الَّذي رأيتُه (مِنْ عِنْدِ اللهِ يُمْضِهِ) وزاد في روايةٍ في «أوائل النِّكاح» بعد قوله: «رأيتك في المنامِ»: «مرَّتين» [خ¦٥٠٧٨]. واستدلَّ به على تكرارِ النَّظرِ عند الحاجةِ إليه ليتبيَّن الهيئةَ فلا يندم بعد النِّكاحِ. قال الزَّركشِيُّ (١): ولم يتعرَّضوا لضبط التَّكرار، ويحتملُ تقديره بثلاثٍ. قال: وفي خبرِ عائشةَ الَّذي ترجمَ عليه البخاريُّ الرُّؤيا قبل الخطبة: «أُريتك ثلاثَ ليالٍ».

وقال ابنُ المُنيِّر: الاستشهادُ بنظره إلى عائشةَ قبل تزوُّجها لا يثبتُ لوجهين: أحدهما: أنَّ عائشةَ كانت حين الخطبةِ ممَّن يُنظر إليها لطفوليَّتها إذ كانت بنتَ خمس سنين وشيء، ومثلُ هذا السِّنِّ لا عورةَ فيه البتَّةَ. والثَّاني: أنَّ رؤيتهُ لها كانت منامًا، أتاهُ بها جبريل في سَرَقةٍ من حريرٍ، أي: مثالِها، وحكمُ المنامِ غير حكمِ اليقظةِ. انتهى.

وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: فيه نظرٌ، فتأمله. انتهى.

ووجه النَّظر أنَّ رؤيته في النَّوم كاليقظة، فإنَّ رؤيا الأنبياء وحيٌ.

وقد سبق الحديث والجواب عن قوله: «إِنْ يكُ [هذا] من عند الله يُمْضِه» في «أوائل النِّكاح» في «باب نكاح الأبكار» [خ¦٥٠٧٨].

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

رَسُولِ اللَّهِ وَمِنْ عَلِيٍّ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَطَاءٌ: يُعَرِّضُ وَلَا يَبُوحُ)؛ أَيْ لَا يُصَرِّحُ (يَقُولُ: إِنَّ لِي حَاجَةٌ وَأَبْشِرِي).

قَوْلُهُ: (نَافِقَةٌ) بِنُونٍ وَفَاءٍ وَقَافٍ؛ أَيْ رَائِجَةٌ بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَالْجِيمِ.

قَوْلُهُ: (وَلَا تُعِدْ شَيْئًا) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِ، وَأَثَرُ عَطَاءٍ هَذَا وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْهُ مُفَرَّقًا، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: كَيْفَ يَقُولُ الْخَاطِبُ؟ قَالَ: يُعَرِّضُ تَعْرِيضًا وَلَا يَبُوحُ بِشَيْءٍ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ إِلَى قَوْلِهِ: وَلَا تُعِدْ شَيْئًا.

قَوْلُهُ: (وَإِنْ وَاعَدَتْ رَجُلًا فِي عِدَّتِهَا ثُمَّ نَكَحَهَا)؛ أَيْ تَزَوَّجَهَا (بَعْدُ)؛ أَيْ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ (لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا)؛ أَيْ لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ وَإِنْ وَقَعَ الْإِثْمُ. وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَقِبَ أَثَرِ عَطَاءٍ قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَيْرٌ لَكَ أَنْ تُفَارِقَهَا. وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ صَرَّحَ بِالْخِطْبَةِ فِي الْعِدَّةِ لَكِنْ لَمْ يَعْقِدْ إِلَّا بَعْدَ انْقِضَائِهَا فَقَالَ مَالِكٌ: يُفَارِقُهَا دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: صَحَّ الْعَقْدُ، وَإِنِ ارْتَكَبَ النَّهْي بِالتَّصْرِيحِ الْمَذْكُورِ لِاخْتِلَافِ الْجِهَةِ، وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: عِلَّةُ الْمَنْعِ مِنَ التَّصْرِيحِ فِي الْعِدَّةِ أَنَّ ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ إِلَى الْمُوَافَقَةِ فِي الْعِدَّةِ الَّتِي هِيَ مَحْبُوسَةٌ فِيهَا عَلَى مَاءِ الْمَيِّتِ أَوِ الْمُطْلِقِ اهـ.

وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ لِمَنْعِ الْعَقْدِ لَا لِمُجَرَّدِ التَّصْرِيحِ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ: التَّصْرِيحُ ذَرِيعَةٌ إِلَى الْعَقْدِ وَالْعَقْدُ ذَرِيعَةٌ إِلَى الْوِقَاعِ. وَقَدِ اخْتَلَفُوا لَوْ وَقَعَ الْعَقْدُ فِي الْعِدَّةِ وَدَخَلَ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا. وَقَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا بَعْدُ. وَقَالَ الْبَاقُونَ: بَلْ يَحِلُّ لَهُ إِذَا انْقَضَتِ الْعِدَّةِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إِذَا شَاءَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا الزِّنَا) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْرٍ عَنْهُ بِلَفْظِهِ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: هُوَ الْفَاحِشَةُ. قَالَ قَتَادَةُ قَوْلُهُ: سِرًّا أَيْ لَا تَأْخُذُ عَهْدَهَا فِي عِدَّتِهَا أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ غَيْرُهُ. وَأَخْرَجَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ وَقَالَ: هَذَا أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ مَنْ فَسَّرَهُ بِالزِّنَا؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَ الْكَلَامِ وَمَا بَعْدَهُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ فِي اللُّغَةِ أَنْ يُسَمَّى الْجِمَاعُ سِرًّا، فَلِذَلِكَ يجُوزُ إِطْلَاقُهُ عَلَى الْعَقْدِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُوَاعَدَةَ عَلَى ذَلِكَ تَزِيدُ عَلَى التَّعْرِيضِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، وَاسْتُدِلَّ بِالْآيَةِ عَلَى أَنَّ التَّعْرِيضَ فِي الْقَذْفِ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ؛ لِأَنَّ خِطْبَةَ الْمُعْتَدَّةِ حَرَامٌ، وَفَرَّقَ فِيهَا بَيْنَ التَّصْرِيحِ وَالتَّعْرِيضِ فَمُنِعَ التَّصْرِيحُ وَأُجِيزَ التَّعْرِيضُ، مَعَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مَفْهُومٌ مِنْهُمَا، فَكَذَلِكَ يفَرَّقُ فِي إِيجَابِ حَدِّ الْقَذْفِ بَيْنَ التَّصْرِيحِ وَالتَّعْرِيضِ.

وَاعْتَرَضَ ابْنُ بَطَّالٍ فَقَالَ: يَلْزَمُ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى هَذَا أَنْ يَقُولُوا بِإِبَاحَةِ التَّعْرِيضِ بِالْقَذْفِ، وَهَذَا لَيْسَ بِلَازِمٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ التَّعْرِيضَ دُونَ التَّصْرِيحِ فِي الْإِفْهَامِ فَلَا يَلْتَحِقُ بِهِ فِي إِيجَابِ الْحَدِّ؛ لِأَنَّ لِلَّذِي يُعَرِّضُ أَنْ يَقُولَ لَمْ أُرِدِ الْقَذْفَ بِخِلَافِ الْمُصَرِّحِ.

قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ يَقُولُ: حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ

٣٥ - بَاب النَّظَرِ إِلَى الْمَرْأَةِ قَبْلَ التَّزْوِيجِ

٥١٢٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ : أُرِيتُكِ فِي الْمَنَامِ يَجِيءُ بِكِ الْمَلَكُ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ، فَقَالَ لِي: هَذِهِ امْرَأَتُكَ فَكَشَفْتُ عَنْ وَجْهِكِ الثَّوْبَ، فَإِذَا أَنْتِ هِيَ، فَقُلْتُ: إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ.

٥١٢٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ

فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْتُ لِأَهَبَ لَكَ نَفْسِي فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ فَصَعَّدَ النَّظَرَ إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ فَلَمَّا رَأَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَيْ رَسُولَ اللَّهِ إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا فَقَالَ هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ قَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا قَالَ انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي قَالَ سَهْلٌ مَا لَهُ رِدَاءٌ فَلَهَا نِصْفُهُ فَقال رسول الله : "مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى طَالَ مَجْلِسُهُ ثُمَّ قَامَ فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ مُوَلِّيًا فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ مَاذَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ قَالَ مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا عَدَّدَهَا قَالَ أَتَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ"

قَوْلُهُ: (بَابُ النَّظَرِ إِلَى الْمَرْأَةِ قَبْلَ التَّزْوِيجِ) اسْتَنْبَطَ الْبُخَارِيُّ جَوَازَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثَيِ الْبَابِ؛ لِكَوْنِ التَّصْرِيحُ الْوَارِدُ فِي ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ، وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ فِي أَحَادِيثَ، أَصَحُّهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالَ رَجُلٌ: إِنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : أَنْظَرْتَ إِلَيْهَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَاذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ.

وَفِي لَفْظٍ لَهُ صَحِيحٍ أَنَّ رَجُلًا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً، فَذَكَرَهُ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ: اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ شَيْئًا فَقِيلَ: عَمَشٌ وَقِيلَ: صِغَرٌ. قُلْتُ: الثَّانِي وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ فِي مُسْتَخْرَجِهِ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَهَذَا الرَّجُلُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُغِيرَةُ، فَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِهِ أَنَّهُ: خَطَبَ امْرَأَةً فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ : انْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يَدُومَ بَيْنَكُمَا وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْبَزَّارُ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ حَدِيثَيْنِ: الْأَوَّلُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ.

قَوْلُهُ: (أُرِيتُكِ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ (فِي الْمَنَامِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ مَرَّتَيْنِ.

قَوْلُهُ: (يَجِيءُ بِكِ الْمَلَكُ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ إِذَا رَجُلٌ يَحْمِلُكِ فَكَأَنَّ الْمَلَكَ تَمَثَّلَ لَهُ حِينَئِذٍ رَجُلًا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ عَائِشَةَ: جَاءَ بِي جِبْرِيلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ .

قَوْلُهُ: (فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ) السَّرَقَةُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ وَالْقَافِ هِيَ الْقِطْعَةُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ: فِي خِرْقَةٍ حَرِيرٍ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: السَّرَقَةُ الثَّوْبُ، فَإِنْ أَرَادَ تَفْسِيرَهُ هُنَا فَصَحِيحٌ، وَإِلَّا فَالسَّرَقَةُ أَعَمُّ. وَأَغْرَبَ الْمُهَلَّبُ فَقَالَ: السَّرَقَةُ كَالْكَلَّةِ أَوْ كَالْبُرْقُعِ. وَعِنْدَ الْآجُرِّيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ: لَقَدْ نَزَلَ جِبْرِيلُ بِصُورَتِي فِي رَاحَتِهِ حِينَ أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي، وَيُجْمَعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ صُورَتَهَا كَانَتْ فِي الْخِرْقَةِ وَالْخِرْقَةُ فِي رَاحَتِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ بِالْكَيْفِيَّتَيْنِ لِقَوْلِهَا فِي نَفْسِ الْخَبَرِ: نَزَلَ مَرَّتَيْنِ قَوْلُهُ: (فَكَشَفْتُ عَنْ وَجْهكِ الثَّوْبَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ فَأَكْشِفُهَا فَعَبَّرَ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ؛ اسْتِحْضَارًا لِصُورَةِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

عبدِ السَّلام استحباب النَّظر بمن يرجو رجاءً ظاهرًا أنَّه يُجاب إلى خطبتهِ دون غيره، ولكلٍّ أن ينظر إلى الآخر وإن لم يأذنْ له اكتفاءً بإذن الشَّارع، سواءً خشي فتنةً أم لا، والمنظورُ غير العورةِ المقرَّرة في شروطِ الصَّلاة، فينظرُ الرَّجل من الحرَّة الوجه والكفَّين لأنَّ الوجه يدلُّ على الجمالِ، والكفَّين على خصبِ البدَن، وينظرُ من الأمَة ما عدا ما بين السُّرَّة والرُّكبة، وهما ينظرانه (١) منه، والنَّوويُّ إنَّما حرَّم نظر (٢) ذلك بلا حاجةٍ مع أنَّه ليس بعورةٍ لخوف الفتنةِ، وهي غيرُ معتبرةٍ هنا، فإن لم يتيسَّر نظره إليها بعثَ امرأةً تتأمَّلها وتصفُها له لأنَّه بعثَ أمَّ سليمٍ إلى امرأةٍ، وقال: «انظري عُرْقُوبَيها وشُمِّي عوارِضَها». رواه الحاكم وصحَّحه، والعوارضُ: الأسنانُ الَّتي في عرضِ الفم؛ وهي ما بين الثَّنايا والأضراسِ وذلك لاختبار النَّكهة، فإن لم تعجبْه سكتَ، ولا يقولُ: لا أريدها لأنَّه إيذاءٌ.

٥١٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو: ابنُ مُسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بن الزُّبيرِ (عَنْ عَائِشَةَ ) أنَّها (قَالَتْ: قَالَ لِي (٣) رَسُولُ اللهِ : رَأَيْتُكِ فِي المَنَامِ) ولأبي ذرٍّ: «أُريتكِ في المنامِ» (٤) بتقديم الهمزة على الرَّاء المضمومة (يَجِيءُ بِكِ المَلَكُ) جبريلُ (فِي سَرَقَةٍ) بفتح الراء (٥)، أي: قطعة (مِنْ حَرِيرٍ، فَقَالَ لِي: هَذِهِ امْرَأَتُكَ، فَكَشَفْتُ عَنْ وَجْهِكِ الثَّوْبَ) أي: عن وجهِ صورتكِ (فَإِذَا أَنْتِ هِيَ) أي: فإذا أنت الآن تلك الصُّورة، أو كشفتُ عن وجهك عندما شاهدتُك فإذا أنت مثل الصُّورة التي رأيتُها في المنامِ. وهو تشبيهٌ بليغٌ حيث حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مُقامهُ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فإذا هيَ أنت» (فَقُلْتُ: إِنْ يَكُ

هَذَا) الَّذي رأيتُه (مِنْ عِنْدِ اللهِ يُمْضِهِ) وزاد في روايةٍ في «أوائل النِّكاح» بعد قوله: «رأيتك في المنامِ»: «مرَّتين» [خ¦٥٠٧٨]. واستدلَّ به على تكرارِ النَّظرِ عند الحاجةِ إليه ليتبيَّن الهيئةَ فلا يندم بعد النِّكاحِ. قال الزَّركشِيُّ (١): ولم يتعرَّضوا لضبط التَّكرار، ويحتملُ تقديره بثلاثٍ. قال: وفي خبرِ عائشةَ الَّذي ترجمَ عليه البخاريُّ الرُّؤيا قبل الخطبة: «أُريتك ثلاثَ ليالٍ».

وقال ابنُ المُنيِّر: الاستشهادُ بنظره إلى عائشةَ قبل تزوُّجها لا يثبتُ لوجهين: أحدهما: أنَّ عائشةَ كانت حين الخطبةِ ممَّن يُنظر إليها لطفوليَّتها إذ كانت بنتَ خمس سنين وشيء، ومثلُ هذا السِّنِّ لا عورةَ فيه البتَّةَ. والثَّاني: أنَّ رؤيتهُ لها كانت منامًا، أتاهُ بها جبريل في سَرَقةٍ من حريرٍ، أي: مثالِها، وحكمُ المنامِ غير حكمِ اليقظةِ. انتهى.

وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: فيه نظرٌ، فتأمله. انتهى.

ووجه النَّظر أنَّ رؤيته في النَّوم كاليقظة، فإنَّ رؤيا الأنبياء وحيٌ.

وقد سبق الحديث والجواب عن قوله: «إِنْ يكُ [هذا] من عند الله يُمْضِه» في «أوائل النِّكاح» في «باب نكاح الأبكار» [خ¦٥٠٧٨].

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله