ورفع الحاء على أنَّ «لا» نافية، خبرٌ بمعنى النَّهي، وبالجزم وكسرها لالتقاءِ السَّاكنين على أنَّها ناهيةٌ، والأول (١) أبلغُ، والأيِّمُ بتشديد التحتية المكسورة في الأصلِ الَّتي لا زوجَ لها بكرًا كانت أو ثيِّبًا، مطلَّقة أو متوفَّى عنها، والمراد بها هنا: الَّتي زالت بكارتها بأيِّ وجهٍ كان، سواءٌ زالت بنكاحٍ صحيحٍ، أو شبهةٍ، أو فاسدٍ، أو زنا، أو بوثبةٍ، أو بأصبعٍ، أو غير ذلك؛ لأنَّها جعلت مقابلةً للبكر (حَتَّى تُسْتَأْمَرَ) بضم الفوقية وفتح الميم، أي: يطلبُ أمرها (وَلَا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ) أي: يطلبُ إذنها، وفرق بينهما بأن (٢) الأمر لا بدَّ فيه من لفظ، والإذن يكون بلفظ وغيره (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟) أي: البكرِ (قَالَ: أَنْ تَسْكُتَ) لأنَّها قد تستحي أن تُفصِح، واختلف فيما إذا سكتَتْ وظهرتْ منها قرينةُ السُّخط كالبكاءِ، أو الرِّضا كالتَّبسُّم؛ فعند المالكيَّة: إن ظهرتْ منها قرينةُ الكراهة لم تزوَّج، وعند الشَّافعيَّة: لا يؤثِّر ذلك إلَّا إن وقعَ مع البُكاء صياحٌ ونحوه.
وهذا الحديث أخرجهُ أيضًا في «ترك الحيل» [خ¦٦٩٧٠]، ومسلم في «النِّكاح» وكذا النَّسائي (٣).
٥١٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ طَارِقٍ) بفتح العين وسكون الميم، الهلاليُّ المصريُّ قال (٤): (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «حدَّثنا» (اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله (عَنْ أَبِي عَمْرٍو) بفتح العين، ذَكوان (مَوْلَى عَائِشَةَ، عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ البِكْرَ تَسْتَحِي) أن تفصِح به، ولأبي ذرٍّ: «تَستحيِي» بياءين (قَالَ) ﵊: (رِضَاهَا صَمْتُهَا) أي: سكوتها. وظاهر الحديث أنَّه ليس للوليِّ تزويج مولِّيته من غير استئذانٍ ومراجعةٍ، واطِّلاعٍ على أنَّها راضيةٌ، بصريح الإذن أو سكوتٍ من البكر، وللعلماء في
هذا المقام تفصيلٌ واختلافٌ، فاتَّفقوا (١) على أنَّه لا يجوز تزويجُ الثَّيِّب البالغة العاقلة إلَّا بإذنها، والبكرُ الصَّغيرةُ يزوِّجها أبوها اتِّفاقًا أيضًا. وأمَّا الثَّيِّب غير البالغ فاختلف فيها؛ فقال مالكٌ وأبو حنيفة: يزوِّجها أبوها كما يزوِّج البكر، وقال إمامنا الشَّافعيُّ وأبو يوسف ومحمد: لا يزوِّجها إذا زالَت البكارة بالوطء لا بغيره لأنَّ إزالة البكارة تُزيل الحياء الَّذي في البكرِ. وأما البكرُ البالغُ فيزوِّجها أبوها، وكذا غيره (٢) من الأولياء. واختُلف في استئمارها، والحديث يدلُّ على أنَّه لا إجبار عليها للأبِ إذا امتنعتْ، وهو مذهب الحنفيَّة. وقال مالكٌ والشَّافعيُّ وأحمد: يزوِّجها. واحتجَّ بمفهوم حديث الباب لأنَّه جعل الثَّيِّب أحقَّ بنفسها من وليِّها، فدلَّ على أنَّ وليَّ البكر أحقُّ بها منها، وألحق الشَّافعيُّ الجدَّ بالأب. وقال (٣) أبو حنيفة في الثَّيِّب الصَّغيرة: يزوِّجها كلُّ وليٍّ، فإذا بلغت ثبتَ لها الخيار. وعن مالكٍ يلتحق بالأب في ذلك وصيُّ الأب دون بقيَّة الأولياء لأنَّه أقامه مُقامه، وقال الحنابلةُ: وللأب إجبارُ بناته الأبكار مطلقًا، وثيِّبٍ لها دون تسع سنين، لا مَن لها تسعٌ وأكثر (٤).
(٤٢) هذا (بابٌ) بالتنوين: (إِذَا زَوَّجَ) الرَّجل (ابْنَتَهُ وَهْيَ كَارِهَةٌ، فَنِكَاحُهُ مَرْدُودٌ) إذا كانت ثيِّبًا، اتِّفاقًا من الأئمَّة الأربعة.