«جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَدَخَلَ حِينَ بُنِيَ عَلَيَّ، فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥١٤٧

الحديث رقم ٥١٤٧ من كتاب «كتاب النكاح» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ضرب الدف في النكاح والوليمة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥١٤٧ في صحيح البخاري

«جَاءَ النَّبِيُّ فَدَخَلَ حِينَ بُنِيَ عَلَيَّ، فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي، فَجَعَلَتْ جُوَيْرِيَاتٌ لَنَا يَضْرِبْنَ

⦗٢٠⦘

بِالدُّفِّ وَيَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِي يَوْمَ بَدْرٍ، إِذْ قَالَتْ إِحْدَاهُنَّ: وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ، فَقَالَ: دَعِي هَذِهِ وَقُولِي بِالَّذِي كُنْتِ تَقُولِينَ.»

بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ وَكَثْرَةِ الْمَهْرِ وَأَدْنَى مَا يَجُوزُ مِنَ الصَّدَاقِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ﴾ وَقَالَ سَهْلٌ قَالَ النَّبِيُّ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ

إسناد حديث رقم ٥١٤٧ من صحيح البخاري

٥١٤٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ قَالَ: قَالَتِ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥١٤٧: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (بَابُ الْخُطْبَةِ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ؛ أَيْ عِنْدَ الْعَقْدِ، ذكر فيه حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: جَاءَ رَجُلَانِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَخَطَبَا، فَقَالَ النَّبِيُّ : إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: سِحْرًا بِغَيْرِ لَامٍ، وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ سَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي الطِّبِّ مَعَ شَرْحِهِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: أَدْخَلَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ وَلَيْسَ هُوَ مَوْضِعِهِ، قَالَ: وَالْبَيَانُ نَوْعَانِ: الْأَوَّلُ مَا يُبَيِّنُ بِهِ الْمُرَادُ، وَالثَّانِي: تَحْسِينُ اللَّفْظِ حَتَّى يَسْتَمِيلَ قُلُوبَ السَّامِعِينَ. وَالثَّانِي هُوَ الَّذِي يُشَبَّهُ بِالسَّحَرِ، وَالْمَذْمُومُ مِنْهُ مَا يُقْصَدُ بِهِ الْبَاطِلُ، وَشَبَّهَهُ بِالسَّحَرِ؛ لِأَنَّ السَّحَرَ صَرْفُ الشَّيْءِ عَنْ حَقِيقَتِهِ.

قُلْتُ: فَمِنْ هُنَا تُؤْخَذُ الْمُنَاسَبَةُ، وَيُعْرَفُ أَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي مَوْضِعِهِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْخِطْبَةَ وَإِنْ كَانَتْ مَشْرُوعَةً فِي النِّكَاحِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مُقْتَصِدَةً، وَلَا يَكُونَ فِيهَا مَا يَقْتَضِي صَرْفَ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ بِتَحْسِينِ الْكَلَامِ. وَالْعَرَبُ تُطْلِقُ لَفْظَ السَّحَرِ عَلَى الصَّرْفِ تَقُولُ: مَا سَحَرَكَ عَنْ كَذَا؟ أَيْ مَا صَرَفَكَ عَنْهُ؟ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ صَخْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ رَفَعَهُ: إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا. قَالَ: فَقَالَ صَعْصَعَةُ بْنُ صُوحَانَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ، الرَّجُلُ يَكُونُ عَلَيْهِ الْحَقُّ وَهُوَ أَلْحَنُ بِالْحُجَّةِ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ فَيَسْحَرُ النَّاسَ بَيَانُهُ فَيَذْهَبُ بِالْحَقِّ.

وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: وَجْهُ إِدْخَالِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَنَّ الْخُطْبَةَ فِي النِّكَاحِ إِنَّمَا شُرِعَتْ لِلْخَاطِبِ؛ لِيَسْهُلَ أَمْرُهُ فَشُبِّهَ حُسْنُ التَّوَصُّلِ إِلَى الْحَاجَةِ بِحُسْنِ الْكَلَامِ فِيهَا بِاسْتِنْزَالِ الْمَرْغُوبِ إِلَيْهِ بِالْبَيَانِ بِالسِّحْرِ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ النُّفُوسَ طُبِعَتْ عَلَى الْأَنَفَةِ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْلَيَاتِ فِي أَمْرِ النِّكَاحِ، فَكَانَ حُسْنُ التَّوَصُّلِ لِرَفْعِ تِلْكَ الْأَنَفَةِ وَجْهًا مِنْ وُجُوهِ السِّحْرِ الَّذِي يَصْرِفُ الشَّيْءَ إِلَى غَيْرِهِ. وَوَرَدَ فِي تَفْسِيرِ خُطْبَةِ النِّكَاحِ أَحَادِيثُ مِنْ أَشْهَرِهَا مَا أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ، وَصَحَّحَهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ الْحَدِيثَ.

قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ، رَوَاهُ الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَالَ شُعْبَةُ:، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةِ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: فَكِلَا الْحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ إِسْرَائِيلَ رَوَاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ فَجَمَعَهُمَا. قَالَ: وَقَدْ قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: إِنَّ النِّكَاحَ جَائِزٌ بِغَيْرِ خُطْبَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ اهـ. وَقَدْ شَرَطَهُ فِي النِّكَاحِ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَهُوَ شَاذٌّ.

٤٨ - بَاب ضَرْبِ الدُّفِّ فِي النِّكَاحِ وَالْوَلِيمَةِ

٥١٤٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ قَالَ: قَالَتْ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ: جَاءَ النَّبِيُّ فَدَخَلَ حِينَ بُنِيَ عَلَيَّ، فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي، فَجَعَلَتْ جُوَيْرِيَاتٌ لَنَا يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ وَيَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِي يَوْمَ بَدْرٍ؛ إِذْ قَالَتْ إِحْدَاهُنَّ: وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ، فَقَالَ: دَعِي هَذِهِ، وَقُولِي بِالَّذِي كُنْتِ تَقُولِينَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ ضَرْبِ الدُّفِّ فِي النِّكَاحِ وَالْوَلِيمَةِ) يَجُوزُ فِي الدُّفِّ ضَمُّ الدَّالِ وَفَتْحُهَا، وَقَوْلُهُ: وَالْوَلِيمَةِ مَعْطُوفٌ عَلَى النِّكَاحِ؛ أَيْ ضَرْبُ الدُّفِّ فِي الْوَلِيمَةِ وَهُوَ مِنَ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ وَلِيمَةَ النِّكَاحِ خَاصَّةً، وَأَنَّ ضَرْبَ الدُّفِّ يُشْرَعُ فِي النِّكَاحِ عِنْدَ الْعَقْدِ، وَعِنْدَ الدُّخُولِ مَثَلًا، وَعِنْدَ الْوَلِيمَةِ كَذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عَلَى مَا سَأُبَيِّنُهُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ) هُوَ الْمَدَنِيُّ يُكَنَّى أَبَا الْحَسَنِ، وَهُوَ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ.

قَوْلُهُ: (جَاءَ النَّبِيُّ يَدْخُلُ عَلَيَّ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَدَخَلَ عَلَيَّ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ فِي أَوَّلِهِ قِصَّةٌ مِنْ طَرِيقِ

حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ، وَاسْمُهُ خَالِدٌ الْمَدَنِيُّ قَالَ: كُنَّا بِالْمَدِينَةِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَالْجَوَارِي يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ وَيَتَغَنَّيْنَ، فَدَخَلْنَا عَلَى الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهَا، فَقَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ الْحَدِيثَ، هَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ فَقَالَ: عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْخَطْمِيِّ بَدَلَ أَبِي الْحُسَيْنِ.

قَوْلُهُ: (حِينَ بَنَى عَلَيَّ) فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ صَبِيحَةَ عُرْسِي، وَالْبِنَاءُ الدُّخُولُ بِالزَّوْجَةِ، وَبَيَّنَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّهَا تَزَوَّجَتْ حِينَئِذٍ إِيَاسَ بْنَ الْبُكَيْرِ اللَّيْثِيَّ، وَأَنَّهَا وَلَدَتْ لَهُ مُحَمَّدَ بْنَ إِيَاسٍ، قِيلَ: لَهُ صُحْبَةٌ.

قَوْلُهُ: (كَمَجْلِسِكَ) بِكَسْرِ اللَّامِ أَيْ مَكَانِكِ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، أَوْ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْحِجَابِ، أَوْ جَازَ النَّظَرُ لِلْحَاجَةِ أَوْ عِنْدِ الْأَمْنِ مِنَ الْفِتْنَةِ اهـ.

وَالْأَخِيرُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَالَّذِي وَضَحَ لَنَا بِالْأَدِلَّةِ الْقَوِيَّةِ أَنَّ مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ جَوَازُ الْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَالنَّظَرِ إِلَيْهَا، وَهُوَ الْجَوَابُ الصَّحِيحُ عَنْ قِصَّةِ أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ فِي دُخُولِهِ عَلَيْهَا، وَنَوْمِهِ عِنْدَهَا، وَتَفْلِيَتِهَا رَأْسَهُ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مَحْرَمِيَّةٌ وَلَا زَوْجِيَّةٌ، وَجَوَّزَ الْكِرْمَانِيُّ أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَةُ: مَجْلَسِكَ بِفَتْحِ اللَّامِ؛ أَيْ جُلُوسِكَ وَلَا إِشْكَالَ فِيهَا.

قَوْلُهُ: (فَجَعَلَتْ جُوَيْرِيَاتٌ لَنَا) لَمْ أَقِفُ عَلَى اسْمِهِنَّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بِلَفْظِ جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّ تكونَ الثِّنْتَانِ هُمَا الْمُغَنِّيَتَانِ، وَمَعَهُمَا مَنْ يَتْبَعُهُمَا أَوْ يُسَاعِدُهُمَا فِي ضَرْبِ الدُّفِّ مِنْ غَيْرِ غِنَاءٍ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ النِّسْوَةِ اللَّاتِي يُهْدِينَ الْمَرْأَةَ إِلَى زَوْجِهَا زِيَادَةٌ فِي هَذَا.

قَوْلُهُ: (وَيَنْدُبْنَ) مِنَ النُّدْبَةِ بِضَمِّ النُّونِ، وَهِيَ ذِكْرُ أَوْصَافِ الْمَيِّتِ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَتَعْدِيدِ مَحَاسِنِهِ بِالْكَرَمِ وَالشَّجَاعَةِ وَنَحْوِهَا.

قَوْلُهُ: (مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِي يَوْمَ بَدْرٍ) تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْمَغَازِي، وَإِنَّ الَّذِي قُتِلَ مِنْ آبَائِهَا إِنَّمَا قُتِلَ بِأُحُدٍ، وَآبَاؤُهَا الَّذِينَ شَهِدُوا بَدْرًا مُعَوِّذٌ، وَمُعَاذٌ، وَعَوْفٌ وَأَحَدُهُمْ أَبُوهَا وَالْآخَرَانِ عَمَّاهَا أَطْلَقَتِ الْأُبُوَّةَ عَلَيْهِمَا تَغْلِيبًا.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ دَعِي هَذِهِ)؛ أَيِ اتْرُكِي مَا يَتَعَلَّقُ بِمَدْحِي الَّذِي فِيهِ الْإِطْرَاءُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ، زَادَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ: لَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللَّهُ، فَأَشَارَ إِلَى عِلَّةِ الْمَنْعِ.

قَوْلُهُ: (وَقُولِي بِالَّذِي كُنْتِ تَقُولِينَ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى جَوَازِ سَمَاعِ الْمَدْحِ وَالْمَرْثِيَةِ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ مُبَالَغَةٌ تُفْضِي إِلَى الْغُلُوِّ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ مَرَّ بِنِسَاءٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي عُرْسٍ لَهُنَّ وَهُنَّ يُغَنِّينَ:

وَأَهْدَى لَهَا كَبْشًا تَنَحْنَحَ فِي الْمِرْبَدِ … وَزَوْجُكِ فِي الْبَادِي وَتَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ

فَقَالَ: لَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِعْلَانُ النِّكَاحِ بِالدُّفِّ وَبِالْغِنَاءِ الْمُبَاحِ، وَفِيهِ إِقْبَالُ الْإِمَامِ إِلَى الْعُرْسِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ لَهْوٌ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَدِّ الْمُبَاحِ. وَفِيهِ جَوَازُ مَدْحِ الرَّجُلِ فِي وَجْهِهِ مَا لَمْ يَخْرُجْ إِلَى مَا لَيْسَ فِيهِ.

وَأَغْرَبَ ابْنُ التِّينِ فَقَالَ: إِنَّمَا نَهَاهَا؛ لِأَنَّ مَدْحَهُ حَقٌّ وَالْمَطْلُوبُ فِي النِّكَاحِ اللَّهْوُ، فَلَمَّا أَدْخَلَتِ الْجَدَّ فِي اللَّهْوِ مَنَعَهَا، كَذَا قَالَ، وَتَمَامُ الْخَبَرِ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ يَرُدُّ عَلَيْهِ، وَسِيَاقُ الْقِصَّةِ يُشْعِرُ بِأَنَّهُمَا لَوِ اسْتَمَرَّتَا عَلَى الْمَرَائي لَمْ يَنْهَهُمَا، وَغَالِبُ حُسْنِ الْمَرَائي جَدٌّ لَا لَهْوٌ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهَا مَا ذُكِرَ مِنَ الْإِطْرَاءِ حَيْثُ أَطْلَقَ عِلْمَ الْغَيْبِ لَهُ، وَهُوَ صِفَةٌ تَخْتَصُّ بِاللَّهِ تَعَالَى، كما قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ﴾ وَقَوْلُهُ لِنَبِيِّهِ: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ وَسَائِرُ مَا كَانَ النَّبِيُّ يُخْبِرُ بِهِ مِنَ الْغُيُوبِ بِإِعْلَامِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُ لَا أَنَّهُ يَسْتَقِلُّ بِعِلْمِ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَحْثِ في مَسْأَلَةِ الْغِنَاءِ فِي الْعُرْسِ بَعْدَ اثْنَيْ عَشَرَ بَابًا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥١٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ) بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة، ابن لاحقٍ البصرِيُّ، وفي نسخة بـ «اليونينية»: «عن بشر بن المفضَّل» قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ) أبو الحسنِ المدنيُّ (قَالَ: قَالَتِ (١) الرُّبَيِّعُ) بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد التحتية المكسورة (بِنْتُ مُعَوِّذِ ابْنِ عَفْرَاءَ) بكسر الواو المشددة بعدها ذال معجمة، والعَفْراءُ بفتح العين المهملة وسكون الفاء ممدودًا: (جَاءَ النَّبِيُّ فَدَخَلَ) وللحَمُّويي والكُشمِيهنيِّ: «يدخلُ» بصيغة المضارع (حِينَ بُنِيَ عَلَيَّ) وفي رواية حمَّاد بنِ سلمةَ عند ابن ماجه: «صبيحة عرسي» وكانت تزوَّجت إيَاس بن البكير اللَّيثيَّ (فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي) بكسر اللام، أي: مكانك، وقد كان من خصائصهِ جواز النَّظر للأجنبيَّة والخلوةِ بها (فَجَعَلَتْ جُوَيْرِيَاتٌ لَنَا) لم يقفْ الحافظ ابنُ حجر على تسميتهنَّ (يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ وَيَنْدُبْنَ) أي: يذكرنَ أوصاف (مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِي يَوْمَ بَدْرٍ) بالثَّناء عليهم، وتعديدِ محاسنهِم بالكرم والشَّجاعة ونحوهما، وكان الَّذي قتل يوم بدرٍ معوِّذ ابن عفراء وعوف ومعاذ، أحدهم أبوها، والآخران عمَّاها، فأُطلقت الأبوَّة عليهما تغليبًا (إِذْ) وثبت لفظ: «إذ» للكُشمِيهنيِّ (٢)، وفي «المغازي»: «حتَّى» [خ¦٤٠٠١] (قَالَتْ إِحْدَاهُنَّ) إحدى الجواري: (وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا) يكون (فِي غَدٍْ) بالسكون في «اليونينية» وفرعها، وبالخفض منونًا في غيرهما (٣) (فَقَالَ) لها النَّبيُّ : (دَعِي هَذِهِ) المقالة، فإنَّ مفاتيح الغيب عند الله لا يعلمها إلَّا هو، وأيضًا يحتمل أن يكون المنع (٤) أن يوصفَ (٥) في أثناء اللَّعب واللَّهو؛ إذ منصبه أجلُّ وأشرفُ من أن يذكر إلَّا في مجالس الجدِّ (وَقُولِي بِالَّذِي كُنْتِ تَقُولِينَ) من المدحِ والثَّناء، ففيه: جواز ذلك ما لم يفضِ إلى الغلوِّ.

وفي هذا الحديث: جواز ضربِ الدُّفِّ في النِّكاح، وقد قال الشَّافعيَّة بجوازِ اليراع والدُّفِّ، وإن كان فيه جلاجلُ في الإملاك والختان وغيرهما، وقيل: يحرم اليراعُ وهو المزمار العراقي، ويحرم الغناء مع الآلات ممَّا هو من شعارِ شاربي الخمر، كالطُّنبور وسائر المعازف، أي: الملاهي من الأوتارِ والمزامير، فيحرمُ استعماله واستماعهُ قصدًا، فلو لم يقصدْ لم يحرم، ولا يحرم الطَّبل إلَّا الكُوبة؛ وهو طبلٌ طويل متَّسع الطَّرفين ضيِّق الوسط، يعتادُ ضربه المخنَّثون، ولا يحرمُ ضرب الكفِّ بالكفِّ كما صرَّح به في «الإرشادِ» وغيره، ولا الرَّقص إلَّا أن يكون فيه تكسُّرٌ وتثنٍّ.

وهذا الحديث قد سبق في «غزوة بدرٍ» [خ¦٤٠٠١].

(٤٩) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: «﷿»: (﴿وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ﴾) مهورهنَّ (﴿نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]) من نحله كذا إذا أعطاهُ إيَّاهُ ووهبهُ له عن طيبةٍ من نفسهِ نحلة ونحلًا، وانتصابها على المصدرِ لأنَّ النِّحلةَ والإيتاء بمعنى الإعطاءِ، فكأنَّه قال: وانحلوا النِّساءَ صدقاتهنَّ نحلةً، أي: أعطوهنَّ مهورهنَّ (١) عن طيبةِ أنفسكم، قيل: النحلةُ لغة: الهبة من غير عوضٍ، والصَّداقُ تستحقُّهُ المرأةُ اتفاقًا لا على وجهِ التَّبرع من الزَّوج، وأُجيب بأنَّ أبا (٢) عبيدة قال: عن طيب نفسٍ بالفريضةِ. وتابعهُ ابن قُتيبةَ. وقال إِلكيا: الخطابُ في ﴿فَانكِحُواْ﴾ للأزواجِ، وإذا كان خطابًا لهم فإنَّما سماهُ عطيَّة ترغيبًا في إيفاءِ صداقِها، وقال بعضُهم: نحلةً اسمُ الصَّداقِ نفسه. وقال آخر: لأنَّ استمتاعه يقابلُ استمتاعَها به، فكان الصَّداقُ (٣) من هذه الجهةِ لا مقابل له ولذا لم يكن ركنًا في العقدِ (وَكَثْرَةِ المَهْرِ) بالجر عطفًا على سابقه (وَأَدْنَى) أقل (مَا يَجُوزُ مِنَ الصَّدَاقِ،

وَقَوْلِهِ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: «﷿»: (﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا﴾) قال في «الكشاف»: هو المالُ العظيمُ، من قنطرتُ الشَّيءَ إذا رفعتَهُ (﴿فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]) وقد روي أنَّ عمر قامَ خطيبًا فقال: أيُّها النَّاس، لا تغالُوا بصداقِ النِّساء، فلو كان مكرمةً في الدُّنيا أو تقوى (١) عند الله لكانَ أولاكم بها رسول الله ، ما أصدق امرأةً من نسائهِ أكثر من اثنتي عشرةَ أوقيَّةً، فقامتْ إليه امرأةٌ فقالتْ له: يا أميرَ المؤمنين، لمَ تمنعنا حقًّا جعلهُ اللهُ لنا، واللهُ يقولُ: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا﴾ فقال عمر: كلُّ أحدٍ أعلمُ من عمرَ، ثمَّ قال لأصحابه: تسمعونَني أقولُ مثل هذا فلا تنكرونهُ (٢) عليَّ حتى تردَّهُ عليَّ امرأةٌ ليست من أعلمِ النِّساءِ. ذكره الزَّمخشريُّ، ورواه عبد الرَّزَّاق من طريق أبي (٣) عبد الرَّحمن السُّلميِّ بلفظ: قال عمر: لا تغالُوا في مهورِ النِّساءِ، فقالت امرأةٌ: ليس ذلكَ لك يا عمر، إنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا﴾ (من ذهبٍ) قالوا: فكذلك هي (٤) في (٥) قراءةِ ابن مسعود، فقال عمر: امرأةٌ خاصمَت عمر فخصمتهُ (وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]) وزادَ أبو ذرٍّ: «﴿فَرِيضَةً﴾».

(وَقَالَ سَهْلٌ: قَالَ النَّبِيُّ ) في قصَّة الواهبةِ لمريدِ (٦) تزويجها: التمسْ (وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ) والآية الأولى دالَّةٌ لأكثرِ الصَّداقِ، والحديثُ لأدناه، وهل يتقدَّر أدناهُ أم لا؟ فمذهب الشَّافعيَّة والحنابلةِ أدنَى متموَّل لقوله : «التمِس ولَو خاتَمًا مِن حَدِيدٍ» والضَّابط: كل ما جازَ أن يكون ثمنًا، وعند الحنفيَّة عشرةُ دراهِمَ، والمالكيَّة ربعُ دينارٍ، فيستحبُّ عند الشَّافعيَّة والحنابلة أن لا ينقص عن عشرة دراهمَ خروجًا من خلاف أبي حنيفة، وأن لا يزيد على خمس مئةِ درهمٍ، كأصدقةِ بناتِ النَّبيِّ وزوجاتهِ، وأما إصداقُ (٧) أم حبيبةَ أربع مئة دينارٍ فكان من النَّجاشيِّ إكرامًا له ، ويستحبُّ أن يذكرَ المهرَ في العقدِ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (بَابُ الْخُطْبَةِ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ؛ أَيْ عِنْدَ الْعَقْدِ، ذكر فيه حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: جَاءَ رَجُلَانِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَخَطَبَا، فَقَالَ النَّبِيُّ : إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: سِحْرًا بِغَيْرِ لَامٍ، وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ سَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي الطِّبِّ مَعَ شَرْحِهِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: أَدْخَلَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ وَلَيْسَ هُوَ مَوْضِعِهِ، قَالَ: وَالْبَيَانُ نَوْعَانِ: الْأَوَّلُ مَا يُبَيِّنُ بِهِ الْمُرَادُ، وَالثَّانِي: تَحْسِينُ اللَّفْظِ حَتَّى يَسْتَمِيلَ قُلُوبَ السَّامِعِينَ. وَالثَّانِي هُوَ الَّذِي يُشَبَّهُ بِالسَّحَرِ، وَالْمَذْمُومُ مِنْهُ مَا يُقْصَدُ بِهِ الْبَاطِلُ، وَشَبَّهَهُ بِالسَّحَرِ؛ لِأَنَّ السَّحَرَ صَرْفُ الشَّيْءِ عَنْ حَقِيقَتِهِ.

قُلْتُ: فَمِنْ هُنَا تُؤْخَذُ الْمُنَاسَبَةُ، وَيُعْرَفُ أَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي مَوْضِعِهِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْخِطْبَةَ وَإِنْ كَانَتْ مَشْرُوعَةً فِي النِّكَاحِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مُقْتَصِدَةً، وَلَا يَكُونَ فِيهَا مَا يَقْتَضِي صَرْفَ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ بِتَحْسِينِ الْكَلَامِ. وَالْعَرَبُ تُطْلِقُ لَفْظَ السَّحَرِ عَلَى الصَّرْفِ تَقُولُ: مَا سَحَرَكَ عَنْ كَذَا؟ أَيْ مَا صَرَفَكَ عَنْهُ؟ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ صَخْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ رَفَعَهُ: إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا. قَالَ: فَقَالَ صَعْصَعَةُ بْنُ صُوحَانَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ، الرَّجُلُ يَكُونُ عَلَيْهِ الْحَقُّ وَهُوَ أَلْحَنُ بِالْحُجَّةِ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ فَيَسْحَرُ النَّاسَ بَيَانُهُ فَيَذْهَبُ بِالْحَقِّ.

وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: وَجْهُ إِدْخَالِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَنَّ الْخُطْبَةَ فِي النِّكَاحِ إِنَّمَا شُرِعَتْ لِلْخَاطِبِ؛ لِيَسْهُلَ أَمْرُهُ فَشُبِّهَ حُسْنُ التَّوَصُّلِ إِلَى الْحَاجَةِ بِحُسْنِ الْكَلَامِ فِيهَا بِاسْتِنْزَالِ الْمَرْغُوبِ إِلَيْهِ بِالْبَيَانِ بِالسِّحْرِ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ النُّفُوسَ طُبِعَتْ عَلَى الْأَنَفَةِ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْلَيَاتِ فِي أَمْرِ النِّكَاحِ، فَكَانَ حُسْنُ التَّوَصُّلِ لِرَفْعِ تِلْكَ الْأَنَفَةِ وَجْهًا مِنْ وُجُوهِ السِّحْرِ الَّذِي يَصْرِفُ الشَّيْءَ إِلَى غَيْرِهِ. وَوَرَدَ فِي تَفْسِيرِ خُطْبَةِ النِّكَاحِ أَحَادِيثُ مِنْ أَشْهَرِهَا مَا أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ، وَصَحَّحَهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ الْحَدِيثَ.

قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ، رَوَاهُ الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَالَ شُعْبَةُ:، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةِ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: فَكِلَا الْحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ إِسْرَائِيلَ رَوَاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ فَجَمَعَهُمَا. قَالَ: وَقَدْ قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: إِنَّ النِّكَاحَ جَائِزٌ بِغَيْرِ خُطْبَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ اهـ. وَقَدْ شَرَطَهُ فِي النِّكَاحِ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَهُوَ شَاذٌّ.

٤٨ - بَاب ضَرْبِ الدُّفِّ فِي النِّكَاحِ وَالْوَلِيمَةِ

٥١٤٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ قَالَ: قَالَتْ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ: جَاءَ النَّبِيُّ فَدَخَلَ حِينَ بُنِيَ عَلَيَّ، فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي، فَجَعَلَتْ جُوَيْرِيَاتٌ لَنَا يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ وَيَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِي يَوْمَ بَدْرٍ؛ إِذْ قَالَتْ إِحْدَاهُنَّ: وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ، فَقَالَ: دَعِي هَذِهِ، وَقُولِي بِالَّذِي كُنْتِ تَقُولِينَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ ضَرْبِ الدُّفِّ فِي النِّكَاحِ وَالْوَلِيمَةِ) يَجُوزُ فِي الدُّفِّ ضَمُّ الدَّالِ وَفَتْحُهَا، وَقَوْلُهُ: وَالْوَلِيمَةِ مَعْطُوفٌ عَلَى النِّكَاحِ؛ أَيْ ضَرْبُ الدُّفِّ فِي الْوَلِيمَةِ وَهُوَ مِنَ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ وَلِيمَةَ النِّكَاحِ خَاصَّةً، وَأَنَّ ضَرْبَ الدُّفِّ يُشْرَعُ فِي النِّكَاحِ عِنْدَ الْعَقْدِ، وَعِنْدَ الدُّخُولِ مَثَلًا، وَعِنْدَ الْوَلِيمَةِ كَذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عَلَى مَا سَأُبَيِّنُهُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ) هُوَ الْمَدَنِيُّ يُكَنَّى أَبَا الْحَسَنِ، وَهُوَ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ.

قَوْلُهُ: (جَاءَ النَّبِيُّ يَدْخُلُ عَلَيَّ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَدَخَلَ عَلَيَّ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ فِي أَوَّلِهِ قِصَّةٌ مِنْ طَرِيقِ

حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ، وَاسْمُهُ خَالِدٌ الْمَدَنِيُّ قَالَ: كُنَّا بِالْمَدِينَةِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَالْجَوَارِي يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ وَيَتَغَنَّيْنَ، فَدَخَلْنَا عَلَى الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهَا، فَقَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ الْحَدِيثَ، هَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ فَقَالَ: عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْخَطْمِيِّ بَدَلَ أَبِي الْحُسَيْنِ.

قَوْلُهُ: (حِينَ بَنَى عَلَيَّ) فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ صَبِيحَةَ عُرْسِي، وَالْبِنَاءُ الدُّخُولُ بِالزَّوْجَةِ، وَبَيَّنَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّهَا تَزَوَّجَتْ حِينَئِذٍ إِيَاسَ بْنَ الْبُكَيْرِ اللَّيْثِيَّ، وَأَنَّهَا وَلَدَتْ لَهُ مُحَمَّدَ بْنَ إِيَاسٍ، قِيلَ: لَهُ صُحْبَةٌ.

قَوْلُهُ: (كَمَجْلِسِكَ) بِكَسْرِ اللَّامِ أَيْ مَكَانِكِ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، أَوْ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْحِجَابِ، أَوْ جَازَ النَّظَرُ لِلْحَاجَةِ أَوْ عِنْدِ الْأَمْنِ مِنَ الْفِتْنَةِ اهـ.

وَالْأَخِيرُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَالَّذِي وَضَحَ لَنَا بِالْأَدِلَّةِ الْقَوِيَّةِ أَنَّ مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ جَوَازُ الْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَالنَّظَرِ إِلَيْهَا، وَهُوَ الْجَوَابُ الصَّحِيحُ عَنْ قِصَّةِ أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ فِي دُخُولِهِ عَلَيْهَا، وَنَوْمِهِ عِنْدَهَا، وَتَفْلِيَتِهَا رَأْسَهُ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مَحْرَمِيَّةٌ وَلَا زَوْجِيَّةٌ، وَجَوَّزَ الْكِرْمَانِيُّ أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَةُ: مَجْلَسِكَ بِفَتْحِ اللَّامِ؛ أَيْ جُلُوسِكَ وَلَا إِشْكَالَ فِيهَا.

قَوْلُهُ: (فَجَعَلَتْ جُوَيْرِيَاتٌ لَنَا) لَمْ أَقِفُ عَلَى اسْمِهِنَّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بِلَفْظِ جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّ تكونَ الثِّنْتَانِ هُمَا الْمُغَنِّيَتَانِ، وَمَعَهُمَا مَنْ يَتْبَعُهُمَا أَوْ يُسَاعِدُهُمَا فِي ضَرْبِ الدُّفِّ مِنْ غَيْرِ غِنَاءٍ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ النِّسْوَةِ اللَّاتِي يُهْدِينَ الْمَرْأَةَ إِلَى زَوْجِهَا زِيَادَةٌ فِي هَذَا.

قَوْلُهُ: (وَيَنْدُبْنَ) مِنَ النُّدْبَةِ بِضَمِّ النُّونِ، وَهِيَ ذِكْرُ أَوْصَافِ الْمَيِّتِ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَتَعْدِيدِ مَحَاسِنِهِ بِالْكَرَمِ وَالشَّجَاعَةِ وَنَحْوِهَا.

قَوْلُهُ: (مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِي يَوْمَ بَدْرٍ) تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْمَغَازِي، وَإِنَّ الَّذِي قُتِلَ مِنْ آبَائِهَا إِنَّمَا قُتِلَ بِأُحُدٍ، وَآبَاؤُهَا الَّذِينَ شَهِدُوا بَدْرًا مُعَوِّذٌ، وَمُعَاذٌ، وَعَوْفٌ وَأَحَدُهُمْ أَبُوهَا وَالْآخَرَانِ عَمَّاهَا أَطْلَقَتِ الْأُبُوَّةَ عَلَيْهِمَا تَغْلِيبًا.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ دَعِي هَذِهِ)؛ أَيِ اتْرُكِي مَا يَتَعَلَّقُ بِمَدْحِي الَّذِي فِيهِ الْإِطْرَاءُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ، زَادَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ: لَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللَّهُ، فَأَشَارَ إِلَى عِلَّةِ الْمَنْعِ.

قَوْلُهُ: (وَقُولِي بِالَّذِي كُنْتِ تَقُولِينَ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى جَوَازِ سَمَاعِ الْمَدْحِ وَالْمَرْثِيَةِ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ مُبَالَغَةٌ تُفْضِي إِلَى الْغُلُوِّ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ مَرَّ بِنِسَاءٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي عُرْسٍ لَهُنَّ وَهُنَّ يُغَنِّينَ:

وَأَهْدَى لَهَا كَبْشًا تَنَحْنَحَ فِي الْمِرْبَدِ … وَزَوْجُكِ فِي الْبَادِي وَتَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ

فَقَالَ: لَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِعْلَانُ النِّكَاحِ بِالدُّفِّ وَبِالْغِنَاءِ الْمُبَاحِ، وَفِيهِ إِقْبَالُ الْإِمَامِ إِلَى الْعُرْسِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ لَهْوٌ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَدِّ الْمُبَاحِ. وَفِيهِ جَوَازُ مَدْحِ الرَّجُلِ فِي وَجْهِهِ مَا لَمْ يَخْرُجْ إِلَى مَا لَيْسَ فِيهِ.

وَأَغْرَبَ ابْنُ التِّينِ فَقَالَ: إِنَّمَا نَهَاهَا؛ لِأَنَّ مَدْحَهُ حَقٌّ وَالْمَطْلُوبُ فِي النِّكَاحِ اللَّهْوُ، فَلَمَّا أَدْخَلَتِ الْجَدَّ فِي اللَّهْوِ مَنَعَهَا، كَذَا قَالَ، وَتَمَامُ الْخَبَرِ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ يَرُدُّ عَلَيْهِ، وَسِيَاقُ الْقِصَّةِ يُشْعِرُ بِأَنَّهُمَا لَوِ اسْتَمَرَّتَا عَلَى الْمَرَائي لَمْ يَنْهَهُمَا، وَغَالِبُ حُسْنِ الْمَرَائي جَدٌّ لَا لَهْوٌ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهَا مَا ذُكِرَ مِنَ الْإِطْرَاءِ حَيْثُ أَطْلَقَ عِلْمَ الْغَيْبِ لَهُ، وَهُوَ صِفَةٌ تَخْتَصُّ بِاللَّهِ تَعَالَى، كما قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ﴾ وَقَوْلُهُ لِنَبِيِّهِ: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ وَسَائِرُ مَا كَانَ النَّبِيُّ يُخْبِرُ بِهِ مِنَ الْغُيُوبِ بِإِعْلَامِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُ لَا أَنَّهُ يَسْتَقِلُّ بِعِلْمِ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَحْثِ في مَسْأَلَةِ الْغِنَاءِ فِي الْعُرْسِ بَعْدَ اثْنَيْ عَشَرَ بَابًا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥١٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ) بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة، ابن لاحقٍ البصرِيُّ، وفي نسخة بـ «اليونينية»: «عن بشر بن المفضَّل» قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ) أبو الحسنِ المدنيُّ (قَالَ: قَالَتِ (١) الرُّبَيِّعُ) بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد التحتية المكسورة (بِنْتُ مُعَوِّذِ ابْنِ عَفْرَاءَ) بكسر الواو المشددة بعدها ذال معجمة، والعَفْراءُ بفتح العين المهملة وسكون الفاء ممدودًا: (جَاءَ النَّبِيُّ فَدَخَلَ) وللحَمُّويي والكُشمِيهنيِّ: «يدخلُ» بصيغة المضارع (حِينَ بُنِيَ عَلَيَّ) وفي رواية حمَّاد بنِ سلمةَ عند ابن ماجه: «صبيحة عرسي» وكانت تزوَّجت إيَاس بن البكير اللَّيثيَّ (فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي) بكسر اللام، أي: مكانك، وقد كان من خصائصهِ جواز النَّظر للأجنبيَّة والخلوةِ بها (فَجَعَلَتْ جُوَيْرِيَاتٌ لَنَا) لم يقفْ الحافظ ابنُ حجر على تسميتهنَّ (يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ وَيَنْدُبْنَ) أي: يذكرنَ أوصاف (مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِي يَوْمَ بَدْرٍ) بالثَّناء عليهم، وتعديدِ محاسنهِم بالكرم والشَّجاعة ونحوهما، وكان الَّذي قتل يوم بدرٍ معوِّذ ابن عفراء وعوف ومعاذ، أحدهم أبوها، والآخران عمَّاها، فأُطلقت الأبوَّة عليهما تغليبًا (إِذْ) وثبت لفظ: «إذ» للكُشمِيهنيِّ (٢)، وفي «المغازي»: «حتَّى» [خ¦٤٠٠١] (قَالَتْ إِحْدَاهُنَّ) إحدى الجواري: (وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا) يكون (فِي غَدٍْ) بالسكون في «اليونينية» وفرعها، وبالخفض منونًا في غيرهما (٣) (فَقَالَ) لها النَّبيُّ : (دَعِي هَذِهِ) المقالة، فإنَّ مفاتيح الغيب عند الله لا يعلمها إلَّا هو، وأيضًا يحتمل أن يكون المنع (٤) أن يوصفَ (٥) في أثناء اللَّعب واللَّهو؛ إذ منصبه أجلُّ وأشرفُ من أن يذكر إلَّا في مجالس الجدِّ (وَقُولِي بِالَّذِي كُنْتِ تَقُولِينَ) من المدحِ والثَّناء، ففيه: جواز ذلك ما لم يفضِ إلى الغلوِّ.

وفي هذا الحديث: جواز ضربِ الدُّفِّ في النِّكاح، وقد قال الشَّافعيَّة بجوازِ اليراع والدُّفِّ، وإن كان فيه جلاجلُ في الإملاك والختان وغيرهما، وقيل: يحرم اليراعُ وهو المزمار العراقي، ويحرم الغناء مع الآلات ممَّا هو من شعارِ شاربي الخمر، كالطُّنبور وسائر المعازف، أي: الملاهي من الأوتارِ والمزامير، فيحرمُ استعماله واستماعهُ قصدًا، فلو لم يقصدْ لم يحرم، ولا يحرم الطَّبل إلَّا الكُوبة؛ وهو طبلٌ طويل متَّسع الطَّرفين ضيِّق الوسط، يعتادُ ضربه المخنَّثون، ولا يحرمُ ضرب الكفِّ بالكفِّ كما صرَّح به في «الإرشادِ» وغيره، ولا الرَّقص إلَّا أن يكون فيه تكسُّرٌ وتثنٍّ.

وهذا الحديث قد سبق في «غزوة بدرٍ» [خ¦٤٠٠١].

(٤٩) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: «﷿»: (﴿وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ﴾) مهورهنَّ (﴿نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]) من نحله كذا إذا أعطاهُ إيَّاهُ ووهبهُ له عن طيبةٍ من نفسهِ نحلة ونحلًا، وانتصابها على المصدرِ لأنَّ النِّحلةَ والإيتاء بمعنى الإعطاءِ، فكأنَّه قال: وانحلوا النِّساءَ صدقاتهنَّ نحلةً، أي: أعطوهنَّ مهورهنَّ (١) عن طيبةِ أنفسكم، قيل: النحلةُ لغة: الهبة من غير عوضٍ، والصَّداقُ تستحقُّهُ المرأةُ اتفاقًا لا على وجهِ التَّبرع من الزَّوج، وأُجيب بأنَّ أبا (٢) عبيدة قال: عن طيب نفسٍ بالفريضةِ. وتابعهُ ابن قُتيبةَ. وقال إِلكيا: الخطابُ في ﴿فَانكِحُواْ﴾ للأزواجِ، وإذا كان خطابًا لهم فإنَّما سماهُ عطيَّة ترغيبًا في إيفاءِ صداقِها، وقال بعضُهم: نحلةً اسمُ الصَّداقِ نفسه. وقال آخر: لأنَّ استمتاعه يقابلُ استمتاعَها به، فكان الصَّداقُ (٣) من هذه الجهةِ لا مقابل له ولذا لم يكن ركنًا في العقدِ (وَكَثْرَةِ المَهْرِ) بالجر عطفًا على سابقه (وَأَدْنَى) أقل (مَا يَجُوزُ مِنَ الصَّدَاقِ،

وَقَوْلِهِ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: «﷿»: (﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا﴾) قال في «الكشاف»: هو المالُ العظيمُ، من قنطرتُ الشَّيءَ إذا رفعتَهُ (﴿فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]) وقد روي أنَّ عمر قامَ خطيبًا فقال: أيُّها النَّاس، لا تغالُوا بصداقِ النِّساء، فلو كان مكرمةً في الدُّنيا أو تقوى (١) عند الله لكانَ أولاكم بها رسول الله ، ما أصدق امرأةً من نسائهِ أكثر من اثنتي عشرةَ أوقيَّةً، فقامتْ إليه امرأةٌ فقالتْ له: يا أميرَ المؤمنين، لمَ تمنعنا حقًّا جعلهُ اللهُ لنا، واللهُ يقولُ: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا﴾ فقال عمر: كلُّ أحدٍ أعلمُ من عمرَ، ثمَّ قال لأصحابه: تسمعونَني أقولُ مثل هذا فلا تنكرونهُ (٢) عليَّ حتى تردَّهُ عليَّ امرأةٌ ليست من أعلمِ النِّساءِ. ذكره الزَّمخشريُّ، ورواه عبد الرَّزَّاق من طريق أبي (٣) عبد الرَّحمن السُّلميِّ بلفظ: قال عمر: لا تغالُوا في مهورِ النِّساءِ، فقالت امرأةٌ: ليس ذلكَ لك يا عمر، إنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا﴾ (من ذهبٍ) قالوا: فكذلك هي (٤) في (٥) قراءةِ ابن مسعود، فقال عمر: امرأةٌ خاصمَت عمر فخصمتهُ (وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]) وزادَ أبو ذرٍّ: «﴿فَرِيضَةً﴾».

(وَقَالَ سَهْلٌ: قَالَ النَّبِيُّ ) في قصَّة الواهبةِ لمريدِ (٦) تزويجها: التمسْ (وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ) والآية الأولى دالَّةٌ لأكثرِ الصَّداقِ، والحديثُ لأدناه، وهل يتقدَّر أدناهُ أم لا؟ فمذهب الشَّافعيَّة والحنابلةِ أدنَى متموَّل لقوله : «التمِس ولَو خاتَمًا مِن حَدِيدٍ» والضَّابط: كل ما جازَ أن يكون ثمنًا، وعند الحنفيَّة عشرةُ دراهِمَ، والمالكيَّة ربعُ دينارٍ، فيستحبُّ عند الشَّافعيَّة والحنابلة أن لا ينقص عن عشرة دراهمَ خروجًا من خلاف أبي حنيفة، وأن لا يزيد على خمس مئةِ درهمٍ، كأصدقةِ بناتِ النَّبيِّ وزوجاتهِ، وأما إصداقُ (٧) أم حبيبةَ أربع مئة دينارٍ فكان من النَّجاشيِّ إكرامًا له ، ويستحبُّ أن يذكرَ المهرَ في العقدِ

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله