الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٢١١
الحديث رقم ٥٢١١ من كتاب «كتاب النكاح» في صحيح البخاري، تحت باب: باب القرعة بين النساء إذا أراد سفرا.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ الْمَرْأَةِ تَهَبُ يَوْمَهَا مِنْ زَوْجِهَا لِضَرَّتِهَا وَكَيْفَ يَُقْسَِمُ ذَلِكَ
٥٢١١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْخِيَارِ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ فِي قِصَّةِ حَرْبٍ عِنْدَ عُمَرَ وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ.
وَاخْتَلَفُوا فِي عِلَّةِ النَّهْيِ عَنِ الْعَزْلِ: فَقِيلَ: لِتَفْوِيتِ حَقِّ الْمَرْأَةِ، وَقِيلَ: لِمُعَانَدَةِ الْقَدَرِ، وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ مُعْظَمُ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ مَبْنِيٌّ عَلَى صِحَّةِ الْخَبَرِ الْمُفَرِّقِ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ. وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: مَوْضِعُ الْمَنْعِ أَنَّهُ يَنْزِعُ بِقَصْدِ الْإِنْزَالِ خَارِجِ الْفَرْجِ خَشْيَةَ الْعُلُوقِ وَمَتَى فُقِدَ ذَلِكَ لَمْ يُمْنَعُ، وَكَأَنَّهُ رَاعَى سَبَبَ الْمَنْعِ فَإِذَا فَقَدَ بَقِيَ أَصْلُ الْإِبَاحَةِ فَلَهُ أَنْ يَنْزِعَ مَتَى شَاءَ حَتَّى لَوْ نَزَعَ فَأَنْزَلَ خَارِجَ الْفَرْجِ اتِّفَاقًا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ النَّهْيُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُنْتَزَعُ مِنْ حُكْمِ الْعَزْلِ حُكْمُ مُعَالَجَةِ الْمَرْأَةِ إِسْقَاطَ النُّطْفَةِ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ، فَمَنْ قَالَ بِالْمَنْعِ هُنَاكَ فَفِي هَذِهِ أَوْلَى، وَمَنْ قَالَ بِالْجَوَازِ يُمْكِنُ أَنْ يَلْتِحَقَ بِهِ هَذَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّهُ أَشَدُّ لِأَنَّ الْعَزْلَ لَمْ يَقَعْ فِيهِ تَعَاطِي السَّبَبِ وَمُعَالَجَةُ السِّقْطِ تَقَعُ بَعْدَ تَعَاطِي السَّبَبِ، وَيَلْتَحِقُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَعَاطِي الْمَرْأَةِ مَا يَقْطَعُ الْحَبَلَ مِنْ أَصْلِهِ، وَقَدْ أَفْتَى بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ بِالْمَنْعِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَى قَوْلِهِمْ بِإِبَاحَةِ الْعَزْلِ مُطْلَقًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: وَأَصَبْنَا كَرَائِمَ الْعَرَبِ وَطَالَتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ وَأَرَدْنَا أَنْ نَسْتَمْتِعَ وَأَحْبَبْنَا الْفِدَاءَ لِمَنْ أَجَازَ اسْتِرْقَاقَ الْعَرَبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي بَابِ مَنْ مَلَكَ مِنَ الْعَرَبِ رَقِيقًا فِي كِتَابِ الْعِتْقِ، وَلِمَنْ أَجَازَ وَطْءَ الْمُشْرِكَاتِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لِأَنَّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ كَانُوا أَهْلَ أَوْثَانٍ، وَقَدِ انْفَصَلَ عَنْهُ مَنْ مَنَعَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ دَانَ بِدِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَهُوَ بَاطِلٌ، وَبِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ثُمَّ نُسِخَ، وَفِيهِ نَظَرٌ إِذِ النَّسْخُ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ، وَبِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الْمَسْبِيَّاتُ أَسْلَمْنَ قَبْلَ الْوَطْءِ وَهَذَا لَا يَتِمُّ مَعَ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: وَأَحْبَبْنَا الْفِدَاءَ، فَإِنَّ الْمُسْلِمَةَ لَا تُعَادُ لِلْمُشْرِكِ، نَعَمْ يُمْكِنُ حَمْلَ الْفِدَاءِ عَلَى مَعْنًى أَخَصَّ، وَهُوَ أَنَّهُنَّ يَفْدِينَ أَنْفُسَهُنَّ فَيُعْتَقْنَ مِنَ الرِّقِّ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ إِعَادَتُهُنَّ لِلْمُشْرِكِينَ، وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى إِرَادَةِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْفِدَاءَ الْمُتَخَوَّفَ مِنْ فَوْتِهِ هُوَ الثَّمَنُ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْحَمْلَ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا أَصَبْنَا سَبْيًا وَنُحِبُّ الْأَثْمَانَ فَكَيْفَ تَرَى فِي الْعَزْلِ؟ وَهَذَا أَقْوَى مِنْ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٩٧ - بَاب الْقُرْعَةِ بَيْنَ النِّسَاءِ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا
٥٢١١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أراد سفرا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَطَارَتْ الْقُرْعَةُ لِعَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ بِاللَّيْلِ سَارَ مَعَ عَائِشَةَ يَتَحَدَّثُ، فَقَالَتْ حَفْصَةُ: أَلَا تَرْكَبِينَ اللَّيْلَةَ بَعِيرِي وَأَرْكَبُ بَعِيرَكِ تَنْظُرِينَ وَأَنْظُرُ؟ فَقَالَتْ: بَلَى، فَرَكِبَتْ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى جَمَلِ عَائِشَةَ وَعَلَيْهِ حَفْصَةُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهَا ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلُوا وَافْتَقَدَتْهُ عَائِشَةُ، فَلَمَّا نَزَلُوا جَعَلَتْ رِجْلَيْهَا بَيْنَ الْإِذْخِرِ، وَتَقُولُ: يَا رَبِّ سَلِّطْ عَلَيَّ عَقْرَبًا أَوْ حَيَّةً تَلْدَغُنِي وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ لَهُ شَيْئًا.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْقُرْعَةِ بَيْنَ النِّسَاءِ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا) تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ فِي التَّفْسِيرِ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَيْضًا، وَسَاقَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ قِصَّةً أُخْرَى وَلَعَلَّهَا كَانَتْ أَيْضًا فِي تِلْكَ السَّفْرَةِ، وَلَكِنْ بَيَّنْتُ فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْإِفْكِ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ إِلَّا عَائِشَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْهِبَةِ وَالشَّهَادَاتِ مِثْلُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ حَدِيثٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا.
قَوْلُهُ (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ) هُوَ ابْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ يَرْوِي عَنْ عَائِشَةَ تَارَةً بِالْوَاسِطَةِ وَتَارَةً بِغَيْرِهَا.
قَوْلُهُ (إِذَا أَرَادَ سَفَرًا) مَفْهُومُهُ اخْتِصَاصُ الْقُرْعَةِ بِحَالَةِ السَّفَرِ، وَلَيْسَ عَلَى
عُمُومِهِ بَلْ لِتَعَيُّنِ الْقُرْعَةِ مَنْ يُسَافِرُ بِهَا، وَتَجْرِي الْقُرْعَةُ أَيْضًا فِيمَا إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْسِمَ بَيْنَ زَوْجَاتِهِ فَلَا يَبْدَأُ بِأَيِّهِنَّ شَاءَ بَلْ يَقْرَعُ بَيْنَهُنَّ فَيَبْدَأُ بِالَّتِي تَخْرُجُ لَهَا الْقُرْعَةُ، إِلَّا أَنْ يَرْضَيْنَ بِشَيْءٍ فَيَجُوزُ بِلَا قُرْعَةٍ.
قَوْلُهُ (أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ) زَادَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ: فَكَانَ إِذَا خَرَجَ سَهْمُ غَيْرِي عَرَفَ فِيهِ الْكَرَاهِيَةَ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْقُرْعَةِ فِي الْقِسْمَةِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الشَّهَادَاتِ، وَالْمَشْهُورُ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ عَدَمُ اعْتِبَارِ الْقُرْعَةِ، قَالَ عِيَاضٌ: هُوَ مَشْهُورٌ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْخَطَرِ وَالْقِمَارِ، وَحُكِيَ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ إِجَازَتُهَا اهـ، وَقَدْ قَالُوا بِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْبَابِ. وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّ بَعْضَ النِّسْوَةِ قَدْ تَكُونُ أَنْفَعُ فِي السَّفَرِ مِنْ غَيْرِهَا فَلَوْ خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لِلَّتِي لَا نَفْعَ بِهَا فِي السَّفَرِ لَأَضَرَّ بِحَالِ الرَّجُلِ، وَكَذَا بِالْعَكْسِ قَدْ يَكُونُ بَعْضُ النِّسَاءِ أَقْوَمَ بِبَيْتِ الرَّجُلِ مِنَ الْأُخْرَى، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَلِفَ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النِّسَاءِ، وَتَخْتَصُّ مَشْرُوعِيَّةُ الْقُرْعَةِ بِمَا إِذَا اتَّفَقَتْ أَحْوَالُهُنَّ لِئَلَّا تَخْرُجَ وَاحِدَةٌ مَعَهُ فَيَكُونُ تَرْجِيحًا بِغَيْرِ مُرَجِّحٍ اهـ. وَفِيهِ مُرَاعَاةٌ لِلْمَذْهَبِ مَعَ الْأَمْنِ مِنْ رَدِّ الْحَدِيثِ أَصْلًا لِحَمْلِهِ عَلَى التَّخْصِيصِ، فَكَأَنَّهُ خَصَّصَ الْعُمُومَ بِالْمَعْنَى.
قَوْلُهُ (فَطَارَتِ الْقُرْعَةُ لِعَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ) أَيْ فِي سَفْرَةٍ مِنَ السَّفْرَاتِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهَا طَارَتْ أَيْ حَصَلَتْ، وَطَيْرُ كُلِّ إِنْسَانٍ نَصِيبُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ قَوْلُ أُمِّ الْعَلَاءِ لَمَّا اقْتَسَمَ الْأَنْصَارُ الْمُهَاجِرِينَ قَالَتْ: وَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ أَيْ حَصَلَ فِي نَصِيبِنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ.
قَوْلُهُ (وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ بِاللَّيْلِ سَارَ مَعَ عَائِشَةَ يَتَحَدَّثُ) اسْتَدَلَّ بِهِ الْمُهَلَّبُ عَلَى أَنَّ الْقَسْمَ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِأَنَّ عِمَادَ الْقَسْمِ اللَّيْلُ فِي الْحَضَرِ، وَأَمَّا فِي السَّفَرِ فَعِمَادُ الْقَسْمِ فِيهِ النُّزُولُ، وَأَمَّا حَالَةُ السَّيْرِ فَلَيْسَتْ مِنْهُ لَا لَيْلًا وَلَا نَهَارًا، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ، وَالْبَيْهَقِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: قَلَّ يَوْمٌ إِلَّا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيعًا فَيُقَبِّلُ وَيَلْمِسُ مَا دُونَ الْوِقَاعِ، فَإِذَا جَاءَ إِلَى الَّتِي هُوَ يَوْمُهَا بَاتَ عِنْدَهَا.
قَوْلُهُ (فَقَالَتْ حَفْصَةُ) أَيْ لِعَائِشَةَ.
قَوْلُهُ (أَلَا تَرْكَبِينَ اللَّيْلَةَ بَعِيرِي إِلَخْ) كَأَنَّ عَائِشَةَ أَجَابَتْ إِلَى ذَلِكَ لِمَا شَوَّقَتْهَا إِلَيْهِ مِنَ النَّظَرِ إِلَى مَا لَمْ تَكُنْ هِيَ تَنْظُرُ، وَهَذَا مُشْعِرٌ بِأَنَّهُمَا لَمْ يَكُونَا حَالَ السَّيْرِ مُتَقَارِبَتَيْنِ بَلْ كَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِنْ جِهَةٍ كَمَا جَرَتِ الْعَادَةُ مِنْ السَّيْرِ قِطَارَيْنِ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَتَا مَعًا لَمْ تَخْتَصَّ إِحْدَاهُمَا بِنَظَرِ مَا لَمْ تَنْظُرْهُ الْأُخْرَى، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُرِيدَ بِالنَّظَرِ وَطْأَةَ الْبَعِيرِ وَجَوْدَةَ سَيْرِهِ.
قَوْلُهُ (فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى جَمَلِ عَائِشَةَ وَعَلَيْهِ) فِي رِوَايَةٍ حَكَاهَا الْكِرْمَانِيُّ وَعَلَيْهَا وَكَأَنَّهُ عَلَى إِرَادَةِ النَّاقَةِ.
قَوْلُهُ (فَسَلَّمَ عَلَيْهَا) لَمْ يَذْكُرْ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ تَحَدَّثَ مَعَهَا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أُلْهِمَ مَا وَقَعَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ ذَلِكَ اتِّفَاقًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَحَدَّثَ وَلَمْ يُنْقَلْ.
قَوْلُهُ (وَافْتَقَدَتْهُ عَائِشَةُ) أَيْ حَالَةَ الْمُسَايَرَةِ، لِأَنَّ قَطْعَ الْمَأْلُوفِ صَعْبٌ.
قَوْلُهُ (فَلَمَّا نَزَلُوا جَعَلَتْ رِجْلَيْهَا بَيْنَ الْإِذْخَرِ) كَأَنَّهَا لَمَّا عَرَفَتْ أَنَّهَا الْجَانِيَةُ فِيمَا أَجَابَتْ إِلَيْهِ حَفْصَةَ عَاتَبَتْ نَفْسَهَا عَلَى تِلْكَ الْجِنَايَةِ. وَالْإِذْخَرُ نَبْتٌ مَعْرُوفٌ تُوجَدُ فِيهِ الْهَوَامُّ غَالِبًا فِي الْبَرِّيَّةِ.
قَوْلُهُ (وَتَقُولُ رَبِّ سَلِّطْ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي يَا رَبِّ سَلِّطْ بِإِثْبَاتِ حَرْفِ النِّدَاءِ وَهِيَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ.
قَوْلُهُ (تَلْدَغُنِي) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ.
قَوْلُهُ (وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ لَهُ شَيْئًا) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ كَلَامُ حَفْصَةَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَلَامَ عَائِشَةَ، وَلَمْ يَظْهَرْ لِي هَذَا الظَّاهِرُ بَلْ هُوَ كَلَامُ عَائِشَةَ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فِي جَمِيعِ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ طُرُقِهِ إِلَّا مَا سَأَذْكُرُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ تَلْدَغُنِي: رَسُولُكِ لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ لَهُ شَيْئًا وَرَسُولُكِ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هُوَ رَسُولُكِ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى تَقْدِيرِ فِعْلٍ، وَإِنَّمَا لَمْ تَتَعَرَّضْ لِحَفْصَةَ لِأَنَّهَا هيَ الَّتِي أَجَابَتْهَا طَائِعَةً فَعَادَتْ عَلَى نَفْسِهَا بِاللَّوْمِ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ شَيْخِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
يلتحقَ به هذا، ويمكن أن يفرَّق بأنَّه أشدُّ لأنَّ العزل لم يقع فيه تعاطي السَّبب، ومعالجة السِّقْطِ تقعُ بعد تعاطي (١) السَّبب، ويلتحقُ بهذه المسألة تعاطي المرأة ما يقطعُ الحبلَ من أصله، وقد أفتى بعض متأخِّري الشَّافعيَّة بالمنع، وهو مشكلٌ على القول بإباحةِ العزل مطلقًا.
وهذا الحديث سبق في «البيوع» [خ¦٢٢٢٩].
(٩٧) (بابُ القُرْعَةِ بَيْنَ النِّسَاءِ إِذَا أَرَادَ) الرَّجل (سَفَرًا) وأراد أخذَ إحدى زوجاتهِ معه.
٥٢١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ) المخزوميُّ المكيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبدُ الله (عَنِ القَاسِمِ) بنِ محمَّد بنِ أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ) إلى سفرٍ (أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ) فأيتهنَّ خرج سهمها خرج بها معه (فَطَارَتِ القُرْعَةُ) أي: حصلت (لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ بِاللَّيْلِ سَارَ مَعَ عَائِشَةَ) حال كونه (يَتَحَدَّثُ) معها (فَقَالَتْ حَفْصَةُ) أي: لعائشةَ لما حصل لها من الغيرةِ: (أَلَا) بتخفيف اللام (تَرْكَبِينَ اللَّيْلَةَ) هذه (بَعِيرِي وَأَرْكَبُ بَعِيرَكِ، تَنْظُرِينَ) إلى ما لم تنظري إليه (وَأَنْظُرُ؟) أنا إلى ما لم أكن نظرتهُ (فَقَالَتْ) لها عائشة لما شوَّقتها إليه من النَّظر: (بَلَى، فَرَكِبَتْ) كلُّ واحدةٍ منهما بعيرَ الأخرى (فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى جَمَلِ عَائِشَةَ) يظنُّها عليه (وَعَلَيْهِ حَفْصَةُ فَسَلَّمَ عَلَيْهَا) ولم يذكر في هذه الرِّواية أنَّه تحدَّث معها (ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلُوا، وَافْتَقَدَتْهُ) ﵊ (عَائِشَةُ) ﵂ حالة المسايرةِ (فَلَمَّا نَزَلُوا جَعَلَتْ) عائشة (رِجْلَيْهَا بَيْنَ الإِذْخِرِ) بالذال المعجمة، الحشيش
الطَّيب الرِّيح المعروف، تكون فيه الهوام في البريَّة غالبًا (وَتَقُولُ: يَا رَبِّ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشمِيهنيِّ (١): «ربِّ» بإسقاط حرف النِّداء (سَلِّطْ عَلَيَّ عَقْرَبًا أَوْ حَيَّةً تَلْدَغُنِي) بالدال المهملة والغين المعجمة. قالت ذلك لأنَّها عرفت أنَّها الجانيةُ فيما أجابت إليه حفصةَ (وَلَا أَسْتَطِيعُ) أي: قالت عائشةُ: ولا أستطيعُ (أَنْ أَقُولَ لَهُ) ﷺ (شَيْئًا) أي: لأنَّه ما (٢) كان يعذرني في ذلك، ولمسلم بعد قوله: تلدَغني: «رسولكَ لا أستطيع أن أقول له شيئًا»، أي: هو رسولُكَ. وعند الإسماعيليِّ: «ورسول الله ﷺ ينظرُ، ولا أستطيعُ أن أقول له شيئًا» أي: لا تستطيعُ أن تقول في حقِّه شيئًا، ولم تتعرَّض لحفصة لأنَّها هي الَّتي أجابَتها طائعةً، فعادتْ على نفسها باللَّوم.
وفي الحديث مشروعيَّة القرعةِ فيما ذكر. وقال أصحابُنا: لا يجوز للزَّوجِ السَّفرُ ببعضِ أزواجه إلَّا بالقرعةِ إذا تنازعنَ، وإذا سافرَ بإحداهنَّ بها (٣) فلا قضاءَ عليه؛ إذ لم يُنْقلْ عنه ﷺ قضاءٌ بعد عوده، فصار سقوط القضاءِ من رُخَص السَّفر، ولأنَّ المسافرةَ معه وإن فازت بصحبتهِ فقد تعبت بالسَّفرِ ومشاقِّه، وهذا في سفرٍ مباحٍ ولو كان قصيرًا، أمَّا غير المباحِ فليس له أن يسافرَ بها فيه بقرعةٍ ولا بغيرها، فإن سافرَ بها حرمَ ولزمه القضاءُ للباقياتِ، وإذا (٤) نوى الإقامةَ بمقصدهِ أو بمحلٍّ آخر في طريقه مدَّةً تقطعُ التَّرخُّصَ للمسافرِ؛ وهي أربعة أيَّام غير يومي الدُّخول والخروج وجب القضاءُ، وإن أقام (٥) في مقصدهِ أو غيره من غير نيَّةٍ قضى الزَّائد على مدَّة تَرَخُّصِ السَّفر، فلو أقام لشغلٍ ينتظرُ تَنَجُّزه في كلِّ ساعةٍ فلا يقضي إلى أن تمضي ثمانية عشر يومًا، وإن سافر ببعضهنَّ لنقلة حَرُمَ عليه، وقضى للباقيات، والمشهور عن المالكيَّة والحنفيَّة عدم اعتبارِ القرعةِ.
وهذا الحديثُ أخرجه مسلم في «الفضائل»، والنَّسائيُّ في «عِشرة النِّساء».
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْخِيَارِ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ فِي قِصَّةِ حَرْبٍ عِنْدَ عُمَرَ وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ.
وَاخْتَلَفُوا فِي عِلَّةِ النَّهْيِ عَنِ الْعَزْلِ: فَقِيلَ: لِتَفْوِيتِ حَقِّ الْمَرْأَةِ، وَقِيلَ: لِمُعَانَدَةِ الْقَدَرِ، وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ مُعْظَمُ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ مَبْنِيٌّ عَلَى صِحَّةِ الْخَبَرِ الْمُفَرِّقِ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ. وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: مَوْضِعُ الْمَنْعِ أَنَّهُ يَنْزِعُ بِقَصْدِ الْإِنْزَالِ خَارِجِ الْفَرْجِ خَشْيَةَ الْعُلُوقِ وَمَتَى فُقِدَ ذَلِكَ لَمْ يُمْنَعُ، وَكَأَنَّهُ رَاعَى سَبَبَ الْمَنْعِ فَإِذَا فَقَدَ بَقِيَ أَصْلُ الْإِبَاحَةِ فَلَهُ أَنْ يَنْزِعَ مَتَى شَاءَ حَتَّى لَوْ نَزَعَ فَأَنْزَلَ خَارِجَ الْفَرْجِ اتِّفَاقًا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ النَّهْيُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُنْتَزَعُ مِنْ حُكْمِ الْعَزْلِ حُكْمُ مُعَالَجَةِ الْمَرْأَةِ إِسْقَاطَ النُّطْفَةِ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ، فَمَنْ قَالَ بِالْمَنْعِ هُنَاكَ فَفِي هَذِهِ أَوْلَى، وَمَنْ قَالَ بِالْجَوَازِ يُمْكِنُ أَنْ يَلْتِحَقَ بِهِ هَذَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّهُ أَشَدُّ لِأَنَّ الْعَزْلَ لَمْ يَقَعْ فِيهِ تَعَاطِي السَّبَبِ وَمُعَالَجَةُ السِّقْطِ تَقَعُ بَعْدَ تَعَاطِي السَّبَبِ، وَيَلْتَحِقُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَعَاطِي الْمَرْأَةِ مَا يَقْطَعُ الْحَبَلَ مِنْ أَصْلِهِ، وَقَدْ أَفْتَى بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ بِالْمَنْعِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَى قَوْلِهِمْ بِإِبَاحَةِ الْعَزْلِ مُطْلَقًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: وَأَصَبْنَا كَرَائِمَ الْعَرَبِ وَطَالَتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ وَأَرَدْنَا أَنْ نَسْتَمْتِعَ وَأَحْبَبْنَا الْفِدَاءَ لِمَنْ أَجَازَ اسْتِرْقَاقَ الْعَرَبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي بَابِ مَنْ مَلَكَ مِنَ الْعَرَبِ رَقِيقًا فِي كِتَابِ الْعِتْقِ، وَلِمَنْ أَجَازَ وَطْءَ الْمُشْرِكَاتِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لِأَنَّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ كَانُوا أَهْلَ أَوْثَانٍ، وَقَدِ انْفَصَلَ عَنْهُ مَنْ مَنَعَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ دَانَ بِدِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَهُوَ بَاطِلٌ، وَبِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ثُمَّ نُسِخَ، وَفِيهِ نَظَرٌ إِذِ النَّسْخُ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ، وَبِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الْمَسْبِيَّاتُ أَسْلَمْنَ قَبْلَ الْوَطْءِ وَهَذَا لَا يَتِمُّ مَعَ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: وَأَحْبَبْنَا الْفِدَاءَ، فَإِنَّ الْمُسْلِمَةَ لَا تُعَادُ لِلْمُشْرِكِ، نَعَمْ يُمْكِنُ حَمْلَ الْفِدَاءِ عَلَى مَعْنًى أَخَصَّ، وَهُوَ أَنَّهُنَّ يَفْدِينَ أَنْفُسَهُنَّ فَيُعْتَقْنَ مِنَ الرِّقِّ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ إِعَادَتُهُنَّ لِلْمُشْرِكِينَ، وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى إِرَادَةِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْفِدَاءَ الْمُتَخَوَّفَ مِنْ فَوْتِهِ هُوَ الثَّمَنُ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْحَمْلَ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا أَصَبْنَا سَبْيًا وَنُحِبُّ الْأَثْمَانَ فَكَيْفَ تَرَى فِي الْعَزْلِ؟ وَهَذَا أَقْوَى مِنْ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٩٧ - بَاب الْقُرْعَةِ بَيْنَ النِّسَاءِ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا
٥٢١١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أراد سفرا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَطَارَتْ الْقُرْعَةُ لِعَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ بِاللَّيْلِ سَارَ مَعَ عَائِشَةَ يَتَحَدَّثُ، فَقَالَتْ حَفْصَةُ: أَلَا تَرْكَبِينَ اللَّيْلَةَ بَعِيرِي وَأَرْكَبُ بَعِيرَكِ تَنْظُرِينَ وَأَنْظُرُ؟ فَقَالَتْ: بَلَى، فَرَكِبَتْ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى جَمَلِ عَائِشَةَ وَعَلَيْهِ حَفْصَةُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهَا ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلُوا وَافْتَقَدَتْهُ عَائِشَةُ، فَلَمَّا نَزَلُوا جَعَلَتْ رِجْلَيْهَا بَيْنَ الْإِذْخِرِ، وَتَقُولُ: يَا رَبِّ سَلِّطْ عَلَيَّ عَقْرَبًا أَوْ حَيَّةً تَلْدَغُنِي وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ لَهُ شَيْئًا.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْقُرْعَةِ بَيْنَ النِّسَاءِ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا) تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ فِي التَّفْسِيرِ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَيْضًا، وَسَاقَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ قِصَّةً أُخْرَى وَلَعَلَّهَا كَانَتْ أَيْضًا فِي تِلْكَ السَّفْرَةِ، وَلَكِنْ بَيَّنْتُ فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْإِفْكِ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ إِلَّا عَائِشَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْهِبَةِ وَالشَّهَادَاتِ مِثْلُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ حَدِيثٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا.
قَوْلُهُ (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ) هُوَ ابْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ يَرْوِي عَنْ عَائِشَةَ تَارَةً بِالْوَاسِطَةِ وَتَارَةً بِغَيْرِهَا.
قَوْلُهُ (إِذَا أَرَادَ سَفَرًا) مَفْهُومُهُ اخْتِصَاصُ الْقُرْعَةِ بِحَالَةِ السَّفَرِ، وَلَيْسَ عَلَى
عُمُومِهِ بَلْ لِتَعَيُّنِ الْقُرْعَةِ مَنْ يُسَافِرُ بِهَا، وَتَجْرِي الْقُرْعَةُ أَيْضًا فِيمَا إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْسِمَ بَيْنَ زَوْجَاتِهِ فَلَا يَبْدَأُ بِأَيِّهِنَّ شَاءَ بَلْ يَقْرَعُ بَيْنَهُنَّ فَيَبْدَأُ بِالَّتِي تَخْرُجُ لَهَا الْقُرْعَةُ، إِلَّا أَنْ يَرْضَيْنَ بِشَيْءٍ فَيَجُوزُ بِلَا قُرْعَةٍ.
قَوْلُهُ (أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ) زَادَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ: فَكَانَ إِذَا خَرَجَ سَهْمُ غَيْرِي عَرَفَ فِيهِ الْكَرَاهِيَةَ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْقُرْعَةِ فِي الْقِسْمَةِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الشَّهَادَاتِ، وَالْمَشْهُورُ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ عَدَمُ اعْتِبَارِ الْقُرْعَةِ، قَالَ عِيَاضٌ: هُوَ مَشْهُورٌ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْخَطَرِ وَالْقِمَارِ، وَحُكِيَ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ إِجَازَتُهَا اهـ، وَقَدْ قَالُوا بِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْبَابِ. وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّ بَعْضَ النِّسْوَةِ قَدْ تَكُونُ أَنْفَعُ فِي السَّفَرِ مِنْ غَيْرِهَا فَلَوْ خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لِلَّتِي لَا نَفْعَ بِهَا فِي السَّفَرِ لَأَضَرَّ بِحَالِ الرَّجُلِ، وَكَذَا بِالْعَكْسِ قَدْ يَكُونُ بَعْضُ النِّسَاءِ أَقْوَمَ بِبَيْتِ الرَّجُلِ مِنَ الْأُخْرَى، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَلِفَ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النِّسَاءِ، وَتَخْتَصُّ مَشْرُوعِيَّةُ الْقُرْعَةِ بِمَا إِذَا اتَّفَقَتْ أَحْوَالُهُنَّ لِئَلَّا تَخْرُجَ وَاحِدَةٌ مَعَهُ فَيَكُونُ تَرْجِيحًا بِغَيْرِ مُرَجِّحٍ اهـ. وَفِيهِ مُرَاعَاةٌ لِلْمَذْهَبِ مَعَ الْأَمْنِ مِنْ رَدِّ الْحَدِيثِ أَصْلًا لِحَمْلِهِ عَلَى التَّخْصِيصِ، فَكَأَنَّهُ خَصَّصَ الْعُمُومَ بِالْمَعْنَى.
قَوْلُهُ (فَطَارَتِ الْقُرْعَةُ لِعَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ) أَيْ فِي سَفْرَةٍ مِنَ السَّفْرَاتِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهَا طَارَتْ أَيْ حَصَلَتْ، وَطَيْرُ كُلِّ إِنْسَانٍ نَصِيبُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ قَوْلُ أُمِّ الْعَلَاءِ لَمَّا اقْتَسَمَ الْأَنْصَارُ الْمُهَاجِرِينَ قَالَتْ: وَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ أَيْ حَصَلَ فِي نَصِيبِنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ.
قَوْلُهُ (وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ بِاللَّيْلِ سَارَ مَعَ عَائِشَةَ يَتَحَدَّثُ) اسْتَدَلَّ بِهِ الْمُهَلَّبُ عَلَى أَنَّ الْقَسْمَ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِأَنَّ عِمَادَ الْقَسْمِ اللَّيْلُ فِي الْحَضَرِ، وَأَمَّا فِي السَّفَرِ فَعِمَادُ الْقَسْمِ فِيهِ النُّزُولُ، وَأَمَّا حَالَةُ السَّيْرِ فَلَيْسَتْ مِنْهُ لَا لَيْلًا وَلَا نَهَارًا، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ، وَالْبَيْهَقِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: قَلَّ يَوْمٌ إِلَّا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيعًا فَيُقَبِّلُ وَيَلْمِسُ مَا دُونَ الْوِقَاعِ، فَإِذَا جَاءَ إِلَى الَّتِي هُوَ يَوْمُهَا بَاتَ عِنْدَهَا.
قَوْلُهُ (فَقَالَتْ حَفْصَةُ) أَيْ لِعَائِشَةَ.
قَوْلُهُ (أَلَا تَرْكَبِينَ اللَّيْلَةَ بَعِيرِي إِلَخْ) كَأَنَّ عَائِشَةَ أَجَابَتْ إِلَى ذَلِكَ لِمَا شَوَّقَتْهَا إِلَيْهِ مِنَ النَّظَرِ إِلَى مَا لَمْ تَكُنْ هِيَ تَنْظُرُ، وَهَذَا مُشْعِرٌ بِأَنَّهُمَا لَمْ يَكُونَا حَالَ السَّيْرِ مُتَقَارِبَتَيْنِ بَلْ كَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِنْ جِهَةٍ كَمَا جَرَتِ الْعَادَةُ مِنْ السَّيْرِ قِطَارَيْنِ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَتَا مَعًا لَمْ تَخْتَصَّ إِحْدَاهُمَا بِنَظَرِ مَا لَمْ تَنْظُرْهُ الْأُخْرَى، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُرِيدَ بِالنَّظَرِ وَطْأَةَ الْبَعِيرِ وَجَوْدَةَ سَيْرِهِ.
قَوْلُهُ (فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى جَمَلِ عَائِشَةَ وَعَلَيْهِ) فِي رِوَايَةٍ حَكَاهَا الْكِرْمَانِيُّ وَعَلَيْهَا وَكَأَنَّهُ عَلَى إِرَادَةِ النَّاقَةِ.
قَوْلُهُ (فَسَلَّمَ عَلَيْهَا) لَمْ يَذْكُرْ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ تَحَدَّثَ مَعَهَا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أُلْهِمَ مَا وَقَعَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ ذَلِكَ اتِّفَاقًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَحَدَّثَ وَلَمْ يُنْقَلْ.
قَوْلُهُ (وَافْتَقَدَتْهُ عَائِشَةُ) أَيْ حَالَةَ الْمُسَايَرَةِ، لِأَنَّ قَطْعَ الْمَأْلُوفِ صَعْبٌ.
قَوْلُهُ (فَلَمَّا نَزَلُوا جَعَلَتْ رِجْلَيْهَا بَيْنَ الْإِذْخَرِ) كَأَنَّهَا لَمَّا عَرَفَتْ أَنَّهَا الْجَانِيَةُ فِيمَا أَجَابَتْ إِلَيْهِ حَفْصَةَ عَاتَبَتْ نَفْسَهَا عَلَى تِلْكَ الْجِنَايَةِ. وَالْإِذْخَرُ نَبْتٌ مَعْرُوفٌ تُوجَدُ فِيهِ الْهَوَامُّ غَالِبًا فِي الْبَرِّيَّةِ.
قَوْلُهُ (وَتَقُولُ رَبِّ سَلِّطْ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي يَا رَبِّ سَلِّطْ بِإِثْبَاتِ حَرْفِ النِّدَاءِ وَهِيَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ.
قَوْلُهُ (تَلْدَغُنِي) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ.
قَوْلُهُ (وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ لَهُ شَيْئًا) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ كَلَامُ حَفْصَةَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَلَامَ عَائِشَةَ، وَلَمْ يَظْهَرْ لِي هَذَا الظَّاهِرُ بَلْ هُوَ كَلَامُ عَائِشَةَ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فِي جَمِيعِ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ طُرُقِهِ إِلَّا مَا سَأَذْكُرُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ تَلْدَغُنِي: رَسُولُكِ لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ لَهُ شَيْئًا وَرَسُولُكِ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هُوَ رَسُولُكِ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى تَقْدِيرِ فِعْلٍ، وَإِنَّمَا لَمْ تَتَعَرَّضْ لِحَفْصَةَ لِأَنَّهَا هيَ الَّتِي أَجَابَتْهَا طَائِعَةً فَعَادَتْ عَلَى نَفْسِهَا بِاللَّوْمِ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ شَيْخِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
يلتحقَ به هذا، ويمكن أن يفرَّق بأنَّه أشدُّ لأنَّ العزل لم يقع فيه تعاطي السَّبب، ومعالجة السِّقْطِ تقعُ بعد تعاطي (١) السَّبب، ويلتحقُ بهذه المسألة تعاطي المرأة ما يقطعُ الحبلَ من أصله، وقد أفتى بعض متأخِّري الشَّافعيَّة بالمنع، وهو مشكلٌ على القول بإباحةِ العزل مطلقًا.
وهذا الحديث سبق في «البيوع» [خ¦٢٢٢٩].
(٩٧) (بابُ القُرْعَةِ بَيْنَ النِّسَاءِ إِذَا أَرَادَ) الرَّجل (سَفَرًا) وأراد أخذَ إحدى زوجاتهِ معه.
٥٢١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ) المخزوميُّ المكيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبدُ الله (عَنِ القَاسِمِ) بنِ محمَّد بنِ أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ) إلى سفرٍ (أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ) فأيتهنَّ خرج سهمها خرج بها معه (فَطَارَتِ القُرْعَةُ) أي: حصلت (لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ بِاللَّيْلِ سَارَ مَعَ عَائِشَةَ) حال كونه (يَتَحَدَّثُ) معها (فَقَالَتْ حَفْصَةُ) أي: لعائشةَ لما حصل لها من الغيرةِ: (أَلَا) بتخفيف اللام (تَرْكَبِينَ اللَّيْلَةَ) هذه (بَعِيرِي وَأَرْكَبُ بَعِيرَكِ، تَنْظُرِينَ) إلى ما لم تنظري إليه (وَأَنْظُرُ؟) أنا إلى ما لم أكن نظرتهُ (فَقَالَتْ) لها عائشة لما شوَّقتها إليه من النَّظر: (بَلَى، فَرَكِبَتْ) كلُّ واحدةٍ منهما بعيرَ الأخرى (فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى جَمَلِ عَائِشَةَ) يظنُّها عليه (وَعَلَيْهِ حَفْصَةُ فَسَلَّمَ عَلَيْهَا) ولم يذكر في هذه الرِّواية أنَّه تحدَّث معها (ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلُوا، وَافْتَقَدَتْهُ) ﵊ (عَائِشَةُ) ﵂ حالة المسايرةِ (فَلَمَّا نَزَلُوا جَعَلَتْ) عائشة (رِجْلَيْهَا بَيْنَ الإِذْخِرِ) بالذال المعجمة، الحشيش
الطَّيب الرِّيح المعروف، تكون فيه الهوام في البريَّة غالبًا (وَتَقُولُ: يَا رَبِّ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشمِيهنيِّ (١): «ربِّ» بإسقاط حرف النِّداء (سَلِّطْ عَلَيَّ عَقْرَبًا أَوْ حَيَّةً تَلْدَغُنِي) بالدال المهملة والغين المعجمة. قالت ذلك لأنَّها عرفت أنَّها الجانيةُ فيما أجابت إليه حفصةَ (وَلَا أَسْتَطِيعُ) أي: قالت عائشةُ: ولا أستطيعُ (أَنْ أَقُولَ لَهُ) ﷺ (شَيْئًا) أي: لأنَّه ما (٢) كان يعذرني في ذلك، ولمسلم بعد قوله: تلدَغني: «رسولكَ لا أستطيع أن أقول له شيئًا»، أي: هو رسولُكَ. وعند الإسماعيليِّ: «ورسول الله ﷺ ينظرُ، ولا أستطيعُ أن أقول له شيئًا» أي: لا تستطيعُ أن تقول في حقِّه شيئًا، ولم تتعرَّض لحفصة لأنَّها هي الَّتي أجابَتها طائعةً، فعادتْ على نفسها باللَّوم.
وفي الحديث مشروعيَّة القرعةِ فيما ذكر. وقال أصحابُنا: لا يجوز للزَّوجِ السَّفرُ ببعضِ أزواجه إلَّا بالقرعةِ إذا تنازعنَ، وإذا سافرَ بإحداهنَّ بها (٣) فلا قضاءَ عليه؛ إذ لم يُنْقلْ عنه ﷺ قضاءٌ بعد عوده، فصار سقوط القضاءِ من رُخَص السَّفر، ولأنَّ المسافرةَ معه وإن فازت بصحبتهِ فقد تعبت بالسَّفرِ ومشاقِّه، وهذا في سفرٍ مباحٍ ولو كان قصيرًا، أمَّا غير المباحِ فليس له أن يسافرَ بها فيه بقرعةٍ ولا بغيرها، فإن سافرَ بها حرمَ ولزمه القضاءُ للباقياتِ، وإذا (٤) نوى الإقامةَ بمقصدهِ أو بمحلٍّ آخر في طريقه مدَّةً تقطعُ التَّرخُّصَ للمسافرِ؛ وهي أربعة أيَّام غير يومي الدُّخول والخروج وجب القضاءُ، وإن أقام (٥) في مقصدهِ أو غيره من غير نيَّةٍ قضى الزَّائد على مدَّة تَرَخُّصِ السَّفر، فلو أقام لشغلٍ ينتظرُ تَنَجُّزه في كلِّ ساعةٍ فلا يقضي إلى أن تمضي ثمانية عشر يومًا، وإن سافر ببعضهنَّ لنقلة حَرُمَ عليه، وقضى للباقيات، والمشهور عن المالكيَّة والحنفيَّة عدم اعتبارِ القرعةِ.
وهذا الحديثُ أخرجه مسلم في «الفضائل»، والنَّسائيُّ في «عِشرة النِّساء».