الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٢١٢
الحديث رقم ٥٢١٢ من كتاب «كتاب النكاح» في صحيح البخاري، تحت باب: باب المرأة تهب يومها من زوجها لضرتها وكيف يقسم ذلك.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗٣٤⦘
وَيَوْمِ سَوْدَةَ.»
بَابُ الْعَدْلِ بَيْنَ النِّسَاءِ ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَاسِعًا حَكِيمًا﴾
٥٢١٢ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ،
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْبُخَارِيِّ فِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِ تَلْدَغُنِي: وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ لَهُ شَيْئًا وَعَلَى هَذَا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْقَوْلِ فِي قَوْلِهَا أَنْ أَقُولَ أَيْ أَحْكِيَ لَهُ الْوَاقِعَةَ لِأَنَّهُ مَا كَانَ يَعْذُرُنِي فِي ذَلِكَ، وَظَاهِرُ رِوَايَةِ غَيْرِهِ تُفْهِمُ أَنَّ مُرَادَهَا بِالْقَوْلِ أَنَّهَا لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُولَ فِي حَقِّهِ شَيْئًا كَمَا تَقَدَّمَ.
قَالَ الدَّاوُدِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْمُسَايَرَةُ فِي لَيْلَةِ عَائِشَةَ وَلِذَلِكَ غَلَبَتْ عَلَيْهَا الْغَيْرَةُ فَدَعَتْ عَلَى نَفْسِهَا بِالْمَوْتِ، وَيُعَقَّبُ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ يُوجِبُ الْقَسْمَ فِي الْمُسَايَرَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِذْ لَوْ كَانَ لَمَا كَانَ يَخُصُّ عَائِشَةَ بِالْمُسَايَرَةِ دُونَ حَفْصَةَ حَتَّى تَحْتَاجَ حَفْصَةُ تَتَحَيَّلُ عَلَى عَائِشَةَ، وَلَا يُتَّجَهُ الْقَسْمُ فِي حَالَةِ السَّيْرِ إِلَّا إِذَا كَانَتِ الْخَلْوَةُ لَا تَحْصُلُ إِلَّا فِيهِ بِأَنْ يَرْكَبَ مَعَهَا فِي الْهَوْدَجِ وَعِنْدَ النُّزُولِ يَجْتَمِعُ الْكُلُّ فِي الْخَيْمَةِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ عِمَادُ الْقَسْمِ السَّيْرَ، أَمَّا الْمُسَايَرَةُ فَلَا، وَهَذَا كُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْقَسْمَ كَانَ وَاجِبًا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ مُعْظَمُ الْأَخْبَارِ، وَيُؤَيِّدُ الْقَوْلَ بِالْقُرْعَةِ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مُدَّةِ السَّفَرِ لَا يُحَاسِبُ بِهَا الْمُقِيمَةَ بَلْ يَبْتَدِئُ إِذَا رَجَعَ بِالْقَسْمِ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ، فَلَوْ سَافَرَ بِمَنْ شَاءَ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ فَقَدَّمَ بَعْضَهُنَّ فِي الْقَسْمِ لَلَزِمَ مِنْهُ إِذَا رَجَعَ أَنْ يُوَفِّيَ مَنْ تَخَلَّفَ حَقُّهَا، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجِبُ، فَظَهَرَ أَنَّ لِلْقُرْعَةِ فَائِدَةً وَهِيَ أَنْ لَا يُؤْثِرَ بَعْضَهُنَّ بِالتَّشَهِّي لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ تَرْكِ الْعَدْلِ بَيْنَهُنَّ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ: لَوْ كَانَ الْمُسَافِرُ يَقْسِمُ لِمَنْ خَلَفَ لَمَا كَانَ لِلْقُرْعَةِ مَعْنَى بَلْ مَعْنَاهَا أَنْ تَصِيرَ هَذِهِ الْأَيَّامُ لِمَنْ خَرَجَ سَهْمُهَا خَالِصَةً انْتَهَى.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحِلَّ الْإِطْلَاقِ فِي تَرْكِ الْقَضَاءِ فِي السَّفَرِ مَا دَامَ اسْمُ السَّفَرِ مَوْجُودًا، فَلَوْ سَافَرَ إِلَى بَلْدَةٍ فَأَقَامَ بِهَا زَمَانًا طَوِيلًا ثُمَّ سَافَرَ رَاجِعًا فَعَلَيْهِ قَضَاءُ مُدَّةِ الْإِقَامَةِ وَفِي مُدَّةِ الرُّجُوعِ خِلَافٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَعْنَى فِي سُقُوطِ الْقَضَاءِ أَنَّ الَّتِي سَافَرَتْ وَفَازَتْ بِالصُّحْبَةِ لَحِقَهَا مِنْ تَعَبِ السَّفَرِ وَمَشَقَّتِهِ مَا يُقَابِلُ ذَلِكَ وَالْمُقِيمَةُ عَكْسُهَا فِي الْأَمْرَيْنِ مَعًا.
٩٨ - بَاب الْمَرْأَةِ تَهَبُ يَوْمَهَا مِنْ زَوْجِهَا لِضَرَّتِهَا وَكَيْفَ يَقْسِمُ ذَلِكَ
٥٢١٢ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ بِيَوْمِهَا وَيَوْمِ سَوْدَةَ. قَوْلُهُ (بَابُ الْمَرْأَةِ تَهَبُ يَوْمَهَا مِنْ زَوْجِهَا لِضَرَّتِهَا) مِنْ يَتَعَلَّقُ بِيَوْمِهَا لَا بـ يَهَبُ، أَيْ يَوْمُهَا الَّذِي يَخْتَصُّ بِهَا.
قَوْلُهُ (وَكَيْفَ يَقْسِمُ ذَلِكَ) قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِذَا وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِضَرَّتِهَا قَسَمَ الزَّوْجُ لَهَا يَوْمَ ضَرَّتِهَا، فَإِنْ كَانَ تَالِيًا لِيَوْمِهَا فَذَاكَ وَإِلَّا لَمْ يُقَدِّمْهُ عَنْ رُتْبَتِهِ فِي الْقَسْمِ إِلَّا بِرِضَا مَنْ بَقِيَ، وَقَالُوا: إِذَا وَهَبَتِ الْمَرْأَةُ يَوْمَهَا لِضَرَّتِهَا فَإِنْ قَبِلَ الزَّوْجُ لَمْ يَكُنْ لِلْمَوْهُوبَةِ أَنْ تَمْتَنِعَ وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ لَمْ يُكْرَهْ عَلَى ذَلِكَ، وَإِذَا وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِزَوْجِهَا وَلَمْ تَتَعَرَّضْ لِلضَّرَّةِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَخُصَّ وَاحِدَةً إِنْ كَانَ عِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنَ اثْنَتَيْنِ، أَوْ يُوَزِّعَهُ بَيْنَ مَنْ بَقِيَ؟ وَلِلْوَاهِبَةِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ الرُّجُوعُ عَنْ ذَلِكَ مَتَى أَحَبَّتْ لَكِنْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ لَا فِيمَا مَضَى، وَأَطْلَقَ ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِسَوْدَةَ الرُّجُوعُ فِي يَوْمِهَا الَّذِي وَهَبَتْهُ لِعَائِشَةَ.
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) هُوَ أَبُو غَسَّانَ النَّهْدِيُّ، وَزُهَيْرٌ هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ.
قَوْلُهُ (أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ) هِيَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ بِمَكَّةَ بَعْدَ مَوْتِ خَدِيجَةَ وَدَخَلَ عَلَيْهَا بِهَا وَهَاجَرَتْ مَعَهُ، وَوَقَعَ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ، عَنْ هِشَامٍ فِي آخِرِ حَدِيثِ الْبَابِ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَتْ أَوَّلَ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا بَعْدِي، وَمَعْنَاهُ عَقَدَ عَلَيْهَا بَعْدَ أَنْ عَقَدَ عَلَى عَائِشَةَ، وَأَمَّا دُخُولُهُ عَلَيْهَا فَكَانَ قَبْلَ دُخُولِهِ عَلَى عَائِشَةَ بِالِاتِّفَاقِ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ.
قَوْلُهُ (وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ) تَقَدَّمَ فِي الْهِبَةِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بِلَفْظِ: يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا، وَزَادَ فِي آخِرِهِ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٩٨) (بابُ المَرْأَةِ تَهَبُ يَوْمَهَا) المختصُّ بها من القسم الكائنِ (مِنْ زَوْجِهَا لِضَرَّتِهَا، وَكَيْفَ يُقْسِمُ ذَلِكَ) وقوله: «وكيف … » إلى آخره ساقط للمُستملي والكُشمِيهنيِّ.
٥٢١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو غسَّان النَّهديُّ قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هو ابنُ معاويةَ الجعفيُّ الكوفيُّ (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بنِ الزُّبيرِ (عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ) بن قيس القرشيَّة العامريَّة (وَهَبَتْ يَوْمَهَا) وليلتها لما أسنَّت وخافتْ أن يفارِقها ﷺ (لِعَائِشَةَ) فقبل ذلك منها ﷺ (وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ بِيَوْمِهَا (١) وَيَوْمِ سَوْدَةَ) ويقسم لسائرهنَّ يومًا يومًا.
وفي هذا الحديث: أنَّه إذا وهبت إحدى الزَّوجات حقَّها من القسم لمعيَّنة ورضي بالهبةِ باتَ عند الموهوبةِ ليلتين، ليلةً لها وليلةً للواهبة، وهذه الهبةُ ليست على قواعدِ الهبات، ومن ثمَّ لا يشترط رضا الموهوبِ لها، بل يكفي رضا الزَّوج لأنَّ الحقَّ مشتركٌ بينه وبين الواهبة، ومحلُّ بياته عند الموهوبةِ ليلتين ما دامت الواهبةُ في نكاحهِ، فلو خرجت عن نكاحهِ لم يبتْ عند الموهوبةِ إلَّا ليلتها، ولو كانت اللَّيلتان متفرِّقتين لم يوالِ بينهما للموهوبةِ، بل يفرِّقهما كما كانتا قبل لئلَّا يتأخَّر حقُّ الَّتي بينهما، ولأنَّ الواهبة قد ترجعُ بين اللَّيلتين، والموالاة تفوِّت حقَّ الرُّجوع عليها، ولو وهبتْ حقَّها لجميع ضرَّاتها أو أسقطتْه مطلقًا جعلها كالمعدومة، فيسوِّي بين الباقياتِ، ولو وهبتْه له فخصَّ به واحدةً منهنَّ ولو في كلِّ دور واحدةً جاز لأنَّ الحقَّ له فيضعه حيث شاءَ، ثمَّ ينظر في اللَّيلتين أمتفرِّقتانِ أم لا؟ وحكم ذلك، كما سبق.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في «النِّكاح».
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْبُخَارِيِّ فِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِ تَلْدَغُنِي: وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ لَهُ شَيْئًا وَعَلَى هَذَا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْقَوْلِ فِي قَوْلِهَا أَنْ أَقُولَ أَيْ أَحْكِيَ لَهُ الْوَاقِعَةَ لِأَنَّهُ مَا كَانَ يَعْذُرُنِي فِي ذَلِكَ، وَظَاهِرُ رِوَايَةِ غَيْرِهِ تُفْهِمُ أَنَّ مُرَادَهَا بِالْقَوْلِ أَنَّهَا لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُولَ فِي حَقِّهِ شَيْئًا كَمَا تَقَدَّمَ.
قَالَ الدَّاوُدِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْمُسَايَرَةُ فِي لَيْلَةِ عَائِشَةَ وَلِذَلِكَ غَلَبَتْ عَلَيْهَا الْغَيْرَةُ فَدَعَتْ عَلَى نَفْسِهَا بِالْمَوْتِ، وَيُعَقَّبُ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ يُوجِبُ الْقَسْمَ فِي الْمُسَايَرَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِذْ لَوْ كَانَ لَمَا كَانَ يَخُصُّ عَائِشَةَ بِالْمُسَايَرَةِ دُونَ حَفْصَةَ حَتَّى تَحْتَاجَ حَفْصَةُ تَتَحَيَّلُ عَلَى عَائِشَةَ، وَلَا يُتَّجَهُ الْقَسْمُ فِي حَالَةِ السَّيْرِ إِلَّا إِذَا كَانَتِ الْخَلْوَةُ لَا تَحْصُلُ إِلَّا فِيهِ بِأَنْ يَرْكَبَ مَعَهَا فِي الْهَوْدَجِ وَعِنْدَ النُّزُولِ يَجْتَمِعُ الْكُلُّ فِي الْخَيْمَةِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ عِمَادُ الْقَسْمِ السَّيْرَ، أَمَّا الْمُسَايَرَةُ فَلَا، وَهَذَا كُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْقَسْمَ كَانَ وَاجِبًا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ مُعْظَمُ الْأَخْبَارِ، وَيُؤَيِّدُ الْقَوْلَ بِالْقُرْعَةِ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مُدَّةِ السَّفَرِ لَا يُحَاسِبُ بِهَا الْمُقِيمَةَ بَلْ يَبْتَدِئُ إِذَا رَجَعَ بِالْقَسْمِ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ، فَلَوْ سَافَرَ بِمَنْ شَاءَ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ فَقَدَّمَ بَعْضَهُنَّ فِي الْقَسْمِ لَلَزِمَ مِنْهُ إِذَا رَجَعَ أَنْ يُوَفِّيَ مَنْ تَخَلَّفَ حَقُّهَا، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجِبُ، فَظَهَرَ أَنَّ لِلْقُرْعَةِ فَائِدَةً وَهِيَ أَنْ لَا يُؤْثِرَ بَعْضَهُنَّ بِالتَّشَهِّي لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ تَرْكِ الْعَدْلِ بَيْنَهُنَّ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ: لَوْ كَانَ الْمُسَافِرُ يَقْسِمُ لِمَنْ خَلَفَ لَمَا كَانَ لِلْقُرْعَةِ مَعْنَى بَلْ مَعْنَاهَا أَنْ تَصِيرَ هَذِهِ الْأَيَّامُ لِمَنْ خَرَجَ سَهْمُهَا خَالِصَةً انْتَهَى.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحِلَّ الْإِطْلَاقِ فِي تَرْكِ الْقَضَاءِ فِي السَّفَرِ مَا دَامَ اسْمُ السَّفَرِ مَوْجُودًا، فَلَوْ سَافَرَ إِلَى بَلْدَةٍ فَأَقَامَ بِهَا زَمَانًا طَوِيلًا ثُمَّ سَافَرَ رَاجِعًا فَعَلَيْهِ قَضَاءُ مُدَّةِ الْإِقَامَةِ وَفِي مُدَّةِ الرُّجُوعِ خِلَافٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَعْنَى فِي سُقُوطِ الْقَضَاءِ أَنَّ الَّتِي سَافَرَتْ وَفَازَتْ بِالصُّحْبَةِ لَحِقَهَا مِنْ تَعَبِ السَّفَرِ وَمَشَقَّتِهِ مَا يُقَابِلُ ذَلِكَ وَالْمُقِيمَةُ عَكْسُهَا فِي الْأَمْرَيْنِ مَعًا.
٩٨ - بَاب الْمَرْأَةِ تَهَبُ يَوْمَهَا مِنْ زَوْجِهَا لِضَرَّتِهَا وَكَيْفَ يَقْسِمُ ذَلِكَ
٥٢١٢ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ بِيَوْمِهَا وَيَوْمِ سَوْدَةَ. قَوْلُهُ (بَابُ الْمَرْأَةِ تَهَبُ يَوْمَهَا مِنْ زَوْجِهَا لِضَرَّتِهَا) مِنْ يَتَعَلَّقُ بِيَوْمِهَا لَا بـ يَهَبُ، أَيْ يَوْمُهَا الَّذِي يَخْتَصُّ بِهَا.
قَوْلُهُ (وَكَيْفَ يَقْسِمُ ذَلِكَ) قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِذَا وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِضَرَّتِهَا قَسَمَ الزَّوْجُ لَهَا يَوْمَ ضَرَّتِهَا، فَإِنْ كَانَ تَالِيًا لِيَوْمِهَا فَذَاكَ وَإِلَّا لَمْ يُقَدِّمْهُ عَنْ رُتْبَتِهِ فِي الْقَسْمِ إِلَّا بِرِضَا مَنْ بَقِيَ، وَقَالُوا: إِذَا وَهَبَتِ الْمَرْأَةُ يَوْمَهَا لِضَرَّتِهَا فَإِنْ قَبِلَ الزَّوْجُ لَمْ يَكُنْ لِلْمَوْهُوبَةِ أَنْ تَمْتَنِعَ وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ لَمْ يُكْرَهْ عَلَى ذَلِكَ، وَإِذَا وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِزَوْجِهَا وَلَمْ تَتَعَرَّضْ لِلضَّرَّةِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَخُصَّ وَاحِدَةً إِنْ كَانَ عِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنَ اثْنَتَيْنِ، أَوْ يُوَزِّعَهُ بَيْنَ مَنْ بَقِيَ؟ وَلِلْوَاهِبَةِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ الرُّجُوعُ عَنْ ذَلِكَ مَتَى أَحَبَّتْ لَكِنْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ لَا فِيمَا مَضَى، وَأَطْلَقَ ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِسَوْدَةَ الرُّجُوعُ فِي يَوْمِهَا الَّذِي وَهَبَتْهُ لِعَائِشَةَ.
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) هُوَ أَبُو غَسَّانَ النَّهْدِيُّ، وَزُهَيْرٌ هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ.
قَوْلُهُ (أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ) هِيَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ بِمَكَّةَ بَعْدَ مَوْتِ خَدِيجَةَ وَدَخَلَ عَلَيْهَا بِهَا وَهَاجَرَتْ مَعَهُ، وَوَقَعَ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ، عَنْ هِشَامٍ فِي آخِرِ حَدِيثِ الْبَابِ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَتْ أَوَّلَ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا بَعْدِي، وَمَعْنَاهُ عَقَدَ عَلَيْهَا بَعْدَ أَنْ عَقَدَ عَلَى عَائِشَةَ، وَأَمَّا دُخُولُهُ عَلَيْهَا فَكَانَ قَبْلَ دُخُولِهِ عَلَى عَائِشَةَ بِالِاتِّفَاقِ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ.
قَوْلُهُ (وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ) تَقَدَّمَ فِي الْهِبَةِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بِلَفْظِ: يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا، وَزَادَ فِي آخِرِهِ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٩٨) (بابُ المَرْأَةِ تَهَبُ يَوْمَهَا) المختصُّ بها من القسم الكائنِ (مِنْ زَوْجِهَا لِضَرَّتِهَا، وَكَيْفَ يُقْسِمُ ذَلِكَ) وقوله: «وكيف … » إلى آخره ساقط للمُستملي والكُشمِيهنيِّ.
٥٢١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو غسَّان النَّهديُّ قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هو ابنُ معاويةَ الجعفيُّ الكوفيُّ (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بنِ الزُّبيرِ (عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ) بن قيس القرشيَّة العامريَّة (وَهَبَتْ يَوْمَهَا) وليلتها لما أسنَّت وخافتْ أن يفارِقها ﷺ (لِعَائِشَةَ) فقبل ذلك منها ﷺ (وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ بِيَوْمِهَا (١) وَيَوْمِ سَوْدَةَ) ويقسم لسائرهنَّ يومًا يومًا.
وفي هذا الحديث: أنَّه إذا وهبت إحدى الزَّوجات حقَّها من القسم لمعيَّنة ورضي بالهبةِ باتَ عند الموهوبةِ ليلتين، ليلةً لها وليلةً للواهبة، وهذه الهبةُ ليست على قواعدِ الهبات، ومن ثمَّ لا يشترط رضا الموهوبِ لها، بل يكفي رضا الزَّوج لأنَّ الحقَّ مشتركٌ بينه وبين الواهبة، ومحلُّ بياته عند الموهوبةِ ليلتين ما دامت الواهبةُ في نكاحهِ، فلو خرجت عن نكاحهِ لم يبتْ عند الموهوبةِ إلَّا ليلتها، ولو كانت اللَّيلتان متفرِّقتين لم يوالِ بينهما للموهوبةِ، بل يفرِّقهما كما كانتا قبل لئلَّا يتأخَّر حقُّ الَّتي بينهما، ولأنَّ الواهبة قد ترجعُ بين اللَّيلتين، والموالاة تفوِّت حقَّ الرُّجوع عليها، ولو وهبتْ حقَّها لجميع ضرَّاتها أو أسقطتْه مطلقًا جعلها كالمعدومة، فيسوِّي بين الباقياتِ، ولو وهبتْه له فخصَّ به واحدةً منهنَّ ولو في كلِّ دور واحدةً جاز لأنَّ الحقَّ له فيضعه حيث شاءَ، ثمَّ ينظر في اللَّيلتين أمتفرِّقتانِ أم لا؟ وحكم ذلك، كما سبق.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في «النِّكاح».