«إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَكْثُرَ الْجَهْلُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٢٣١

الحديث رقم ٥٢٣١ من كتاب «كتاب النكاح» في صحيح البخاري، تحت باب: باب يقل الرجال ويكثر النساء.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٢٣١ في صحيح البخاري

«إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَكْثُرَ الْجَهْلُ، وَيَكْثُرَ الزِّنَا، وَيَكْثُرَ شُرْبُ الْخَمْرِ، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ.»

بَابٌ: لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا ذُو مَحْرَمٍ وَالدُّخُولُ عَلَى الْمُغِيبَةِ

إسناد حديث رقم ٥٢٣١ من صحيح البخاري

٥٢٣١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْحَوْضِيُّ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ لَا يُحَدِّثُكُمْ بِهِ أَحَدٌ غَيْرِي: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٢٣١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الشَّرَفِ أَوِ الدِّيَانَةِ.

١١٠ - بَاب يَقِلُّ الرِّجَالُ وَيَكْثُرُ النِّسَاءُ

وَقَالَ أَبُو مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ وَتَرَى الرَّجُلَ الْوَاحِدَ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ نسوة يَلُذْنَ بِهِ مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ

٥٢٣١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْحَوْضِيُّ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ لَا يُحَدِّثُكُمْ بِهِ أَحَدٌ غَيْرِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَكْثُرَ الْجَهْلُ، وَيَكْثُرَ الزِّنَا، وَيَكْثُرَ شُرْبُ الْخَمْرِ، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ.

قَوْلُهُ (بَابُ يَقِلُّ الرِّجَالُ وَيَكْثُرُ النِّسَاءُ) أَيْ فِي آخِرِ الزَّمَانِ.

قَوْلُهُ (وَقَالَ أَبُو مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ : وَتَرَى الرَّجُلَ الْوَاحِدَ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ نِسْوَةً) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: امْرَأَةً وَالْأَوَّلُ عَلَى حَذْفِ الْمَوْصُوفِ، وَقَوْلُهُ: يَلُذْنَ بِهِ قِيلَ: لِكَوْنِهِنَّ نِسَاءَهُ وَسَرَارِيَّهُ، أَوْ لِكَوْنِهِنَّ قَرَابَاتِهِ، أَوْ مِنَ الْجَمِيعِ. وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ فِي كِتَابِ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ قَالَ: إِذَا عَمَّتِ الْفِتْنَةُ مَيَّزَ اللَّهُ أَوْلِيَاءَهُ، حَتَّى يَتْبَعَ الرَّجُلَ خَمْسُونَ امْرَأَةً تَقُولُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ اسْتُرْنِي يَا عَبْدَ اللَّهِ آوِنِي وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى مَوْصُولًا فِي بَابِ الصَّدَقَةِ قَبْلَ الرَّدِّ مِنْ كِتَابِ الزَّكَاةِ فِي حَدِيثٍ أَوَّلُهُ: لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَطُوفُ الرَّجُلُ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيِّ هَمَّامٌ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَهَمَّامٌ، وَهِشَامٌ كِلَاهُمَا مِنْ شُيُوخِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ وَهُوَ الْحَوْضِيُّ، وَسَيَأْتِي فِي الْأَشْرِبَةِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هِشَامٍ.

قَوْلُهُ (إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ) الْحَدِيثَ، تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ كَذَلِكَ.

قَوْلُهُ (حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً) هَذَا لَا يُنَافِي الَّذِي قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْأَرْبَعِينَ دَاخِلَةٌ فِي الْخَمْسِينَ، وَلَعَلَّ الْعَدَدَ بِعَيْنِهِ غَيْرُ مُرَادٍ، بَلْ أُرِيدَ الْمُبَالَغَةُ فِي كَثْرَةِ النِّسَاءِ بِالنِّسْبَةِ لِلرِّجَالِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْأَرْبَعِينَ عَدَدُ مَنْ يَلُذْنَ بِهِ وَالْخَمْسِينَ عَدَدُ مَنْ يَتْبَعُهُ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنَّهُنَّ يَلُذْنَ بِهِ فَلَا مُنَافَاةَ.

قَوْلُهُ (الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ) أَيِ الَّذِي يَقُومُ بِأُمُورِهِنَّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُكَنَّى بِهِ عَنِ اتِّبَاعِهِنَّ لَهُ لِطَلَبِ النِّكَاحِ حَلَالًا أَوْ حَرَامًا. وَفِي الْحَدِيثِ الْإِخْبَارُ بِمَا سَيَقَعُ فَوَقَعَ كَمَا أَخْبَرَ، وَالصَّحِيحُ مِنْ ذَلِكَ مَا وَرَدَ مُطْلَقًا، وَأَمَّا مَا وَرَدَ مُقَدَّرًا بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ فَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَصِحُّ مِنْهُ شَيْءٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِنْ مَبَاحِثِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ.

١١١ - بَاب لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا ذُو مَحْرَمٍ وَالدُّخُولُ عَلَى الْمُغِيبَةِ

٥٢٣٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟ قَالَ الْحَمْوُ الْمَوْتُ.

٥٢٣٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ

قَالَ: لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً وَاكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: ارْجِعْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ.

قَوْلُهُ (بَابُ لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا ذُو مَحْرَمٍ وَالدُّخُولُ عَلَى الْمُغِيبَةَ) يَجُوزُ فِي لَامِ الدُّخُولِ الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ. وَأَحَدُ رُكْنَيِ التَّرْجَمَةِ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ صَرِيحًا فِي الْبَابِ، وَالثَّانِي يُؤْخَذُ بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ صَرِيحًا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ رَفَعَهُ: لَا تَدْخُلُوا عَلَى الْمُغْيِبَاتِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ، لَكِنَّ مُجَالِدَ بْنَ سَعِيدٍ مُخْتَلَفٌ فِيهِ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا: لَا يَدْخُلُ رَجُلٌ عَلَى مُغِيبَةٍ إِلَّا وَمَعَهُ رَجُلٌ أَوِ اثْنَانِ، ذَكَرَهُ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ، وَالْمُغْيِبَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ ثُمَّ غَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ: مَنْ غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا، يُقَالُ: أَغَابَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا غَابَ زَوْجُهَا. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا.

قَوْلُهُ (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنِ اللَّيْثِ، وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، وَحَيْوَةَ، وَغَيْرِهِمْ: أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ حَدَّثَهُمْ.

قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي الْخَيْرِ) هُوَ مَرْثَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيُّ.

قَوْلُهُ (عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ.

قَوْلُهُ (إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ) بِالنَّصْبِ عَلَى التَّحْذِيرِ، وَهُوَ تَنْبِيهُ الْمُخَاطَبِ عَلَى مَحْذُورٍ لِيَحْتَرِزَ عَنْهُ كَمَا قِيلَ إِيَّاكَ وَالْأَسَدَ، وَقَوْلُهُ إِيَّاكُمْ مَفْعُولٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ اتَّقُوا، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ اتَّقُوا أَنْفُسَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا عَلَى النِّسَاءِ وَالنِّسَاءَ أَنْ يَدْخُلْنَ عَلَيْكُمْ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ بِلَفْظِ: لَا تَدْخُلُوا عَلَى النِّسَاءِ، وَتَضَمَّنَ مَنْعُ الدُّخُولِ مَنْعَ الْخَلْوَةِ بِهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.

قَوْلُهُ (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ.

قَوْلُهُ (أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ) زَادَ ابْنُ وَهْبٍ فِي رِوَايَتِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: سَمِعْتُ اللَّيْثَ يَقُولُ: الْحَمْوُ أَخُو الزَّوْجِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ أَقَارِبِ الزَّوْجِ ابْنِ الْعَمِّ وَنَحْوِهِ، وَوَقَعَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ بَعْدَ تَخْرِيجِ الْحَدِيثِ: قَالَ التِّرْمِذِيُّ: يُقَالُ هُوَ أَخُو الزَّوْجِ، كُرِهَ لَهُ أَنْ يَخْلُوَ بِهَا. قَالَ: وَمَعْنَى الْحَدِيثِ عَلَى نَحْوِ مَا رُوِيَ: لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ ثَالِثُهُمَا الشَّيْطَانَ. اهـ. وَهَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِاللُّغَةِ عَلَى أَنَّ الْأَحْمَاءَ أَقَارِبُ زَوْجِ الْمَرْأَةِ كَأَبِيهِ وَعَمِّهِ وَأَخِيهِ وَابْنِ أَخِيهِ وَابْنِ عَمِّهِ وَنَحْوِهِمْ، وَأَنَّ الْأَخْتَان أَقَارِبُ زَوْجَةِ الرَّجُلِ، وَأَنَّ الْأَصْهَارَ تَقَعُ عَلَى النَّوْعَيْنِ. اهـ. وَقَدِ اقْتَصَرَ أَبُو عُبَيْدٍ وَتَبِعَهُ ابْنُ فَارِسٍ، وَالدَّاوُدِيُّ عَلَى أَنَّ الْحَمْوَ أَبُو الزَّوْجَةِ، زَادَ ابْنُ فَارِسٍ: وَأَبُو الزَّوْجِ، يَعْنِي أَنَّ وَالِدَ الزَّوْجِ حَمُو الْمَرْأَةِ وَوَالِدِ الزَّوْجَةِ حَمُو الرَّجُلِ، وَهَذَا الَّذِي عَلَيْهِ عُرْفُ النَّاسِ الْيَوْمَ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَتَبِعَهُ الطَّبَرِيُّ، وَالْخَطَّابِيُّ مَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ، وَكَذَا نُقِلَ عَنِ الْخَلِيلِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ عَائِشَةَ: مَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَلِيٍّ إِلَّا مَا كَانَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَأَحْمَائِهَا. وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ أَقَارِبُ الزَّوْجِ غَيْرُ آبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ، لِأَنَّهُمْ مَحَارِمُ لِلزَّوْجَةِ يَجُوزُ لَهُمُ الْخَلْوَةُ بِهَا وَلَا يُوصَفُونَ بِالْمَوْتِ.

قَالَ: وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الْأَخُ وَابْنُ الْأَخِ وَالْعَمُّ وَابْنُ الْعَمِّ وَابْنُ الْأُخْتِ وَنَحْوُهُمْ مِمَّا يَحِلُّ لَهَا تَزْوِيجُهُ لَوْ لَمْ تَكُنْ مُتَزَوِّجَةً، وَجَرَتِ الْعَادَةُ بِالتَّسَاهُلِ فِيهِ فَيَخْلُو الْأَخُ بِامْرَأَةِ أَخِيهِ فَشَبَّهَهُ بِالْمَوْتِ وَهُوَ أَوْلَى بِالْمَنْعِ مِنَ الْأَجْنَبِيِّ اهـ. وَقَدْ جَزَمَ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَتَبِعَهُ الْمَازِرِيُّ بِأَنَّ الْحَمْوَ أَبُو الزَّوْجِ، وَأَشَارَ الْمَازِرِيُّ إِلَى أَنَّهُ ذُكِرَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى مَنْعِ غَيْرِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ وَرَدَّهُ النَّوَوِيُّ فَقَالَ: هَذَا كَلَامٌ فَاسِدٌ مَرْدُودٌ لَا يَجُوزُ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ اهـ. وَسَيَظْهَرُ فِي كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فِي تَفْسِيرِ الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ الْحَمْوُ الْمَوْتُ مَا تَبَيَّنَ مِنْهُ أَنَّ كَلَامَ الْمَازِرِيُّ لَيْسَ بِفَاسِدٍ، وَاخْتُلِفَ فِي

ضَبْطِ الْحَمْوِ فَصَرَّحَ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حَمْءٌ بِالْهَمْزِ، وَأَمَّا الْخَطَّابِيُّ فَضَبَطَهُ بِوَاوٍ بِغَيْرِ هَمْزٍ لِأَنَّهُ قَالَ: وَزْنَ دَلْوٍ، وَهُوَ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ، وَابْنُ الْأَثِيرِ وَغَيْرُهُمَا، وَهُوَ الَّذِي ثَبَتَ عِنْدَنَا فِي رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ، وَفِيهِ لُغَتَانِ أُخْرَيَانِ إِحْدَاهُمَا حَمٌ بِوَزْنِ أَخٍ، وَالْأُخْرَى حَمَى بِوَزْنِ عَصَا، وَيَخْرُجُ مِنْ ضَبْطِ الْمَهْمُوزِ بِتَحْرِيكِ الْمِيمِ لُغَةٌ أُخْرَى خَامِسَةٌ حَكَاهَا صَاحِبُ الْمُحْكَمِ.

قَوْلُهُ (الْحَمْوُ الْمَوْتُ) قِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّ الْخَلْوَةَ بِالْحَمْوِ قَدْ تُؤَدِّي إِلَى هَلَاكِ الدِّينِ إِنْ وَقَعَتِ الْمَعْصِيَةُ، أَوْ إِلَى الْمَوْتِ إِنْ وَقَعَتِ الْمَعْصِيَةُ وَوَجَبَ الرَّجْمُ، أَوْ إِلَى هَلَاكِ الْمَرْأَةِ بِفِرَاقِ زَوْجِهَا إِذَا حَمَلَتْهُ الْغَيْرَةُ عَلَى تَطْلِيقِهَا، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ كُلِّهِ الْقُرْطُبِيُّ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: الْمَعْنَى أَنَّ خَلْوَةَ الرَّجُلِ بِامْرَأَةِ أَخِيهِ أَوِ ابْنِ أَخِيهِ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْمَوْتِ، وَالْعَرَبُ تَصِفُ الشَّيْءَ الْمَكْرُوهَ بِالْمَوْتِ، قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: هِيَ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ مَثَلًا كَمَا تَقُولُ: الْأَسَدُ الْمَوْتُ، أَيْ لِقَاؤُهُ فِيهِ الْمَوْتُ، وَالْمَعْنَى احْذَرُوهُ كَمَا تَحْذَرُونَ الْمَوْتَ. وَقَالَ صَاحِبُ مَجْمَعِ الْغَرَائِبِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا خَلَتْ فَهِيَ مَحَلُّ الْآفَةِ وَلَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا أَحَدٌ فَلْيَكُنْ حَمْوُهَا الْمَوْتَ، أَيْ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْلُوَ بِهَا إِلَّا الْمَوْتُ كَمَا قِيلَ: نِعْمَ الصِّهْرُ الْقَبْرُ، وَهَذَا لَائِقٌ بِكَمَالِ الْغَيْرَةِ وَالْحَمِيَّةِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مَعْنَى قَوْلِهِ الْحَمْوُ الْمَوْتُ أَيْ فَلْيَمُتْ وَلَا يَفْعَلْ هَذَا. وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ فَقَالَ: هَذَا كَلَامٌ فَاسِدٌ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ الْخَلْوَةَ بِقَرِيبِ الزَّوْجِ أَكْثَرُ مِنَ الْخَلْوَةِ بِغَيْرِهِ، وَالشَّرُّ يُتَوَقَّعُ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِ وَالْفِتْنَةُ بِهِ أَمْكَنُ لِتَمَكُّنِهِ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْمَرْأَةِ وَالْخَلْوَةِ بِهَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ. وَقَالَ عِيَاضٌ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْخَلْوَةَ بِالْأَحْمَاءِ مُؤَدِّيَةٌ إِلَى الْفِتْنَةِ وَالْهَلَاكِ فِي الدِّينِ فَجَعَلَهُ كَهَلَاكِ الْمَوْتِ وَأَوْرَدَ الْكَلَامَ مَوْرِدَ التَّغْلِيظِ.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: الْمَعْنَى أَنَّ دُخُولَ قَرِيبِ الزَّوْجِ عَلَى امْرَأَةِ الزَّوْجِ يُشْبِهُ الْمَوْتَ فِي الِاسْتِقْبَاحِ وَالْمَفْسَدَةِ، أَيْ فَهُوَ مُحَرَّمٌ مَعْلُومُ التَّحْرِيمِ، وَإِنَّمَا بَالَغَ فِي الزَّجْرِ عَنْهُ وَشَبَّهَهُ بِالْمَوْتِ لِتَسَامُحِ النَّاسِ بِهِ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ لِإِلْفِهِمْ بِذَلِكَ حَتَّى كَأَنَّهُ لَيْسَ بِأَجْنَبِيٍّ مِنَ الْمَرْأَةِ فَخَرَّجَ هَذَا مَخْرَجَ قَوْلِ الْعَرَبِ: الْأَسَدُ الْمَوْتُ، وَالْحَرْبُ الْمَوْتُ، أَيْ لِقَاؤُهُ يُفْضِي إِلَى الْمَوْتِ، وَكَذَلِكَ دُخُولُهُ عَلَى الْمَرْأَةِ قَدْ يُفْضِي إِلَى مَوْتِ الدِّينِ أَوْ إِلَى مَوْتِهَا بِطَلَاقِهَا عِنْدَ غَيْرَةِ الزَّوْجِ أَوْ إِلَى الرَّجْمِ إِنْ وَقَعَتِ الْفَاحِشَةُ. وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ: الْمَعْنَى أَنَّ خَلْوَةَ الْمَحْرَمِ بِهَا أَشَدُّ مِنْ خَلْوَةِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَجَانِبِ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا حَسَّنَ لَهَا أَشْيَاءَ وَحَمَلَهَا عَلَى أُمُورٍ تَثْقُلُ عَلَى الزَّوْجِ مِنِ الْتِمَاسِ مَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِ، فَتَسُوءُ الْعِشْرَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِذَلِكَ، وَلِأَنَّ الزَّوْجَ قَدْ لَا يُؤْثِرُ أَنْ يَطَّلِعَ وَالِدُ زَوْجَتِهِ أَوْ أَخُوهَا عَلَى بَاطِنِ حَالِهِ وَلَا عَلَى مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ اهـ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: الْحَمْوُ الْمَوْتُ، أَيْ: لَابُدَّ مِنْهُ وَلَا يُمْكِنُ حَجْبُهُ عَنْهَا، كَمَا أَنَّهُ لَابُدَّ مِنَ الْمَوْتِ، وَأَشَارَ إِلَى هَذَا الْأَخِيرِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ.

تَنْبِيهٌ:

مَحْرَمُ الْمَرْأَةِ مَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ نِكَاحُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ إِلَّا أُمَّ الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ وَالْمُلَاعَنَةِ فَإِنَّهُمَا حَرَامَانِ عَلَى التَّأْبِيدِ وَلَا مَحْرَمِيَّةَ هُنَاكَ، وَكَذَا أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَخْرَجَهُنَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ فِي التَّعْرِيفِ: بِسَبَبٍ مُبَاحٍ لَا لِحُرْمَتِهَا. وَخَرَجَ بِقَيْدِ التَّأْبِيدِ أُخْتُ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتُهَا وَخَالَتُهَا وَبِنْتُهَا إِذَا عَقَدَ عَلَى الْأُمِّ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا.

الحديث الثاني

قَوْلُهُ (سُفْيَانُ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَقَوْلُهُ حَدَّثَنَا عَمْرٌو هُوَ ابْنُ دِينَارٍ. وَقَدْ وَقَعَ فِي الْجِهَادِ بَعْضُ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَسُفْيَانُ الْمَذْكُورُ هُوَ الثَّوْرِيُّ لَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ مُسْتَوْفَاةً فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ، وَسِيَاقُهُ هُنَاكَ أَتَمُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١١٢ - بَاب مَا يَجُوزُ أَنْ يَخْلُوَ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ عِنْدَ النَّاسِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٢٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الحَوْضِيُّ) بفتح الحاء المهملة وسكون الواو بعدها ضاد معجمة مكسورة، قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامةَ (عَنْ أَنَسٍ ) أنَّه (قَالَ): والله (لأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا) ولأبي ذرٍّ: «بحديثٍ» (سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ، لَا يُحَدِّثُكُمْ بِهِ أَحَدٌ غَيْرِي) لأنَّه آخرُ من مات بالبصرةِ من الصَّحابة، أو كان إذ ذاك في آخرِ عمره حيث لم يبق بعدَه من الصَّحابة من ثبت سماعُه من النَّبيِّ إلَّا النَّادر، ممَّن لم يكن هذا الحديث في (١) مرويِّه، وعند ابنِ ماجه: «لا يحدِّثكم به أحدٌ بعدي» (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ) أي: علاماتها (أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ) لكثرة قتل العلماء بسبب الفتنِ، وفي «كتاب العلم» [خ¦٨١]: «أن يقلَّ العلم» فيحتملُ أن يكون المراد بالقلَّة أولًا وبالرَّفع آخرًا، أو أطلقت القلَّة وأريدَ بها العدم كعكسه (وَيَكْثُرَ الجَهْلُ) بسبب رفعِ العلم (وَيَكْثُرَ الزِّنَا، وَيَكْثُرَ شُرْبُ الخَمْرِ، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ) بسبب القتل في الرَّجلِ من كثرة الفتن دون النِّساء لأنهنَّ لسنَ من ذوات الحربِ، وقيل: بل هي علامة محضةٌ (٢) لا بسبب آخر، بل يقدِّر الله في آخرِ الزَّمان أن يقلَّ من يولد من الذُّكور، ويكثر من يولدُ من الإناث (حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً القَيِّمُ الوَاحِدُ) أي: من يقومُ بأمرهنَّ، واللام للعهد إشارةً إلى المعهود من كون الرِّجال قوَّامين (٣) على النِّساء، ويحتملُ أن يُكَنَّى بذلك عن اتِّباعهنَّ لطلب النِّكاح حلالًا أو حرامًا. وقوله: «لخمسينَ» لا يُنافي قوله في المعلَّق السَّابق [خ¦٦٧/ ١١٠ - ٧٧٧٢]: «أربعون» لأنَّ الأربعينَ داخلة في الخمسين، أو المراد المبالغةُ في كثرةِ النِّساء بالنِّسبة إلى الرِّجال، أو الأربعين عدد من يلذنَ به، والخمسين عدد من يتَّبعه، وهو أعمُّ من أن يلذنَ به، فلا منافاةَ. وقد روى عليُّ بن معبد (٤) في «كتاب الطَّاعة والمعصية» عن حذيفة قال: «إذا عمَّت الفتنةُ ميَّز الله أولياءهُ حتَّى يَتْبَع الرَّجل خمسونَ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الشَّرَفِ أَوِ الدِّيَانَةِ.

١١٠ - بَاب يَقِلُّ الرِّجَالُ وَيَكْثُرُ النِّسَاءُ

وَقَالَ أَبُو مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ وَتَرَى الرَّجُلَ الْوَاحِدَ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ نسوة يَلُذْنَ بِهِ مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ

٥٢٣١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْحَوْضِيُّ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ لَا يُحَدِّثُكُمْ بِهِ أَحَدٌ غَيْرِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَكْثُرَ الْجَهْلُ، وَيَكْثُرَ الزِّنَا، وَيَكْثُرَ شُرْبُ الْخَمْرِ، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ.

قَوْلُهُ (بَابُ يَقِلُّ الرِّجَالُ وَيَكْثُرُ النِّسَاءُ) أَيْ فِي آخِرِ الزَّمَانِ.

قَوْلُهُ (وَقَالَ أَبُو مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ : وَتَرَى الرَّجُلَ الْوَاحِدَ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ نِسْوَةً) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: امْرَأَةً وَالْأَوَّلُ عَلَى حَذْفِ الْمَوْصُوفِ، وَقَوْلُهُ: يَلُذْنَ بِهِ قِيلَ: لِكَوْنِهِنَّ نِسَاءَهُ وَسَرَارِيَّهُ، أَوْ لِكَوْنِهِنَّ قَرَابَاتِهِ، أَوْ مِنَ الْجَمِيعِ. وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ فِي كِتَابِ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ قَالَ: إِذَا عَمَّتِ الْفِتْنَةُ مَيَّزَ اللَّهُ أَوْلِيَاءَهُ، حَتَّى يَتْبَعَ الرَّجُلَ خَمْسُونَ امْرَأَةً تَقُولُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ اسْتُرْنِي يَا عَبْدَ اللَّهِ آوِنِي وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى مَوْصُولًا فِي بَابِ الصَّدَقَةِ قَبْلَ الرَّدِّ مِنْ كِتَابِ الزَّكَاةِ فِي حَدِيثٍ أَوَّلُهُ: لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَطُوفُ الرَّجُلُ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيِّ هَمَّامٌ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَهَمَّامٌ، وَهِشَامٌ كِلَاهُمَا مِنْ شُيُوخِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ وَهُوَ الْحَوْضِيُّ، وَسَيَأْتِي فِي الْأَشْرِبَةِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هِشَامٍ.

قَوْلُهُ (إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ) الْحَدِيثَ، تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ كَذَلِكَ.

قَوْلُهُ (حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً) هَذَا لَا يُنَافِي الَّذِي قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْأَرْبَعِينَ دَاخِلَةٌ فِي الْخَمْسِينَ، وَلَعَلَّ الْعَدَدَ بِعَيْنِهِ غَيْرُ مُرَادٍ، بَلْ أُرِيدَ الْمُبَالَغَةُ فِي كَثْرَةِ النِّسَاءِ بِالنِّسْبَةِ لِلرِّجَالِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْأَرْبَعِينَ عَدَدُ مَنْ يَلُذْنَ بِهِ وَالْخَمْسِينَ عَدَدُ مَنْ يَتْبَعُهُ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنَّهُنَّ يَلُذْنَ بِهِ فَلَا مُنَافَاةَ.

قَوْلُهُ (الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ) أَيِ الَّذِي يَقُومُ بِأُمُورِهِنَّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُكَنَّى بِهِ عَنِ اتِّبَاعِهِنَّ لَهُ لِطَلَبِ النِّكَاحِ حَلَالًا أَوْ حَرَامًا. وَفِي الْحَدِيثِ الْإِخْبَارُ بِمَا سَيَقَعُ فَوَقَعَ كَمَا أَخْبَرَ، وَالصَّحِيحُ مِنْ ذَلِكَ مَا وَرَدَ مُطْلَقًا، وَأَمَّا مَا وَرَدَ مُقَدَّرًا بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ فَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَصِحُّ مِنْهُ شَيْءٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِنْ مَبَاحِثِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ.

١١١ - بَاب لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا ذُو مَحْرَمٍ وَالدُّخُولُ عَلَى الْمُغِيبَةِ

٥٢٣٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟ قَالَ الْحَمْوُ الْمَوْتُ.

٥٢٣٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ

قَالَ: لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً وَاكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: ارْجِعْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ.

قَوْلُهُ (بَابُ لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا ذُو مَحْرَمٍ وَالدُّخُولُ عَلَى الْمُغِيبَةَ) يَجُوزُ فِي لَامِ الدُّخُولِ الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ. وَأَحَدُ رُكْنَيِ التَّرْجَمَةِ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ صَرِيحًا فِي الْبَابِ، وَالثَّانِي يُؤْخَذُ بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ صَرِيحًا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ رَفَعَهُ: لَا تَدْخُلُوا عَلَى الْمُغْيِبَاتِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ، لَكِنَّ مُجَالِدَ بْنَ سَعِيدٍ مُخْتَلَفٌ فِيهِ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا: لَا يَدْخُلُ رَجُلٌ عَلَى مُغِيبَةٍ إِلَّا وَمَعَهُ رَجُلٌ أَوِ اثْنَانِ، ذَكَرَهُ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ، وَالْمُغْيِبَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ ثُمَّ غَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ: مَنْ غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا، يُقَالُ: أَغَابَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا غَابَ زَوْجُهَا. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا.

قَوْلُهُ (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنِ اللَّيْثِ، وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، وَحَيْوَةَ، وَغَيْرِهِمْ: أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ حَدَّثَهُمْ.

قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي الْخَيْرِ) هُوَ مَرْثَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيُّ.

قَوْلُهُ (عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ.

قَوْلُهُ (إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ) بِالنَّصْبِ عَلَى التَّحْذِيرِ، وَهُوَ تَنْبِيهُ الْمُخَاطَبِ عَلَى مَحْذُورٍ لِيَحْتَرِزَ عَنْهُ كَمَا قِيلَ إِيَّاكَ وَالْأَسَدَ، وَقَوْلُهُ إِيَّاكُمْ مَفْعُولٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ اتَّقُوا، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ اتَّقُوا أَنْفُسَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا عَلَى النِّسَاءِ وَالنِّسَاءَ أَنْ يَدْخُلْنَ عَلَيْكُمْ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ بِلَفْظِ: لَا تَدْخُلُوا عَلَى النِّسَاءِ، وَتَضَمَّنَ مَنْعُ الدُّخُولِ مَنْعَ الْخَلْوَةِ بِهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.

قَوْلُهُ (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ.

قَوْلُهُ (أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ) زَادَ ابْنُ وَهْبٍ فِي رِوَايَتِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: سَمِعْتُ اللَّيْثَ يَقُولُ: الْحَمْوُ أَخُو الزَّوْجِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ أَقَارِبِ الزَّوْجِ ابْنِ الْعَمِّ وَنَحْوِهِ، وَوَقَعَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ بَعْدَ تَخْرِيجِ الْحَدِيثِ: قَالَ التِّرْمِذِيُّ: يُقَالُ هُوَ أَخُو الزَّوْجِ، كُرِهَ لَهُ أَنْ يَخْلُوَ بِهَا. قَالَ: وَمَعْنَى الْحَدِيثِ عَلَى نَحْوِ مَا رُوِيَ: لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ ثَالِثُهُمَا الشَّيْطَانَ. اهـ. وَهَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِاللُّغَةِ عَلَى أَنَّ الْأَحْمَاءَ أَقَارِبُ زَوْجِ الْمَرْأَةِ كَأَبِيهِ وَعَمِّهِ وَأَخِيهِ وَابْنِ أَخِيهِ وَابْنِ عَمِّهِ وَنَحْوِهِمْ، وَأَنَّ الْأَخْتَان أَقَارِبُ زَوْجَةِ الرَّجُلِ، وَأَنَّ الْأَصْهَارَ تَقَعُ عَلَى النَّوْعَيْنِ. اهـ. وَقَدِ اقْتَصَرَ أَبُو عُبَيْدٍ وَتَبِعَهُ ابْنُ فَارِسٍ، وَالدَّاوُدِيُّ عَلَى أَنَّ الْحَمْوَ أَبُو الزَّوْجَةِ، زَادَ ابْنُ فَارِسٍ: وَأَبُو الزَّوْجِ، يَعْنِي أَنَّ وَالِدَ الزَّوْجِ حَمُو الْمَرْأَةِ وَوَالِدِ الزَّوْجَةِ حَمُو الرَّجُلِ، وَهَذَا الَّذِي عَلَيْهِ عُرْفُ النَّاسِ الْيَوْمَ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَتَبِعَهُ الطَّبَرِيُّ، وَالْخَطَّابِيُّ مَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ، وَكَذَا نُقِلَ عَنِ الْخَلِيلِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ عَائِشَةَ: مَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَلِيٍّ إِلَّا مَا كَانَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَأَحْمَائِهَا. وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ أَقَارِبُ الزَّوْجِ غَيْرُ آبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ، لِأَنَّهُمْ مَحَارِمُ لِلزَّوْجَةِ يَجُوزُ لَهُمُ الْخَلْوَةُ بِهَا وَلَا يُوصَفُونَ بِالْمَوْتِ.

قَالَ: وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الْأَخُ وَابْنُ الْأَخِ وَالْعَمُّ وَابْنُ الْعَمِّ وَابْنُ الْأُخْتِ وَنَحْوُهُمْ مِمَّا يَحِلُّ لَهَا تَزْوِيجُهُ لَوْ لَمْ تَكُنْ مُتَزَوِّجَةً، وَجَرَتِ الْعَادَةُ بِالتَّسَاهُلِ فِيهِ فَيَخْلُو الْأَخُ بِامْرَأَةِ أَخِيهِ فَشَبَّهَهُ بِالْمَوْتِ وَهُوَ أَوْلَى بِالْمَنْعِ مِنَ الْأَجْنَبِيِّ اهـ. وَقَدْ جَزَمَ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَتَبِعَهُ الْمَازِرِيُّ بِأَنَّ الْحَمْوَ أَبُو الزَّوْجِ، وَأَشَارَ الْمَازِرِيُّ إِلَى أَنَّهُ ذُكِرَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى مَنْعِ غَيْرِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ وَرَدَّهُ النَّوَوِيُّ فَقَالَ: هَذَا كَلَامٌ فَاسِدٌ مَرْدُودٌ لَا يَجُوزُ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ اهـ. وَسَيَظْهَرُ فِي كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فِي تَفْسِيرِ الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ الْحَمْوُ الْمَوْتُ مَا تَبَيَّنَ مِنْهُ أَنَّ كَلَامَ الْمَازِرِيُّ لَيْسَ بِفَاسِدٍ، وَاخْتُلِفَ فِي

ضَبْطِ الْحَمْوِ فَصَرَّحَ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حَمْءٌ بِالْهَمْزِ، وَأَمَّا الْخَطَّابِيُّ فَضَبَطَهُ بِوَاوٍ بِغَيْرِ هَمْزٍ لِأَنَّهُ قَالَ: وَزْنَ دَلْوٍ، وَهُوَ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ، وَابْنُ الْأَثِيرِ وَغَيْرُهُمَا، وَهُوَ الَّذِي ثَبَتَ عِنْدَنَا فِي رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ، وَفِيهِ لُغَتَانِ أُخْرَيَانِ إِحْدَاهُمَا حَمٌ بِوَزْنِ أَخٍ، وَالْأُخْرَى حَمَى بِوَزْنِ عَصَا، وَيَخْرُجُ مِنْ ضَبْطِ الْمَهْمُوزِ بِتَحْرِيكِ الْمِيمِ لُغَةٌ أُخْرَى خَامِسَةٌ حَكَاهَا صَاحِبُ الْمُحْكَمِ.

قَوْلُهُ (الْحَمْوُ الْمَوْتُ) قِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّ الْخَلْوَةَ بِالْحَمْوِ قَدْ تُؤَدِّي إِلَى هَلَاكِ الدِّينِ إِنْ وَقَعَتِ الْمَعْصِيَةُ، أَوْ إِلَى الْمَوْتِ إِنْ وَقَعَتِ الْمَعْصِيَةُ وَوَجَبَ الرَّجْمُ، أَوْ إِلَى هَلَاكِ الْمَرْأَةِ بِفِرَاقِ زَوْجِهَا إِذَا حَمَلَتْهُ الْغَيْرَةُ عَلَى تَطْلِيقِهَا، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ كُلِّهِ الْقُرْطُبِيُّ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: الْمَعْنَى أَنَّ خَلْوَةَ الرَّجُلِ بِامْرَأَةِ أَخِيهِ أَوِ ابْنِ أَخِيهِ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْمَوْتِ، وَالْعَرَبُ تَصِفُ الشَّيْءَ الْمَكْرُوهَ بِالْمَوْتِ، قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: هِيَ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ مَثَلًا كَمَا تَقُولُ: الْأَسَدُ الْمَوْتُ، أَيْ لِقَاؤُهُ فِيهِ الْمَوْتُ، وَالْمَعْنَى احْذَرُوهُ كَمَا تَحْذَرُونَ الْمَوْتَ. وَقَالَ صَاحِبُ مَجْمَعِ الْغَرَائِبِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا خَلَتْ فَهِيَ مَحَلُّ الْآفَةِ وَلَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا أَحَدٌ فَلْيَكُنْ حَمْوُهَا الْمَوْتَ، أَيْ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْلُوَ بِهَا إِلَّا الْمَوْتُ كَمَا قِيلَ: نِعْمَ الصِّهْرُ الْقَبْرُ، وَهَذَا لَائِقٌ بِكَمَالِ الْغَيْرَةِ وَالْحَمِيَّةِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مَعْنَى قَوْلِهِ الْحَمْوُ الْمَوْتُ أَيْ فَلْيَمُتْ وَلَا يَفْعَلْ هَذَا. وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ فَقَالَ: هَذَا كَلَامٌ فَاسِدٌ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ الْخَلْوَةَ بِقَرِيبِ الزَّوْجِ أَكْثَرُ مِنَ الْخَلْوَةِ بِغَيْرِهِ، وَالشَّرُّ يُتَوَقَّعُ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِ وَالْفِتْنَةُ بِهِ أَمْكَنُ لِتَمَكُّنِهِ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْمَرْأَةِ وَالْخَلْوَةِ بِهَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ. وَقَالَ عِيَاضٌ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْخَلْوَةَ بِالْأَحْمَاءِ مُؤَدِّيَةٌ إِلَى الْفِتْنَةِ وَالْهَلَاكِ فِي الدِّينِ فَجَعَلَهُ كَهَلَاكِ الْمَوْتِ وَأَوْرَدَ الْكَلَامَ مَوْرِدَ التَّغْلِيظِ.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: الْمَعْنَى أَنَّ دُخُولَ قَرِيبِ الزَّوْجِ عَلَى امْرَأَةِ الزَّوْجِ يُشْبِهُ الْمَوْتَ فِي الِاسْتِقْبَاحِ وَالْمَفْسَدَةِ، أَيْ فَهُوَ مُحَرَّمٌ مَعْلُومُ التَّحْرِيمِ، وَإِنَّمَا بَالَغَ فِي الزَّجْرِ عَنْهُ وَشَبَّهَهُ بِالْمَوْتِ لِتَسَامُحِ النَّاسِ بِهِ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ لِإِلْفِهِمْ بِذَلِكَ حَتَّى كَأَنَّهُ لَيْسَ بِأَجْنَبِيٍّ مِنَ الْمَرْأَةِ فَخَرَّجَ هَذَا مَخْرَجَ قَوْلِ الْعَرَبِ: الْأَسَدُ الْمَوْتُ، وَالْحَرْبُ الْمَوْتُ، أَيْ لِقَاؤُهُ يُفْضِي إِلَى الْمَوْتِ، وَكَذَلِكَ دُخُولُهُ عَلَى الْمَرْأَةِ قَدْ يُفْضِي إِلَى مَوْتِ الدِّينِ أَوْ إِلَى مَوْتِهَا بِطَلَاقِهَا عِنْدَ غَيْرَةِ الزَّوْجِ أَوْ إِلَى الرَّجْمِ إِنْ وَقَعَتِ الْفَاحِشَةُ. وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ: الْمَعْنَى أَنَّ خَلْوَةَ الْمَحْرَمِ بِهَا أَشَدُّ مِنْ خَلْوَةِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَجَانِبِ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا حَسَّنَ لَهَا أَشْيَاءَ وَحَمَلَهَا عَلَى أُمُورٍ تَثْقُلُ عَلَى الزَّوْجِ مِنِ الْتِمَاسِ مَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِ، فَتَسُوءُ الْعِشْرَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِذَلِكَ، وَلِأَنَّ الزَّوْجَ قَدْ لَا يُؤْثِرُ أَنْ يَطَّلِعَ وَالِدُ زَوْجَتِهِ أَوْ أَخُوهَا عَلَى بَاطِنِ حَالِهِ وَلَا عَلَى مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ اهـ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: الْحَمْوُ الْمَوْتُ، أَيْ: لَابُدَّ مِنْهُ وَلَا يُمْكِنُ حَجْبُهُ عَنْهَا، كَمَا أَنَّهُ لَابُدَّ مِنَ الْمَوْتِ، وَأَشَارَ إِلَى هَذَا الْأَخِيرِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ.

تَنْبِيهٌ:

مَحْرَمُ الْمَرْأَةِ مَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ نِكَاحُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ إِلَّا أُمَّ الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ وَالْمُلَاعَنَةِ فَإِنَّهُمَا حَرَامَانِ عَلَى التَّأْبِيدِ وَلَا مَحْرَمِيَّةَ هُنَاكَ، وَكَذَا أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَخْرَجَهُنَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ فِي التَّعْرِيفِ: بِسَبَبٍ مُبَاحٍ لَا لِحُرْمَتِهَا. وَخَرَجَ بِقَيْدِ التَّأْبِيدِ أُخْتُ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتُهَا وَخَالَتُهَا وَبِنْتُهَا إِذَا عَقَدَ عَلَى الْأُمِّ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا.

الحديث الثاني

قَوْلُهُ (سُفْيَانُ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَقَوْلُهُ حَدَّثَنَا عَمْرٌو هُوَ ابْنُ دِينَارٍ. وَقَدْ وَقَعَ فِي الْجِهَادِ بَعْضُ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَسُفْيَانُ الْمَذْكُورُ هُوَ الثَّوْرِيُّ لَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ مُسْتَوْفَاةً فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ، وَسِيَاقُهُ هُنَاكَ أَتَمُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١١٢ - بَاب مَا يَجُوزُ أَنْ يَخْلُوَ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ عِنْدَ النَّاسِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٢٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الحَوْضِيُّ) بفتح الحاء المهملة وسكون الواو بعدها ضاد معجمة مكسورة، قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامةَ (عَنْ أَنَسٍ ) أنَّه (قَالَ): والله (لأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا) ولأبي ذرٍّ: «بحديثٍ» (سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ، لَا يُحَدِّثُكُمْ بِهِ أَحَدٌ غَيْرِي) لأنَّه آخرُ من مات بالبصرةِ من الصَّحابة، أو كان إذ ذاك في آخرِ عمره حيث لم يبق بعدَه من الصَّحابة من ثبت سماعُه من النَّبيِّ إلَّا النَّادر، ممَّن لم يكن هذا الحديث في (١) مرويِّه، وعند ابنِ ماجه: «لا يحدِّثكم به أحدٌ بعدي» (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ) أي: علاماتها (أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ) لكثرة قتل العلماء بسبب الفتنِ، وفي «كتاب العلم» [خ¦٨١]: «أن يقلَّ العلم» فيحتملُ أن يكون المراد بالقلَّة أولًا وبالرَّفع آخرًا، أو أطلقت القلَّة وأريدَ بها العدم كعكسه (وَيَكْثُرَ الجَهْلُ) بسبب رفعِ العلم (وَيَكْثُرَ الزِّنَا، وَيَكْثُرَ شُرْبُ الخَمْرِ، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ) بسبب القتل في الرَّجلِ من كثرة الفتن دون النِّساء لأنهنَّ لسنَ من ذوات الحربِ، وقيل: بل هي علامة محضةٌ (٢) لا بسبب آخر، بل يقدِّر الله في آخرِ الزَّمان أن يقلَّ من يولد من الذُّكور، ويكثر من يولدُ من الإناث (حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً القَيِّمُ الوَاحِدُ) أي: من يقومُ بأمرهنَّ، واللام للعهد إشارةً إلى المعهود من كون الرِّجال قوَّامين (٣) على النِّساء، ويحتملُ أن يُكَنَّى بذلك عن اتِّباعهنَّ لطلب النِّكاح حلالًا أو حرامًا. وقوله: «لخمسينَ» لا يُنافي قوله في المعلَّق السَّابق [خ¦٦٧/ ١١٠ - ٧٧٧٢]: «أربعون» لأنَّ الأربعينَ داخلة في الخمسين، أو المراد المبالغةُ في كثرةِ النِّساء بالنِّسبة إلى الرِّجال، أو الأربعين عدد من يلذنَ به، والخمسين عدد من يتَّبعه، وهو أعمُّ من أن يلذنَ به، فلا منافاةَ. وقد روى عليُّ بن معبد (٤) في «كتاب الطَّاعة والمعصية» عن حذيفة قال: «إذا عمَّت الفتنةُ ميَّز الله أولياءهُ حتَّى يَتْبَع الرَّجل خمسونَ

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله