«أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٢٥١

الحديث رقم ٥٢٥١ من كتاب «كتاب الطلاق» في صحيح البخاري، تحت باب: كتاب الطلاق.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٢٥١ في صحيح البخاري

«أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ، فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَسُولَ اللهِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ.»

بَابٌ: إِذَا طُلِّقَتِ الْحَائِضُ يُعْتَدُّ بِذَلِكَ الطَّلَاقِ

إسناد حديث رقم ٥٢٥١ من صحيح البخاري

٥٢٥١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ،

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٢٥١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمُبَاسَطَةِ أَوِ التَّسْلِيَةِ أَوِ الْبِشَارَةِ. قُلْتُ: وَجَدْتُ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ مُقَدَّمَةً وَلَفْظُهُ: بَابُ قَوْلِ الرَّجُلِ إِلَخْ وَبَعْدَهُ: وَطَعْنِ الرَّجُلِ إِلَخْ. وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَخْلَى بَيَاضًا لِيَكْتُبَ فِيهِ الْحَدِيثَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ وَهُوَ: هَلْ أَعْرَسْتُمْ أَوْ شَيْئًا مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ أَبِي طَلْحَةِ، وَأُمِّ سُلَيْمٍ عِنْدَ مَوْتِ وَلَدَيْهِمَا وَكَتْمِهَا ذَلِكَ عَنْهُ حَتَّى تَعَشَّى وَبَاتَ مَعَهَا، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ أَبُو طَلْحَةَ النَّبِيَّ فَقَالَ: أَعْرَسْتُمُ اللَّيْلَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَسَيَأْتِي بِهَذَا اللَّفْظِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْعَقِيقَةِ، وَقَوْلُهُ يَطْعُنُ هُوَ بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ فِي بَابِ مَنْ أَدَّبَ أَهْلَهُ دُونَ السُّلْطَانِ

(خَاتِمَةٌ)

اشْتَمَلَ كِتَابُ النِّكَاحِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَتَيْنِ وَثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا وَالْمُتَابَعَاتُ خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، وَالْمُكَرَّرُ مِنْهُ فِيهِ وَفِيمَا مَضَى مِائَةٌ وَاثْنَانِ وَسِتُّونَ حَدِيثًا، وَالْخَالِصُ سِتَّةٌ وَسِتُّونَ حَدِيثًا ; وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ حَدِيثًا وَهِيَ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَكْثَرُهَا نِسَاءً وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنِّي شَابٌّ أَخَافُ الْعَنَتَ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ لَوْ نَزَلْتُ وَادِيًا، وَحَدِيثُ خَطَبَ عَائِشَةَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّمَا أَنَا أَخُوكَ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ، وَحَدِيثُ سَهْلٍ مَرَّ رَجُلٌ فَقَالُوا: هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَرُمَ مِنَ النَّسَبِ سَبْعٌ، وَحَدِيثُ دَفْعِ النَّبِيِّ رَبِيبَتَهُ إِلَى مَنْ يَكْفُلُهَا وَهُوَ مُعَلَّقٌ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمُتْعَةِ، وَحَدِيثُ سَلَمَةَ أَيُّمَا رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ تَوَافَقَا الْحَدِيثُ فِي الْمُتْعَةِ مُعَلَّقٌ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ التَّعْرِيضِ بِالْخِطْبَةِ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ كَانَ النِّكَاحُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ، وَحَدِيثُ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِدَامٍ فِي تَزْوِيجِهَا، وَحَدِيثُ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ فِي ذِكْرِ الضَّرْبِ بِالدُّفِّ صَبِيحَةَ الْعُرْسِ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فَإِنَّ الْأَنْصَارَ يُعْجِبُهُمُ اللَّهْوُ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ كَانَ إِذَا مَرَّ بِجَنَبَاتِ أُمِّ سُلَيْمٍ دَخَلَ عَلَيْهَا، وَهُوَ مُعَلَّقٌ وَبَقِيَّتُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَحَدِيثُ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ فِي الْوَلِيمَةِ، وَحَدِيثُ لَمْ يُوَقِّتِ النَّبِيُّ يَعْنِي فِي الْوَلِيمَةِ

وَهُوَ مُعَلَّقٌ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي إِكْرَامِ الْجَارِ، وَحَدِيثُ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ لَا هَجْرَ إِلَّا فِي الْبَيْتِ وَهُوَ مُعَلَّقٌ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ هَجْرِ النِّسَاءِ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ سِتَّةً وَثَلَاثُونَ أَثَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٦٨ - كِتَاب الطَّلَاقِ

١ - بَاب قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ أَحْصَيْنَاهُ: حَفِظْنَاهُ وَعَدَدْنَاهُ. وَطَلَاقُ السُّنَّةِ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ وَيُشْهِدَ شَاهِدَيْنِ

٥٢٥١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ، فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَسُولَ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ

وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ. قَوْلُهُ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم - كِتَابُ الطَّلَاقِ) الطَّلَاقُ فِي اللُّغَةِ: حَلُّ الْوَثَاقِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْإِطْلَاقِ وَهُوَ الْإِرْسَالُ وَالتَّرْكُ. وَفُلَانٌ طَلْقُ الْيَدِ بِالْخَيْرِ أَيْ كَثِيرُ الْبَذْلِ، وَفِي الشَّرْعِ: حَلُّ عُقْدَةِ التَّزْوِيجِ فَقَطْ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِبَعْضِ أَفْرَادِ مَدْلُولِهِ اللُّغَوِيِّ. قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: هُوَ لَفْظٌ جَاهِلِيٌّ وَرَدَّ الشَّرْعُ بِتَقْرِيرِهِ. وَطَلُقَتِ الْمَرْأَةُ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَضَمِّ اللَّامِ وَبِفَتْحِهَا أَيْضًا وَهُوَ أَفْصَحُ، وَطُلِّقَتْ أَيْضًا بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ اللَّامِ الثَّقِيلَةِ، فَإِنْ خُفِّفَتْ فَهُوَ خَاصٌّ بِالْوِلَادَةِ وَالْمُضَارِعُ فِيهِمَا بِضَمِّ اللَّامِ، وَالْمَصْدَرُ فِي الْوِلَادَةِ طَلْقًا سَاكِنَةُ اللَّامِ، فَهِيَ طَالِقٌ فِيهِمَا.

ثُمَّ الطَّلَاقُ قَدْ يَكُونُ حَرَامًا أَوْ مَكْرُوهًا أَوْ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا أَوْ جَائِزًا، أَمَّا الْأَوَّلُ فَفِيمَا إِذَا كَانَ بِدْعِيًّا وَلَهُ صُوَرٌ، وَأَمَّا الثَّانِي فَفِيمَا إِذَا وَقَعَ بِغَيْرِ سَبَبٍ مَعَ اسْتِقَامَةِ الْحَالِ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَفِي صُوَرٍ مِنْهَا الشِّقَاقُ إِذَا رَأَى ذَلِكَ الْحَكَمَانِ، وَأَمَّا الرَّابِعُ فَفِيمَا إِذَا كَانَتْ غَيْرَ عَفِيفَةٍ، وَأَمَّا الْخَامِسُ فَنَفَاهُ النَّوَوِيُّ وَصَوَّرَهُ غَيْرَهُ بِمَا إِذَا كَانَ لَا يُرِيدُهَا وَلَا تَطِيبُ نَفْسُهُ أَنْ يَتَحَمَّلَ مُؤْنَتَهَا مِنْ غَيْرِ حُصُولِ غَرَضِ الِاسْتِمْتَاعِ، فَقَدْ صَرَّحَ الْإِمَامُ أَنَّ الطَّلَاقَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا يُكْرَهُ.

قَوْلُهُ (وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فَخِطَابٌ لِلنَّبِيِّ بِلَفْظِ الْجَمْعِ تَعْظِيمًا أَوْ عَلَى إِرَادَةِ ضَمِّ أُمَّتِهِ إِلَيْهِ، وَالتَّقْدِيرُ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ وَأُمَّتُهُ. وَقِيلَ هُوَ عَلَى إِضْمَارِ قُلْ أَيْ قُلْ لِأُمَّتِكِ، وَالثَّانِي أَلْيَقُ، فَخَصَّ النَّبِيَّ بِالنِّدَاءِ لِأَنَّهُ إِمَامُ أُمَّتِهِ اعْتِبَارًا بِتَقَدُّمِهِ، وَعَمَّ بِالْخِطَابِ كَمَا يُقَالُ لِأَمِيرِ الْقَوْمِ: يَا فُلَانُ، افْعَلُوا كَذَا.

وَقَوْلُهُ ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ أَيْ إِذَا أَرَدْتُمُ التَّطْلِيقَ جَزْمًا، وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ. وَقَوْلُهُ ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أَيْ عِنْدَ ابْتِدَاءِ شُرُوعِهِنَّ فِي الْعِدَّةِ، وَاللَّامُ لِلتَّوْقِيتِ كَمَا يُقَالُ لَقِيتُهُ لِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ مِنَ الشَّهْرِ، قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ. وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّهُ قَرَأَهَا كَذَلِكَ، وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنِ ابْنِ عُمَرِ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرُ: وَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ وَنُقِلَتْ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ أَيْضًا عَنْ أُبَيٍّ، وَعُثْمَانَ، وَجَابِرٍ، وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَغَيْرِهِمْ، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي الْبَابِ مَزِيدُ بَيَانٍ فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ (أَحْصَيْنَاهُ: حَفِظْنَاهُ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةِ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مَعْنَاهُ عَنِ السُّدِّيِّ، وَالْمُرَادُ الْأَمْرُ بِحِفْظِ ابْتِدَاءِ وَقْتِ الْعِدَّةِ لِئَلَّا يَلْتَبِسَ الْأَمْرُ بِطُولِ الْعِدَّةِ فَتَتَأَذَّى بِذَلِكَ الْمَرْأَةُ.

قَوْلُهُ (وَطَلَاقُ السُّنَّةِ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ) رَوَى الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ قَالَ: فِي الطُّهْرِ مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ، وَأَخْرَجَهُ عَنْ جَمْعٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ كَذَلِكَ، وَهُوَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ أَيْضًا.

قَوْلُهُ (وَيُشْهِدُ شَاهِدَيْنِ) مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وَهُوَ وَاضِحٌ، وَكَأَنَّهُ لَمَّحَ بِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ نَفَرٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ يُطَلِّقُونَ لِغَيْرِ عِدَّةٍ وَيُرَاجِعُونَ بِغَيْرِ شُهُودٍ، فَنَزَلَتْ. وَقَدْ قَسَّمَ الْفُقَهَاءُ الطَّلَاقَ إِلَى سُنِّيٍّ، وَبِدْعِيٍّ، وَإِلَى قِسْمٍ ثَالِثٍ لَا وَصْفَ لَهُ. فَالْأَوَّلُ مَا تَقَدَّمَ. وَالثَّانِي أَنْ يُطَلِّقَ فِي الْحَيْضِ أَوْ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ أَمْرُهَا أَحَمَلَتْ أَمْ لَا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَضَافَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى طَلْقَةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ أَضَافَ لَهُ الْخُلْعَ. وَالثَّالِثُ تَطْلِيقُ الصَّغِيرَةِ وَالْآيِسَةِ وَالْحَامِلِ الَّتِي قَرُبَتْ وِلَادَتُهَا، وَكَذَا إِذَا وَقَعَ السُّؤَالُ مِنْهَا فِي وَجْهٍ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ عَالِمَةً بِالْأَمْرِ، وَكَذَا إِذَا وَقَعَ الْخُلْعُ بِسُؤَالِهَا وَقُلْنَا إِنَّهُ طَلَاقٌ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ تَحْرِيمِ طَلَاقِ الْحَائِضِ صُوَرٌ: مِنْهَا مَا لَوْ كَانَتْ حَامِلًا وَرَأَتِ الدَّمَ وَقُلْنَا الْحَامِلُ تَحِيضُ

فَلَا يَكُونُ طَلَاقُهَا بِدْعِيًّا، وَلَا سِيَّمَا إِنْ وَقَعَ بِقُرْبِ الْوِلَادَةِ، وَمِنْهَا إِذَا طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَى الْمُولِي وَاتَّفَقَ وُقُوعُ ذَلِكَ فِي الْحَيْضِ، وَكَذَا فِي صُورَةِ الْحَكَمَيْنِ إِذَا تَعَيَّنَ ذَلِكَ طَرِيقًا لِرَفْعِ الشِّقَاقِ، وَكَذَلِكَ الْخُلْعُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ (أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ) فِي مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ وَعِنْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ طَلَّقْتُ امْرَأَتِي وَكَذَا فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ: اسْمُهَا آمِنَةُ بِنْتُ غِفَارٍ قَالَهُ ابْنُ بَاطِيشٍ، وَنَقَلَهُ عَنِ النَّوَوِيِّ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ بَعْدَهُ مِنْهُمُ الذَّهَبِيُّ فِي تَجْرِيدِ الصَّحَابَةِ لَكِنْ قَالَ فِي مُبْهَمَاتِهِ: فَكَأَنَّهُ أَرَادَ مُبْهَمَاتِ التَّهْذِيبِ. وَأَوْرَدَهَا الذَّهَبِيُّ فِي آمِنَةَ بِالْمَدِّ وَكَسْرِ الْمِيمِ ثُمَّ نُونٍ، وَأَبُوهَا غِفَارٌ ضَبَطَهُ ابْنُ يَقَظَةَ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْفَاءِ، وَلَكِنِّي رَأَيْتُ مُسْتَنِدَ ابْنِ بَاطِيشٍ فِي أَحَادِيثِ قُتَيْبَةَ جَمَعَ سَعِيدُ الْعَيَّارُ بِسَنَدٍ فِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ آمِنَةَ بِنْتَ عَمَّارٍ ; كَذَا رَأَيْتُهَا فِي بَعْضِ الْأُصُولِ بِمُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ مِيمٍ ثَقِيلَةٍ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَأَقْوَى مِنْ ذَلِكَ مَا رَأَيْتُهُ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنَا يُونُسُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ النَّوَارَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا الْحَدِيثَ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَيُونُسُ شَيْخُ أَحْمَدَ هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبُ مِنْ رِجَالِهِمَا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ وَلَكِنْ لَمْ تُسَمَّ عِنْدَهُمَا، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ اسْمُهَا آمِنَةَ وَلَقَبُهَا النَّوَارَ.

قَوْلُهُ (وَهِيَ حَائِضٌ) فِي رِوَايَةِ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ فِي دَمِهَا حَائِضٌ، وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي حَيْضِهَا.

قَوْلُهُ (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ كَذَا فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ وَمِثْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ لَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ؛ اسْتِغْنَاءً بِمَا فِي الْخَبَرِ: أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ، فَاسْتَلْزَمَ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي عَهْدِهِ، وَزَادَ اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ جَوَّدَ اللَّيْثُ فِي قَوْلَهُ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً اهـ، وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ قَالَ: مَكَثْت عِشْرِينَ سَنَةً يُحَدِّثنِي مَنْ لَا أَتَّهِم أَنَّ اِبْن عُمَر طَلَّقَ اِمْرَأَته ثَلَاثًا وَهِيَ حَائِض، فَأُمِرَ أَنْ يُرَاجِعهَا، فَكُنْت لَا أَتَّهِمهُمْ وَلَا أَعْرِف وَجْه الْحَدِيث، حَتَّى لَقِيت أَبَا غَلَّاب يُونُس بْن جُبَيْر وَكَانَ ذَا ثَبَتٍ، فَحَدَّثَنِي أَنَّهُ سَأَلَ اِبْن عُمَر فَحَدَّثَهُ أَنَّهُ طَلَّقَ اِمْرَأَته تَطْلِيقَة وَهِيَ حَائِض وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ قَالَ طَلَّقَ اِبْن عُمَر اِمْرَأَته وَهِيَ حَائِض وَاحِدَة وَمِنْ طَرِيق عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ عَنْ الْحَسَن عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ طَلَّقَ اِمْرَأَته تَطْلِيقَة وَهِيَ حَائِض.

قَوْله (فَسَأَلَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَسُول اللَّه عَنْ ذَلِكَ) فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي ذِئْب عَنْ نَافِع فَأَتَى عُمَر النَّبِيّ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَكَذَا سَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ مِنْ رِوَايَة قَتَادَةَ عَنْ يُونُس بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عُمَر، وَكَذَا عِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة يُونُس بْن عُبَيْد عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ يُونُس بْن جُبَيْر، وَكَذَا عِنْده فِي رِوَايَة طَاوُسٍ عَنْ اِبْن عُمَر، وَكَذَا فِي رِوَايَة الشَّعْبِيّ الْمَذْكُورَة، وَزَادَ فِيهِ الزُّهْرِيُّ فِي رِوَايَته كَمَا تَقَدَّمَ فِي التَّفْسِير عَنْ سَالِم أَنَّ اِبْن عُمَر أَخْبَرَهُ، فَتَغَيَّظَ فِيهِ رَسُول اللَّه وَلَمْ أَرَ هَذِهِ الزِّيَادَة فِي رِوَايَة غَيْر سَالِم، وَهُوَ أَجَلُّ مَنْ رَوَى الْحَدِيث عَنْ اِبْن عُمَر، وَفِيهِ إِشْعَار بِأَنَّ الطَّلَاق فِي الْحَيْض كَانَ تَقَدَّمَ النَّهْيُ عَنْهُ. وَإِلَّا لَمْ يَقَع التَّغَيُّظ عَلَى أَمْر لَمْ يَسْبِق النَّهْي عَنْهُ. وَلَا يُعَكِّر عَلَى ذَلِكَ مُبَادَرَة عُمَر بِالسُّؤَالِ عَنْ ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون عَرَفَ حُكْم الطَّلَاق فِي الْحَيْض وَأَنَّهُ مَنْهِيّ عَنْهُ وَلَمْ يَعْرِف مَاذَا يَصْنَع مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ، قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ: سُؤَال عُمَر مُحْتَمِل لِأَنْ يَكُون أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا قَبْلهَا مِثْلهَا فَسَأَلَ لِيَعْلَم، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لَمَّا رَأَى فِي الْقُرْآن قَوْله ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وَقَوْله ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ

ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ أَرَادَ أَنْ يَعْلَم أَنَّ هَذَا قُرْء أَمْ لَا؟ وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون سَمِعَ مِنْ النَّبِيّ النَّهْي فَجَاءَ لِيَسْأَل عَنْ الْحُكْم بَعْد ذَلِكَ.

وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد: وَتَغَيُّظُ النَّبِيّ إِمَّا لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي يَقْتَضِي الْمَنْع كَانَ ظَاهِرًا فَكَانَ مُقْتَضَى الْحَال التَّثَبُّت فِي ذَلِكَ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ مُقْتَضَى الْحَال مُشَاوَرَة النَّبِيّ فِي ذَلِكَ إِذَا عَزَمَ عَلَيْهِ.

قَوْله (مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا) قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد: يَتَعَلَّق بِهِ مَسْأَلَة أُصُولِيَّة، وَهِيَ أَنَّ الْأَمْر بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ هَلْ هُوَ أَمْر بِذَلِكَ أَمْ لَا؟ فَإِنَّهُ قَالَ لِعُمَر: مُرْهُ، فَأَمَرَهُ بِأَنْ يَأْمُرهُ. قُلْت: هَذِهِ الْمَسْأَلَة ذَكَرَهَا اِبْن الْحَاجِب فَقَالَ: الْأَمْر بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ لَيْسَ أَمْرًا بِذَلِكَ الشَّيْء. لَنَا: لَوْ كَانَ لَكَانَ مُرْ عَبْدك بِكَذَا تَعَدِّيًا، وَلَكَانَ يُنَاقِض قَوْلك لِلْعَبْدِ: لَا تَفْعَل. قَالُوا: فُهِمَ ذَلِكَ مِنْ أَمْر اللَّه وَرَسُوله وَمِنْ قَوْل الْمَلِك لِوَزِيرِهِ: قُلْ لِفُلَانٍ: اِفْعَلْ. قُلْنَا: لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ مُبَلِّغ.

قُلْت: وَالْحَاصِل أَنَّ النَّفْي إِنَّمَا هُوَ حَيْثُ تَجَرَّدَ الْأَمْر، وَأَمَّا إِذَا وُجِدَتْ قَرِينَة تَدُلّ عَلَى أَنَّ الْآمِر الْأَوَّل أَمَرَ الْمَأْمُور الْأَوَّل أَنْ يُبَلِّغ الْمَأْمُور الثَّانِي فَلَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يُنَزَّلَ كَلَام الْفَرِيقَيْنِ عَلَى هَذَا التَّفْصِيل، فَيَرْتَفِع الْخِلَاف.

وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْن الْأَمْرَيْنِ فَقَالَ: إِنْ كَانَ الْآمْر الْأَوَّل بِحَيْثُ يَسُوغ لَهُ الْحُكْمُ عَلَى الْمَأْمُور الثَّانِي فَهُوَ آمِر لَهُ وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا قَوِيّ، وَهُوَ مُسْتَفَاد مِنْ الدَّلِيل الَّذِي اِسْتَدَلَّ بِهِ اِبْن الْحَاجِب عَلَى النَّفْي، لِأَنَّهُ لَا يَكُون مُتَعَدِّيًا إِلَّا إِذَا أَمَرَ مَنْ لَا حُكْم لَهُ عَلَيْهِ؛ لِئَلَّا يَصِير مُتَصَرِّفًا فِي مِلْك غَيْره بِغَيْرِ إِذْنه، وَالشَّارِع حَاكِم عَلَى الْآمِر وَالْمَأْمُور فَوُجِدَ فِيهِ سُلْطَان التَّكْلِيف عَلَى الْفَرِيقَيْنِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ فَإِنَّ كُلّ أَحَد يَفْهَم مِنْهُ أَمْر اللَّه لِأَهْلِ بَيْته بِالصَّلَاةِ، وَمِثْله حَدِيث الْبَاب؛ فَإِنَّ عُمَرَ إِنَّمَا اسْتَفْتَى النَّبِيَّ عَنْ ذَلِكَ لِيَمْتَثِلَ مَا يَأْمُرُهُ بِهِ وَيُلْزِمُ ابْنَهُ بِهِ، فَمَنْ مَثَّلَ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَهُوَ غَالِطٌ، فَإِنَّ الْقَرِينَةَ وَاضِحَةٌ فِي أَنَّ عُمَرَ فِي هَذِهِ الْكَائِنَةِ كَانَ مَأْمُورًا بِالتَّبْلِيغِ، وَلِهَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ فَأَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا وَفِي رِوَايَةِ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، وَيُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ، وَطَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ فَلْيُرَاجِعْهَا وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فَرَاجَعَهَا عَبْدُ اللَّهِ كَمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ لِيُرَاجِعْهَا وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَإِنَّ النَّبِيَّ أَمَرَنِي بِهَذَا وَقَدِ اقْتَضَى كَلَامُ سُلَيْمٍ الرَّازِيِّ فِي التَّقْرِيبِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الثَّانِي الْفِعْلُ جَزْمًا وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي تَسْمِيَتِهِ آمِرًا فَرَجَعَ الْخِلَافُ عِنْدَهُ لَفْظِيًّا.

وَقَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي الْمَحْصُولِ: الْحَقُّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا قَالَ لِزَيْدٍ: أَوْجَبْتُ عَلَى عَمْرٍو كَذَا، وَقَالَ لِعَمْرٍو: كُلُّ مَا أَوْجَبَ عَلَيْكَ زَيْدٌ فَهُوَ وَاجِبٌ عَلَيْكَ، كَانَ الْأَمْرُ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ أَمْرًا بِالشَّيْءِ. قُلْتُ: وَهَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْأَمْرِ الصَّادِرِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَمِنْ غَيْرِهِ، فَمَهْمَا أَمَرَ الرَّسُولُ أَحَدًا أَنْ يَأْمُرَ بِهِ غَيْرَهُ وَجَبَ لِأَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ طَاعَتَهُ وَهُوَ أَوْجَبَ طَاعَةَ أَمِيرِهِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي وَأَمَّا غَيْرُهُ مِمَّنْ بَعْدَهُ فَلَا، وَفِيهِمْ تَظْهَرُ صُورَةُ التَّعَدِّي الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا ابْنُ الْحَاجِبِ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَرَدَّدَ فِي اقْتِضَاءِ ذَلِكَ الطَّلَبِ، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ فِي أَنَّ لَوَازِمَ صِيغَةِ الْأَمْرِ هَلْ هِيَ لَوَازِمُ صِيغَةِ الْأَمْرِ بِالْأَمْرِ أَوْ لَا؟ بِمَعْنَى أَنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الطَّلَبِ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ أَوْ لَا. قُلْتُ: وَهُوَ حَسَنٌ، فَإِنَّ أَصْلَ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي انْبَنَى عَلَيْهَا هَذَا الْخِلَافُ حَدِيثُ مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ فَإِنَّ الْأَوْلَادَ لَيْسُوا بِمُكَلَّفِينَ فَلَا يَتَّجِهُ عَلَيْهِمُ الْوُجُوبُ، وَإِنَّمَا الطَّلَبُ مُتَوَجِّهٌ عَلَى أَوْلِيَائِهِمْ أَنْ يُعَلِّمُوهُمْ ذَلِكَ، فَهُوَ مَطْلُوبٌ مِنَ الْأَوْلَادِ بِهَذِهِ الطَّرِيقِ وَلَيْسَ مُسَاوِيًا لِلْأَمْرِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا إِنَّمَا عَرَضٌ مِنْ أَمْرٍ خَارِجٍ وَهُوَ امْتِنَاعُ تَوَجُّهِ الْأَمْرِ عَلَى غَيْرِ الْمُكَلَّفِ، وَهُوَ بِخِلَافِ الْقِصَّةِ الَّتِي فِي حَدِيثِ الْبَابِ.

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْخِطَابَ إِذَا تَوَجَّهَ لِمُكَلَّفٍ أَنْ يَأْمُرَ مُكَلَّفًا آخَرَ بِفِعْلِ شَيْءٍ كَانَ الْمُكَلَّفُ الْأَوَّلُ مُبَلِّغًا مَحْضًا، وَالثَّانِي مَأْمُورٌ مِنْ قِبَلِ

الشَّارِعِ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ لِمَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ وَأَصْحَابِهِ وَمُرُوهُمْ بِصَلَاةِ كَذَا فِي حِينِ كَذَا وَقَوْلُهُ لِرَسُولِ ابْنَتِهِ مُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ، فَإِذَا أَمَرَ الْأَوَّلُ الثَّانِيَ بِذَلِكَ فَلَمْ يَمْتَثِلْهُ كَانَ عَاصِيًا، وَإِنْ تَوَجَّهَ الْخِطَابُ مِنَ الشَّارِعِ لِمُكَلَّفٍ أَنْ يَأْمُرَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ أَوْ تَوَجَّهَ الْخِطَابُ مِنْ غَيْرِ الشَّارِعِ بِأَمْرِ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ الْأَمْرُ أَنْ يَأْمُرَ مَنْ لَا أَمْرَ لِلْأَوَّلِ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ أَمْرًا بِالشَّيْءِ فَالصُّورَةُ الْأَوْلَى هِيَ الَّتِي نَشَأَ عَنْهَا الِاخْتِلَافُ وَهُوَ أَمْرُ أَوْلِيَاءِ الصِّبْيَانِ أَنْ يَأْمُرُوا الصِّبْيَانَ، وَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ الَّتِي يَتَصَوَّرُ فِيهَا أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ مُتَعَدِّيًا بِأَمْرِهِ لِلْأَوَّلِ أَنْ يَأْمُرَ الثَّانِيَ، فَهَذَا فَصْلُ الْخِطَابِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

وَاخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ الْمُرَاجَعَةِ، فَذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ - وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ - أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ لَا يَجِبُ فَاسْتِدَامَتُهُ كَذَلِكَ، لَكِنْ صَحَّحَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، وَالْحُجَّةُ لِمَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ وُرُودُ الْأَمْرِ بِهَا، وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ لَمَّا كَانَ مُحَرَّمًا فِي الْحَيْضِ كَانَتِ اسْتِدَامَةُ النِّكَاحِ فِيهِ وَاجِبَةً، فَلَوْ تَمَادَى الَّذِي طَلَّقَ فِي الْحَيْضِ حَتَّى طَهُرَتْ قَالَ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ: يُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ أَيْضًا، وَقَالَ أَشْهَبُ مِنْهُمْ: إِذَا طَهُرَتِ انْتَهَى الْأَمْرُ بِالرَّجْعَةِ.

وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا أَنْ لَا رَجْعَةَ، وَأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ فِي طُهْرٍ قَدْ مَسَّهَا فِيهِ لَا يُؤْمَرُ بِمُرَاجَعَتِهَا، كَذَا نَقَلَهُ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ، لَكِنَّ الْخِلَافَ فِيهِ ثَابِتٌ قَدْ حَكَاهُ الْحَنَّاطِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَجْهًا، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَهِيَ حَائِضٌ لَمْ يُؤْمَرْ بِالْمُرَاجَعَةِ إِلَّا مَا نُقِلَ عَنْ زُفَرَ فَطَرَدَ الْبَابَ.

قَوْلُهُ (ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا) أَيْ يَسْتَمِرَّ بِهَا فِي عِصْمَتِهِ.

قَوْلُهُ (حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ) فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ ثُمَّ لِيَدَعْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ، وَأَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، وَكَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، وَكَذَا عِنْدَهُمَا مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَالِمٍ بِلَفْظِ مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا قَالَ الشَّافِعِيُّ: غَيْرُ نَافِعٍ إِنَّمَا رَوَى حَتَّى تَطْهُرَ مِنَ الْحَيْضَةِ الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ رَوَاهُ يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَنَسُ بْنُ سِيرِينَ، وَسَالِمٌ. قُلْتُ: وَهُوَ كَمَا قَالَ، لَكِنَّ رِوَايَةَ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ مُوَافِقَةٌ لِرِوَايَةِ نَافِعٍ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ، وَالزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ حَافِظًا.

وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِذَلِكَ - أَيْ بِمَا فِي رِوَايَةِ نَافِعٍ - أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا بَعْدَ الْحَيْضَةِ الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا بِطُهْرٍ تَامٍّ ثُمَّ حَيْضٍ تَامٍّ لِيَكُونَ تَطْلِيقُهَا وَهِيَ تَعْلَمُ عِدَّتَهَا إِمَّا بِحَمْلٍ أَوْ بِحَيْضٍ، أَوْ لِيَكُونَ تَطْلِيقُهَا بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْحَمْلِ وَهُوَ غَيْرُ جَاهِلٍ بِمَا صَنَعَ إِذْ يَرْغَبُ فَيُمْسِكُ لِلْحَمْلِ أَوْ لِيَكُونَ إِنْ كَانَتْ سَأَلَتِ الطَّلَاقَ غَيْرَ حَامِلٍ أَنْ تَكُفَّ عَنْهُ. وَقِيلَ: الْحِكْمَةُ فِيهِ أَنْ لَا تَصِيرَ الرَّجْعَةُ لِغَرَضِ الطَّلَاقِ، فَإِذَا أَمْسَكَهَا زَمَانًا يَحِلُّ لَهُ فِيهِ طَلَاقُهَا ظَهَرَتْ فَائِدَةُ الرَّجْعَةِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَطُولُ مَقَامُهُ مَعَهَا، فَقَدْ يُجَامِعُهَا فَيَذْهَبُ مَا فِي نَفْسِهِ مِنْ سَبَبِ طَلَاقِهَا فَيُمْسِكُهَا. وَقِيلَ: إِنَّ الطُّهْرَ الَّذِي يَلِي الْحَيْضَ الَّذِي طَلَّقَهَا فِيهِ كَقُرْءٍ وَاحِدٍ، فَلَوْ طَلَّقَهَا فِيهِ لَكَانَ كَمَنْ طَلَّقَ فِي الْحَيْضِ، وَهُوَ مُمْتَنَعٌ مِنَ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ، فَلَزِمَ أَنْ يَتَأَخَّرَ إِلَى الطُّهْرِ الثَّانِي.

وَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِ تَطْلِيقِهَا فِي الطُّهْرِ الَّذِي يَلِي الْحَيْضَةَ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ. وَفِيهِ لِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ الزِّيَادَةِ الَّتِي فِي الْحَدِيثِ. وَعِبَارَةُ الْغَزَالِيِّ فِي الْوَسِيطِ وَتَبِعَهُ مُجَلِّي: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُطَلِّقَ فِي هَذَا الطُّهْرِ؟ وَجْهَانِ. وَكَلَامُ الْمَالِكِيَّةِ يَقْتَضِي أَنَّ التَّأْخِيرَ مُسْتَحَبٌّ. وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَلَا يُطَلِّقْهَا فِي الطُّهْرِ الْمُتَعَقِّبِ لَهُ فَإِنَّهُ بِدْعَةٌ، وَعَنْهُ - أَيْ عَنْ أَحْمَدَ - جَوَازُ ذَلِكَ. وَفِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ

عَنْ أَبِي حَنِيفَةِ الْجَوَازُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ الْمَنْعُ.

وَوَجْهُ الْجَوَازِ أَنَّ التَّحْرِيمَ إِنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ الْحَيْضِ، فَإِذَا طَهُرَتْ زَالَ مُوجِبُ التَّحْرِيمِ فَجَازَ طَلَاقُهَا فِي هَذَا الطُّهْرِ كَمَا يَجُوزُ فِي الطُّهْرِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَكَمَا يَجُوزُ طَلَاقُهَا فِي الطُّهْرِ إِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ طَلَاقٌ فِي الْحَيْضِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا حِجَجَ الْمَانِعِينَ، وَمِنْهَا أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا عَقِبَ تِلْكَ الْحَيْضَةِ كَانَ قَدْ رَاجَعَهَا لِيُطَلِّقَهَا، وَهَذَا عَكْسُ مَقْصُودِ الرَّجْعَةِ فَإِنَّهَا شُرِعَتْ لِإِيوَاءِ الْمَرْأَةِ وَلِهَذَا سَمَّاهَا إِمْسَاكًا فَأَمَرَهُ أَنْ يُمْسِكَهَا فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ وَأَنْ لَا يُطَلِّقَ فِيهِ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى ثُمَّ تَطْهُرَ لِتَكُونَ الرَّجْعَةُ لِلْإِمْسَاكِ لَا لِلطَّلَاقِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّارِعَ أَكَّدَ هَذَا الْمَعْنَى حَيْثُ أَمَرَ بِأَنْ يُمْسِكَهَا فِي الطُّهْرِ الَّذِي يَلِي الْحَيْضَ الَّذِي طَلَّقَهَا فِيهِ، لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ مُرْهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا فَإِذَا طَهُرَتْ أَمْسَكَهَا حَتَّى إِذَا طَهُرَتْ أُخْرَى، فَإِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا فَإِذَا كَانَ قَدْ أَمَرَهُ بِأَنْ يُمْسِكَهَا فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ فَكَيْفَ يُبِيحُ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِيهِ؟ وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنِ الطَّلَاقِ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ.

قَوْلُهُ (ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ) فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ ثُمَّ يُطَلِّقُهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَهَا أَوْ يُمْسِكَهَا وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ، وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا وَفِي رِوايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَالِمٍ ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا وَتَمَسَّكَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ مَنِ اسْتَثْنَى مِنْ تَحْرِيمِ الطَّلَاقِ فِي طُهْرٍ جَامَعَ فِيهِ مَا إِذَا ظَهَرَ الْحَمْلُ فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ. وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّهُ إِذَا ظَهَرَ الْحَمْلُ فَقَدْ أَقْدَمَ عَلَى ذَلِكَ عَلَى بَصِيرَةٍ فَلَا يَنْدَمُ عَلَى الطَّلَاقِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ زَمَنَ الْحَمْلِ زَمَنُ الرَّغْبَةِ فِي الْوَطْءِ فَإِقْدَامُهُ عَلَى الطَّلَاقِ فِيهِ يَدُلُّ عَلَى رَغْبَتِهِ عَنْهَا، وَمَحِلُّ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْحَمْلُ مِنَ الْمُطَلِّقِ، فَلَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِ بِأَنْ نَكَحَ حَامِلًا مِنْ زِنًا وَوَطِئَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا أَوْ وُطِئَتْ مَنْكُوحَةٌ بِشُبْهَةٍ ثُمَّ حَمَلَتْ مِنْهُ فَطَلَّقَهَا زَوْجُهَا فَإِنَّ الطَّلَاقَ يَكُونُ بِدْعِيًّا، لِأَنَّ عِدَّةَ الطَّلَاقِ تَقَعُ بَعْدَ وَضْعِ الْحَمْلِ وَالنَّقَاءِ مِنَ النِّفَاسِ، فَلَا تُشْرَعُ عَقِبَ الطَّلَاقِ فِي الْعِدَّةِ كَمَا فِي الْحَامِلِ مِنْهُ.

قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِي قَوْلُهُ ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ: إِذَا طَهُرْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ لَا يَكُونُ مُطَلِّقًا لِلسُّنَّةِ، لِأَنَّ الْمُطَلِّقَ لِلسُّنَّةِ هُوَ الَّذِي يَكُونُ مُخَيَّرًا عِنْدَ وُقُوعِ طَلَاقِهِ بَيْنَ إِيقَاعِ الطَّلَاقِ وَتَرْكِهِ، وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ فِي طُهْرٍ جَامَعَ فِيهِ حَرَامٌ، وَبِهِ صَرَّحَ الْجُمْهُورُ، فَلَوْ طَلَّقَ هَلْ يُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ كَمَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا إِذَا طَلَّقَهَا وَهِيَ حَائِضٌ؟ طَرَدَهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ فِيهِمَا، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُمْ إِجْبَارُهُ فِي الْحَائِضِ دُونَ الطَّاهِرِ، وَقَالُوا فِيمَا إِذَا طَلَّقَهَا وَهِيَ حَائِضٌ: يُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ، فَإِنِ امْتَنَعَ أَدَّبَهُ الْحَاكِمُ، فَإِنْ أَصَرَّ ارْتَجَعَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ. وَهَلْ يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا؟ بِذَلِكَ رِوَايَتَانِ لَهُمْ أَصَحُّهُمَا الْجَوَازُ، وَعَنْ دَاوُدَ يُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ إِذَا طَلَّقَهَا حَائِضًا وَلَا يُجْبَرُ إِذَا طَلَّقَهَا نُفَسَاءَ ; وَهُوَ جُمُودٌ.

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا وَفِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا مِنْ حَيْضِهَا.

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ طَاهِرًا هَلِ الْمُرَادُ بِهِ انْقِطَاعُ الدَّمِ أَوِ التَّطَهُّرِ بِالْغُسْلِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ، وَالرَّاجِحُ الثَّانِي، لِمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ مُرْ عَبْدَ اللَّهِ فَلْيُرَاجِعْهَا، فَإِذَا اغْتَسَلَتْ مِنْ حَيْضَتِهَا الْأُخْرَى فَلَا يَمَسَّهَا حَتَّى يُطَلِّقْهَا، وَإِنْ شَاءَ يُمْسِكْهَا فَلْيُمْسِكْهَا وَهَذَا مُفَسِّرٌ لِقَوْلِهِ فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُحْمَلْ عَلَيْهِ، وَيَتَفَرَّعُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْعِدَّةَ هَلْ تَنْقَضِي بِانْقِطَاعِ الدَّمِ وَتَرْتَفِعُ الرَّجْعَةُ، أَوْ لَا بُدَّ مِنَ الِاغْتِسَالِ؟ فِيهِ خِلَافٌ أَيْضًا.

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَحْكَامَ الْمُرَتَّبَةَ عَلَى الْحَيْضِ نَوْعَانِ: الْأَوَّلُ يَزُولُ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ كَصِحَّةِ الْغُسْلِ وَالصَّوْمِ وَتَرَتُّبِ الصَّلَاةِ فِي الذِّمَّةِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ابن الهُمام: الطَّلاقُ السُّنِّيُّ المسنونُ، وهو كالمندوبِ في استعقابِ الثَّواب، والمراد به هنا المباح لأنَّ الطَّلاق ليس عبادةً في نفسه ليثبت له ثوابٌ، فمعنى المسنون منه ما ثبتَ على وجهٍ لا يستوجب عِتابًا. نعم لو وقعت له داعيةٌ أن يطلِّقها (١) عقب جماعها أو حائضًا فمنع نفسه إلى الطُّهر الآخر فإنَّه يثاب، لكن لا على الطَّلاق في الطُّهر الخالي عن الحيض، بل على كفِّ نفسه عن ذلك الإيقاعِ على ذلك الوجهِ امتناعًا عن المعصية.

وأمَّا البدعيُّ فطلاق مدخولٍ بها بلا عوضٍ منها في حيضٍ أو نفاسٍ أو في عدَّة طلاقٍ رجعيٍّ، وهي تعتدُّ بالأقراءِ، وذلك لمخالفته (٢) قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وزمن الحيض والنِّفاس لا يحسب من العدَّة، والمعنى فيه تضرُّرها بطول مدَّة التَّربُّص أو في طهرٍ جامعها فيه، أو استدخلت ماءه فيه، ولو كان الجماعُ أو الاستدخال في حيضٍ قبله أو في الدُّبر إن لم يتبيَّن حملها، وكانت ممَّن يحبلُ لأدائه إلى النَّدم عند ظهورِ الحمل؛ لأنَّ الإنسان قد يطلق الحائلَ دونَ الحامل، وعند النَّدم قد لا يمكنه التَّدارك فيتضرَّر هو والولد، وألحقوا الجماعَ في الحيض بالجماعِ في الطُّهر لاحتمال العلُوق فيه، والجماعُ في الدُّبر كالجماعِ في القُبل لثبوت النَّسب ووجوب العدَّة به، وهذا الطَّلاق حرامٌ للنَّهي عنه، وقال النَّوويُّ: أجمعَـ[ت] الأمَّة على تحريمهِ بغير رضا المرأةِ، فإن طلَّقها أثِمَ ووَقَعَ طلاقُه.

٥٢٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأُويسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابنُ أنسٍ الإمامُ (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ) هي آمِنةُ -بمدِّ الهمزة وكسر الميم- بنتُ غِفَارٍ -بكسر المعجمة وتخفيف الفاء-، أو بنتُ عَمَّارٍ -بعين مهملة مفتوحة ثم ميم مشددة-. قال ابن حجرٍ: والأوَّل أولى. وفي «مسند أحمد» أنَّ اسمها النَّوَار، ويمكن أن

يكون اسمها آمنة ولقبها النَّوَار (وَهْيَ حَائِضٌ) جملةٌ حاليَّةٌ (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) (رَسُولَ اللهِ عَنْ ذَلِكَ) عن حكم طلاقِ ابنهِ على الصِّفة المذكورة. زادَ الزُّهريُّ -كما في «التفسير» - عن سالم: «أنَّ ابنَ عمر أخبره فتغيَّظ فيه رسول الله » [خ¦٤٩٠٨] (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ) لعمر: (مُرْهُ) أصله: اُأْمره، بهمزتين الأولى للوصل مضمومة تبعًا للعين، مثل: اقتل، والثَّانية فاء الكلمة ساكنةٌ تبدَّل تخفيفًا من جنس حركةِ سابقتها، فتقول: أومر (١)، فإذا وصل الفعل بما قبله زالت همزةُ الوصل وسكِّنت الهمزةُ الأصليَّة كما في قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ [طه: ١٣٢]. لكن استعملها العربُ بلا همزةٍ (٢)، فقالوا: مُر (٣) لكثرة الدَّور، ولأنَّهم حذفوا أوَّلًا الهمزة الثَّانية تخفيفًا، ثمَّ حذفوا همزة الوصل استغناءً عنها لتحرُّك ما بعدها وكذا حكمُ أخذ وأكل، أي: مُر ابنك عبدَ الله (فَلْيُرَاجِعْهَا) والأمر للنَّدب عند الشَّافعيَّة والحنابلة والحنفيَّة. وقال المالكيَّة: وصحَّحه صاحبُ «الهداية» من الحنفيَّة للوجوب، ويجبر على مراجعتها ما بقي من العدَّة شيءٌ. قال ابنُ القاسم وأشهب وابنُ الموَّاز: يجبر عندنا بالضَّرب والسَّجن والتَّهديد. انتهى.

لنا: قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] وغيرها من الآياتِ المقتضية للتَّخيير بين الإمساكِ بالرَّجعة أو الفراق بتركِها، فجمع بين الآيات والحديث بحملِ الأمر على النَّدب، ولأنَّ المراجعة لاستدراكِ النِّكاح، وهو غيرُ واجبٍ في الابتداء. قال الإمامُ: ومع استحبابِ الرَّجعة لا نقول إنَّ تركها مكروهٌ، لكن قال في «الرَّوضة»: فيه نظرٌ، وينبغي كراهته لصحَّة الخبر فيه ولدفع الإيذاءِ، ويسقط الاستحباب بدخول الطُّهر الثَّاني. وقال ابنُ دقيق العيد: ويتعلَّق بالحديث مسألةٌ أصوليَّةٌ، وهي الأمر بالأمر بالشَّيء، هل هو أمرٌ بذلك الشَّيء أم لا؟ فإنَّ النَّبيَّ قال لعمر: «مُرْهُ» فأَمره بأَمره، وقد أطال في «الفتح» البحث في هذه المسألة، والحاصلُ: أنَّ الخطاب إذا توجَّه لمكلَّفٍ أن يأمر مكلَّفًا آخر بفعل شيءٍ، كان المكلَّفُ الأوَّل مبلِّغًا محضًا، والثَّاني مأمورٌ من قبل الشَّارع كما هنا، وإن توجَّه من الشَّارع لمكلَّفٍ أن يأمرَ غير المكلَّف كحديث: «مُرُوا أَولَادَكُم بالصَّلَاةِ لِسَبعٍ» لم يكن الأمر بالأمر بالشَّيء أمرًا بالشَّيء لأنَّ الأولاد

غير مكلَّفين، فلا يتَّجه عليهم الوجوب، وإن توجَّه الخطاب من غير الشَّارع بأمرِ مَن له عليه الأمر أن يأمرَ من لا أمر للأوَّل عليه، لم يكن الأمر بالأمر بالشَّيء أمرًا بالشَّيء أيضًا، بل هو مُتعدٍّ (١) بأمره للأوَّل أن يأمر الثَّاني.

(ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا) بإعادة اللَّام ويجوز تسكينها كقراءةِ ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] فالكسر على الأصل في لام الأمر فرقًا بينها (٢) وبين لام التَّأكيد، والسكون للتَّخفيف إجراءً للمنفصلِ مجرى المتَّصل، والمرادُ الأمرُ باستمرار الإمساكِ لها، وإلَّا فالرَّجعة إمساكٌ، وفي رواية عُبيد الله بنِ عمر، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ -عند مسلمٍ-: «ثمَّ ليدعها» (حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ) حيضةً أخرى (ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَـ) ها (بَعْدُ) أي بعد الطُّهر من الحيض الثَّاني (وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَـ) ها (قَبْلَ أَنْ يَمَسَّـ) ها، أي: يُجامعها.

واختلف في علَّة هذه الغاية، فقيل: لئلَّا تصير الرَّجعة لمجرَّد غرضِ الطَّلاق لو طلَّق في أوَّل الطُّهر؛ بخلاف الطُّهر الثَّاني، وكما (٣) ينهى عن النِّكاح لمجرد الطَّلاق ينهى عن الرَّجعة له، ولا يستحبُّ الوطء في الطُّهر الأوَّل اكتفاءً بإمكان التَّمتُّع، وقيل: عقوبة وتغليظ، وعورض بأنَّ ابنَ عمر لم يكن يعلم تحريمَه. وأُجيب بأنَّ تغيُّظه (٤) دون أن يعذره يقتضي أنَّ ذلك في الظُّهور لا يكاد يخفى على أحدٍ. وفي مسلمٍ من روايةِ محمَّد بنِ عبدِ الرَّحمن، عن سالمٍ: «مُره فَليراجِعها، ثمَّ ليُطلِّقها طاهرًا أو حاملًا». قال الشَّافعي وابنُ عبدِ البرِّ: رواه جماعةٌ غير (٥) نافعٍ بلفظ: «حتَّى تطهُرَ منَ الحيضَةِ التِّي طلَّقَها فيها ثمَّ إنْ شَاءَ أمسَكَها» روايةُ يونس بن جبيرٍ وأنس بن سيرين وسالم، فلم يقولوا: ثمَّ تحيض ثمَّ تطهر. نعم رواية الزُّهريِّ عن سالمٍ موافقةٌ لرواية (٦) نافعٍ كما نبَّه عليه أبو داود، والزِّيادة من الثِّقة مقبولةٌ خصوصًا إذا كان حافظًا، واختلف في جواز تطليقها في الطُّهر الَّذي يلي الحَيضة التِّي وقع فيها الطَّلاق والرَّجعة، فقطع

المتولِّي بالمنع، وهو الَّذي يقتضيه ظاهرُ الزِّيادة الَّتي في الحديث. وذكرَ الطَّحاويُّ أنَّه يطلِّقها في الطُّهر الَّذي يلي الحيضة. قال الكرخيُّ: وهو قول أبي حنيفة لروايةِ سالم، رواه مسلم وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه؛ لأنَّ أثر الطَّلاق قد انعدم بالمراجعة فصار كأنَّه لم يطلِّقها. وقال أبو يوسف ومحمَّد: في طُهرٍ ثانٍ، أي: إذا طهرتْ من تلك الحيضة الَّتي وقع فيها الطَّلاق ثمَّ حاضت ثمَّ طهُرت.

(فَتِلْكَ العِدَّةُ) أي: فتلك زمنُ العدَّة، وهي حالة الطُّهر (الَّتِي أَمَرَ اللهُ) أي: أذنَ (أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ) في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾. واستُدلَّ به على أنَّ القرءَ المذكور في قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] المراد به الطُّهر، كما ذهب إليه مالك والشَّافعيُّ.

وأمَّا الطَّلاق الواجب ففي الإيلاء على المُولِي لأنَّ المدَّة إذا انقضتْ وجب عليه الفيئةُ أو الطَّلاق. وفي الشِّقاق على الحكمين إذا أَمَرَا لِمَظْلومةٍ (١)، ولا بدعةَ فيه للحاجة إليه مع طلب الزَّوجة (٢).

وأمَّا المستحبُّ فعند خوف تقصيره في حقِّها لبُغضٍ أو غيره، أو بأن لا تكون عفيفةً لحديث الرَّجل الَّذي قال: يا رسول الله إنَّ امرأتي لا تردُّ يد لامسٍ. فقال رسول الله (٣): «طلِّقْهَا» والأمر للاستحبابِ، يدلُّ عليه قوله لمَّا أن قال له: إنِّي أحبُّها: «أَمْسِكْهَا» وألحق به ابنُ الرِّفعة طلاق الولد إذا أمره به والده لحديثِ الأربعةِ، وصحَّحه التِّرمذيُّ وابنُ حبَّان: أنَّ ابن عمر قال: كان تحتي امرأةٌ أحبُّها وكان عمر يكرهها، فقال: طلِّقْهَا، فأتيت النَّبيَّ فقال: «أَطِعْ أَبَاكَ».

وأمَّا المكروهُ فعند سلامة الحال، لحديث: «ليسَ شَيءٌ مِن الحَلالِ أبغَضُ إِلى اللهِ مِن الطَّلاقِ».

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمُبَاسَطَةِ أَوِ التَّسْلِيَةِ أَوِ الْبِشَارَةِ. قُلْتُ: وَجَدْتُ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ مُقَدَّمَةً وَلَفْظُهُ: بَابُ قَوْلِ الرَّجُلِ إِلَخْ وَبَعْدَهُ: وَطَعْنِ الرَّجُلِ إِلَخْ. وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَخْلَى بَيَاضًا لِيَكْتُبَ فِيهِ الْحَدِيثَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ وَهُوَ: هَلْ أَعْرَسْتُمْ أَوْ شَيْئًا مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ أَبِي طَلْحَةِ، وَأُمِّ سُلَيْمٍ عِنْدَ مَوْتِ وَلَدَيْهِمَا وَكَتْمِهَا ذَلِكَ عَنْهُ حَتَّى تَعَشَّى وَبَاتَ مَعَهَا، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ أَبُو طَلْحَةَ النَّبِيَّ فَقَالَ: أَعْرَسْتُمُ اللَّيْلَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَسَيَأْتِي بِهَذَا اللَّفْظِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْعَقِيقَةِ، وَقَوْلُهُ يَطْعُنُ هُوَ بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ فِي بَابِ مَنْ أَدَّبَ أَهْلَهُ دُونَ السُّلْطَانِ

(خَاتِمَةٌ)

اشْتَمَلَ كِتَابُ النِّكَاحِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَتَيْنِ وَثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا وَالْمُتَابَعَاتُ خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، وَالْمُكَرَّرُ مِنْهُ فِيهِ وَفِيمَا مَضَى مِائَةٌ وَاثْنَانِ وَسِتُّونَ حَدِيثًا، وَالْخَالِصُ سِتَّةٌ وَسِتُّونَ حَدِيثًا ; وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ حَدِيثًا وَهِيَ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَكْثَرُهَا نِسَاءً وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنِّي شَابٌّ أَخَافُ الْعَنَتَ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ لَوْ نَزَلْتُ وَادِيًا، وَحَدِيثُ خَطَبَ عَائِشَةَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّمَا أَنَا أَخُوكَ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ، وَحَدِيثُ سَهْلٍ مَرَّ رَجُلٌ فَقَالُوا: هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَرُمَ مِنَ النَّسَبِ سَبْعٌ، وَحَدِيثُ دَفْعِ النَّبِيِّ رَبِيبَتَهُ إِلَى مَنْ يَكْفُلُهَا وَهُوَ مُعَلَّقٌ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمُتْعَةِ، وَحَدِيثُ سَلَمَةَ أَيُّمَا رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ تَوَافَقَا الْحَدِيثُ فِي الْمُتْعَةِ مُعَلَّقٌ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ التَّعْرِيضِ بِالْخِطْبَةِ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ كَانَ النِّكَاحُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ، وَحَدِيثُ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِدَامٍ فِي تَزْوِيجِهَا، وَحَدِيثُ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ فِي ذِكْرِ الضَّرْبِ بِالدُّفِّ صَبِيحَةَ الْعُرْسِ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فَإِنَّ الْأَنْصَارَ يُعْجِبُهُمُ اللَّهْوُ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ كَانَ إِذَا مَرَّ بِجَنَبَاتِ أُمِّ سُلَيْمٍ دَخَلَ عَلَيْهَا، وَهُوَ مُعَلَّقٌ وَبَقِيَّتُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَحَدِيثُ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ فِي الْوَلِيمَةِ، وَحَدِيثُ لَمْ يُوَقِّتِ النَّبِيُّ يَعْنِي فِي الْوَلِيمَةِ

وَهُوَ مُعَلَّقٌ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي إِكْرَامِ الْجَارِ، وَحَدِيثُ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ لَا هَجْرَ إِلَّا فِي الْبَيْتِ وَهُوَ مُعَلَّقٌ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ هَجْرِ النِّسَاءِ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ سِتَّةً وَثَلَاثُونَ أَثَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٦٨ - كِتَاب الطَّلَاقِ

١ - بَاب قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ أَحْصَيْنَاهُ: حَفِظْنَاهُ وَعَدَدْنَاهُ. وَطَلَاقُ السُّنَّةِ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ وَيُشْهِدَ شَاهِدَيْنِ

٥٢٥١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ، فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَسُولَ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ

وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ. قَوْلُهُ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم - كِتَابُ الطَّلَاقِ) الطَّلَاقُ فِي اللُّغَةِ: حَلُّ الْوَثَاقِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْإِطْلَاقِ وَهُوَ الْإِرْسَالُ وَالتَّرْكُ. وَفُلَانٌ طَلْقُ الْيَدِ بِالْخَيْرِ أَيْ كَثِيرُ الْبَذْلِ، وَفِي الشَّرْعِ: حَلُّ عُقْدَةِ التَّزْوِيجِ فَقَطْ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِبَعْضِ أَفْرَادِ مَدْلُولِهِ اللُّغَوِيِّ. قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: هُوَ لَفْظٌ جَاهِلِيٌّ وَرَدَّ الشَّرْعُ بِتَقْرِيرِهِ. وَطَلُقَتِ الْمَرْأَةُ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَضَمِّ اللَّامِ وَبِفَتْحِهَا أَيْضًا وَهُوَ أَفْصَحُ، وَطُلِّقَتْ أَيْضًا بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ اللَّامِ الثَّقِيلَةِ، فَإِنْ خُفِّفَتْ فَهُوَ خَاصٌّ بِالْوِلَادَةِ وَالْمُضَارِعُ فِيهِمَا بِضَمِّ اللَّامِ، وَالْمَصْدَرُ فِي الْوِلَادَةِ طَلْقًا سَاكِنَةُ اللَّامِ، فَهِيَ طَالِقٌ فِيهِمَا.

ثُمَّ الطَّلَاقُ قَدْ يَكُونُ حَرَامًا أَوْ مَكْرُوهًا أَوْ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا أَوْ جَائِزًا، أَمَّا الْأَوَّلُ فَفِيمَا إِذَا كَانَ بِدْعِيًّا وَلَهُ صُوَرٌ، وَأَمَّا الثَّانِي فَفِيمَا إِذَا وَقَعَ بِغَيْرِ سَبَبٍ مَعَ اسْتِقَامَةِ الْحَالِ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَفِي صُوَرٍ مِنْهَا الشِّقَاقُ إِذَا رَأَى ذَلِكَ الْحَكَمَانِ، وَأَمَّا الرَّابِعُ فَفِيمَا إِذَا كَانَتْ غَيْرَ عَفِيفَةٍ، وَأَمَّا الْخَامِسُ فَنَفَاهُ النَّوَوِيُّ وَصَوَّرَهُ غَيْرَهُ بِمَا إِذَا كَانَ لَا يُرِيدُهَا وَلَا تَطِيبُ نَفْسُهُ أَنْ يَتَحَمَّلَ مُؤْنَتَهَا مِنْ غَيْرِ حُصُولِ غَرَضِ الِاسْتِمْتَاعِ، فَقَدْ صَرَّحَ الْإِمَامُ أَنَّ الطَّلَاقَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا يُكْرَهُ.

قَوْلُهُ (وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فَخِطَابٌ لِلنَّبِيِّ بِلَفْظِ الْجَمْعِ تَعْظِيمًا أَوْ عَلَى إِرَادَةِ ضَمِّ أُمَّتِهِ إِلَيْهِ، وَالتَّقْدِيرُ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ وَأُمَّتُهُ. وَقِيلَ هُوَ عَلَى إِضْمَارِ قُلْ أَيْ قُلْ لِأُمَّتِكِ، وَالثَّانِي أَلْيَقُ، فَخَصَّ النَّبِيَّ بِالنِّدَاءِ لِأَنَّهُ إِمَامُ أُمَّتِهِ اعْتِبَارًا بِتَقَدُّمِهِ، وَعَمَّ بِالْخِطَابِ كَمَا يُقَالُ لِأَمِيرِ الْقَوْمِ: يَا فُلَانُ، افْعَلُوا كَذَا.

وَقَوْلُهُ ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ أَيْ إِذَا أَرَدْتُمُ التَّطْلِيقَ جَزْمًا، وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ. وَقَوْلُهُ ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أَيْ عِنْدَ ابْتِدَاءِ شُرُوعِهِنَّ فِي الْعِدَّةِ، وَاللَّامُ لِلتَّوْقِيتِ كَمَا يُقَالُ لَقِيتُهُ لِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ مِنَ الشَّهْرِ، قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ. وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّهُ قَرَأَهَا كَذَلِكَ، وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنِ ابْنِ عُمَرِ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرُ: وَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ وَنُقِلَتْ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ أَيْضًا عَنْ أُبَيٍّ، وَعُثْمَانَ، وَجَابِرٍ، وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَغَيْرِهِمْ، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي الْبَابِ مَزِيدُ بَيَانٍ فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ (أَحْصَيْنَاهُ: حَفِظْنَاهُ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةِ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مَعْنَاهُ عَنِ السُّدِّيِّ، وَالْمُرَادُ الْأَمْرُ بِحِفْظِ ابْتِدَاءِ وَقْتِ الْعِدَّةِ لِئَلَّا يَلْتَبِسَ الْأَمْرُ بِطُولِ الْعِدَّةِ فَتَتَأَذَّى بِذَلِكَ الْمَرْأَةُ.

قَوْلُهُ (وَطَلَاقُ السُّنَّةِ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ) رَوَى الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ قَالَ: فِي الطُّهْرِ مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ، وَأَخْرَجَهُ عَنْ جَمْعٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ كَذَلِكَ، وَهُوَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ أَيْضًا.

قَوْلُهُ (وَيُشْهِدُ شَاهِدَيْنِ) مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وَهُوَ وَاضِحٌ، وَكَأَنَّهُ لَمَّحَ بِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ نَفَرٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ يُطَلِّقُونَ لِغَيْرِ عِدَّةٍ وَيُرَاجِعُونَ بِغَيْرِ شُهُودٍ، فَنَزَلَتْ. وَقَدْ قَسَّمَ الْفُقَهَاءُ الطَّلَاقَ إِلَى سُنِّيٍّ، وَبِدْعِيٍّ، وَإِلَى قِسْمٍ ثَالِثٍ لَا وَصْفَ لَهُ. فَالْأَوَّلُ مَا تَقَدَّمَ. وَالثَّانِي أَنْ يُطَلِّقَ فِي الْحَيْضِ أَوْ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ أَمْرُهَا أَحَمَلَتْ أَمْ لَا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَضَافَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى طَلْقَةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ أَضَافَ لَهُ الْخُلْعَ. وَالثَّالِثُ تَطْلِيقُ الصَّغِيرَةِ وَالْآيِسَةِ وَالْحَامِلِ الَّتِي قَرُبَتْ وِلَادَتُهَا، وَكَذَا إِذَا وَقَعَ السُّؤَالُ مِنْهَا فِي وَجْهٍ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ عَالِمَةً بِالْأَمْرِ، وَكَذَا إِذَا وَقَعَ الْخُلْعُ بِسُؤَالِهَا وَقُلْنَا إِنَّهُ طَلَاقٌ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ تَحْرِيمِ طَلَاقِ الْحَائِضِ صُوَرٌ: مِنْهَا مَا لَوْ كَانَتْ حَامِلًا وَرَأَتِ الدَّمَ وَقُلْنَا الْحَامِلُ تَحِيضُ

فَلَا يَكُونُ طَلَاقُهَا بِدْعِيًّا، وَلَا سِيَّمَا إِنْ وَقَعَ بِقُرْبِ الْوِلَادَةِ، وَمِنْهَا إِذَا طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَى الْمُولِي وَاتَّفَقَ وُقُوعُ ذَلِكَ فِي الْحَيْضِ، وَكَذَا فِي صُورَةِ الْحَكَمَيْنِ إِذَا تَعَيَّنَ ذَلِكَ طَرِيقًا لِرَفْعِ الشِّقَاقِ، وَكَذَلِكَ الْخُلْعُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ (أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ) فِي مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ وَعِنْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ طَلَّقْتُ امْرَأَتِي وَكَذَا فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ: اسْمُهَا آمِنَةُ بِنْتُ غِفَارٍ قَالَهُ ابْنُ بَاطِيشٍ، وَنَقَلَهُ عَنِ النَّوَوِيِّ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ بَعْدَهُ مِنْهُمُ الذَّهَبِيُّ فِي تَجْرِيدِ الصَّحَابَةِ لَكِنْ قَالَ فِي مُبْهَمَاتِهِ: فَكَأَنَّهُ أَرَادَ مُبْهَمَاتِ التَّهْذِيبِ. وَأَوْرَدَهَا الذَّهَبِيُّ فِي آمِنَةَ بِالْمَدِّ وَكَسْرِ الْمِيمِ ثُمَّ نُونٍ، وَأَبُوهَا غِفَارٌ ضَبَطَهُ ابْنُ يَقَظَةَ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْفَاءِ، وَلَكِنِّي رَأَيْتُ مُسْتَنِدَ ابْنِ بَاطِيشٍ فِي أَحَادِيثِ قُتَيْبَةَ جَمَعَ سَعِيدُ الْعَيَّارُ بِسَنَدٍ فِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ آمِنَةَ بِنْتَ عَمَّارٍ ; كَذَا رَأَيْتُهَا فِي بَعْضِ الْأُصُولِ بِمُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ مِيمٍ ثَقِيلَةٍ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَأَقْوَى مِنْ ذَلِكَ مَا رَأَيْتُهُ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنَا يُونُسُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ النَّوَارَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا الْحَدِيثَ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَيُونُسُ شَيْخُ أَحْمَدَ هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبُ مِنْ رِجَالِهِمَا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ وَلَكِنْ لَمْ تُسَمَّ عِنْدَهُمَا، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ اسْمُهَا آمِنَةَ وَلَقَبُهَا النَّوَارَ.

قَوْلُهُ (وَهِيَ حَائِضٌ) فِي رِوَايَةِ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ فِي دَمِهَا حَائِضٌ، وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي حَيْضِهَا.

قَوْلُهُ (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ كَذَا فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ وَمِثْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ لَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ؛ اسْتِغْنَاءً بِمَا فِي الْخَبَرِ: أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ، فَاسْتَلْزَمَ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي عَهْدِهِ، وَزَادَ اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ جَوَّدَ اللَّيْثُ فِي قَوْلَهُ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً اهـ، وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ قَالَ: مَكَثْت عِشْرِينَ سَنَةً يُحَدِّثنِي مَنْ لَا أَتَّهِم أَنَّ اِبْن عُمَر طَلَّقَ اِمْرَأَته ثَلَاثًا وَهِيَ حَائِض، فَأُمِرَ أَنْ يُرَاجِعهَا، فَكُنْت لَا أَتَّهِمهُمْ وَلَا أَعْرِف وَجْه الْحَدِيث، حَتَّى لَقِيت أَبَا غَلَّاب يُونُس بْن جُبَيْر وَكَانَ ذَا ثَبَتٍ، فَحَدَّثَنِي أَنَّهُ سَأَلَ اِبْن عُمَر فَحَدَّثَهُ أَنَّهُ طَلَّقَ اِمْرَأَته تَطْلِيقَة وَهِيَ حَائِض وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ قَالَ طَلَّقَ اِبْن عُمَر اِمْرَأَته وَهِيَ حَائِض وَاحِدَة وَمِنْ طَرِيق عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ عَنْ الْحَسَن عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ طَلَّقَ اِمْرَأَته تَطْلِيقَة وَهِيَ حَائِض.

قَوْله (فَسَأَلَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَسُول اللَّه عَنْ ذَلِكَ) فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي ذِئْب عَنْ نَافِع فَأَتَى عُمَر النَّبِيّ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَكَذَا سَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ مِنْ رِوَايَة قَتَادَةَ عَنْ يُونُس بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عُمَر، وَكَذَا عِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة يُونُس بْن عُبَيْد عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ يُونُس بْن جُبَيْر، وَكَذَا عِنْده فِي رِوَايَة طَاوُسٍ عَنْ اِبْن عُمَر، وَكَذَا فِي رِوَايَة الشَّعْبِيّ الْمَذْكُورَة، وَزَادَ فِيهِ الزُّهْرِيُّ فِي رِوَايَته كَمَا تَقَدَّمَ فِي التَّفْسِير عَنْ سَالِم أَنَّ اِبْن عُمَر أَخْبَرَهُ، فَتَغَيَّظَ فِيهِ رَسُول اللَّه وَلَمْ أَرَ هَذِهِ الزِّيَادَة فِي رِوَايَة غَيْر سَالِم، وَهُوَ أَجَلُّ مَنْ رَوَى الْحَدِيث عَنْ اِبْن عُمَر، وَفِيهِ إِشْعَار بِأَنَّ الطَّلَاق فِي الْحَيْض كَانَ تَقَدَّمَ النَّهْيُ عَنْهُ. وَإِلَّا لَمْ يَقَع التَّغَيُّظ عَلَى أَمْر لَمْ يَسْبِق النَّهْي عَنْهُ. وَلَا يُعَكِّر عَلَى ذَلِكَ مُبَادَرَة عُمَر بِالسُّؤَالِ عَنْ ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون عَرَفَ حُكْم الطَّلَاق فِي الْحَيْض وَأَنَّهُ مَنْهِيّ عَنْهُ وَلَمْ يَعْرِف مَاذَا يَصْنَع مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ، قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ: سُؤَال عُمَر مُحْتَمِل لِأَنْ يَكُون أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا قَبْلهَا مِثْلهَا فَسَأَلَ لِيَعْلَم، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لَمَّا رَأَى فِي الْقُرْآن قَوْله ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وَقَوْله ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ

ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ أَرَادَ أَنْ يَعْلَم أَنَّ هَذَا قُرْء أَمْ لَا؟ وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون سَمِعَ مِنْ النَّبِيّ النَّهْي فَجَاءَ لِيَسْأَل عَنْ الْحُكْم بَعْد ذَلِكَ.

وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد: وَتَغَيُّظُ النَّبِيّ إِمَّا لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي يَقْتَضِي الْمَنْع كَانَ ظَاهِرًا فَكَانَ مُقْتَضَى الْحَال التَّثَبُّت فِي ذَلِكَ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ مُقْتَضَى الْحَال مُشَاوَرَة النَّبِيّ فِي ذَلِكَ إِذَا عَزَمَ عَلَيْهِ.

قَوْله (مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا) قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد: يَتَعَلَّق بِهِ مَسْأَلَة أُصُولِيَّة، وَهِيَ أَنَّ الْأَمْر بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ هَلْ هُوَ أَمْر بِذَلِكَ أَمْ لَا؟ فَإِنَّهُ قَالَ لِعُمَر: مُرْهُ، فَأَمَرَهُ بِأَنْ يَأْمُرهُ. قُلْت: هَذِهِ الْمَسْأَلَة ذَكَرَهَا اِبْن الْحَاجِب فَقَالَ: الْأَمْر بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ لَيْسَ أَمْرًا بِذَلِكَ الشَّيْء. لَنَا: لَوْ كَانَ لَكَانَ مُرْ عَبْدك بِكَذَا تَعَدِّيًا، وَلَكَانَ يُنَاقِض قَوْلك لِلْعَبْدِ: لَا تَفْعَل. قَالُوا: فُهِمَ ذَلِكَ مِنْ أَمْر اللَّه وَرَسُوله وَمِنْ قَوْل الْمَلِك لِوَزِيرِهِ: قُلْ لِفُلَانٍ: اِفْعَلْ. قُلْنَا: لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ مُبَلِّغ.

قُلْت: وَالْحَاصِل أَنَّ النَّفْي إِنَّمَا هُوَ حَيْثُ تَجَرَّدَ الْأَمْر، وَأَمَّا إِذَا وُجِدَتْ قَرِينَة تَدُلّ عَلَى أَنَّ الْآمِر الْأَوَّل أَمَرَ الْمَأْمُور الْأَوَّل أَنْ يُبَلِّغ الْمَأْمُور الثَّانِي فَلَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يُنَزَّلَ كَلَام الْفَرِيقَيْنِ عَلَى هَذَا التَّفْصِيل، فَيَرْتَفِع الْخِلَاف.

وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْن الْأَمْرَيْنِ فَقَالَ: إِنْ كَانَ الْآمْر الْأَوَّل بِحَيْثُ يَسُوغ لَهُ الْحُكْمُ عَلَى الْمَأْمُور الثَّانِي فَهُوَ آمِر لَهُ وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا قَوِيّ، وَهُوَ مُسْتَفَاد مِنْ الدَّلِيل الَّذِي اِسْتَدَلَّ بِهِ اِبْن الْحَاجِب عَلَى النَّفْي، لِأَنَّهُ لَا يَكُون مُتَعَدِّيًا إِلَّا إِذَا أَمَرَ مَنْ لَا حُكْم لَهُ عَلَيْهِ؛ لِئَلَّا يَصِير مُتَصَرِّفًا فِي مِلْك غَيْره بِغَيْرِ إِذْنه، وَالشَّارِع حَاكِم عَلَى الْآمِر وَالْمَأْمُور فَوُجِدَ فِيهِ سُلْطَان التَّكْلِيف عَلَى الْفَرِيقَيْنِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ فَإِنَّ كُلّ أَحَد يَفْهَم مِنْهُ أَمْر اللَّه لِأَهْلِ بَيْته بِالصَّلَاةِ، وَمِثْله حَدِيث الْبَاب؛ فَإِنَّ عُمَرَ إِنَّمَا اسْتَفْتَى النَّبِيَّ عَنْ ذَلِكَ لِيَمْتَثِلَ مَا يَأْمُرُهُ بِهِ وَيُلْزِمُ ابْنَهُ بِهِ، فَمَنْ مَثَّلَ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَهُوَ غَالِطٌ، فَإِنَّ الْقَرِينَةَ وَاضِحَةٌ فِي أَنَّ عُمَرَ فِي هَذِهِ الْكَائِنَةِ كَانَ مَأْمُورًا بِالتَّبْلِيغِ، وَلِهَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ فَأَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا وَفِي رِوَايَةِ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، وَيُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ، وَطَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ فَلْيُرَاجِعْهَا وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فَرَاجَعَهَا عَبْدُ اللَّهِ كَمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ لِيُرَاجِعْهَا وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَإِنَّ النَّبِيَّ أَمَرَنِي بِهَذَا وَقَدِ اقْتَضَى كَلَامُ سُلَيْمٍ الرَّازِيِّ فِي التَّقْرِيبِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الثَّانِي الْفِعْلُ جَزْمًا وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي تَسْمِيَتِهِ آمِرًا فَرَجَعَ الْخِلَافُ عِنْدَهُ لَفْظِيًّا.

وَقَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي الْمَحْصُولِ: الْحَقُّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا قَالَ لِزَيْدٍ: أَوْجَبْتُ عَلَى عَمْرٍو كَذَا، وَقَالَ لِعَمْرٍو: كُلُّ مَا أَوْجَبَ عَلَيْكَ زَيْدٌ فَهُوَ وَاجِبٌ عَلَيْكَ، كَانَ الْأَمْرُ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ أَمْرًا بِالشَّيْءِ. قُلْتُ: وَهَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْأَمْرِ الصَّادِرِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَمِنْ غَيْرِهِ، فَمَهْمَا أَمَرَ الرَّسُولُ أَحَدًا أَنْ يَأْمُرَ بِهِ غَيْرَهُ وَجَبَ لِأَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ طَاعَتَهُ وَهُوَ أَوْجَبَ طَاعَةَ أَمِيرِهِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي وَأَمَّا غَيْرُهُ مِمَّنْ بَعْدَهُ فَلَا، وَفِيهِمْ تَظْهَرُ صُورَةُ التَّعَدِّي الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا ابْنُ الْحَاجِبِ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَرَدَّدَ فِي اقْتِضَاءِ ذَلِكَ الطَّلَبِ، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ فِي أَنَّ لَوَازِمَ صِيغَةِ الْأَمْرِ هَلْ هِيَ لَوَازِمُ صِيغَةِ الْأَمْرِ بِالْأَمْرِ أَوْ لَا؟ بِمَعْنَى أَنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الطَّلَبِ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ أَوْ لَا. قُلْتُ: وَهُوَ حَسَنٌ، فَإِنَّ أَصْلَ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي انْبَنَى عَلَيْهَا هَذَا الْخِلَافُ حَدِيثُ مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ فَإِنَّ الْأَوْلَادَ لَيْسُوا بِمُكَلَّفِينَ فَلَا يَتَّجِهُ عَلَيْهِمُ الْوُجُوبُ، وَإِنَّمَا الطَّلَبُ مُتَوَجِّهٌ عَلَى أَوْلِيَائِهِمْ أَنْ يُعَلِّمُوهُمْ ذَلِكَ، فَهُوَ مَطْلُوبٌ مِنَ الْأَوْلَادِ بِهَذِهِ الطَّرِيقِ وَلَيْسَ مُسَاوِيًا لِلْأَمْرِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا إِنَّمَا عَرَضٌ مِنْ أَمْرٍ خَارِجٍ وَهُوَ امْتِنَاعُ تَوَجُّهِ الْأَمْرِ عَلَى غَيْرِ الْمُكَلَّفِ، وَهُوَ بِخِلَافِ الْقِصَّةِ الَّتِي فِي حَدِيثِ الْبَابِ.

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْخِطَابَ إِذَا تَوَجَّهَ لِمُكَلَّفٍ أَنْ يَأْمُرَ مُكَلَّفًا آخَرَ بِفِعْلِ شَيْءٍ كَانَ الْمُكَلَّفُ الْأَوَّلُ مُبَلِّغًا مَحْضًا، وَالثَّانِي مَأْمُورٌ مِنْ قِبَلِ

الشَّارِعِ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ لِمَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ وَأَصْحَابِهِ وَمُرُوهُمْ بِصَلَاةِ كَذَا فِي حِينِ كَذَا وَقَوْلُهُ لِرَسُولِ ابْنَتِهِ مُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ، فَإِذَا أَمَرَ الْأَوَّلُ الثَّانِيَ بِذَلِكَ فَلَمْ يَمْتَثِلْهُ كَانَ عَاصِيًا، وَإِنْ تَوَجَّهَ الْخِطَابُ مِنَ الشَّارِعِ لِمُكَلَّفٍ أَنْ يَأْمُرَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ أَوْ تَوَجَّهَ الْخِطَابُ مِنْ غَيْرِ الشَّارِعِ بِأَمْرِ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ الْأَمْرُ أَنْ يَأْمُرَ مَنْ لَا أَمْرَ لِلْأَوَّلِ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ أَمْرًا بِالشَّيْءِ فَالصُّورَةُ الْأَوْلَى هِيَ الَّتِي نَشَأَ عَنْهَا الِاخْتِلَافُ وَهُوَ أَمْرُ أَوْلِيَاءِ الصِّبْيَانِ أَنْ يَأْمُرُوا الصِّبْيَانَ، وَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ الَّتِي يَتَصَوَّرُ فِيهَا أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ مُتَعَدِّيًا بِأَمْرِهِ لِلْأَوَّلِ أَنْ يَأْمُرَ الثَّانِيَ، فَهَذَا فَصْلُ الْخِطَابِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

وَاخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ الْمُرَاجَعَةِ، فَذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ - وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ - أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ لَا يَجِبُ فَاسْتِدَامَتُهُ كَذَلِكَ، لَكِنْ صَحَّحَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، وَالْحُجَّةُ لِمَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ وُرُودُ الْأَمْرِ بِهَا، وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ لَمَّا كَانَ مُحَرَّمًا فِي الْحَيْضِ كَانَتِ اسْتِدَامَةُ النِّكَاحِ فِيهِ وَاجِبَةً، فَلَوْ تَمَادَى الَّذِي طَلَّقَ فِي الْحَيْضِ حَتَّى طَهُرَتْ قَالَ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ: يُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ أَيْضًا، وَقَالَ أَشْهَبُ مِنْهُمْ: إِذَا طَهُرَتِ انْتَهَى الْأَمْرُ بِالرَّجْعَةِ.

وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا أَنْ لَا رَجْعَةَ، وَأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ فِي طُهْرٍ قَدْ مَسَّهَا فِيهِ لَا يُؤْمَرُ بِمُرَاجَعَتِهَا، كَذَا نَقَلَهُ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ، لَكِنَّ الْخِلَافَ فِيهِ ثَابِتٌ قَدْ حَكَاهُ الْحَنَّاطِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَجْهًا، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَهِيَ حَائِضٌ لَمْ يُؤْمَرْ بِالْمُرَاجَعَةِ إِلَّا مَا نُقِلَ عَنْ زُفَرَ فَطَرَدَ الْبَابَ.

قَوْلُهُ (ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا) أَيْ يَسْتَمِرَّ بِهَا فِي عِصْمَتِهِ.

قَوْلُهُ (حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ) فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ ثُمَّ لِيَدَعْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ، وَأَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، وَكَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، وَكَذَا عِنْدَهُمَا مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَالِمٍ بِلَفْظِ مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا قَالَ الشَّافِعِيُّ: غَيْرُ نَافِعٍ إِنَّمَا رَوَى حَتَّى تَطْهُرَ مِنَ الْحَيْضَةِ الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ رَوَاهُ يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَنَسُ بْنُ سِيرِينَ، وَسَالِمٌ. قُلْتُ: وَهُوَ كَمَا قَالَ، لَكِنَّ رِوَايَةَ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ مُوَافِقَةٌ لِرِوَايَةِ نَافِعٍ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ، وَالزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ حَافِظًا.

وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِذَلِكَ - أَيْ بِمَا فِي رِوَايَةِ نَافِعٍ - أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا بَعْدَ الْحَيْضَةِ الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا بِطُهْرٍ تَامٍّ ثُمَّ حَيْضٍ تَامٍّ لِيَكُونَ تَطْلِيقُهَا وَهِيَ تَعْلَمُ عِدَّتَهَا إِمَّا بِحَمْلٍ أَوْ بِحَيْضٍ، أَوْ لِيَكُونَ تَطْلِيقُهَا بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْحَمْلِ وَهُوَ غَيْرُ جَاهِلٍ بِمَا صَنَعَ إِذْ يَرْغَبُ فَيُمْسِكُ لِلْحَمْلِ أَوْ لِيَكُونَ إِنْ كَانَتْ سَأَلَتِ الطَّلَاقَ غَيْرَ حَامِلٍ أَنْ تَكُفَّ عَنْهُ. وَقِيلَ: الْحِكْمَةُ فِيهِ أَنْ لَا تَصِيرَ الرَّجْعَةُ لِغَرَضِ الطَّلَاقِ، فَإِذَا أَمْسَكَهَا زَمَانًا يَحِلُّ لَهُ فِيهِ طَلَاقُهَا ظَهَرَتْ فَائِدَةُ الرَّجْعَةِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَطُولُ مَقَامُهُ مَعَهَا، فَقَدْ يُجَامِعُهَا فَيَذْهَبُ مَا فِي نَفْسِهِ مِنْ سَبَبِ طَلَاقِهَا فَيُمْسِكُهَا. وَقِيلَ: إِنَّ الطُّهْرَ الَّذِي يَلِي الْحَيْضَ الَّذِي طَلَّقَهَا فِيهِ كَقُرْءٍ وَاحِدٍ، فَلَوْ طَلَّقَهَا فِيهِ لَكَانَ كَمَنْ طَلَّقَ فِي الْحَيْضِ، وَهُوَ مُمْتَنَعٌ مِنَ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ، فَلَزِمَ أَنْ يَتَأَخَّرَ إِلَى الطُّهْرِ الثَّانِي.

وَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِ تَطْلِيقِهَا فِي الطُّهْرِ الَّذِي يَلِي الْحَيْضَةَ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ. وَفِيهِ لِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ الزِّيَادَةِ الَّتِي فِي الْحَدِيثِ. وَعِبَارَةُ الْغَزَالِيِّ فِي الْوَسِيطِ وَتَبِعَهُ مُجَلِّي: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُطَلِّقَ فِي هَذَا الطُّهْرِ؟ وَجْهَانِ. وَكَلَامُ الْمَالِكِيَّةِ يَقْتَضِي أَنَّ التَّأْخِيرَ مُسْتَحَبٌّ. وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَلَا يُطَلِّقْهَا فِي الطُّهْرِ الْمُتَعَقِّبِ لَهُ فَإِنَّهُ بِدْعَةٌ، وَعَنْهُ - أَيْ عَنْ أَحْمَدَ - جَوَازُ ذَلِكَ. وَفِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ

عَنْ أَبِي حَنِيفَةِ الْجَوَازُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ الْمَنْعُ.

وَوَجْهُ الْجَوَازِ أَنَّ التَّحْرِيمَ إِنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ الْحَيْضِ، فَإِذَا طَهُرَتْ زَالَ مُوجِبُ التَّحْرِيمِ فَجَازَ طَلَاقُهَا فِي هَذَا الطُّهْرِ كَمَا يَجُوزُ فِي الطُّهْرِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَكَمَا يَجُوزُ طَلَاقُهَا فِي الطُّهْرِ إِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ طَلَاقٌ فِي الْحَيْضِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا حِجَجَ الْمَانِعِينَ، وَمِنْهَا أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا عَقِبَ تِلْكَ الْحَيْضَةِ كَانَ قَدْ رَاجَعَهَا لِيُطَلِّقَهَا، وَهَذَا عَكْسُ مَقْصُودِ الرَّجْعَةِ فَإِنَّهَا شُرِعَتْ لِإِيوَاءِ الْمَرْأَةِ وَلِهَذَا سَمَّاهَا إِمْسَاكًا فَأَمَرَهُ أَنْ يُمْسِكَهَا فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ وَأَنْ لَا يُطَلِّقَ فِيهِ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى ثُمَّ تَطْهُرَ لِتَكُونَ الرَّجْعَةُ لِلْإِمْسَاكِ لَا لِلطَّلَاقِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّارِعَ أَكَّدَ هَذَا الْمَعْنَى حَيْثُ أَمَرَ بِأَنْ يُمْسِكَهَا فِي الطُّهْرِ الَّذِي يَلِي الْحَيْضَ الَّذِي طَلَّقَهَا فِيهِ، لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ مُرْهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا فَإِذَا طَهُرَتْ أَمْسَكَهَا حَتَّى إِذَا طَهُرَتْ أُخْرَى، فَإِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا فَإِذَا كَانَ قَدْ أَمَرَهُ بِأَنْ يُمْسِكَهَا فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ فَكَيْفَ يُبِيحُ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِيهِ؟ وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنِ الطَّلَاقِ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ.

قَوْلُهُ (ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ) فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ ثُمَّ يُطَلِّقُهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَهَا أَوْ يُمْسِكَهَا وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ، وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا وَفِي رِوايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَالِمٍ ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا وَتَمَسَّكَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ مَنِ اسْتَثْنَى مِنْ تَحْرِيمِ الطَّلَاقِ فِي طُهْرٍ جَامَعَ فِيهِ مَا إِذَا ظَهَرَ الْحَمْلُ فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ. وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّهُ إِذَا ظَهَرَ الْحَمْلُ فَقَدْ أَقْدَمَ عَلَى ذَلِكَ عَلَى بَصِيرَةٍ فَلَا يَنْدَمُ عَلَى الطَّلَاقِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ زَمَنَ الْحَمْلِ زَمَنُ الرَّغْبَةِ فِي الْوَطْءِ فَإِقْدَامُهُ عَلَى الطَّلَاقِ فِيهِ يَدُلُّ عَلَى رَغْبَتِهِ عَنْهَا، وَمَحِلُّ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْحَمْلُ مِنَ الْمُطَلِّقِ، فَلَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِ بِأَنْ نَكَحَ حَامِلًا مِنْ زِنًا وَوَطِئَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا أَوْ وُطِئَتْ مَنْكُوحَةٌ بِشُبْهَةٍ ثُمَّ حَمَلَتْ مِنْهُ فَطَلَّقَهَا زَوْجُهَا فَإِنَّ الطَّلَاقَ يَكُونُ بِدْعِيًّا، لِأَنَّ عِدَّةَ الطَّلَاقِ تَقَعُ بَعْدَ وَضْعِ الْحَمْلِ وَالنَّقَاءِ مِنَ النِّفَاسِ، فَلَا تُشْرَعُ عَقِبَ الطَّلَاقِ فِي الْعِدَّةِ كَمَا فِي الْحَامِلِ مِنْهُ.

قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِي قَوْلُهُ ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ: إِذَا طَهُرْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ لَا يَكُونُ مُطَلِّقًا لِلسُّنَّةِ، لِأَنَّ الْمُطَلِّقَ لِلسُّنَّةِ هُوَ الَّذِي يَكُونُ مُخَيَّرًا عِنْدَ وُقُوعِ طَلَاقِهِ بَيْنَ إِيقَاعِ الطَّلَاقِ وَتَرْكِهِ، وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ فِي طُهْرٍ جَامَعَ فِيهِ حَرَامٌ، وَبِهِ صَرَّحَ الْجُمْهُورُ، فَلَوْ طَلَّقَ هَلْ يُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ كَمَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا إِذَا طَلَّقَهَا وَهِيَ حَائِضٌ؟ طَرَدَهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ فِيهِمَا، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُمْ إِجْبَارُهُ فِي الْحَائِضِ دُونَ الطَّاهِرِ، وَقَالُوا فِيمَا إِذَا طَلَّقَهَا وَهِيَ حَائِضٌ: يُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ، فَإِنِ امْتَنَعَ أَدَّبَهُ الْحَاكِمُ، فَإِنْ أَصَرَّ ارْتَجَعَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ. وَهَلْ يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا؟ بِذَلِكَ رِوَايَتَانِ لَهُمْ أَصَحُّهُمَا الْجَوَازُ، وَعَنْ دَاوُدَ يُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ إِذَا طَلَّقَهَا حَائِضًا وَلَا يُجْبَرُ إِذَا طَلَّقَهَا نُفَسَاءَ ; وَهُوَ جُمُودٌ.

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا وَفِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا مِنْ حَيْضِهَا.

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ طَاهِرًا هَلِ الْمُرَادُ بِهِ انْقِطَاعُ الدَّمِ أَوِ التَّطَهُّرِ بِالْغُسْلِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ، وَالرَّاجِحُ الثَّانِي، لِمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ مُرْ عَبْدَ اللَّهِ فَلْيُرَاجِعْهَا، فَإِذَا اغْتَسَلَتْ مِنْ حَيْضَتِهَا الْأُخْرَى فَلَا يَمَسَّهَا حَتَّى يُطَلِّقْهَا، وَإِنْ شَاءَ يُمْسِكْهَا فَلْيُمْسِكْهَا وَهَذَا مُفَسِّرٌ لِقَوْلِهِ فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُحْمَلْ عَلَيْهِ، وَيَتَفَرَّعُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْعِدَّةَ هَلْ تَنْقَضِي بِانْقِطَاعِ الدَّمِ وَتَرْتَفِعُ الرَّجْعَةُ، أَوْ لَا بُدَّ مِنَ الِاغْتِسَالِ؟ فِيهِ خِلَافٌ أَيْضًا.

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَحْكَامَ الْمُرَتَّبَةَ عَلَى الْحَيْضِ نَوْعَانِ: الْأَوَّلُ يَزُولُ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ كَصِحَّةِ الْغُسْلِ وَالصَّوْمِ وَتَرَتُّبِ الصَّلَاةِ فِي الذِّمَّةِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ابن الهُمام: الطَّلاقُ السُّنِّيُّ المسنونُ، وهو كالمندوبِ في استعقابِ الثَّواب، والمراد به هنا المباح لأنَّ الطَّلاق ليس عبادةً في نفسه ليثبت له ثوابٌ، فمعنى المسنون منه ما ثبتَ على وجهٍ لا يستوجب عِتابًا. نعم لو وقعت له داعيةٌ أن يطلِّقها (١) عقب جماعها أو حائضًا فمنع نفسه إلى الطُّهر الآخر فإنَّه يثاب، لكن لا على الطَّلاق في الطُّهر الخالي عن الحيض، بل على كفِّ نفسه عن ذلك الإيقاعِ على ذلك الوجهِ امتناعًا عن المعصية.

وأمَّا البدعيُّ فطلاق مدخولٍ بها بلا عوضٍ منها في حيضٍ أو نفاسٍ أو في عدَّة طلاقٍ رجعيٍّ، وهي تعتدُّ بالأقراءِ، وذلك لمخالفته (٢) قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وزمن الحيض والنِّفاس لا يحسب من العدَّة، والمعنى فيه تضرُّرها بطول مدَّة التَّربُّص أو في طهرٍ جامعها فيه، أو استدخلت ماءه فيه، ولو كان الجماعُ أو الاستدخال في حيضٍ قبله أو في الدُّبر إن لم يتبيَّن حملها، وكانت ممَّن يحبلُ لأدائه إلى النَّدم عند ظهورِ الحمل؛ لأنَّ الإنسان قد يطلق الحائلَ دونَ الحامل، وعند النَّدم قد لا يمكنه التَّدارك فيتضرَّر هو والولد، وألحقوا الجماعَ في الحيض بالجماعِ في الطُّهر لاحتمال العلُوق فيه، والجماعُ في الدُّبر كالجماعِ في القُبل لثبوت النَّسب ووجوب العدَّة به، وهذا الطَّلاق حرامٌ للنَّهي عنه، وقال النَّوويُّ: أجمعَـ[ت] الأمَّة على تحريمهِ بغير رضا المرأةِ، فإن طلَّقها أثِمَ ووَقَعَ طلاقُه.

٥٢٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأُويسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابنُ أنسٍ الإمامُ (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ) هي آمِنةُ -بمدِّ الهمزة وكسر الميم- بنتُ غِفَارٍ -بكسر المعجمة وتخفيف الفاء-، أو بنتُ عَمَّارٍ -بعين مهملة مفتوحة ثم ميم مشددة-. قال ابن حجرٍ: والأوَّل أولى. وفي «مسند أحمد» أنَّ اسمها النَّوَار، ويمكن أن

يكون اسمها آمنة ولقبها النَّوَار (وَهْيَ حَائِضٌ) جملةٌ حاليَّةٌ (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) (رَسُولَ اللهِ عَنْ ذَلِكَ) عن حكم طلاقِ ابنهِ على الصِّفة المذكورة. زادَ الزُّهريُّ -كما في «التفسير» - عن سالم: «أنَّ ابنَ عمر أخبره فتغيَّظ فيه رسول الله » [خ¦٤٩٠٨] (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ) لعمر: (مُرْهُ) أصله: اُأْمره، بهمزتين الأولى للوصل مضمومة تبعًا للعين، مثل: اقتل، والثَّانية فاء الكلمة ساكنةٌ تبدَّل تخفيفًا من جنس حركةِ سابقتها، فتقول: أومر (١)، فإذا وصل الفعل بما قبله زالت همزةُ الوصل وسكِّنت الهمزةُ الأصليَّة كما في قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ [طه: ١٣٢]. لكن استعملها العربُ بلا همزةٍ (٢)، فقالوا: مُر (٣) لكثرة الدَّور، ولأنَّهم حذفوا أوَّلًا الهمزة الثَّانية تخفيفًا، ثمَّ حذفوا همزة الوصل استغناءً عنها لتحرُّك ما بعدها وكذا حكمُ أخذ وأكل، أي: مُر ابنك عبدَ الله (فَلْيُرَاجِعْهَا) والأمر للنَّدب عند الشَّافعيَّة والحنابلة والحنفيَّة. وقال المالكيَّة: وصحَّحه صاحبُ «الهداية» من الحنفيَّة للوجوب، ويجبر على مراجعتها ما بقي من العدَّة شيءٌ. قال ابنُ القاسم وأشهب وابنُ الموَّاز: يجبر عندنا بالضَّرب والسَّجن والتَّهديد. انتهى.

لنا: قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] وغيرها من الآياتِ المقتضية للتَّخيير بين الإمساكِ بالرَّجعة أو الفراق بتركِها، فجمع بين الآيات والحديث بحملِ الأمر على النَّدب، ولأنَّ المراجعة لاستدراكِ النِّكاح، وهو غيرُ واجبٍ في الابتداء. قال الإمامُ: ومع استحبابِ الرَّجعة لا نقول إنَّ تركها مكروهٌ، لكن قال في «الرَّوضة»: فيه نظرٌ، وينبغي كراهته لصحَّة الخبر فيه ولدفع الإيذاءِ، ويسقط الاستحباب بدخول الطُّهر الثَّاني. وقال ابنُ دقيق العيد: ويتعلَّق بالحديث مسألةٌ أصوليَّةٌ، وهي الأمر بالأمر بالشَّيء، هل هو أمرٌ بذلك الشَّيء أم لا؟ فإنَّ النَّبيَّ قال لعمر: «مُرْهُ» فأَمره بأَمره، وقد أطال في «الفتح» البحث في هذه المسألة، والحاصلُ: أنَّ الخطاب إذا توجَّه لمكلَّفٍ أن يأمر مكلَّفًا آخر بفعل شيءٍ، كان المكلَّفُ الأوَّل مبلِّغًا محضًا، والثَّاني مأمورٌ من قبل الشَّارع كما هنا، وإن توجَّه من الشَّارع لمكلَّفٍ أن يأمرَ غير المكلَّف كحديث: «مُرُوا أَولَادَكُم بالصَّلَاةِ لِسَبعٍ» لم يكن الأمر بالأمر بالشَّيء أمرًا بالشَّيء لأنَّ الأولاد

غير مكلَّفين، فلا يتَّجه عليهم الوجوب، وإن توجَّه الخطاب من غير الشَّارع بأمرِ مَن له عليه الأمر أن يأمرَ من لا أمر للأوَّل عليه، لم يكن الأمر بالأمر بالشَّيء أمرًا بالشَّيء أيضًا، بل هو مُتعدٍّ (١) بأمره للأوَّل أن يأمر الثَّاني.

(ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا) بإعادة اللَّام ويجوز تسكينها كقراءةِ ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] فالكسر على الأصل في لام الأمر فرقًا بينها (٢) وبين لام التَّأكيد، والسكون للتَّخفيف إجراءً للمنفصلِ مجرى المتَّصل، والمرادُ الأمرُ باستمرار الإمساكِ لها، وإلَّا فالرَّجعة إمساكٌ، وفي رواية عُبيد الله بنِ عمر، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ -عند مسلمٍ-: «ثمَّ ليدعها» (حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ) حيضةً أخرى (ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَـ) ها (بَعْدُ) أي بعد الطُّهر من الحيض الثَّاني (وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَـ) ها (قَبْلَ أَنْ يَمَسَّـ) ها، أي: يُجامعها.

واختلف في علَّة هذه الغاية، فقيل: لئلَّا تصير الرَّجعة لمجرَّد غرضِ الطَّلاق لو طلَّق في أوَّل الطُّهر؛ بخلاف الطُّهر الثَّاني، وكما (٣) ينهى عن النِّكاح لمجرد الطَّلاق ينهى عن الرَّجعة له، ولا يستحبُّ الوطء في الطُّهر الأوَّل اكتفاءً بإمكان التَّمتُّع، وقيل: عقوبة وتغليظ، وعورض بأنَّ ابنَ عمر لم يكن يعلم تحريمَه. وأُجيب بأنَّ تغيُّظه (٤) دون أن يعذره يقتضي أنَّ ذلك في الظُّهور لا يكاد يخفى على أحدٍ. وفي مسلمٍ من روايةِ محمَّد بنِ عبدِ الرَّحمن، عن سالمٍ: «مُره فَليراجِعها، ثمَّ ليُطلِّقها طاهرًا أو حاملًا». قال الشَّافعي وابنُ عبدِ البرِّ: رواه جماعةٌ غير (٥) نافعٍ بلفظ: «حتَّى تطهُرَ منَ الحيضَةِ التِّي طلَّقَها فيها ثمَّ إنْ شَاءَ أمسَكَها» روايةُ يونس بن جبيرٍ وأنس بن سيرين وسالم، فلم يقولوا: ثمَّ تحيض ثمَّ تطهر. نعم رواية الزُّهريِّ عن سالمٍ موافقةٌ لرواية (٦) نافعٍ كما نبَّه عليه أبو داود، والزِّيادة من الثِّقة مقبولةٌ خصوصًا إذا كان حافظًا، واختلف في جواز تطليقها في الطُّهر الَّذي يلي الحَيضة التِّي وقع فيها الطَّلاق والرَّجعة، فقطع

المتولِّي بالمنع، وهو الَّذي يقتضيه ظاهرُ الزِّيادة الَّتي في الحديث. وذكرَ الطَّحاويُّ أنَّه يطلِّقها في الطُّهر الَّذي يلي الحيضة. قال الكرخيُّ: وهو قول أبي حنيفة لروايةِ سالم، رواه مسلم وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه؛ لأنَّ أثر الطَّلاق قد انعدم بالمراجعة فصار كأنَّه لم يطلِّقها. وقال أبو يوسف ومحمَّد: في طُهرٍ ثانٍ، أي: إذا طهرتْ من تلك الحيضة الَّتي وقع فيها الطَّلاق ثمَّ حاضت ثمَّ طهُرت.

(فَتِلْكَ العِدَّةُ) أي: فتلك زمنُ العدَّة، وهي حالة الطُّهر (الَّتِي أَمَرَ اللهُ) أي: أذنَ (أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ) في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾. واستُدلَّ به على أنَّ القرءَ المذكور في قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] المراد به الطُّهر، كما ذهب إليه مالك والشَّافعيُّ.

وأمَّا الطَّلاق الواجب ففي الإيلاء على المُولِي لأنَّ المدَّة إذا انقضتْ وجب عليه الفيئةُ أو الطَّلاق. وفي الشِّقاق على الحكمين إذا أَمَرَا لِمَظْلومةٍ (١)، ولا بدعةَ فيه للحاجة إليه مع طلب الزَّوجة (٢).

وأمَّا المستحبُّ فعند خوف تقصيره في حقِّها لبُغضٍ أو غيره، أو بأن لا تكون عفيفةً لحديث الرَّجل الَّذي قال: يا رسول الله إنَّ امرأتي لا تردُّ يد لامسٍ. فقال رسول الله (٣): «طلِّقْهَا» والأمر للاستحبابِ، يدلُّ عليه قوله لمَّا أن قال له: إنِّي أحبُّها: «أَمْسِكْهَا» وألحق به ابنُ الرِّفعة طلاق الولد إذا أمره به والده لحديثِ الأربعةِ، وصحَّحه التِّرمذيُّ وابنُ حبَّان: أنَّ ابن عمر قال: كان تحتي امرأةٌ أحبُّها وكان عمر يكرهها، فقال: طلِّقْهَا، فأتيت النَّبيَّ فقال: «أَطِعْ أَبَاكَ».

وأمَّا المكروهُ فعند سلامة الحال، لحديث: «ليسَ شَيءٌ مِن الحَلالِ أبغَضُ إِلى اللهِ مِن الطَّلاقِ».

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله