«سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٢٧

الحديث رقم ٥٢٧ من كتاب «كتاب مواقيت الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب فضل الصلاة لوقتها.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ…

«سَأَلْتُ النَّبِيَّ : أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا. قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ. قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ. قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي».

إسناد حديث: «سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ…

٥٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْعَيْزَارِ : أَخْبَرَنِي قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ، وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ:

رواة الحديث: «سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ…

شرح حديث: «سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

هُودٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَاحْتَجَّ الْمُرْجِئَةُ بِظَاهِرِهِ، وَظَاهِرِ الَّذِي قَبْلَهُ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَ الْخَيْرِ مُكَفِّرَةٌ لِلْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ، وَحَمَلَهُ جُمْهُورُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى الصَّغَائِرِ، عَمَلًا بِحَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ كَمَا سَيَأْتِي بَسْطُهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٥ - بَاب فَضْلِ الصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا

٥٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْعَيْزَارِ، أَخْبَرَنِي قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ - وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللَّهِ - قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ : أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا. قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ. قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي.

[الحديث ٥٢٧ - أطرافه في: ٧٥٣٤، ٥٩٧٠، ٢٧٨٢]

قَوْلُهُ (بَابُ فَضْلِ الصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا) كَذَا تَرْجَمَ، وَأَوْرَدَهُ بِلَفْظِ عَلَى وَقْتِهَا وَهِيَ رِوَايَةُ شُعْبَةَ وَأَكْثَرِ الرُّوَاةِ، نَعَمْ أَخْرَجَهُ فِي التَّوْحِيدِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ التَّرْجَمَةِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِاللَّفْظَيْنِ.

قَوْلُهُ (قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْعَيْزَارِ أَخْبَرَنِي) هُوَ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ.

قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ) كَذَا رَوَاهُ شُعْبَةُ مُبْهَمًا، وَرَوَاهُ مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْجِهَادِ وَأَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ فِي التَّوْحِيدِ عَنِ الْوَلِيدِ فَصَرَّحَا بَاسِمِ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ النَّخَعِيِّ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، وَأَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ.

قَوْلُهُ (وَأَشَارَ بِيَدِهِ) فِيهِ الِاكْتِفَاءُ بِالْإِشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ عَنِ التَّصْرِيحِ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ.

قَوْلُهُ (أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ) فِي رِوَايَةِ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ وَكَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا اللَّفْظُ هُوَ الْمَسْئُولُ بِهِ فَلَفْظُ حَدِيثِ الْبَابِ مَلْزُومٌ عَنْهُ. وَمُحَصِّلُ مَا أَجَابَ بِهِ الْعُلَمَاءُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ مِمَّا اخْتَلَفَتْ فِيهِ الْأَجْوِبَةُ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ أَنَّ الْجَوَابَ اخْتَلَفَ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ السَّائِلِينَ بِأَنْ أَعْلَمَ كُلَّ قَوْمٍ بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، أَوْ بِمَا لَهُمْ فِيهِ رَغْبَةٌ، أَوْ بِمَا هُوَ لَائِقٌ بِهِمْ، أَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ بِأَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَفْضَلَ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ، فَقَدْ كَانَ الْجِهَادُ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ؛ لِأَنَّهُ الْوَسِيلَةُ إِلَى الْقِيَامِ بِهَا وَالتَّمَكُّنِ مِنْ أَدَائِهَا، وَقَدْ تَضَافَرَتِ النُّصُوصُ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَفِي وَقْتِ مُوَاسَاةِ الْمُضْطَرِّ تَكُونُ الصَّدَقَةُ أَفْضَلَ، أَوْ أَنَّ أَفْضَلَ لَيْسَتْ عَلَى بَابِهَا، بَلِ الْمُرَادُ بِهَا الْفَضْلُ الْمُطْلَقُ، أَوِ الْمُرَادُ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ فَحُذِفَتْ مِنْ وَهِيَ مُرَادَةٌ.

وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الْأَعْمَالُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْبَدَنِيَّةِ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ الِاحْتِرَازَ عَنِ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ، فَلَا تَعَارُضَ حِينَئِذٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ إِيمَانٌ بِاللَّهِ. الْحَدِيثَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمُرَادُ بِالْجِهَادِ هُنَا مَا لَيْسَ بِفَرْضِ عَيْنٍ؛ لِأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى إِذْنِ الْوَالِدَيْنِ فَيَكُونُ بِرُّهُمَا مُقَدَّمًا عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ (الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ أَنَّ الْبِدَارَ إِلَى الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ أَوْقَاتِهَا أَفْضَلُ مِنَ التَّرَاخِي فِيهَا؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا شَرَطَ فِيهَا أَنْ تَكُونَ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِذَا أُقِيمَتْ لِوَقْتِهَا الْمُسْتَحَبِّ.

قُلْتُ: وَفِي أَخْذِ ذَلِكَ مِنَ اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ نَظَرٌ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظِ مَا يَقْتَضِي أَوَّلًا وَلَا آخِرًا، وَكَأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ الِاحْتِرَازُ عَمَّا إِذَا وَقَعَتْ قَضَاءً. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ إِخْرَاجَهَا عَنْ وَقْتِهَا مُحَرَّمٌ، وَلَفْظُ أَحَبَّ يَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ فِي الِاسْتِحْبَابِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ الِاحْتِرَازُ عَنْ إِيقَاعِهَا آخِرَ الْوَقْتِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُشَارَكَةَ إِنَّمَا هِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَعْمَالِ، فَإِنْ وَقَعَتِ الصَّلَاةُ فِي وَقْتِهَا كَانَتْ

أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ غَيْرِهَا مِنَ الْأَعْمَالِ؛ فَوَقَعَ الِاحْتِرَازُ عَمَّا إِذَا وَقَعَتْ خَارِجَ وَقْتِهَا مِنْ مَعْذُورٍ كَالنَّائِمِ وَالنَّاسِي، فَإِنَّ إِخْرَاجَهُمَا لَهَا عَنْ وَقْتِهَا لَا يُوصَفُ بِالتَّحْرِيمِ وَلَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ مَعَ كَوْنِهِ مَحْبُوبًا، لَكِنَّ إِيقَاعَهَا فِي الْوَقْتِ أَحَبُّ.

(تَنْبِيهٌ) اتَّفَقَ أَصْحَابُ شُعْبَةَ عَلَى اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ، وَهُوَ قَوْلُهُ عَنْ وَقْتِهَا وَخَالَفَهُمْ عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ وَهُوَ شَيْخٌ صَدُوقٌ مِنْ رِجَالِ مُسْلِمٍ، فَقَالَ: الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا. أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، والدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: مَا أَحْسَبُهُ حَفِظَهُ؛ لِأَنَّهُ كَبُرَ وَتَغَيَّرَ حِفْظُهُ.

قُلْتُ: وَرَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَعْمَرِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنْ أَبِي مُوسَى مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ كَذَلِكَ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ الْمَعْمَرِيُّ، فَقَدْ رَوَاهُ أَصْحَابُ أَبِي مُوسَى عَنْهُ بِلَفْظِ عَلَى وَقْتِهَا ثُمَّ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، عَنِ الْمَحَامِلِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى كَرِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، وَهَكَذَا رَوَاهُ أَصْحَابُ غُنْدَرٍ عَنْهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَعْمَرِيَّ وَهِمَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ مِنْ حِفْظِهِ، وَقَدْ أَطْلَقَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ رِوَايَةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ضَعِيفَةٌ اهـ، لَكِنْ لَهَا طَرِيقٌ أُخْرَى أَخْرَجَهَا ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ، عَنْ عُمَرَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنِ الْوَلِيدِ، وَتَفَرَّدَ عُثْمَانُ بِذَلِكَ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ كَرِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، كَذَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ، وَكَأَنَّ مَنْ رَوَاهَا كَذَلِكَ ظَنَّ أَنَّ الْمَعْنَى وَاحِد، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مِنْ لَفْظَةِ عَلَى؛ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي الِاسْتِعْلَاءَ عَلَى جَمِيعِ الْوَقْتِ فَيَتَعَيَّنُ أَوَّلُهُ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ: قَوْلُهُ لِوَقْتِهَا اللَّامُ لِلِاسْتِقْبَالِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أَيْ مُسْتَقْبِلَاتٍ عِدَّتَهُنَّ، وَقِيلَ لِلِابْتِدَاءِ؛ كَقولِهِ تَعَالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وَقِيلَ بِمَعْنَى فِي، أَيْ فِي وَقْتِهَا. وَقَوْلُهُ: عَلَى وَقْتِهَا قِيلَ عَلَى بِمَعْنَى اللَّامِ فَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ، وَقِيلَ لِإِرَادَةِ الِاسْتِعْلَاءِ عَلَى الْوَقْتِ، وَفَائِدَتُهُ تَحَقُّقُ دُخُولِ الْوَقْتِ لِيَقَعَ الْأَدَاءُ فِيهِ.

قَوْلُهُ (ثُمَّ أَيُّ) قِيلَ: الصَّوَابُ أَنَّهُ غَيْرُ مُنَوَّنٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ فِي الْكَلَامِ، وَالسَّائِلُ يَنْتَظِرُ الْجَوَابَ، وَالتَّنْوِينُ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ فَتَنْوِينُهُ وَوَصْلُهُ بِمَا بَعْدَهُ خَطَأٌ، فَيُوقَفُ عَلَيْهِ وَقْفَةً لَطِيفَةً، ثُمَّ يُؤْتَى بِمَا بَعْدَهُ قَالَهُ الْفَاكِهَانِيُّ. وَحَكَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ، عَنِ ابْنِ الْخَشَّابِ الْجَزْمَ بِتَنْوِينِهِ؛ لِأَنَّهُ مُعْرَبٌ غَيْرُ مُضَافٍ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مُضَافٌ تَقْدِيرًا وَالْمُضَافُ إِلَيْهِ مَحْذُوفٌ لَفْظًا، وَالتَّقْدِيرُ: ثُمَّ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ؟ فَيُوقَفُ عَلَيْهِ بِلَا تَنْوِينٍ. وَقَدْ نَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلَى أَنَّهَا تُعْرَبُ وَلَكِنَّهَا تُبْنَى إِذَا أُضِيفَتْ، وَاسْتَشْكَلَهُ الزَّجَّاجُ.

قَوْلُهُ (قَالَ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْمُسْتَمْلِي قَالَ ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ بِزِيَادَةِ ثُمَّ، قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا الْحَدِيثُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ حَيْثُ قَالَ: مَنْ صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فَقَدْ شَكَرَ اللَّهَ، وَمَنْ دَعَا لِوَالِدَيْهِ عَقِبَهَا فَقَدْ شَكَرَ لَهُمَا.

قَوْلُهُ (حَدَّثَنِي بِهِنَّ) هُوَ مَقُولُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَفِيهِ تَقْرِيرٌ وَتَأْكِيدٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ بَاشَرَ السُّؤَالَ وَسَمِعَ الْجَوَابَ.

قَوْلُهُ (وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ) يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ وَهُوَ مَرَاتِبُ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ مِنْ مُطْلَقِ الْمَسَائِلِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهَا، وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنِ الْوَلِيدِ: فَسَكَتَ عَنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي. فَكَأَنَّهُ اسْتَشْعَرَ مِنْهُ مَشَقَّةً، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: فَمَا تَرَكْتُ أَنْ أَسْتَزِيدَهُ إِلَّا إِرْعَاءً عَلَيْهِ. أَيْ شَفَقَةً عَلَيْهِ لِئَلَّا يَسْأَمَ.

وَفِي الْحَدِيثِ فَضْلُ تَعْظِيمِ الْوَالِدَيْنِ، وَأَنَّ أَعْمَالَ الْبِرِّ يُفَضَّلُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ. وَفِيهِ السُّؤَالُ عَنْ مَسَائِلَ شَتَّى فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَالرِّفْقُ بِالْعَالِمِ، وَالتَّوَقُّفُ عَنِ الْإِكْثَارِ عَلَيْهِ خَشْيَةَ مَلَالِهِ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ مِنْ تَعْظِيمِ النَّبِيِّ وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِ، وَمَا كَانَ هُوَ عَلَيْهِ مِنْ إِرْشَادِ الْمُسْتَرْشِدِينَ وَلَوْ شَقَّ عَلَيْهِ. وَفِيهِ أَنَّ الْإِشَارَةَ تَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ التَّصْرِيحِ إِذَا كَانَتْ مُعَيَّنَةً لِلْمُشَارِ إِلَيْهِ مُمَيَّزَةً لَهُ عَنْ غَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ تَقَديمُ الْجِهَادِ عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِ الْبَدَنِ؛ لِأَنَّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أي: يكفِّرن (﴿السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]) الصَّغائر لحديث: «إنَّ الصَّلاة إلى الصَّلاة مكفِّراتٌ ما بينهما ما اجتُنِبت الكبائر» (فَقَالَ الرَّجُلُ) المعهود: (يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِي هَذَا؟) بهمزة الاستفهام، واسم الإشارة: مبتدأٌ مُؤخَّرٌ، و «لي»: خبرٌ مُقدَّمٌ ليفيد الاختصاص (قَالَ) : هو (١) (لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ) مُبالَغةً في التَّأكيد، لكن سقط «كلِّهم» من رواية المُستملي، كذا (٢) قاله العينيُّ كابن حجرٍ، والَّذي في الفرع -كأصله- رُقِم علامة سقوطها لأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والحَمُّويي والأَصيليِّ، والله أعلم.

ورواته الخمسة بصريُّون ماخلا قتيبة، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وفيه: تابعيٌّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٦٨٧]، ومسلمٌ في «التَّوبة»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «التَّفسير»، وابن ماجه في «الصَّلاة».

(٥) (بابُ فَضْلِ الصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا) أي: في وقتها أو على وقتها.

٥٢٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ) الطَّيالسيُّ البصريُّ، وسقط من رواية الأَصيليِّ «هشام بن عبد الملك» (قَالَ: حَدَّثَنَا (٣) شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: الوَلِيدُ بْنُ

العَيْزَارِ) بعينٍ مُهمَلةٍ مفتوحةٍ فمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ ساكنةٍ فزايٍ فألفٍ فراءٍ، ابن حُرَيْثٍ بضمِّ المُهمَلة آخره مُثلَّثةٌ، الكوفيُّ (أَخْبَرَنِي) بالإفراد، هو على التَّقديم والتَّأخير، أي: حدَّثنا شعبة قال: أخبرني الوليد بن العَيْزار (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو) سعد بن إياسٍ بسكون العين وبكسر الهمزة في «إِياسٍ» وتخفيف المُثنَّاة التَّحتيَّة (الشَّيْبَانِيَّ) المُخضرَم الكوفيَّ، المُتوفَّى سنة خمسٍ أو ستٍّ وتسعين، وله مئةٌ وعشرون سنةً (يَقُولُ: حَدَّثَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ) هو عبد الله بن مسعودٍ كما صرَّح به مالكُ بن مغولٍ عند المؤلِّف في «الجهاد» [خ¦٢٧٨٢] (وَأَشَارَ) أبو عمرٍو الشَّيبانيُّ بيدِهِ (إلَى دَارِ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ اكتفاءً بالإشارة المفهمة (١) عن التَّصريح (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ : أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ) : (الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا) اتَّفق أصحاب شعبة على هذا اللَّفظ، وخالفهم عليُّ بن حفصٍ، وهو ممَّن احتجَّ به مسلمٌ، فقال: «الصَّلاة في أوَّل وقتها» رواه الحاكم والدَّارقُطنيُّ، واحتُرِز بقوله: «على وقتها» عمَّا إذا وقعت الصَّلاة (٢) خارج وقتها من معذورٍ كالنَّائم والنَّاسي، فإنَّ إخراجهما لها عن وقتها لا يُوصَف بتحريمٍ، ولا بأنَّه أفضل الأعمال، مع أنَّه محبوبٌ، لكنَّ إيقاعها في الوقت أحبُّ.

ووجه المُطابَقة بين التَّرجمة باللَّام وبين الحديث بـ «على»: أنَّ «اللَّام» قد تأتي بمعنى «على»، وحروف الخفض ينوب بعضها عن بعضٍ عند الكوفيِّين، كهي في قوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ

لِلأَذْقَانِ﴾ [الإسراء: ١٠٩] أي: عليها ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] أي: عليه، أو هي لام التَّأقيت (١) والتَّأريخ كهي في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أي: وقتها، وهو الطُّهر، فإنَّ «اللَّام» في الأزمان وما أشبهها للتَّأقيت، ومن عدَّ العدَّة بالحيض علَّق اللَّام بمحذوفٍ، مثل: مستقبلاتٍ، قاله البيضاويُّ، فعلى قول الكوفيِّين: إنَّ حروف الجرِّ ينوب بعضها عن بعضٍ، فهما متطابقان، وإِلَّا فمتغايران لأنَّ «على» للاستعلاء على الوقت، والتَّمكُّن من أداء الصَّلاة في أيِّ جزءٍ كان من أجزائه، و «اللَّام» لاستقبال الوقت، أو «اللَّام» بمعنى «في» لأنَّ الوقت ظرفٌ لها، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] أي: فيها (٢) (قَالَ) أي: ابن مسعودٍ: قلت لرسول الله : (ثُمَّ أَيٌّ؟) بالتَّشديد والتَّنوين، كما سمعه أبو الفرج بن الجوزيِّ

من ابن الخشَّاب، وقال -يعني: ابن الخشَّاب-: لا يجوز غيره لأنَّه اسمٌ مُعرَبٌ غير مُضافٍ، وأجاب الزَّركشيُّ في «تعليق العمدة» بأنَّه مُضافٌ تقديرًا، و (١) المُضاف إليه محذوفٌ لوقوعه في الاستفهام، والتَّقدير: ثمَّ أيُّ العمل أفضل؟ قال: فالأَوْلى أن يُوقَف عليه بإسكان الياء، وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: كأنَّه فُهِم أنَّ ابن الخشَّاب نفى كونه مضافًا مُطلَقًا حتَّى أورد عليه أنَّه مُضافٌ تقديرًا، وليس هذا مراد ابن الخشَّاب قطعًا، إذ هو بصدد تعليله (٢) إيجاب التَّنوين فيه، وهو يثبت بكونه غير مضافٍ لفظًا، وتقدير الإضافة لا يوجب عدم تنوينه، بل ولا يجوِّزه، وتوجيه الفاكهانيِّ في «شرح العمدة» بأنَّه موقوفٌ عليه في الكلام، والسَّائل ينتظر الجواب منه ، والتَّنوين لا يُوقَف عليه إجماعًا، وحينئذٍ فتنوينه ووصله بما بعده خطأٌ، فيُوقَف عليه وقفةً لطيفةً، ثمَّ يُؤتَى (٣) بما بعده، أُجيب عنه بأنَّ الحاكي لا يجب عليه في حالة وصل الكلام بما قبله أو بما بعده أن يراعيَ حال المحكيِّ عنه في الابتداء والوقف، بل يفعل هو ما تقتضيه حالته الَّتي هو فيها، والاستعمالات الفصيحة شاهدةٌ بذلك، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] فهذا كلام (٤) محكيٌّ بُدِئ بهمزة قطعٍ وخُتِم بتنوينٍ، ولم يقل أحدٌ بوجوب الوقف على «قالوا» محافظةً على الإتيان بهمزة القطع كما كانت في كلامهم المحكيِّ، ولا بوجوب الوقف على الميم بالسُّكون كما وقفوا عليه، بل يجوز الوصل إجماعًا، فتُراعَى حالته، قاله الدَّمامينيُّ (قَالَ) : (بِرُّ الوَالِدَيْنِ) بالإحسان إليهما،

والقيام بخدمتهما، وترك عقوقهما، وللمُستملي: «ثمَّ برُّ الوالدين» (قَالَ) أي: ابن مسعودٍ : قلت: (ثُمَّ أَيٌّ؟) بالتَّشديد والتَّنوين كما سبق (قَالَ) : (الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ) لإعلاء كلمة الله ﷿، وإظهار شعائر الإسلام بالنَّفس والمال (قَالَ) ابن مسعودٍ : (حَدَّثَنِي بِهِنَّ) أي: بالثَّلاثة (رَسُولُ اللهِ ، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ) أي: لو (١) طلبت منه الزِّيادة في السُّؤال (لَزَادَنِي) في الجواب، فإن قلت: ما الجمع بين حديث الباب ونحو: «إنَّ إطعام الطَّعام خير أعمال الإسلام»؟ أُجيب بأنَّ الجواب اختلف باختلاف أحوال السَّائلين، فأعلم كلَّ قومٍ بما يحتاجون إليه، أو بما هو لائقٌ بهم، أو الاختلاف باختلاف الأوقات، فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضل الأعمال لأنَّه وسيلةٌ إلى القيام بها، ولا ريبَ أنَّ الصَّلاة أفضل من الصَّدقة، وقد تكون في وقت مواساة المُضطَر أفضل، أو أنَّ «أفعل» ليست على بابها، بل المُراد بها الفضل المُطلَق، أو هو على حذف «من» وإرادتها.

ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والقول والسَّماع والسُّؤال، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الجهاد» [خ¦٢٧٨٢] وفي (٢) «الأدب» [خ¦٥٩٧٠] و «التَّوحيد» [خ¦٧٥٣٤]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «الصَّلاة» وفي «البرِّ والصِّلةِ»، والنَّسائيُّ في «الصَّلاة».

(٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ كَفَّارَةٌ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «كفَّاراتٌ للخطايا إذا

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك إِذْ حضرت الصَّلَاة فصلوا، فَنزلت الْآيَة: {أقِم الصَّلَاة} (هود: ١١٤) .

القَوْل الثَّالِث: إِنَّه ابْن معتب، رجل من الْأَنْصَار ذكره ابْن أبي خَيْثَمَة فِي (تَارِيخه) من حَدِيث إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، قَالَ: (أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رجل من الْأَنْصَار يُقَال لَهُ: معتب) ، فَذكر الحَدِيث.

القَوْل الرَّابِع: إِنَّه أَبُو مقبل، عَامر بن قيس الْأنْصَارِيّ ذكره مقَاتل فِي (نَوَادِر التَّفْسِير) وَقَالَ: هُوَ الَّذِي نزل فِيهِ: {أقِم الصَّلَاة} (هود: ١١٤)

القَوْل الْخَامِس: هُوَ نَبهَان التمار، وَزعم الثَّعْلَبِيّ أَن نَبهَان لم ينزل فِيهِ إِلَّا قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذين إِذا فعلوا فَاحِشَة أَو ظلمُوا أنفسهم} (آل عمرَان: ١٣٥) . الْآيَة.

القَوْل السَّادِس: إِنَّه عباد، ذكره الْقُرْطُبِيّ فِي تَفْسِيره.

قَوْله: {طرفِي النَّهَار} (هود: ١١٤) . قَالَ الثَّعْلَبِيّ: طرفِي النَّهَار: الْغَدَاة والعشي، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: يَعْنِي صَلَاة الصُّبْح وَصَلَاة الْمغرب. وَقَالَ مُجَاهِد: صَلَاة الْفجْر وَصَلَاة الْعشي. وَقَالَ الضَّحَّاك: الْفجْر وَالْعصر، وَقَالَ مقَاتل: صَلَاة الْفجْر وَالظّهْر طرف، وَصَلَاة الْمغرب وَالْعصر طرف، وانتصاب: (طرفِي النَّهَار) على الظّرْف لِأَنَّهُمَا مضافان إِلَى الْوَقْت، كَقَوْلِك: أَقمت عِنْده جَمِيع النَّهَار، وَهَذَا على إِعْطَاء الْمُضَاف حكم الْمُضَاف إِلَيْهِ. قَوْله: {وَزلفًا من اللَّيْل} : (هود: ١١٤) : صَلَاة الْعَتَمَة. وَقَالَ الْحسن: هما الْمغرب وَالْعشَاء، وَقَالَ الْأَخْفَش: يَعْنِي صَلَاة اللَّيْل، وَقَالَ الز (جاج: مَعْنَاهُ الصَّلَاة الْقَرِيبَة من أول اللَّيْل، والزلف: جمع زلفة، وَقَرَأَ الْجُمْهُور، بِضَم الزَّاي وَفتح اللَّام، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر بضمهما، وَقَرَأَ ابْن مُحَيْصِن بِضَم الزَّاي وَجزم اللَّام، وَقَرَأَ مُجَاهِد زلفى مثل قربى، وَفِي (الْمُحكم) زلف اللَّيْل: سَاعَات من أَوله. وَقيل: هِيَ سَاعَات اللَّيْل الْأَخِيرَة من النَّهَار وساعات النَّهَار الْأَخِيرَة من اللَّيْل. وَفِي (جَامع) الْقَزاز: الزلفة: الْقرْبَة من الْخَيْر وَالشَّر، وانتصاب: زلفى، على أَنه عطف على: الصَّلَاة، أَي: أقِم الصَّلَاة طرفِي النَّهَار، وأقم زلفى من اللَّيْل. قَوْله: {إِن الْحَسَنَات} (هود: ١١٤) . قَالَ الْقُرْطُبِيّ: لم يخْتَلف أحد من أهل التَّأْوِيل أَن الصَّلَاة فِي هَذِه الْآيَة يُرَاد بهَا الْفَرَائِض. قَوْله: (أَلِي هَذَا؟) الْهمزَة للاستفهام، وَقَوله: هَذَا، مُبْتَدأ، وَقَوله، لي، مقدما خَبره. وَفَائِدَة التَّقْدِيم التَّخْصِيص. قَوْله: (كلهم) ، لَيْسَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: عدم وجوب الْحَد فِي الْقبْلَة وَشبههَا من الْمس وَنَحْوه من الصَّغَائِر، وَهُوَ من اللمم المعفو عَنهُ باجتناب الْكَبَائِر بِنَصّ الْقُرْآن. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَقد يسْتَدلّ بِهِ على أَنه لَا حد وَلَا أدب على الرجل وَالْمَرْأَة، وَإِن وجدا فِي ثوب وَاحِد، وَهُوَ اخْتِيَار ابْن الْمُنْذر. انْتهى قلت سلمنَا فِي نفي الْحَد، وَلَا نسلم فِي نفي الْأَدَب، سِيمَا فِي هَذَا الزَّمَان.

وَفِيه: أَن إِقَامَة الصَّلَوَات الْخمس تجْرِي مجْرى التَّوْبَة فِي ارْتِكَاب الصَّغَائِر.

وَفِيه: أَن بَاب التَّوْبَة مَفْتُوح، وَالتَّوْبَة مَقْبُولَة وَفِي الْآي الْمَذْكُورَة دَلِيل على قَول أبي حنيفَة فِي أَن التَّنْوِير بِصَلَاة الْفجْر أفضل، وَذَلِكَ لِأَن ظَاهر الْآيَة يدل على وجوب إِقَامَة الصَّلَاة فِي طرف النَّهَار، وبيَّنا أَن طرفِي النَّهَار: الزَّمَان الأول بِطُلُوع الشَّمْس، وَالزَّمَان الأول بغروبها. وأجمعت الْأمة على أَن إِقَامَة الصَّلَاة فِي ذَلِك الْوَقْت من غير ضَرُورَة غير مَشْرُوع، فقد تعذر الْعَمَل بِظَاهِر هَذِه الْآيَة، فَوَجَبَ حملهَا على الْمجَاز، وَهُوَ أَن يكون المُرَاد إِقَامَة الصَّلَاة فِي الْوَقْت الَّذِي يقرب من طرفِي النَّهَار، لِأَن مَا يقرب من الشَّيْء يجوز أَن يُطلق عَلَيْهِ اسْمه، فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَكل وَقت كَانَ أقرب إِلَى طُلُوع الشَّمْس، وَإِلَى غُرُوبهَا كَانَ أقرب إِلَى ظَاهر اللَّفْظ، وَإِقَامَة صَلَاة الْفجْر عِنْد التَّنْوِير أقرب إِلَى وَقت الطُّلُوع من إِقَامَتهَا عِنْد الْغَلَس، وَكَذَلِكَ إِقَامَة صَلَاة الْعَصْر عِنْدَمَا يصير ظلّ كل شَيْء مثلَيْهِ أقرب إِلَى وَقت الْغُرُوب من إِقَامَتهَا عِنْدَمَا صَار ظلّ كل شَيْء مثله، وَالْمجَاز: كلما كَانَ أقرب إِلَى الْحَقِيقَة كَانَ حمل اللَّفْظ عَلَيْهِ أولى.

وفيهَا: دَلِيل أَيْضا على وجوب الْوتر، لِأَن قَوْله {وَزلفًا} (هود: ١١٤) . يَقْتَضِي الْأَمر بِإِقَامَة الصَّلَاة فِي زلف من اللَّيْل، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ عطف على الصَّلَاة فِي قَوْله: {أقِم الصَّلَاة طرفِي النَّهَار} (هود: ١١٤) . فَيكون التَّقْدِير: وأقم الصَّلَاة فِي زلف من اللَّيْل، والزلف جمع، وَأَقل الْجمع ثَلَاثَة، فَالْوَاجِب إِقَامَة الصَّلَاة فِي الْأَوْقَات الثَّلَاثَة، فالوقتان للمغرب وَالْعشَاء، وَالْوَقْت الثَّالِث للوتر، فَيجب الحكم بِوُجُوبِهِ. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) ذكر هَذَا شَيخنَا قطب الدّين، وَتَبعهُ شَيخنَا عَلَاء الدّين، وَهِي نزغة وَلَا نسلم لَهما قلت: لَا نسلم لَهُ لِأَن عدم التَّسْلِيم بعد إِقَامَة الدَّلِيل مُكَابَرَة.

٥ - (بابُ فَضْلِ الصَّلَاةِ لوَقْتِهَا)

أَي: هَذَا فِي بَيَان فضل الصَّلَاة لوَقْتهَا، وَكَانَ الأَصْل أَن يُقَال: فضل الصَّلَاة فِي وَقتهَا، لِأَن الْوَقْت ظرف لَهَا، ولذكره هَكَذَا وَجْهَان: الأول: أَن عِنْد الْكُوفِيّين أَن حُرُوف الْجَرّ يُقَام بَعْضهَا مقَام الْبَعْض. وَالثَّانِي: اللَّام، هُنَا مثل اللَّام فِي قَوْله تَعَالَى: {فطلقوهن لعدتهن} (الطَّلَاق: ١) أَي: مستقبلات لعدتهن، وَمثل قَوْلهم: لَقيته لثلاث بَقينَ من الشَّهْر، وَتسَمى: بلام التَّأْقِيت، والتأريخ. وَأما

قيام: اللَّام، مقَام: فِي، فَفِي قَوْله تَعَالَى: {وَنَضَع الموازين الْقسْط ليَوْم الْقِيَامَة} (الْأَنْبِيَاء: ٤٧) وَقَوله: لَا يجليها لوَقْتهَا إلَاّ هُوَ} (الْأَعْرَاف: ١٨٧) . وَقَوْلهمْ: مضى لسبيله. فَإِن قلت: فَفِي حَدِيث الْبَاب: على وَقتهَا، فالترجمة لَا تطابقه؟ قلت: اللَّام تَأتي بِمَعْنى: على، أَيْضا نَحْو قَوْله تَعَالَى: {ويخرون للأذقان} (الْإِسْرَاء: ١٠٧، ١٠٩) ، {ودعانا لجنبه} (يُونُس: ١٢) ، {وتله للجبين} (الصافات: ١٠٣) . وعَلى الأَصْل جَاءَ أَيْضا فِي الحَدِيث أخرجه ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه عَن بنْدَار، قَالَ: حَدثنَا عُثْمَان بن عمر حَدثنَا مَالك بن مغول عَن الْوَلِيد بن الْعيزَار عَن أبي عَمْرو عَن عبد الله، قَالَ: (سَأَلت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَي الْعَمَل أفضل؟ قَالَ: الصَّلَاة فِي وَقتهَا) . وَأخرجه ابْن حبَان أَيْضا فِي (صَحِيحه) ، وَكَذَا أخرجه البُخَارِيّ فِي التَّوْحِيد بِلَفْظ التَّرْجَمَة. وَأخرجه مُسلم بِالْوَجْهَيْنِ.

٥٢٧ - حدَّثنا أَبُو الوَلِيدِ هشَاُم بُن عَبْدِ المَلِكِ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ الوَلِيدُ بنُ العَيْزَارِ أَخْبرنِي قالَ سَمِعْتُ أبَا عَمْرٍ والشَّيْبَانِيَّ يَقُولُ حدَّثنا صاحِبُ هَذِه الدَّارِ وأشَارَ إلَى دَارِ عَبْدِ الله قالَ سَأَلْتُ النَّبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أيُّ العَمَلِ أحَبُّ إِلَى الله قالَ الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا قَالَ ثُمَّ أيّ قَالَ ثُمَّ بِر الوَالِدَيْنِ قالَ ثُمَّ أيّ قَالَ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله قَالَ حَدثنِي بهنَّ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَو اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي. .

مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَتقدم الْكَلَام فِي: على وَاللَّام.

ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ الْبَصْرِيّ. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: الْوَلِيد بن الْعيزَار، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالزاي قبل الْألف وبالراء بعْدهَا: ابْن حُرَيْث، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة: الْكُوفِي. الرَّابِع: أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ، وَهُوَ سعيد بن إِيَاس، بِكَسْر الْهمزَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف: المخضرم، أدْرك أهل الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام، عَاشَ مائَة وَعشْرين سنة قَالَ: أذكر أَنِّي سَمِعت بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنا أرعى إبِلا لأهلي بكاظمة، بالظاء الْمُعْجَمَة، وتكامل شَبَابِي يَوْم الْقَادِسِيَّة فَكنت ابْن أَرْبَعِينَ سنة يَوْمئِذٍ، وَكَانَ من أَصْحَاب عبد الله بن مَسْعُود. الْخَامِس: هُوَ عبد الله.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه السماع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِلَفْظ الْإِفْرَاد فِي الْمَاضِي. وَفِيه: القَوْل وَالسَّمَاع وَالسُّؤَال. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وكوفي. وَفِيه: قَوْله: قَالَ الْوَلِيد بن الْعيزَار: أَخْبرنِي، تَقْدِيم وَتَأْخِير تَقْدِيره: حَدثنَا شُعْبَة، قَالَ: أَخْبرنِي الْوَلِيد بن الْعيزَار، قَالَ: سَمِعت أَبَا عَمْرو.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن أبي الْوَلِيد، وَفِي التَّوْحِيد عَن سُلَيْمَان بن حَرْب، وَفِي الْجِهَاد عَن الْحسن بن الصَّباح، وَفِي التَّوْحِيد أَيْضا عَن عباد بن الْعَوام. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن عبيد الله بن معَاذ، وَعَن مُحَمَّد بن يحيى، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَعَن عُثْمَان بن أبي شيبَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة، وَفِي الْبر والصلة عَن أَحْمد بن مُحَمَّد الْمروزِي. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن عَمْرو بن عَليّ وَعَن عبد الله بن مُحَمَّد.

ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (حَدثنَا صَاحب هَذِه الدَّار) ، لم يُصَرح فِيهِ شُعْبَة باسم عبد الله، بل رَوَاهُ مُبْهما. وَرَوَاهُ مَالك بن مغول عَن البُخَارِيّ فِي الْجِهَاد، وَأَبُو إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ فِي التَّوْحِيد عَن الْوَلِيد، وصرحا باسم عبد الله، وَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من طَرِيق أبي مُعَاوِيَة عَن أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ، وَأحمد من طَرِيق أبي عُبَيْدَة بن عبد الله بن مَسْعُود عَن أَبِيه، وَمَعَ هَذَا فِي قَوْله: (وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى دَار عبد الله) اكْتِفَاء عَن التَّصْرِيح، لِأَن المُرَاد من: عبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود. قَوْله: (أَي الْعَمَل أحب إِلَى الله؟) . وَفِي رِوَايَة مَالك بن مغول: (أَي الْعَمَل أفضل؟) وَكَذَا الْأَكْثَر الروَاة. قَوْله: (على وَقتهَا) اسْتِعْمَال لَفْظَة: على، هَهُنَا بِالنّظرِ إِلَى إِرَادَة الإستعلاء على الْوَقْت، والتمكن على أَدَائِهَا فِي أَي جُزْء من أَجْزَائِهَا، وَاتفقَ أَصْحَاب شُعْبَة على اللَّفْظ الْمَذْكُور، وَخَالفهُم عَليّ بن حَفْص، فَقَالَ: (الصَّلَاة فِي أول وَقتهَا) . وَقَالَ الْحَاكِم: روى هَذَا الحَدِيث جمَاعَة عَن شُعْبَة، وَلم يذكر هَذِه اللَّفْظَة غير حجاج عَن عَليّ بن حَفْص، وحجاج حَافظ ثِقَة، وَقد احْتج مُسلم بعلي بن حَفْص. قَوْله: (قَالَ: ثمَّ أَي؟) قَالَ الْفَاكِهَانِيّ: إِنَّه غير منون لِأَنَّهُ غير مَوْقُوف عَلَيْهِ فِي الْكَلَام، والسائل ينْتَظر الْجَواب، والتنوين لَا يُوقف عَلَيْهِ، فتنوينه وَوَصله بِمَا بعده خطأ، فَيُوقف

عَلَيْهِ وَقْفَة لَطِيفَة ثمَّ يُؤْتى بِمَا بعده. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي هَذَا الحَدِيث: أَي، مشدد منون، كَذَلِك سَمِعت من ابْن الخشاب. وَقَالَ: لَا يجوز إلَاّ تنوينه لِأَنَّهُ مُعرب غير مُضَاف. وَقَالَ بَعضهم: وَتعقب بِأَنَّهُ مُضَاف تَقْديرا، والمضاف إِلَيْهِ مَحْذُوف، وَالتَّقْدِير: ثمَّ أَي الْعَمَل أحب؟ فَيُوقف عَلَيْهِ بِلَا تَنْوِين. قلت: قَالَ النُّحَاة: إِن أيا الموصولة والشرطية والاستفهامية معربة دَائِما فَإِذا كَانَت: أَي هَذِه معربة عِنْد الْإِفْرَاد، فَكيف يُقَال: إِنَّهَا مَبْنِيَّة عِنْد الْإِضَافَة؟ وَلما نقل عَن سِيبَوَيْهٍ هَذَا هَكَذَا أنكر عَلَيْهِ الزّجاج، فَقَالَ: مَا تبين لي أَن سِيبَوَيْهٍ غلط إلَاّ فِي موضِعين: هَذَا أَحدهمَا، فَإِنَّهُ يسلم أَنَّهَا تعرب إِذا أفردت، فَكيف يَقُول ببنائها إِذا أضيفت؟ قَوْله: (قَالَ: بر الْوَالِدين) ، هَكَذَا هُوَ عِنْد أَكثر الروَاة، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (قَالَ: ثمَّ بر الْوَالِدين)) ، بِزِيَادَة كلمة: ثمَّ، و: الْبر، بِكَسْر الْبَاء: الْإِحْسَان، وبر الْوَالِدين: الْإِحْسَان إِلَيْهِمَا وَالْقِيَام بخدمتهما وَترك العقوق والإساءة إِلَيْهِمَا من: بر يبر فَهُوَ بار، وَجمعه: بررة. قَوْله: الْجِهَاد فِي سَبِيل الله) وَهُوَ: الْمُحَاربَة مَعَ الْكفَّار لإعلاء كلمة الله وَإِظْهَار شَعَائِر الْإِسْلَام بِالنَّفسِ وَالْمَال. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي تَخْصِيص الذّكر بِهَذِهِ الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة؟ قلت: هَذِه الثَّلَاثَة أفضل الْأَعْمَال بعد الْإِيمَان، من ضيع الصَّلَاة الَّتِي هِيَ عماد الدّين مَعَ الْعلم بفضيلتها كَانَ لغَيْرهَا من أَمر الدّين أَشد تضييعا، وَأَشد تهاونا واستخفافا، وَكَذَا من ترك بر وَالِديهِ فَهُوَ لغير ذَلِك من حُقُوق الله أَشد تركا، وَكَذَا الْجِهَاد: من تَركه مَعَ قدرته عَلَيْهِ عِنْد تعينه، فَهُوَ لغير ذَلِك من الْأَعْمَال الَّتِي يتَقرَّب بهَا إِلَى الله تَعَالَى أَشد تركا، فالمحافظ على هَذِه الثَّلَاثَة حَافظ على مَا سواهَا، والمضيع لَهَا كَانَ لما سواهَا أضيع. قَوْله: (حَدثنِي بِهن) مقول عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَي: بِهَذِهِ الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة، وَأَنه تَأْكِيد وَتَقْرِير لما تقدم، إِذْ لَا ريب أَن اللَّفْظ صَرِيح فِي ذَلِك، وَهُوَ أرفع دَرَجَات التَّحَمُّل. قَوْله: (وَلَو استزدته) أَي: وَلَو طلبت مِنْهُ الزِّيَادَة فِي السُّؤَال لزادني رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْجَواب، ثمَّ طلبه الزِّيَادَة يحْتَمل أَن يكون أرادها من هَذَا النَّوْع، وَهِي مَرَاتِب أفضل الْأَعْمَال، وَيحْتَمل أَن يكون أرادها من مُطلق الْمسَائِل الْمُحْتَاج إِلَيْهَا. وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: من طَرِيق المَسْعُودِيّ عَن الْوَلِيد: (فَسكت عني رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَو استزدته لزادني) ، فَكَأَنَّهُ فهم مِنْهُ السَّآمَة، فَلذَلِك قَالَ مَا قَالَه، وَيُؤَيِّدهُ مَا فِي رِوَايَة مُسلم: (فَمَا تركت أَن أستزيده إلَاّ إرعاء عَلَيْهِ) ، أَي: شَفَقَة عَلَيْهِ لِئَلَّا يسأم.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن أَعمال الْبر تفضل بَعْضهَا على بعض عِنْد الله تَعَالَى. فَإِن قلت: ورد أَن إطْعَام الطَّعَام خير أَعمال الْإِسْلَام، وَورد: (إِن أحب الْأَعْمَال إِلَى الله أَدْوَمه) ، وَغير ذَلِك، فَمَا وَجه التَّوْفِيق بَينهمَا؟ قلت: أجَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لكل من سَأَلَ بِمَا يُوَافق غَرَضه، أَو بِمَا يَلِيق بِهِ، أَو بِحَسب الْوَقْت، فَإِن الْجِهَاد كَانَ فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام أفضل الْأَعْمَال، لِأَنَّهُ كَانَ كالوسيلة إِلَى الْقيام بهَا. والتمكن من أَدَائِهَا، أَو بِحَسب الْحَال، فَإِن النُّصُوص تعاضدت على فضل الصَّلَاة على الصَّدَقَة، وَرُبمَا تجدّد حَال يَقْتَضِي مواساة مُضْطَر فَتكون الصَّدَقَة حِينَئِذٍ أفضل، وَيُقَال: إِن أفعل، فِي: أفضل الْأَعْمَال، لَيْسَ على بَابه، بل المُرَاد بِهِ الْفضل الْمُطلق. وَيُقَال: التَّقْدِير أَن من أفضل الْأَعْمَال، فحذفت كلمة: من، وَهِي مُرَادة قلت: وَفِيه نظر. وَفِيه: مَا قَالَ ابْن بطال: إِن البدار إِلَى الصَّلَاة فِي أول وَقتهَا أفضل من التَّرَاخِي فِيهَا، لِأَنَّهُ إِنَّمَا شَرط فِيهَا أَن تكون أحب من الْأَعْمَال إِذا أُقِيمَت لوَقْتهَا الْمُسْتَحبّ. قلت: لفظ الحَدِيث لَا يدل على مَا ذكره على مَا لَا يخفى، وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: لَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظ مَا يَقْتَضِي أَولا وَلَا آخرا، فَكَانَ الْمَقْصُود بِهِ الِاحْتِرَاز عَمَّا إِذا وَقعت قَضَاء. وَقَالَ بَعضهم: وَتعقب بِأَن إخْرَاجهَا عَن وَقتهَا محرم، وَلَفظ: أحب، يَقْتَضِي الْمُشَاركَة فِي الِاسْتِحْبَاب، فَيكون المُرَاد الِاحْتِرَاز عَن إيقاعها آخر الْوَقْت. قلت: الَّذِي يدل ظَاهر اللَّفْظ أَن الصَّلَاة مُشَاركَة لغَيْرهَا من الْأَعْمَال فِي الْمحبَّة، فَإِذا وَقعت الصَّلَاة فِي وَقتهَا كَانَت أحب إِلَى الله تَعَالَى من غَيرهَا، فَيكون الِاحْتِرَاز عَن وُقُوعهَا خَارج الْوَقْت. فَإِن قلت: روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (الْوَقْت الأول من الصَّلَاة رضوَان الله، وَالْوَقْت الآخر عَفْو الله) . وَالْعَفو لَا يكون إلَاّ عِنْد التَّقْصِير. . قلت: قَالَ ابْن حبَان، لما رَوَاهُ فِي (كتاب الضُّعَفَاء) : وَتفرد بِهِ يَعْقُوب بن الْوَلِيد، وَكَانَ يضع الحَدِيث. وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: هُوَ مَوْضُوع. وَقَالَ الْمَيْمُونِيّ: سَمِعت أَبَا عبد الله يَقُول: لَا أعرف شَيْئا يثبت فِي أَوْقَات الصَّلَاة أَولهَا كَذَا وَآخِرهَا (هَكَذَا، يَعْنِي: مغْفرَة ورضوانا. وَفِيه: تَعْظِيم الْوَالِدين وَبَيَان فَضله وَيجب الْإِحْسَان إِلَيْهِمَا وَلَو كَانَا كَافِرين. وَفِيه: السُّؤَال عَن مسَائِل شَتَّى فِي وَقت وَاحِد، وَجَوَاز تَكْرِير السُّؤَال. وَفِيه: الرِّفْق بالعالم والتوقف عَن الْإِكْثَار عَلَيْهِ خشيَة ملاله. وَفِيه:

أَن الْإِشَارَة تنزل منزلَة التَّصْرِيح إِذا كَانَت مُعينَة للمشار إِلَيْهِ، مُمَيزَة عَن غَيره. أَلا ترى أَن الْأَخْرَس إِذا طلق امْرَأَته بِالْإِشَارَةِ المفهمة، يَقع طَلَاقه بِحَسب الْإِشَارَة، وَكَذَا سَائِر تَصَرُّفَاته.

٦ - (بابٌ الصَلَوَاتُ الخَمْسُ كَفَّارَةٌ)

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

هُودٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَاحْتَجَّ الْمُرْجِئَةُ بِظَاهِرِهِ، وَظَاهِرِ الَّذِي قَبْلَهُ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَ الْخَيْرِ مُكَفِّرَةٌ لِلْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ، وَحَمَلَهُ جُمْهُورُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى الصَّغَائِرِ، عَمَلًا بِحَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ كَمَا سَيَأْتِي بَسْطُهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٥ - بَاب فَضْلِ الصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا

٥٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْعَيْزَارِ، أَخْبَرَنِي قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ - وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللَّهِ - قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ : أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا. قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ. قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي.

[الحديث ٥٢٧ - أطرافه في: ٧٥٣٤، ٥٩٧٠، ٢٧٨٢]

قَوْلُهُ (بَابُ فَضْلِ الصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا) كَذَا تَرْجَمَ، وَأَوْرَدَهُ بِلَفْظِ عَلَى وَقْتِهَا وَهِيَ رِوَايَةُ شُعْبَةَ وَأَكْثَرِ الرُّوَاةِ، نَعَمْ أَخْرَجَهُ فِي التَّوْحِيدِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ التَّرْجَمَةِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِاللَّفْظَيْنِ.

قَوْلُهُ (قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْعَيْزَارِ أَخْبَرَنِي) هُوَ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ.

قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ) كَذَا رَوَاهُ شُعْبَةُ مُبْهَمًا، وَرَوَاهُ مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْجِهَادِ وَأَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ فِي التَّوْحِيدِ عَنِ الْوَلِيدِ فَصَرَّحَا بَاسِمِ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ النَّخَعِيِّ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، وَأَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ.

قَوْلُهُ (وَأَشَارَ بِيَدِهِ) فِيهِ الِاكْتِفَاءُ بِالْإِشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ عَنِ التَّصْرِيحِ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ.

قَوْلُهُ (أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ) فِي رِوَايَةِ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ وَكَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا اللَّفْظُ هُوَ الْمَسْئُولُ بِهِ فَلَفْظُ حَدِيثِ الْبَابِ مَلْزُومٌ عَنْهُ. وَمُحَصِّلُ مَا أَجَابَ بِهِ الْعُلَمَاءُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ مِمَّا اخْتَلَفَتْ فِيهِ الْأَجْوِبَةُ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ أَنَّ الْجَوَابَ اخْتَلَفَ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ السَّائِلِينَ بِأَنْ أَعْلَمَ كُلَّ قَوْمٍ بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، أَوْ بِمَا لَهُمْ فِيهِ رَغْبَةٌ، أَوْ بِمَا هُوَ لَائِقٌ بِهِمْ، أَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ بِأَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَفْضَلَ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ، فَقَدْ كَانَ الْجِهَادُ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ؛ لِأَنَّهُ الْوَسِيلَةُ إِلَى الْقِيَامِ بِهَا وَالتَّمَكُّنِ مِنْ أَدَائِهَا، وَقَدْ تَضَافَرَتِ النُّصُوصُ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَفِي وَقْتِ مُوَاسَاةِ الْمُضْطَرِّ تَكُونُ الصَّدَقَةُ أَفْضَلَ، أَوْ أَنَّ أَفْضَلَ لَيْسَتْ عَلَى بَابِهَا، بَلِ الْمُرَادُ بِهَا الْفَضْلُ الْمُطْلَقُ، أَوِ الْمُرَادُ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ فَحُذِفَتْ مِنْ وَهِيَ مُرَادَةٌ.

وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الْأَعْمَالُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْبَدَنِيَّةِ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ الِاحْتِرَازَ عَنِ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ، فَلَا تَعَارُضَ حِينَئِذٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ إِيمَانٌ بِاللَّهِ. الْحَدِيثَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمُرَادُ بِالْجِهَادِ هُنَا مَا لَيْسَ بِفَرْضِ عَيْنٍ؛ لِأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى إِذْنِ الْوَالِدَيْنِ فَيَكُونُ بِرُّهُمَا مُقَدَّمًا عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ (الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ أَنَّ الْبِدَارَ إِلَى الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ أَوْقَاتِهَا أَفْضَلُ مِنَ التَّرَاخِي فِيهَا؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا شَرَطَ فِيهَا أَنْ تَكُونَ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِذَا أُقِيمَتْ لِوَقْتِهَا الْمُسْتَحَبِّ.

قُلْتُ: وَفِي أَخْذِ ذَلِكَ مِنَ اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ نَظَرٌ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظِ مَا يَقْتَضِي أَوَّلًا وَلَا آخِرًا، وَكَأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ الِاحْتِرَازُ عَمَّا إِذَا وَقَعَتْ قَضَاءً. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ إِخْرَاجَهَا عَنْ وَقْتِهَا مُحَرَّمٌ، وَلَفْظُ أَحَبَّ يَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ فِي الِاسْتِحْبَابِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ الِاحْتِرَازُ عَنْ إِيقَاعِهَا آخِرَ الْوَقْتِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُشَارَكَةَ إِنَّمَا هِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَعْمَالِ، فَإِنْ وَقَعَتِ الصَّلَاةُ فِي وَقْتِهَا كَانَتْ

أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ غَيْرِهَا مِنَ الْأَعْمَالِ؛ فَوَقَعَ الِاحْتِرَازُ عَمَّا إِذَا وَقَعَتْ خَارِجَ وَقْتِهَا مِنْ مَعْذُورٍ كَالنَّائِمِ وَالنَّاسِي، فَإِنَّ إِخْرَاجَهُمَا لَهَا عَنْ وَقْتِهَا لَا يُوصَفُ بِالتَّحْرِيمِ وَلَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ مَعَ كَوْنِهِ مَحْبُوبًا، لَكِنَّ إِيقَاعَهَا فِي الْوَقْتِ أَحَبُّ.

(تَنْبِيهٌ) اتَّفَقَ أَصْحَابُ شُعْبَةَ عَلَى اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ، وَهُوَ قَوْلُهُ عَنْ وَقْتِهَا وَخَالَفَهُمْ عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ وَهُوَ شَيْخٌ صَدُوقٌ مِنْ رِجَالِ مُسْلِمٍ، فَقَالَ: الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا. أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، والدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: مَا أَحْسَبُهُ حَفِظَهُ؛ لِأَنَّهُ كَبُرَ وَتَغَيَّرَ حِفْظُهُ.

قُلْتُ: وَرَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَعْمَرِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنْ أَبِي مُوسَى مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ كَذَلِكَ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ الْمَعْمَرِيُّ، فَقَدْ رَوَاهُ أَصْحَابُ أَبِي مُوسَى عَنْهُ بِلَفْظِ عَلَى وَقْتِهَا ثُمَّ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، عَنِ الْمَحَامِلِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى كَرِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، وَهَكَذَا رَوَاهُ أَصْحَابُ غُنْدَرٍ عَنْهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَعْمَرِيَّ وَهِمَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ مِنْ حِفْظِهِ، وَقَدْ أَطْلَقَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ رِوَايَةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ضَعِيفَةٌ اهـ، لَكِنْ لَهَا طَرِيقٌ أُخْرَى أَخْرَجَهَا ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ، عَنْ عُمَرَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنِ الْوَلِيدِ، وَتَفَرَّدَ عُثْمَانُ بِذَلِكَ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ كَرِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، كَذَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ، وَكَأَنَّ مَنْ رَوَاهَا كَذَلِكَ ظَنَّ أَنَّ الْمَعْنَى وَاحِد، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مِنْ لَفْظَةِ عَلَى؛ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي الِاسْتِعْلَاءَ عَلَى جَمِيعِ الْوَقْتِ فَيَتَعَيَّنُ أَوَّلُهُ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ: قَوْلُهُ لِوَقْتِهَا اللَّامُ لِلِاسْتِقْبَالِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أَيْ مُسْتَقْبِلَاتٍ عِدَّتَهُنَّ، وَقِيلَ لِلِابْتِدَاءِ؛ كَقولِهِ تَعَالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وَقِيلَ بِمَعْنَى فِي، أَيْ فِي وَقْتِهَا. وَقَوْلُهُ: عَلَى وَقْتِهَا قِيلَ عَلَى بِمَعْنَى اللَّامِ فَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ، وَقِيلَ لِإِرَادَةِ الِاسْتِعْلَاءِ عَلَى الْوَقْتِ، وَفَائِدَتُهُ تَحَقُّقُ دُخُولِ الْوَقْتِ لِيَقَعَ الْأَدَاءُ فِيهِ.

قَوْلُهُ (ثُمَّ أَيُّ) قِيلَ: الصَّوَابُ أَنَّهُ غَيْرُ مُنَوَّنٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ فِي الْكَلَامِ، وَالسَّائِلُ يَنْتَظِرُ الْجَوَابَ، وَالتَّنْوِينُ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ فَتَنْوِينُهُ وَوَصْلُهُ بِمَا بَعْدَهُ خَطَأٌ، فَيُوقَفُ عَلَيْهِ وَقْفَةً لَطِيفَةً، ثُمَّ يُؤْتَى بِمَا بَعْدَهُ قَالَهُ الْفَاكِهَانِيُّ. وَحَكَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ، عَنِ ابْنِ الْخَشَّابِ الْجَزْمَ بِتَنْوِينِهِ؛ لِأَنَّهُ مُعْرَبٌ غَيْرُ مُضَافٍ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مُضَافٌ تَقْدِيرًا وَالْمُضَافُ إِلَيْهِ مَحْذُوفٌ لَفْظًا، وَالتَّقْدِيرُ: ثُمَّ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ؟ فَيُوقَفُ عَلَيْهِ بِلَا تَنْوِينٍ. وَقَدْ نَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلَى أَنَّهَا تُعْرَبُ وَلَكِنَّهَا تُبْنَى إِذَا أُضِيفَتْ، وَاسْتَشْكَلَهُ الزَّجَّاجُ.

قَوْلُهُ (قَالَ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْمُسْتَمْلِي قَالَ ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ بِزِيَادَةِ ثُمَّ، قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا الْحَدِيثُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ حَيْثُ قَالَ: مَنْ صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فَقَدْ شَكَرَ اللَّهَ، وَمَنْ دَعَا لِوَالِدَيْهِ عَقِبَهَا فَقَدْ شَكَرَ لَهُمَا.

قَوْلُهُ (حَدَّثَنِي بِهِنَّ) هُوَ مَقُولُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَفِيهِ تَقْرِيرٌ وَتَأْكِيدٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ بَاشَرَ السُّؤَالَ وَسَمِعَ الْجَوَابَ.

قَوْلُهُ (وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ) يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ وَهُوَ مَرَاتِبُ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ مِنْ مُطْلَقِ الْمَسَائِلِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهَا، وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنِ الْوَلِيدِ: فَسَكَتَ عَنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي. فَكَأَنَّهُ اسْتَشْعَرَ مِنْهُ مَشَقَّةً، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: فَمَا تَرَكْتُ أَنْ أَسْتَزِيدَهُ إِلَّا إِرْعَاءً عَلَيْهِ. أَيْ شَفَقَةً عَلَيْهِ لِئَلَّا يَسْأَمَ.

وَفِي الْحَدِيثِ فَضْلُ تَعْظِيمِ الْوَالِدَيْنِ، وَأَنَّ أَعْمَالَ الْبِرِّ يُفَضَّلُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ. وَفِيهِ السُّؤَالُ عَنْ مَسَائِلَ شَتَّى فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَالرِّفْقُ بِالْعَالِمِ، وَالتَّوَقُّفُ عَنِ الْإِكْثَارِ عَلَيْهِ خَشْيَةَ مَلَالِهِ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ مِنْ تَعْظِيمِ النَّبِيِّ وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِ، وَمَا كَانَ هُوَ عَلَيْهِ مِنْ إِرْشَادِ الْمُسْتَرْشِدِينَ وَلَوْ شَقَّ عَلَيْهِ. وَفِيهِ أَنَّ الْإِشَارَةَ تَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ التَّصْرِيحِ إِذَا كَانَتْ مُعَيَّنَةً لِلْمُشَارِ إِلَيْهِ مُمَيَّزَةً لَهُ عَنْ غَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ تَقَديمُ الْجِهَادِ عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِ الْبَدَنِ؛ لِأَنَّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أي: يكفِّرن (﴿السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]) الصَّغائر لحديث: «إنَّ الصَّلاة إلى الصَّلاة مكفِّراتٌ ما بينهما ما اجتُنِبت الكبائر» (فَقَالَ الرَّجُلُ) المعهود: (يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِي هَذَا؟) بهمزة الاستفهام، واسم الإشارة: مبتدأٌ مُؤخَّرٌ، و «لي»: خبرٌ مُقدَّمٌ ليفيد الاختصاص (قَالَ) : هو (١) (لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ) مُبالَغةً في التَّأكيد، لكن سقط «كلِّهم» من رواية المُستملي، كذا (٢) قاله العينيُّ كابن حجرٍ، والَّذي في الفرع -كأصله- رُقِم علامة سقوطها لأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والحَمُّويي والأَصيليِّ، والله أعلم.

ورواته الخمسة بصريُّون ماخلا قتيبة، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وفيه: تابعيٌّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٦٨٧]، ومسلمٌ في «التَّوبة»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «التَّفسير»، وابن ماجه في «الصَّلاة».

(٥) (بابُ فَضْلِ الصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا) أي: في وقتها أو على وقتها.

٥٢٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ) الطَّيالسيُّ البصريُّ، وسقط من رواية الأَصيليِّ «هشام بن عبد الملك» (قَالَ: حَدَّثَنَا (٣) شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: الوَلِيدُ بْنُ

العَيْزَارِ) بعينٍ مُهمَلةٍ مفتوحةٍ فمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ ساكنةٍ فزايٍ فألفٍ فراءٍ، ابن حُرَيْثٍ بضمِّ المُهمَلة آخره مُثلَّثةٌ، الكوفيُّ (أَخْبَرَنِي) بالإفراد، هو على التَّقديم والتَّأخير، أي: حدَّثنا شعبة قال: أخبرني الوليد بن العَيْزار (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو) سعد بن إياسٍ بسكون العين وبكسر الهمزة في «إِياسٍ» وتخفيف المُثنَّاة التَّحتيَّة (الشَّيْبَانِيَّ) المُخضرَم الكوفيَّ، المُتوفَّى سنة خمسٍ أو ستٍّ وتسعين، وله مئةٌ وعشرون سنةً (يَقُولُ: حَدَّثَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ) هو عبد الله بن مسعودٍ كما صرَّح به مالكُ بن مغولٍ عند المؤلِّف في «الجهاد» [خ¦٢٧٨٢] (وَأَشَارَ) أبو عمرٍو الشَّيبانيُّ بيدِهِ (إلَى دَارِ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ اكتفاءً بالإشارة المفهمة (١) عن التَّصريح (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ : أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ) : (الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا) اتَّفق أصحاب شعبة على هذا اللَّفظ، وخالفهم عليُّ بن حفصٍ، وهو ممَّن احتجَّ به مسلمٌ، فقال: «الصَّلاة في أوَّل وقتها» رواه الحاكم والدَّارقُطنيُّ، واحتُرِز بقوله: «على وقتها» عمَّا إذا وقعت الصَّلاة (٢) خارج وقتها من معذورٍ كالنَّائم والنَّاسي، فإنَّ إخراجهما لها عن وقتها لا يُوصَف بتحريمٍ، ولا بأنَّه أفضل الأعمال، مع أنَّه محبوبٌ، لكنَّ إيقاعها في الوقت أحبُّ.

ووجه المُطابَقة بين التَّرجمة باللَّام وبين الحديث بـ «على»: أنَّ «اللَّام» قد تأتي بمعنى «على»، وحروف الخفض ينوب بعضها عن بعضٍ عند الكوفيِّين، كهي في قوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ

لِلأَذْقَانِ﴾ [الإسراء: ١٠٩] أي: عليها ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] أي: عليه، أو هي لام التَّأقيت (١) والتَّأريخ كهي في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أي: وقتها، وهو الطُّهر، فإنَّ «اللَّام» في الأزمان وما أشبهها للتَّأقيت، ومن عدَّ العدَّة بالحيض علَّق اللَّام بمحذوفٍ، مثل: مستقبلاتٍ، قاله البيضاويُّ، فعلى قول الكوفيِّين: إنَّ حروف الجرِّ ينوب بعضها عن بعضٍ، فهما متطابقان، وإِلَّا فمتغايران لأنَّ «على» للاستعلاء على الوقت، والتَّمكُّن من أداء الصَّلاة في أيِّ جزءٍ كان من أجزائه، و «اللَّام» لاستقبال الوقت، أو «اللَّام» بمعنى «في» لأنَّ الوقت ظرفٌ لها، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] أي: فيها (٢) (قَالَ) أي: ابن مسعودٍ: قلت لرسول الله : (ثُمَّ أَيٌّ؟) بالتَّشديد والتَّنوين، كما سمعه أبو الفرج بن الجوزيِّ

من ابن الخشَّاب، وقال -يعني: ابن الخشَّاب-: لا يجوز غيره لأنَّه اسمٌ مُعرَبٌ غير مُضافٍ، وأجاب الزَّركشيُّ في «تعليق العمدة» بأنَّه مُضافٌ تقديرًا، و (١) المُضاف إليه محذوفٌ لوقوعه في الاستفهام، والتَّقدير: ثمَّ أيُّ العمل أفضل؟ قال: فالأَوْلى أن يُوقَف عليه بإسكان الياء، وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: كأنَّه فُهِم أنَّ ابن الخشَّاب نفى كونه مضافًا مُطلَقًا حتَّى أورد عليه أنَّه مُضافٌ تقديرًا، وليس هذا مراد ابن الخشَّاب قطعًا، إذ هو بصدد تعليله (٢) إيجاب التَّنوين فيه، وهو يثبت بكونه غير مضافٍ لفظًا، وتقدير الإضافة لا يوجب عدم تنوينه، بل ولا يجوِّزه، وتوجيه الفاكهانيِّ في «شرح العمدة» بأنَّه موقوفٌ عليه في الكلام، والسَّائل ينتظر الجواب منه ، والتَّنوين لا يُوقَف عليه إجماعًا، وحينئذٍ فتنوينه ووصله بما بعده خطأٌ، فيُوقَف عليه وقفةً لطيفةً، ثمَّ يُؤتَى (٣) بما بعده، أُجيب عنه بأنَّ الحاكي لا يجب عليه في حالة وصل الكلام بما قبله أو بما بعده أن يراعيَ حال المحكيِّ عنه في الابتداء والوقف، بل يفعل هو ما تقتضيه حالته الَّتي هو فيها، والاستعمالات الفصيحة شاهدةٌ بذلك، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] فهذا كلام (٤) محكيٌّ بُدِئ بهمزة قطعٍ وخُتِم بتنوينٍ، ولم يقل أحدٌ بوجوب الوقف على «قالوا» محافظةً على الإتيان بهمزة القطع كما كانت في كلامهم المحكيِّ، ولا بوجوب الوقف على الميم بالسُّكون كما وقفوا عليه، بل يجوز الوصل إجماعًا، فتُراعَى حالته، قاله الدَّمامينيُّ (قَالَ) : (بِرُّ الوَالِدَيْنِ) بالإحسان إليهما،

والقيام بخدمتهما، وترك عقوقهما، وللمُستملي: «ثمَّ برُّ الوالدين» (قَالَ) أي: ابن مسعودٍ : قلت: (ثُمَّ أَيٌّ؟) بالتَّشديد والتَّنوين كما سبق (قَالَ) : (الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ) لإعلاء كلمة الله ﷿، وإظهار شعائر الإسلام بالنَّفس والمال (قَالَ) ابن مسعودٍ : (حَدَّثَنِي بِهِنَّ) أي: بالثَّلاثة (رَسُولُ اللهِ ، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ) أي: لو (١) طلبت منه الزِّيادة في السُّؤال (لَزَادَنِي) في الجواب، فإن قلت: ما الجمع بين حديث الباب ونحو: «إنَّ إطعام الطَّعام خير أعمال الإسلام»؟ أُجيب بأنَّ الجواب اختلف باختلاف أحوال السَّائلين، فأعلم كلَّ قومٍ بما يحتاجون إليه، أو بما هو لائقٌ بهم، أو الاختلاف باختلاف الأوقات، فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضل الأعمال لأنَّه وسيلةٌ إلى القيام بها، ولا ريبَ أنَّ الصَّلاة أفضل من الصَّدقة، وقد تكون في وقت مواساة المُضطَر أفضل، أو أنَّ «أفعل» ليست على بابها، بل المُراد بها الفضل المُطلَق، أو هو على حذف «من» وإرادتها.

ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والقول والسَّماع والسُّؤال، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الجهاد» [خ¦٢٧٨٢] وفي (٢) «الأدب» [خ¦٥٩٧٠] و «التَّوحيد» [خ¦٧٥٣٤]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «الصَّلاة» وفي «البرِّ والصِّلةِ»، والنَّسائيُّ في «الصَّلاة».

(٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ كَفَّارَةٌ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «كفَّاراتٌ للخطايا إذا

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك إِذْ حضرت الصَّلَاة فصلوا، فَنزلت الْآيَة: {أقِم الصَّلَاة} (هود: ١١٤) .

القَوْل الثَّالِث: إِنَّه ابْن معتب، رجل من الْأَنْصَار ذكره ابْن أبي خَيْثَمَة فِي (تَارِيخه) من حَدِيث إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، قَالَ: (أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رجل من الْأَنْصَار يُقَال لَهُ: معتب) ، فَذكر الحَدِيث.

القَوْل الرَّابِع: إِنَّه أَبُو مقبل، عَامر بن قيس الْأنْصَارِيّ ذكره مقَاتل فِي (نَوَادِر التَّفْسِير) وَقَالَ: هُوَ الَّذِي نزل فِيهِ: {أقِم الصَّلَاة} (هود: ١١٤)

القَوْل الْخَامِس: هُوَ نَبهَان التمار، وَزعم الثَّعْلَبِيّ أَن نَبهَان لم ينزل فِيهِ إِلَّا قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذين إِذا فعلوا فَاحِشَة أَو ظلمُوا أنفسهم} (آل عمرَان: ١٣٥) . الْآيَة.

القَوْل السَّادِس: إِنَّه عباد، ذكره الْقُرْطُبِيّ فِي تَفْسِيره.

قَوْله: {طرفِي النَّهَار} (هود: ١١٤) . قَالَ الثَّعْلَبِيّ: طرفِي النَّهَار: الْغَدَاة والعشي، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: يَعْنِي صَلَاة الصُّبْح وَصَلَاة الْمغرب. وَقَالَ مُجَاهِد: صَلَاة الْفجْر وَصَلَاة الْعشي. وَقَالَ الضَّحَّاك: الْفجْر وَالْعصر، وَقَالَ مقَاتل: صَلَاة الْفجْر وَالظّهْر طرف، وَصَلَاة الْمغرب وَالْعصر طرف، وانتصاب: (طرفِي النَّهَار) على الظّرْف لِأَنَّهُمَا مضافان إِلَى الْوَقْت، كَقَوْلِك: أَقمت عِنْده جَمِيع النَّهَار، وَهَذَا على إِعْطَاء الْمُضَاف حكم الْمُضَاف إِلَيْهِ. قَوْله: {وَزلفًا من اللَّيْل} : (هود: ١١٤) : صَلَاة الْعَتَمَة. وَقَالَ الْحسن: هما الْمغرب وَالْعشَاء، وَقَالَ الْأَخْفَش: يَعْنِي صَلَاة اللَّيْل، وَقَالَ الز (جاج: مَعْنَاهُ الصَّلَاة الْقَرِيبَة من أول اللَّيْل، والزلف: جمع زلفة، وَقَرَأَ الْجُمْهُور، بِضَم الزَّاي وَفتح اللَّام، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر بضمهما، وَقَرَأَ ابْن مُحَيْصِن بِضَم الزَّاي وَجزم اللَّام، وَقَرَأَ مُجَاهِد زلفى مثل قربى، وَفِي (الْمُحكم) زلف اللَّيْل: سَاعَات من أَوله. وَقيل: هِيَ سَاعَات اللَّيْل الْأَخِيرَة من النَّهَار وساعات النَّهَار الْأَخِيرَة من اللَّيْل. وَفِي (جَامع) الْقَزاز: الزلفة: الْقرْبَة من الْخَيْر وَالشَّر، وانتصاب: زلفى، على أَنه عطف على: الصَّلَاة، أَي: أقِم الصَّلَاة طرفِي النَّهَار، وأقم زلفى من اللَّيْل. قَوْله: {إِن الْحَسَنَات} (هود: ١١٤) . قَالَ الْقُرْطُبِيّ: لم يخْتَلف أحد من أهل التَّأْوِيل أَن الصَّلَاة فِي هَذِه الْآيَة يُرَاد بهَا الْفَرَائِض. قَوْله: (أَلِي هَذَا؟) الْهمزَة للاستفهام، وَقَوله: هَذَا، مُبْتَدأ، وَقَوله، لي، مقدما خَبره. وَفَائِدَة التَّقْدِيم التَّخْصِيص. قَوْله: (كلهم) ، لَيْسَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: عدم وجوب الْحَد فِي الْقبْلَة وَشبههَا من الْمس وَنَحْوه من الصَّغَائِر، وَهُوَ من اللمم المعفو عَنهُ باجتناب الْكَبَائِر بِنَصّ الْقُرْآن. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَقد يسْتَدلّ بِهِ على أَنه لَا حد وَلَا أدب على الرجل وَالْمَرْأَة، وَإِن وجدا فِي ثوب وَاحِد، وَهُوَ اخْتِيَار ابْن الْمُنْذر. انْتهى قلت سلمنَا فِي نفي الْحَد، وَلَا نسلم فِي نفي الْأَدَب، سِيمَا فِي هَذَا الزَّمَان.

وَفِيه: أَن إِقَامَة الصَّلَوَات الْخمس تجْرِي مجْرى التَّوْبَة فِي ارْتِكَاب الصَّغَائِر.

وَفِيه: أَن بَاب التَّوْبَة مَفْتُوح، وَالتَّوْبَة مَقْبُولَة وَفِي الْآي الْمَذْكُورَة دَلِيل على قَول أبي حنيفَة فِي أَن التَّنْوِير بِصَلَاة الْفجْر أفضل، وَذَلِكَ لِأَن ظَاهر الْآيَة يدل على وجوب إِقَامَة الصَّلَاة فِي طرف النَّهَار، وبيَّنا أَن طرفِي النَّهَار: الزَّمَان الأول بِطُلُوع الشَّمْس، وَالزَّمَان الأول بغروبها. وأجمعت الْأمة على أَن إِقَامَة الصَّلَاة فِي ذَلِك الْوَقْت من غير ضَرُورَة غير مَشْرُوع، فقد تعذر الْعَمَل بِظَاهِر هَذِه الْآيَة، فَوَجَبَ حملهَا على الْمجَاز، وَهُوَ أَن يكون المُرَاد إِقَامَة الصَّلَاة فِي الْوَقْت الَّذِي يقرب من طرفِي النَّهَار، لِأَن مَا يقرب من الشَّيْء يجوز أَن يُطلق عَلَيْهِ اسْمه، فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَكل وَقت كَانَ أقرب إِلَى طُلُوع الشَّمْس، وَإِلَى غُرُوبهَا كَانَ أقرب إِلَى ظَاهر اللَّفْظ، وَإِقَامَة صَلَاة الْفجْر عِنْد التَّنْوِير أقرب إِلَى وَقت الطُّلُوع من إِقَامَتهَا عِنْد الْغَلَس، وَكَذَلِكَ إِقَامَة صَلَاة الْعَصْر عِنْدَمَا يصير ظلّ كل شَيْء مثلَيْهِ أقرب إِلَى وَقت الْغُرُوب من إِقَامَتهَا عِنْدَمَا صَار ظلّ كل شَيْء مثله، وَالْمجَاز: كلما كَانَ أقرب إِلَى الْحَقِيقَة كَانَ حمل اللَّفْظ عَلَيْهِ أولى.

وفيهَا: دَلِيل أَيْضا على وجوب الْوتر، لِأَن قَوْله {وَزلفًا} (هود: ١١٤) . يَقْتَضِي الْأَمر بِإِقَامَة الصَّلَاة فِي زلف من اللَّيْل، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ عطف على الصَّلَاة فِي قَوْله: {أقِم الصَّلَاة طرفِي النَّهَار} (هود: ١١٤) . فَيكون التَّقْدِير: وأقم الصَّلَاة فِي زلف من اللَّيْل، والزلف جمع، وَأَقل الْجمع ثَلَاثَة، فَالْوَاجِب إِقَامَة الصَّلَاة فِي الْأَوْقَات الثَّلَاثَة، فالوقتان للمغرب وَالْعشَاء، وَالْوَقْت الثَّالِث للوتر، فَيجب الحكم بِوُجُوبِهِ. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) ذكر هَذَا شَيخنَا قطب الدّين، وَتَبعهُ شَيخنَا عَلَاء الدّين، وَهِي نزغة وَلَا نسلم لَهما قلت: لَا نسلم لَهُ لِأَن عدم التَّسْلِيم بعد إِقَامَة الدَّلِيل مُكَابَرَة.

٥ - (بابُ فَضْلِ الصَّلَاةِ لوَقْتِهَا)

أَي: هَذَا فِي بَيَان فضل الصَّلَاة لوَقْتهَا، وَكَانَ الأَصْل أَن يُقَال: فضل الصَّلَاة فِي وَقتهَا، لِأَن الْوَقْت ظرف لَهَا، ولذكره هَكَذَا وَجْهَان: الأول: أَن عِنْد الْكُوفِيّين أَن حُرُوف الْجَرّ يُقَام بَعْضهَا مقَام الْبَعْض. وَالثَّانِي: اللَّام، هُنَا مثل اللَّام فِي قَوْله تَعَالَى: {فطلقوهن لعدتهن} (الطَّلَاق: ١) أَي: مستقبلات لعدتهن، وَمثل قَوْلهم: لَقيته لثلاث بَقينَ من الشَّهْر، وَتسَمى: بلام التَّأْقِيت، والتأريخ. وَأما

قيام: اللَّام، مقَام: فِي، فَفِي قَوْله تَعَالَى: {وَنَضَع الموازين الْقسْط ليَوْم الْقِيَامَة} (الْأَنْبِيَاء: ٤٧) وَقَوله: لَا يجليها لوَقْتهَا إلَاّ هُوَ} (الْأَعْرَاف: ١٨٧) . وَقَوْلهمْ: مضى لسبيله. فَإِن قلت: فَفِي حَدِيث الْبَاب: على وَقتهَا، فالترجمة لَا تطابقه؟ قلت: اللَّام تَأتي بِمَعْنى: على، أَيْضا نَحْو قَوْله تَعَالَى: {ويخرون للأذقان} (الْإِسْرَاء: ١٠٧، ١٠٩) ، {ودعانا لجنبه} (يُونُس: ١٢) ، {وتله للجبين} (الصافات: ١٠٣) . وعَلى الأَصْل جَاءَ أَيْضا فِي الحَدِيث أخرجه ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه عَن بنْدَار، قَالَ: حَدثنَا عُثْمَان بن عمر حَدثنَا مَالك بن مغول عَن الْوَلِيد بن الْعيزَار عَن أبي عَمْرو عَن عبد الله، قَالَ: (سَأَلت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَي الْعَمَل أفضل؟ قَالَ: الصَّلَاة فِي وَقتهَا) . وَأخرجه ابْن حبَان أَيْضا فِي (صَحِيحه) ، وَكَذَا أخرجه البُخَارِيّ فِي التَّوْحِيد بِلَفْظ التَّرْجَمَة. وَأخرجه مُسلم بِالْوَجْهَيْنِ.

٥٢٧ - حدَّثنا أَبُو الوَلِيدِ هشَاُم بُن عَبْدِ المَلِكِ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ الوَلِيدُ بنُ العَيْزَارِ أَخْبرنِي قالَ سَمِعْتُ أبَا عَمْرٍ والشَّيْبَانِيَّ يَقُولُ حدَّثنا صاحِبُ هَذِه الدَّارِ وأشَارَ إلَى دَارِ عَبْدِ الله قالَ سَأَلْتُ النَّبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أيُّ العَمَلِ أحَبُّ إِلَى الله قالَ الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا قَالَ ثُمَّ أيّ قَالَ ثُمَّ بِر الوَالِدَيْنِ قالَ ثُمَّ أيّ قَالَ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله قَالَ حَدثنِي بهنَّ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَو اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي. .

مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَتقدم الْكَلَام فِي: على وَاللَّام.

ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ الْبَصْرِيّ. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: الْوَلِيد بن الْعيزَار، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالزاي قبل الْألف وبالراء بعْدهَا: ابْن حُرَيْث، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة: الْكُوفِي. الرَّابِع: أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ، وَهُوَ سعيد بن إِيَاس، بِكَسْر الْهمزَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف: المخضرم، أدْرك أهل الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام، عَاشَ مائَة وَعشْرين سنة قَالَ: أذكر أَنِّي سَمِعت بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنا أرعى إبِلا لأهلي بكاظمة، بالظاء الْمُعْجَمَة، وتكامل شَبَابِي يَوْم الْقَادِسِيَّة فَكنت ابْن أَرْبَعِينَ سنة يَوْمئِذٍ، وَكَانَ من أَصْحَاب عبد الله بن مَسْعُود. الْخَامِس: هُوَ عبد الله.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه السماع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِلَفْظ الْإِفْرَاد فِي الْمَاضِي. وَفِيه: القَوْل وَالسَّمَاع وَالسُّؤَال. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وكوفي. وَفِيه: قَوْله: قَالَ الْوَلِيد بن الْعيزَار: أَخْبرنِي، تَقْدِيم وَتَأْخِير تَقْدِيره: حَدثنَا شُعْبَة، قَالَ: أَخْبرنِي الْوَلِيد بن الْعيزَار، قَالَ: سَمِعت أَبَا عَمْرو.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن أبي الْوَلِيد، وَفِي التَّوْحِيد عَن سُلَيْمَان بن حَرْب، وَفِي الْجِهَاد عَن الْحسن بن الصَّباح، وَفِي التَّوْحِيد أَيْضا عَن عباد بن الْعَوام. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن عبيد الله بن معَاذ، وَعَن مُحَمَّد بن يحيى، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَعَن عُثْمَان بن أبي شيبَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة، وَفِي الْبر والصلة عَن أَحْمد بن مُحَمَّد الْمروزِي. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن عَمْرو بن عَليّ وَعَن عبد الله بن مُحَمَّد.

ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (حَدثنَا صَاحب هَذِه الدَّار) ، لم يُصَرح فِيهِ شُعْبَة باسم عبد الله، بل رَوَاهُ مُبْهما. وَرَوَاهُ مَالك بن مغول عَن البُخَارِيّ فِي الْجِهَاد، وَأَبُو إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ فِي التَّوْحِيد عَن الْوَلِيد، وصرحا باسم عبد الله، وَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من طَرِيق أبي مُعَاوِيَة عَن أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ، وَأحمد من طَرِيق أبي عُبَيْدَة بن عبد الله بن مَسْعُود عَن أَبِيه، وَمَعَ هَذَا فِي قَوْله: (وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى دَار عبد الله) اكْتِفَاء عَن التَّصْرِيح، لِأَن المُرَاد من: عبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود. قَوْله: (أَي الْعَمَل أحب إِلَى الله؟) . وَفِي رِوَايَة مَالك بن مغول: (أَي الْعَمَل أفضل؟) وَكَذَا الْأَكْثَر الروَاة. قَوْله: (على وَقتهَا) اسْتِعْمَال لَفْظَة: على، هَهُنَا بِالنّظرِ إِلَى إِرَادَة الإستعلاء على الْوَقْت، والتمكن على أَدَائِهَا فِي أَي جُزْء من أَجْزَائِهَا، وَاتفقَ أَصْحَاب شُعْبَة على اللَّفْظ الْمَذْكُور، وَخَالفهُم عَليّ بن حَفْص، فَقَالَ: (الصَّلَاة فِي أول وَقتهَا) . وَقَالَ الْحَاكِم: روى هَذَا الحَدِيث جمَاعَة عَن شُعْبَة، وَلم يذكر هَذِه اللَّفْظَة غير حجاج عَن عَليّ بن حَفْص، وحجاج حَافظ ثِقَة، وَقد احْتج مُسلم بعلي بن حَفْص. قَوْله: (قَالَ: ثمَّ أَي؟) قَالَ الْفَاكِهَانِيّ: إِنَّه غير منون لِأَنَّهُ غير مَوْقُوف عَلَيْهِ فِي الْكَلَام، والسائل ينْتَظر الْجَواب، والتنوين لَا يُوقف عَلَيْهِ، فتنوينه وَوَصله بِمَا بعده خطأ، فَيُوقف

عَلَيْهِ وَقْفَة لَطِيفَة ثمَّ يُؤْتى بِمَا بعده. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي هَذَا الحَدِيث: أَي، مشدد منون، كَذَلِك سَمِعت من ابْن الخشاب. وَقَالَ: لَا يجوز إلَاّ تنوينه لِأَنَّهُ مُعرب غير مُضَاف. وَقَالَ بَعضهم: وَتعقب بِأَنَّهُ مُضَاف تَقْديرا، والمضاف إِلَيْهِ مَحْذُوف، وَالتَّقْدِير: ثمَّ أَي الْعَمَل أحب؟ فَيُوقف عَلَيْهِ بِلَا تَنْوِين. قلت: قَالَ النُّحَاة: إِن أيا الموصولة والشرطية والاستفهامية معربة دَائِما فَإِذا كَانَت: أَي هَذِه معربة عِنْد الْإِفْرَاد، فَكيف يُقَال: إِنَّهَا مَبْنِيَّة عِنْد الْإِضَافَة؟ وَلما نقل عَن سِيبَوَيْهٍ هَذَا هَكَذَا أنكر عَلَيْهِ الزّجاج، فَقَالَ: مَا تبين لي أَن سِيبَوَيْهٍ غلط إلَاّ فِي موضِعين: هَذَا أَحدهمَا، فَإِنَّهُ يسلم أَنَّهَا تعرب إِذا أفردت، فَكيف يَقُول ببنائها إِذا أضيفت؟ قَوْله: (قَالَ: بر الْوَالِدين) ، هَكَذَا هُوَ عِنْد أَكثر الروَاة، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (قَالَ: ثمَّ بر الْوَالِدين)) ، بِزِيَادَة كلمة: ثمَّ، و: الْبر، بِكَسْر الْبَاء: الْإِحْسَان، وبر الْوَالِدين: الْإِحْسَان إِلَيْهِمَا وَالْقِيَام بخدمتهما وَترك العقوق والإساءة إِلَيْهِمَا من: بر يبر فَهُوَ بار، وَجمعه: بررة. قَوْله: الْجِهَاد فِي سَبِيل الله) وَهُوَ: الْمُحَاربَة مَعَ الْكفَّار لإعلاء كلمة الله وَإِظْهَار شَعَائِر الْإِسْلَام بِالنَّفسِ وَالْمَال. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي تَخْصِيص الذّكر بِهَذِهِ الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة؟ قلت: هَذِه الثَّلَاثَة أفضل الْأَعْمَال بعد الْإِيمَان، من ضيع الصَّلَاة الَّتِي هِيَ عماد الدّين مَعَ الْعلم بفضيلتها كَانَ لغَيْرهَا من أَمر الدّين أَشد تضييعا، وَأَشد تهاونا واستخفافا، وَكَذَا من ترك بر وَالِديهِ فَهُوَ لغير ذَلِك من حُقُوق الله أَشد تركا، وَكَذَا الْجِهَاد: من تَركه مَعَ قدرته عَلَيْهِ عِنْد تعينه، فَهُوَ لغير ذَلِك من الْأَعْمَال الَّتِي يتَقرَّب بهَا إِلَى الله تَعَالَى أَشد تركا، فالمحافظ على هَذِه الثَّلَاثَة حَافظ على مَا سواهَا، والمضيع لَهَا كَانَ لما سواهَا أضيع. قَوْله: (حَدثنِي بِهن) مقول عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَي: بِهَذِهِ الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة، وَأَنه تَأْكِيد وَتَقْرِير لما تقدم، إِذْ لَا ريب أَن اللَّفْظ صَرِيح فِي ذَلِك، وَهُوَ أرفع دَرَجَات التَّحَمُّل. قَوْله: (وَلَو استزدته) أَي: وَلَو طلبت مِنْهُ الزِّيَادَة فِي السُّؤَال لزادني رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْجَواب، ثمَّ طلبه الزِّيَادَة يحْتَمل أَن يكون أرادها من هَذَا النَّوْع، وَهِي مَرَاتِب أفضل الْأَعْمَال، وَيحْتَمل أَن يكون أرادها من مُطلق الْمسَائِل الْمُحْتَاج إِلَيْهَا. وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: من طَرِيق المَسْعُودِيّ عَن الْوَلِيد: (فَسكت عني رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَو استزدته لزادني) ، فَكَأَنَّهُ فهم مِنْهُ السَّآمَة، فَلذَلِك قَالَ مَا قَالَه، وَيُؤَيِّدهُ مَا فِي رِوَايَة مُسلم: (فَمَا تركت أَن أستزيده إلَاّ إرعاء عَلَيْهِ) ، أَي: شَفَقَة عَلَيْهِ لِئَلَّا يسأم.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن أَعمال الْبر تفضل بَعْضهَا على بعض عِنْد الله تَعَالَى. فَإِن قلت: ورد أَن إطْعَام الطَّعَام خير أَعمال الْإِسْلَام، وَورد: (إِن أحب الْأَعْمَال إِلَى الله أَدْوَمه) ، وَغير ذَلِك، فَمَا وَجه التَّوْفِيق بَينهمَا؟ قلت: أجَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لكل من سَأَلَ بِمَا يُوَافق غَرَضه، أَو بِمَا يَلِيق بِهِ، أَو بِحَسب الْوَقْت، فَإِن الْجِهَاد كَانَ فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام أفضل الْأَعْمَال، لِأَنَّهُ كَانَ كالوسيلة إِلَى الْقيام بهَا. والتمكن من أَدَائِهَا، أَو بِحَسب الْحَال، فَإِن النُّصُوص تعاضدت على فضل الصَّلَاة على الصَّدَقَة، وَرُبمَا تجدّد حَال يَقْتَضِي مواساة مُضْطَر فَتكون الصَّدَقَة حِينَئِذٍ أفضل، وَيُقَال: إِن أفعل، فِي: أفضل الْأَعْمَال، لَيْسَ على بَابه، بل المُرَاد بِهِ الْفضل الْمُطلق. وَيُقَال: التَّقْدِير أَن من أفضل الْأَعْمَال، فحذفت كلمة: من، وَهِي مُرَادة قلت: وَفِيه نظر. وَفِيه: مَا قَالَ ابْن بطال: إِن البدار إِلَى الصَّلَاة فِي أول وَقتهَا أفضل من التَّرَاخِي فِيهَا، لِأَنَّهُ إِنَّمَا شَرط فِيهَا أَن تكون أحب من الْأَعْمَال إِذا أُقِيمَت لوَقْتهَا الْمُسْتَحبّ. قلت: لفظ الحَدِيث لَا يدل على مَا ذكره على مَا لَا يخفى، وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: لَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظ مَا يَقْتَضِي أَولا وَلَا آخرا، فَكَانَ الْمَقْصُود بِهِ الِاحْتِرَاز عَمَّا إِذا وَقعت قَضَاء. وَقَالَ بَعضهم: وَتعقب بِأَن إخْرَاجهَا عَن وَقتهَا محرم، وَلَفظ: أحب، يَقْتَضِي الْمُشَاركَة فِي الِاسْتِحْبَاب، فَيكون المُرَاد الِاحْتِرَاز عَن إيقاعها آخر الْوَقْت. قلت: الَّذِي يدل ظَاهر اللَّفْظ أَن الصَّلَاة مُشَاركَة لغَيْرهَا من الْأَعْمَال فِي الْمحبَّة، فَإِذا وَقعت الصَّلَاة فِي وَقتهَا كَانَت أحب إِلَى الله تَعَالَى من غَيرهَا، فَيكون الِاحْتِرَاز عَن وُقُوعهَا خَارج الْوَقْت. فَإِن قلت: روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (الْوَقْت الأول من الصَّلَاة رضوَان الله، وَالْوَقْت الآخر عَفْو الله) . وَالْعَفو لَا يكون إلَاّ عِنْد التَّقْصِير. . قلت: قَالَ ابْن حبَان، لما رَوَاهُ فِي (كتاب الضُّعَفَاء) : وَتفرد بِهِ يَعْقُوب بن الْوَلِيد، وَكَانَ يضع الحَدِيث. وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: هُوَ مَوْضُوع. وَقَالَ الْمَيْمُونِيّ: سَمِعت أَبَا عبد الله يَقُول: لَا أعرف شَيْئا يثبت فِي أَوْقَات الصَّلَاة أَولهَا كَذَا وَآخِرهَا (هَكَذَا، يَعْنِي: مغْفرَة ورضوانا. وَفِيه: تَعْظِيم الْوَالِدين وَبَيَان فَضله وَيجب الْإِحْسَان إِلَيْهِمَا وَلَو كَانَا كَافِرين. وَفِيه: السُّؤَال عَن مسَائِل شَتَّى فِي وَقت وَاحِد، وَجَوَاز تَكْرِير السُّؤَال. وَفِيه: الرِّفْق بالعالم والتوقف عَن الْإِكْثَار عَلَيْهِ خشيَة ملاله. وَفِيه:

أَن الْإِشَارَة تنزل منزلَة التَّصْرِيح إِذا كَانَت مُعينَة للمشار إِلَيْهِ، مُمَيزَة عَن غَيره. أَلا ترى أَن الْأَخْرَس إِذا طلق امْرَأَته بِالْإِشَارَةِ المفهمة، يَقع طَلَاقه بِحَسب الْإِشَارَة، وَكَذَا سَائِر تَصَرُّفَاته.

٦ - (بابٌ الصَلَوَاتُ الخَمْسُ كَفَّارَةٌ)

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 4.1 / 29.5
الإضاءة 18%
البدر بعد 11 يوم
سبحان الله