«ذَاكَ مُغِيثٌ عَبْدُ بَنِي فُلَانٍ يَعْنِي: زَوْجَ بَرِيرَةَ كَأَنِّي أَنْظُرُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٢٨١

الحديث رقم ٥٢٨١ من كتاب «كتاب الطلاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب خيار الأمة تحت العبد.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٢٨١ في صحيح البخاري

«ذَاكَ مُغِيثٌ عَبْدُ بَنِي فُلَانٍ يَعْنِي: زَوْجَ بَرِيرَةَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتْبَعُهَا فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ يَبْكِي عَلَيْهَا.»

إسناد حديث رقم ٥٢٨١ من صحيح البخاري

٥٢٨١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٢٨١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٥٢٨١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ ذَاكَ مُغِيثٌ عَبْدُ بَنِي فُلَانٍ يَعْنِي زَوْجَ بَرِيرَةَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتْبَعُهَا فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ يَبْكِي عَلَيْهَا"

٥٢٨٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا أَسْوَدَ يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ عَبْدًا لِبَنِي فُلَانٍ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ وَرَاءَهَا فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ"

قَوْلُهُ (بَابُ خِيَارِ الْأَمَةِ تَحْتَ الْعَبْدِ) يَعْنِي إِذَا عَتَقَتْ، وَهَذَا مَصِيرٌ مِنَ الْبُخَارِيِّ إِلَى تَرْجِيحِ قَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا، وَقَدْ تَرْجَمَ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ بَابُ الْحُرَّةِ تَحْتَ الْعَبْدِ وَهُوَ جَزْمٌ مِنْهُ أَيْضًا بِأَنَّهُ كَانَ عَبْدًا، وَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ.

وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ هُنَاكَ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ زَوْجَهَا كَانَ عَبْدًا، وَإِثْبَاتُ الْخِيَارِ لَهَا لَا يَدُلُّ لِأَنَّ الْمُخَالِفَ يَدَّعِي أَنْ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ جَرَى عَلَى عَادَتِهِ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى مَا فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الَّذِي يُورِدُهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ قِصَّةَ بَرِيرَةَ لَمْ تَتَعَدَّدْ، وَقَدْ رَجَحَ عِنْدَهُ أَنَّ زَوْجَهَا كَانَ عَبْدًا فَلِذَلِكَ جَزَمَ بِهِ، وَاقْتَضَتِ التَّرْجَمَةُ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا كَانَتْ تَحْتَ حُرٍّ فَعُتِقَتْ لَمْ يَكُنْ لَهَا خِيَارٌ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى ذَلِكَ، وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إِلَى إِثْبَاتِ الْخِيَارِ لِمَنْ عَتَقَتْ سَوَاءٌ كَانَتْ تَحْتَ حُرٍّ أَمْ عَبْدٍ، وَتَمَسَّكُوا بِحَدِيثِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ حُرًّا، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى راويه هَلْ هُوَ مِنْ قَوْلِ الْأَسْوَدِ أَوْ رَوَاهُ عَنْ عَائِشَةَ أَوْ هُوَ قَوْلُ غَيْرِهِ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَحَدُ حُفَّاظِ الْحَدِيثِ وَهُوَ مِنْ أَقارنِ مُسْلِمٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ: خَالَفَ الْأَسْوَدُ النَّاسَ فِي زَوْجِ بَرِيرَةَ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: إِنَّمَا يَصِحُّ أَنَّهُ كَانَ حُرًّا عَنِ الْأَسْوَدِ وَحْدَهُ، وَمَا جَاءَ عَنْ غَيْرِهِ فَلَيْسَ بِذَاكَ، وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا، وَرَوَاهُ عُلَمَاءُ الْمَدِينَةِ، وَإِذَا رَوَى عُلَمَاءُ الْمَدِينَةِ شَيْئًا وَعَمِلُوا بِهِ فَهُوَ أَصَحُّ شَيْءٍ، وَإِذَا عُتِقَتِ الْأَمَةُ تَحْتَ الْحُرِّ فَعَقْدُهَا الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ لَا يُفْسَخُ بِأَمْرٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ اهـ.

وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا بَعْدَ بَابَيْنِ وَحَاوَلَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ تَرْجِيحَ رِوَايَةِ مَنْ قَالَ كَانَ حُرًّا عَلَى رِوَايَةِ مَنْ قَالَ كَانَ عَبْدًا، فَقَالَ: الرِّقُّ تَعْقُبُهُ الْحُرِّيَّةُ بِلَا عَكْسٍ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، لَكِنَّ مَحِلَّ طَرِيقِ الْجَمْعِ إِذَا تَسَاوَتِ الرِّوَايَاتُ فِي الْقُوَّةِ أَمَّا مَعَ التَّفَرُّدِ فِي مُقَابَلَةِ الِاجْتِمَاعِ فَتَكُونُ الرِّوَايَةُ الْمُنْفَرِدَةُ شَاذَّةً وَالشَّاذُّ مَرْدُودٌ، وَلِهَذَا لَمْ يَعْتَبِرِ الْجُمْهُورُ طَرِيقَ الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ مَعَ قَوْلِهِمْ إِنَّهُ لَا يُصَارُ إِلَى التَّرْجِيحِ مَعَ إِمْكَانِ الْجَمْعِ، وَالَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنْ كَلَامِ مُحَقِّقِيهِمْ وَقَدْ أَكْثَرَ مِنْهُ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ أَنَّ مَحِلَّ الْجَمْعِ إِذَا لَمْ يَظْهَرِ الْغَلَطُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ التَّسَاوِيَ فِي الْقُوَّةِ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا عُتِقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَإِنَّ لَهَا الْخِيَارَ، وَالْمَعْنَى فِيهِ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْعَبْدَ غَيْرُ مُكَافِئٍ لِلْحُرَّةِ فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ، فَإِذَا عَتَقَتْ ثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ مِنَ الْبَقَاءِ فِي عِصْمَتِهِ أَوِ الْمُفَارَقَةِ لِأَنَّهَا فِي وَقْتِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا لَمْ تَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاخْتِيَارِ، وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ إِنَّ لَهَا الْخِيَارَ وَلَوْ كَانَتْ تَحْتَ حُرٍّ بِأَنَّهَا عِنْدَ التَّزْوِيجِ لَمْ يَكُنْ لَهَا رَأْيٌ لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ لِمَوْلَاهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا فَإِذَا عَتَقَتْ تَجَدَّدَ لَهَا حَالٌ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ. وَعَارَضَهُمُ الْآخَرُونَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مُؤَثِّرًا لَثَبَتَ الْخِيَارُ لِلْبِكْرِ إِذَا زَوَّجَهَا أَبُوهَا ثُمَّ بَلَغَتْ رَشِيدَةً، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَكَذَلِكَ الْأَمَةُ تَحْتَ الْحُرِّ فَإِنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ لَهَا بِالْعِتْقِ حَالٌ تَرْتَفِعُ بِهِ عَنِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أُعتقت، وهذا يردُّ قول مَن قال: كان (١) عبدًا قبل العتق، حرًّا بعدَهُ.

وقد أخرجَ المؤلِّف هذا الحديث مُختصرًا من هذا الوجهِ بلفظ شُعبة، وزاد الإسماعيليُّ من طريقِ عبد الصَّمد، عن شُعبة: «رأيتهُ يبكِي» وأمَّا لفظ همَّام فأخرجَه أبو داود من طريقِ عفَّان عنه بلفظ: «أنَّ زوج بريرة كان عبدًا أسود يسمَّى مُغيثًا، فخيَّرها النَّبيُّ وأمرها أن تعتدَّ». وقال أحمد: عدَّة الحرَّة.

٥٢٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ) النَّرسيُّ الباهليُّ مولاهم، البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو، ابن خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّخْتيانيُّ، ولابن عساكرَ: «عن أيُّوب» (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) أنَّه (قَالَ: ذَاكَ مُغِيْثٌ) بضم الميم وكسر الغين المعجمة وسكون التحتية بعدها مثلثة (عَبْدُ بَنِي فُلَانٍ) وعند التِّرمذيِّ: كان عبدًا أسود لبني المُغيرة (-يَعْنِي: زَوْجَ بَرِيرَةَ- كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتْبَعُهَا) بسكون الفوقية وفتح الموحدة (فِي سِكَكِ المَدِينَةِ) بكسر السين المهملة، أزقَّتها حال كونه (يَبْكِي عَلَيْهَا) لمَّا اختارتْ فراقه.

٥٢٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البَغْلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) الثَّقفيُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانيِّ (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) أنَّه (قَالَ: كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا أَسْوَدَ، يُقَالُ لَهُ: مُغِيثٌ) بضم الميم وكسر المعجمة وبعد التحتية الساكنة مثلثة، كما مرَّ، وعند العَسكريِّ بفتح العين المهملة وتشديد التحتية آخره (٢) موحدة. قال في «الفتح»: والأوَّل أثبتُ، وبه جزمَ ابنُ ماكولا وغيره، وكان (عَبْدًا لِبَنِي فُلَانٍ) وعند سعيد بن منصورٍ: «وكان عبدًا لآل المغيرة من بني مخزومٍ» (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ وَرَاءَهَا فِي سِكَكِ المَدِينَةِ) وليس في هذه الرِّواية قوله في

الأولى: «يبكي عليها». وليس فيما ساقه في هذا الباب تصريحٌ بالتَّخيير الذي تَرجم له، لكنَّه جرى على عادتهِ من الإشارةِ إلى ما في بعضِ طرق الحديث الَّذي يسوقه في الباب، وظاهرُ صنيعه يقتضي ترجيح رواية من روى أنَّه كان عبدًا، كما جزم به في أوائل «النِّكاح» حيث قال: «باب الحرَّة تحت العبد» وساق الحديث (١).

وأمَّا ما ساقه في «الفرائض» [خ¦٦٧٥١]: عن حفص بنِ عمر، عن شُعبة، وزاد في آخرهِ: «قال الحكمُ: وكان زوجُها حرًّا»، ثمَّ أوردَ بعدهُ [خ¦٦٧٥٤] طريق منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن الأسود: أنَّ عائشة … الحديثَ، وزاد فيه: «وخُيِّرت فاختارتْ نفسَها، وقالت: لو أَعْطاني كذا وكذا ما كنتُ معه. قال الأسودُ: وكان زوجها حرًّا»، فقال البخاريُّ: قول الأسود منقطعٌ، وقول ابن عبَّاسٍ: «رأيتُه عبدًا» أصحُّ. وقال في الَّذي قبلَه في قولِ الحكمِ نحو ذلك، وقد قالَ الدَّارقطنيُّ في «العلل»: لم يختلفْ على عروة عن عائشة أنَّه كان عبدًا. وكذا قال جعفرُ بن محمَّد بن عليٍّ، عن أبيهِ، عن عائشةَ، وأبو الأسود وأسامة بن زيدٍ عن القاسم.

وأمَّا ما أخرجَه القاسمُ بنُ أَصْبغ في «تصنيفه» وابنُ حزمٍ من طريقهِ، قال: أَخْبرنا أحمدُ بن يزيد المعلِّم: حدَّثنا موسى بنُ معاويةَ، عن جريرٍ، عن هشامٍ، عن أبيه، عن عائشة: «كان زوج بريرة حرًّا» فهو وهمٌ من موسى أو من أحمد، فإنَّ الحفَّاظ من أصحابِ هشام ثمَّ أصحاب جريرٍ، قالوا: كان عبدًا. منهم: إسحاقُ بن رَاهُوْيَه، رواه النَّسائيُّ، وعثمانُ ابن أبي شَيبة، رواه أبو داود. وعليُّ بن حجر رواهُ التِّرمذيُّ، وأصله عند مسلمٍ، وأحالَ به على روايةِ أبي أسامةَ عن هشام، وفيها: أنَّه كان عبدًا، ولم يختلفْ على ابن عبَّاسٍ في أنَّه كانَ عبدًا، وجزمَ به التِّرمذيُّ عن ابنِ عمر، وحديثُه عند الشَّافعيِّ والدَّارقطنيِّ وغيرهما.

وأخرجَ النَّسائيُّ بسندٍ صحيحٍ من حديث صفيَّة بنت أبي (٢) عُبيد، قالتْ: كان زوجُ بريرةَ عبدًا. وقال النَّوويُّ: ويؤيِّد ذلك قول عائشة: «كان عبدًا، ولو كان حرًّا لم يخيِّرها». فأخبرتْ وهي صاحبة القصَّة بأنَّه كانَ عبدًا، ثمَّ علَّلت بقولها: «ولو كان حرًّا لم يخيِّرها» ومثل هذا لا يكادُ أحدٌ يقوله إلَّا توقيفًا. انتهى ملخصًا من «الفتح».

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٥٢٨١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ ذَاكَ مُغِيثٌ عَبْدُ بَنِي فُلَانٍ يَعْنِي زَوْجَ بَرِيرَةَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتْبَعُهَا فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ يَبْكِي عَلَيْهَا"

٥٢٨٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا أَسْوَدَ يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ عَبْدًا لِبَنِي فُلَانٍ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ وَرَاءَهَا فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ"

قَوْلُهُ (بَابُ خِيَارِ الْأَمَةِ تَحْتَ الْعَبْدِ) يَعْنِي إِذَا عَتَقَتْ، وَهَذَا مَصِيرٌ مِنَ الْبُخَارِيِّ إِلَى تَرْجِيحِ قَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا، وَقَدْ تَرْجَمَ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ بَابُ الْحُرَّةِ تَحْتَ الْعَبْدِ وَهُوَ جَزْمٌ مِنْهُ أَيْضًا بِأَنَّهُ كَانَ عَبْدًا، وَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ.

وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ هُنَاكَ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ زَوْجَهَا كَانَ عَبْدًا، وَإِثْبَاتُ الْخِيَارِ لَهَا لَا يَدُلُّ لِأَنَّ الْمُخَالِفَ يَدَّعِي أَنْ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ جَرَى عَلَى عَادَتِهِ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى مَا فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الَّذِي يُورِدُهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ قِصَّةَ بَرِيرَةَ لَمْ تَتَعَدَّدْ، وَقَدْ رَجَحَ عِنْدَهُ أَنَّ زَوْجَهَا كَانَ عَبْدًا فَلِذَلِكَ جَزَمَ بِهِ، وَاقْتَضَتِ التَّرْجَمَةُ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا كَانَتْ تَحْتَ حُرٍّ فَعُتِقَتْ لَمْ يَكُنْ لَهَا خِيَارٌ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى ذَلِكَ، وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إِلَى إِثْبَاتِ الْخِيَارِ لِمَنْ عَتَقَتْ سَوَاءٌ كَانَتْ تَحْتَ حُرٍّ أَمْ عَبْدٍ، وَتَمَسَّكُوا بِحَدِيثِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ حُرًّا، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى راويه هَلْ هُوَ مِنْ قَوْلِ الْأَسْوَدِ أَوْ رَوَاهُ عَنْ عَائِشَةَ أَوْ هُوَ قَوْلُ غَيْرِهِ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَحَدُ حُفَّاظِ الْحَدِيثِ وَهُوَ مِنْ أَقارنِ مُسْلِمٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ: خَالَفَ الْأَسْوَدُ النَّاسَ فِي زَوْجِ بَرِيرَةَ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: إِنَّمَا يَصِحُّ أَنَّهُ كَانَ حُرًّا عَنِ الْأَسْوَدِ وَحْدَهُ، وَمَا جَاءَ عَنْ غَيْرِهِ فَلَيْسَ بِذَاكَ، وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا، وَرَوَاهُ عُلَمَاءُ الْمَدِينَةِ، وَإِذَا رَوَى عُلَمَاءُ الْمَدِينَةِ شَيْئًا وَعَمِلُوا بِهِ فَهُوَ أَصَحُّ شَيْءٍ، وَإِذَا عُتِقَتِ الْأَمَةُ تَحْتَ الْحُرِّ فَعَقْدُهَا الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ لَا يُفْسَخُ بِأَمْرٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ اهـ.

وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا بَعْدَ بَابَيْنِ وَحَاوَلَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ تَرْجِيحَ رِوَايَةِ مَنْ قَالَ كَانَ حُرًّا عَلَى رِوَايَةِ مَنْ قَالَ كَانَ عَبْدًا، فَقَالَ: الرِّقُّ تَعْقُبُهُ الْحُرِّيَّةُ بِلَا عَكْسٍ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، لَكِنَّ مَحِلَّ طَرِيقِ الْجَمْعِ إِذَا تَسَاوَتِ الرِّوَايَاتُ فِي الْقُوَّةِ أَمَّا مَعَ التَّفَرُّدِ فِي مُقَابَلَةِ الِاجْتِمَاعِ فَتَكُونُ الرِّوَايَةُ الْمُنْفَرِدَةُ شَاذَّةً وَالشَّاذُّ مَرْدُودٌ، وَلِهَذَا لَمْ يَعْتَبِرِ الْجُمْهُورُ طَرِيقَ الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ مَعَ قَوْلِهِمْ إِنَّهُ لَا يُصَارُ إِلَى التَّرْجِيحِ مَعَ إِمْكَانِ الْجَمْعِ، وَالَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنْ كَلَامِ مُحَقِّقِيهِمْ وَقَدْ أَكْثَرَ مِنْهُ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ أَنَّ مَحِلَّ الْجَمْعِ إِذَا لَمْ يَظْهَرِ الْغَلَطُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ التَّسَاوِيَ فِي الْقُوَّةِ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا عُتِقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَإِنَّ لَهَا الْخِيَارَ، وَالْمَعْنَى فِيهِ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْعَبْدَ غَيْرُ مُكَافِئٍ لِلْحُرَّةِ فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ، فَإِذَا عَتَقَتْ ثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ مِنَ الْبَقَاءِ فِي عِصْمَتِهِ أَوِ الْمُفَارَقَةِ لِأَنَّهَا فِي وَقْتِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا لَمْ تَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاخْتِيَارِ، وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ إِنَّ لَهَا الْخِيَارَ وَلَوْ كَانَتْ تَحْتَ حُرٍّ بِأَنَّهَا عِنْدَ التَّزْوِيجِ لَمْ يَكُنْ لَهَا رَأْيٌ لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ لِمَوْلَاهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا فَإِذَا عَتَقَتْ تَجَدَّدَ لَهَا حَالٌ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ. وَعَارَضَهُمُ الْآخَرُونَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مُؤَثِّرًا لَثَبَتَ الْخِيَارُ لِلْبِكْرِ إِذَا زَوَّجَهَا أَبُوهَا ثُمَّ بَلَغَتْ رَشِيدَةً، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَكَذَلِكَ الْأَمَةُ تَحْتَ الْحُرِّ فَإِنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ لَهَا بِالْعِتْقِ حَالٌ تَرْتَفِعُ بِهِ عَنِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أُعتقت، وهذا يردُّ قول مَن قال: كان (١) عبدًا قبل العتق، حرًّا بعدَهُ.

وقد أخرجَ المؤلِّف هذا الحديث مُختصرًا من هذا الوجهِ بلفظ شُعبة، وزاد الإسماعيليُّ من طريقِ عبد الصَّمد، عن شُعبة: «رأيتهُ يبكِي» وأمَّا لفظ همَّام فأخرجَه أبو داود من طريقِ عفَّان عنه بلفظ: «أنَّ زوج بريرة كان عبدًا أسود يسمَّى مُغيثًا، فخيَّرها النَّبيُّ وأمرها أن تعتدَّ». وقال أحمد: عدَّة الحرَّة.

٥٢٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ) النَّرسيُّ الباهليُّ مولاهم، البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو، ابن خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّخْتيانيُّ، ولابن عساكرَ: «عن أيُّوب» (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) أنَّه (قَالَ: ذَاكَ مُغِيْثٌ) بضم الميم وكسر الغين المعجمة وسكون التحتية بعدها مثلثة (عَبْدُ بَنِي فُلَانٍ) وعند التِّرمذيِّ: كان عبدًا أسود لبني المُغيرة (-يَعْنِي: زَوْجَ بَرِيرَةَ- كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتْبَعُهَا) بسكون الفوقية وفتح الموحدة (فِي سِكَكِ المَدِينَةِ) بكسر السين المهملة، أزقَّتها حال كونه (يَبْكِي عَلَيْهَا) لمَّا اختارتْ فراقه.

٥٢٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البَغْلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) الثَّقفيُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانيِّ (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) أنَّه (قَالَ: كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا أَسْوَدَ، يُقَالُ لَهُ: مُغِيثٌ) بضم الميم وكسر المعجمة وبعد التحتية الساكنة مثلثة، كما مرَّ، وعند العَسكريِّ بفتح العين المهملة وتشديد التحتية آخره (٢) موحدة. قال في «الفتح»: والأوَّل أثبتُ، وبه جزمَ ابنُ ماكولا وغيره، وكان (عَبْدًا لِبَنِي فُلَانٍ) وعند سعيد بن منصورٍ: «وكان عبدًا لآل المغيرة من بني مخزومٍ» (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ وَرَاءَهَا فِي سِكَكِ المَدِينَةِ) وليس في هذه الرِّواية قوله في

الأولى: «يبكي عليها». وليس فيما ساقه في هذا الباب تصريحٌ بالتَّخيير الذي تَرجم له، لكنَّه جرى على عادتهِ من الإشارةِ إلى ما في بعضِ طرق الحديث الَّذي يسوقه في الباب، وظاهرُ صنيعه يقتضي ترجيح رواية من روى أنَّه كان عبدًا، كما جزم به في أوائل «النِّكاح» حيث قال: «باب الحرَّة تحت العبد» وساق الحديث (١).

وأمَّا ما ساقه في «الفرائض» [خ¦٦٧٥١]: عن حفص بنِ عمر، عن شُعبة، وزاد في آخرهِ: «قال الحكمُ: وكان زوجُها حرًّا»، ثمَّ أوردَ بعدهُ [خ¦٦٧٥٤] طريق منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن الأسود: أنَّ عائشة … الحديثَ، وزاد فيه: «وخُيِّرت فاختارتْ نفسَها، وقالت: لو أَعْطاني كذا وكذا ما كنتُ معه. قال الأسودُ: وكان زوجها حرًّا»، فقال البخاريُّ: قول الأسود منقطعٌ، وقول ابن عبَّاسٍ: «رأيتُه عبدًا» أصحُّ. وقال في الَّذي قبلَه في قولِ الحكمِ نحو ذلك، وقد قالَ الدَّارقطنيُّ في «العلل»: لم يختلفْ على عروة عن عائشة أنَّه كان عبدًا. وكذا قال جعفرُ بن محمَّد بن عليٍّ، عن أبيهِ، عن عائشةَ، وأبو الأسود وأسامة بن زيدٍ عن القاسم.

وأمَّا ما أخرجَه القاسمُ بنُ أَصْبغ في «تصنيفه» وابنُ حزمٍ من طريقهِ، قال: أَخْبرنا أحمدُ بن يزيد المعلِّم: حدَّثنا موسى بنُ معاويةَ، عن جريرٍ، عن هشامٍ، عن أبيه، عن عائشة: «كان زوج بريرة حرًّا» فهو وهمٌ من موسى أو من أحمد، فإنَّ الحفَّاظ من أصحابِ هشام ثمَّ أصحاب جريرٍ، قالوا: كان عبدًا. منهم: إسحاقُ بن رَاهُوْيَه، رواه النَّسائيُّ، وعثمانُ ابن أبي شَيبة، رواه أبو داود. وعليُّ بن حجر رواهُ التِّرمذيُّ، وأصله عند مسلمٍ، وأحالَ به على روايةِ أبي أسامةَ عن هشام، وفيها: أنَّه كان عبدًا، ولم يختلفْ على ابن عبَّاسٍ في أنَّه كانَ عبدًا، وجزمَ به التِّرمذيُّ عن ابنِ عمر، وحديثُه عند الشَّافعيِّ والدَّارقطنيِّ وغيرهما.

وأخرجَ النَّسائيُّ بسندٍ صحيحٍ من حديث صفيَّة بنت أبي (٢) عُبيد، قالتْ: كان زوجُ بريرةَ عبدًا. وقال النَّوويُّ: ويؤيِّد ذلك قول عائشة: «كان عبدًا، ولو كان حرًّا لم يخيِّرها». فأخبرتْ وهي صاحبة القصَّة بأنَّه كانَ عبدًا، ثمَّ علَّلت بقولها: «ولو كان حرًّا لم يخيِّرها» ومثل هذا لا يكادُ أحدٌ يقوله إلَّا توقيفًا. انتهى ملخصًا من «الفتح».

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله