الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٢٨٦
الحديث رقم ٥٢٨٦ من كتاب «كتاب الطلاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب نكاح من أسلم من المشركات وعدتهن.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗٤٩⦘
مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَمْ تُخْطَبْ حَتَّى تَحِيضَ وَتَطْهُرَ، فَإِذَا طَهُرَتْ حَلَّ لَهَا النِّكَاحُ، فَإِنْ هَاجَرَ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ رُدَّتْ إِلَيْهِ، وَإِنْ هَاجَرَ عَبْدٌ مِنْهُمْ أَوْ أَمَةٌ فَهُمَا حُرَّانِ وَلَهُمَا مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ مِثْلَ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ، وَإِنْ هَاجَرَ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ أَهْلِ الْعَهْدِ لَمْ يُرَدُّوا وَرُدَّتْ أَثْمَانُهُمْ.»
٥٢٨٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَقَالَ عَطَاءٌ : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
بِآيَةِ الْمَائِدَةِ، وَعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُشْرِكَاتِ هُنَا عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ وَالْمَجُوسُ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ فِي نِكَاحِ النَّصْرَانِيَّةِ وَقَوْلَهُ: لَا أَعْلَمُ مِنَ الْإِشْرَاكِ شَيْئًا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تَقُولَ الْمَرْأَةُ رَبُّهَا عِيسَى وَهَذَا مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى اسْتِمْرَارِ حُكْمِ عُمُومِ آيَةِ الْبَقَرَةِ، فَكَأَنَّهُ يَرَى أَنَّ آيَةَ الْمَائِدَةِ مَنْسُوخَةٌ وَبِهِ جَزَمَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ، وَرَدَّهُ النَّحَّاسُ فَحَمَلَهُ عَلَى التَّوَرُّعِ كَمَا سَيَأْتِي، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ عُمُومَ آيَةِ الْبَقَرَةِ خُصَّ بِآيَةِ الْمَائِدَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فَبَقِيَ سَائِرُ الْمُشْرِكَاتِ عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّ عُمُومَ آيَةِ الْبَقَرَةِ أُرِيدَ بِهِ خُصُوصُ آيَةِ الْمَائِدَةِ، وَأَطْلَقَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ آيَةَ الْبَقَرَةِ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْمَائِدَةِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ شَذَّ بِذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْأَوَائِلِ أَنَّهُ حَرَّمَ ذَلِكَ اهـ، لَكِنْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ أَنَّ عَطَاءً كَرِهَ نِكَاحَ الْيَهُودِيَّاتِ وَالنَّصْرَانِيَّاتِ وَقَالَ: كَانَ ذَلِكَ وَالْمُسْلِمَاتُ قَلِيلٌ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ خَصَّ الْإِبَاحَةَ بِحَالٍ دُونَ حَالٍ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْمُسْلِمُونَ الْيَوْمَ عَلَى الرُّخْصَةِ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِالتَّنَزُّهِ عَنْهُنَّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحَرِّمَهُنَّ. وَزَعَمَ ابْنُ الْمُرَابِطِ تَبَعًا لِلنَّحَّاسِ وَغَيْرِهِ أَنَّ هَذَا مُرَادُ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا لَكِنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ السِّيَاقِ، لَكِنَّ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ ابْنُ عُمَرَ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الْمَنْعِ بِمَنْ يُشْرِكُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا مَنْ يُوَحِّدُ، وَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ آيَةَ الْحِلِّ عَلَى مَنْ لَمْ يُبَدِّلْ دِينَهُ مِنْهُمْ، وَقَدْ فَصَّلَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ كَالشَّافِعِيَّةِ بَيْنَ مَنْ دَخَلَ آبَاؤُهَا فِي ذَلِكَ الدِّينِ قَبْلَ التَّحْرِيفِ أَوِ النَّسْخِ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهُوَ مِنْ جِنْسِ مَذْهَبِ ابْنِ عُمَرَ بَلْ يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ بَحْثٌ فِي ذَلِكَ الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ هِرَقْلَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى تَحْرِيمِ النِّسَاءِ الْمَجُوسِيَّاتِ، وَجَاءَ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ تَسَرَّى بِمَجُوسِيَّةٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَوْرَدَهُ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَطَائِفَةٍ وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هُوَ مَحْجُوجٌ بِالْجَمَاعَةِ وَالتَّنْزِيلِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا إِجْمَاعَ مَعَ ثُبُوتِ الْخِلَافِ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَأَمَّا التَّنْزِيلُ فَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَجُوسَ لَيْسُوا أَهْلَ كِتَابٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ لَكِنْ لَمَّا أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ الْجِزْيَةَ مِنَ الْمَجُوسِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ، فَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ تجْرِيَ عَلَيْهِمْ بَقِيَّةُ أَحْكَامِ الْكِتَابِيِّينَ، لَكِنْ أُجِيبَ عَنْ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمَجُوسِ أَنَّهُمُ اتَّبَعُوا فِيهِمُ الْخَبَرَ، وَلَمْ يَرِدْ مِثْلُ ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ وَالذَّبَائِحِ، وَسَيَأْتِي تَعَرُّضٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ
إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
١٩ - بَاب نِكَاحِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْمُشْرِكَاتِ وَعِدَّتِهِنَّ
٥٢٨٦ - حَدَّثَنَي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَقَالَ عَطَاءٌ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى مَنْزِلَتَيْنِ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ، كَانُوا مُشْرِكِي أَهْلِ حَرْبٍ يُقَاتِلُهُمْ وَيُقَاتِلُونَهُ، وَمُشْرِكِي أَهْلِ عَهْدٍ لَا يُقَاتِلُهُمْ وَلَا يُقَاتِلُونَهُ وَكَانَ إِذَا هَاجَرَتْ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَمْ تُخْطَبْ حَتَّى تَحِيضَ وَتَطْهُرَ، فَإِذَا طَهُرَتْ حَلَّ لَهَا النِّكَاحُ، فَإِنْ هَاجَرَ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ رُدَّتْ إِلَيْهِ، وَإِنْ هَاجَرَ عَبْدٌ مِنْهُمْ أَوْ أَمَةٌ فَهُمَا حُرَّانِ، وَلَهُمَا مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ مِثْلَ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ، وَإِنْ هَاجَرَ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ أَهْلِ الْعَهْدِ لَمْ يُرَدُّوا وَرُدَّتْ أَثْمَانُهُمْ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٥٢٨٦ - ٥٢٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الرَّازيُّ الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) أبو عبد الرَّحمن بن يوسف الصَّنعانيُّ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (وَقَالَ عَطَاءٌ) قال الحافظ ابن حجرٍ: معطوفٌ على محذوفٍ كأنَّه كان في جملة أحاديثَ حدَّث بها ابن جريحٍ عن عطاءٍ، ثمَّ قال: وقال عطاء، أي: الخراسانيُّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (كَانَ المُشْرِكُونَ عَلَى مَنْزِلَتَيْنِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَ) من (المُؤْمِنِينَ) الأولى: (كَانُوا مُشْرِكِي أَهْلِ حَرْبٍ يُقَاتِلُهُمْ) النَّبيُّ ﷺ (وَيُقَاتِلُونَهُ وَ) الثَّانية: كانوا (مُشْرِكِي أَهْلِ عَهْدٍ) ولابنِ عساكرَ: «عقد» بالقاف بدل: عهدٍ، بالهاء (لَا يُقَاتِلُهُمْ) صلواتُ الله عليه وسلامه (وَلَا يُقَاتِلُونَهُ، وَكَانَ) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «فكان» (إِذَا هَاجَرَتِ امْرَأَةٌ مِنْ) دار (١) (أَهْلِ الحَرْبِ) إلى المدينة مسلمةً (لَمْ تُخْطَبْ) بضم أوله وفتح الطاء مبنيًّا للمفعول (حَتَّى تَحِيضَ) ثلاث حيضٍ (وَتَطْهُرَ) لأنَّها صارتْ بإسلامها وهجرتها من الحرائرِ، وقال الحنفيَّة: إذا خرجتِ المرأة إلينا مهاجرةً وقعتِ الفرقة اتِّفاقًا، وهل عليها عدَّة؟ فيها خلافٌ. عند أبي حنيفةَ: لا، فتتزوَّج (٢) في الحال إلَّا أن تكون حاملًا لا على وجهِ العدَّة بل ليرتفعَ المانعُ بالوضعِ، وعند أبي يوسف ومحمَّد: عليها العدَّة، ووجه قول أبي حنيفة: أنَّ العدَّة إنَّما وجبتْ إظهارًا لحظر النِّكاح المتقدِّم ولا حظر لملك الحربيِّ، بل أسقطَه الشَّرع بالآيةِ في المهاجرات: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] جمع كافرةٍ، فلو شرطنَا العدَّة لزمَ التَّمسُّك بعُقدة نكاحِهنَّ الموجودة (٣) في حالِ كُفرهنَّ (فَإِذَا (٤) طَهُرَتْ) بضم الهاء (حَلَّ لَهُ النِّكَاحُ، فَإِنْ هَاجَرَ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ)
تتزوَّج غيره (رُدَّتْ إِلَيْهِ) بالنِّكاح الأوَّل (وَإِنْ هَاجَرَ عَبْدٌ مِنْهُمْ) من أهل الحرب (أَوْ أَمَةٌ فَهُمَا حُرَّانِ وَلَهُمَا مَا لِلْمُهَاجِرِينَ) من مكَّة إلى المدينة من تمام حرمةِ الإسلام والحريَّة (ثُمَّ ذَكَرَ) عطاء (مِنْ) قصَّة (أَهْلِ العَهْدِ مِثْلَ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ) وهو قوله: (وَإِنْ هَاجَرَ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ) من (١) (أَهْلِ العَهْدِ لَمْ يُرَدُّوا) إليهم (وَرُدَّتْ أَثْمَانُهُمْ) إليهم، وهذا من باب فداء أَسرى المسلمين، ولم يجزْ تملُّكهم لارتفاعِ علَّة الاسترقاقِ الَّتي هي الكفر فيهم.
(وَقَالَ عَطَاءٌ) بالإسناد السَّابق (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (كَانَتْ قُرَيبَةُ) بضم القاف مصغَّرًا لأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ، ولغيرهما: «قَرِيبَة» بفتح القاف وكسر الراء وكذا ضبطه الدِّمياطيُّ، و (٢) في «القاموس» الوجهان، وعبارته بالتَّصغير وقد تُفتح (بِنْتُ) ولأبي ذرٍّ: «ابنة» (أَبِي أُمَيَّةَ) ابن المغيرة بن عبد الله بن عَمرو بن مخزومٍ، أخت أمِّ سلمة زوج النَّبيِّ ﷺ (عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ) ﵁ (فَطَلَّقَهَا، فَتَزَوَّجَهَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) وظاهرُ هذا كما في «الفتح»: أنَّها لم تكن أسلمت في هذا الوقت، وهو ما بين عمرة الحديبية وفتح مكَّة، وفيه نظرٌ، فقد ثبتَ بسندٍ
صحيحٍ عند النَّسائيِّ ما يقتضي أنَّها هاجرت قديمًا، لكن يحتمل أنَّها جاءت إلى المدينة زائرةً لأختها قبل أن تُسلِم، أو كانت مقيمةً عند زوجها عمر على دينها قبل أن تنزلَ الآية، لكن هذا يردُّه ما روى عبد الرَّزَّاق عن مَعمر، عن الزُّهريِّ لمَّا نزلت: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] فذكر القصَّة، وفيها: فطلَّق عمرُ امرأتين كانتا له بمكَّة، فهذا يردُّ أنَّها كانت مقيمة، ولا يردُّ أنَّها جاءت زائرةً، ويحتمل أن يكون لأمِّ سلمة أختان، كلٌّ منهما تسمَّى قريبة تقدَّم إسلام إحداهما، وتأخَّر إسلامُ الأخرى وهي المذكورة هنا، ويؤيِّده أنَّ عند ابن سعد في «طبقاته»: قريبة (١) الصُّغرى بنت أبي أميَّة (٢) أخت أمِّ سلمة تزوَّجها عبد الرَّحمن بن أبي بكر الصِّدِّيق (وَكَانَتْ أُمُّ الحَكَمِ ابْنَةُ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أَبِي سُفْيَانَ) أخت معاوية، وأمِّ حَبيبة لأبيها (تَحْتَ عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ) بفتح الغين المعجمة وسكون النون (الفِهْرِيِّ) بكسر الفاء وسكون الهاء (فَطَلَّقَهَا) حينئذٍ (فَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ الثَّقَفِي) بالمثلثة. واستُشْكل ترك ردِّ النِّساء إلى أهل مكَّة مع وقوع الصُّلح بينهم وبين المسلمين في الحديبية: على أنَّ من جاءَ منهم إلى المسلمين ردُّوه، ومن جاءَ من المسلمين إليهم لم يردُّوه. وأُجيب بأنَّ حكم النِّساء منسوخٌ بآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ إذ فيها ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ﴾ ثمَّ قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] أي: في الصُّلح، واستثنى النِّساء منه، والأمر بهذا كلِّه هو حكمُ الله بين خلقه، والله عليمٌ بما يُصلح عباده، أو أنَّ النِّساء لم يدخلنَ في أصل الصُّلح، ويؤيِّده ما في بعض طرقِ الحديث: «على أنَّ لا يأتيك منَّا رجلٌ إلَّا رددتَّه». إذ مفهومُه عدمُ دخول النِّساء.
(٢٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا أَسْلَمَتِ المُشْرِكَةُ) كوثنيَّةٍ (أَوِ النَّصْرَانِيَّةُ) أو اليهوديَّة (تَحْتَ الذِّمِّيِّ أَوِ الحَرْبِيِّ) قبل أن يُسلِم، هل تحصل الفرقة بينهما بمجرَّد إسلامها؟ أو يثبتُ لها الخيارُ أو يوقف في العدَّة؟ فإن أسلم استمرَّ النِّكاح وإلَّا وقعتِ الفرقة بينهما. قال الشَّافعيَّة: إذا أسلمَ مشركٌ ولو غير كتابيٍّ، كوثنيٍّ ومجوسيٍّ وتحته حرَّةٌ كتابيَّةٌ تحلُّ له ابتداءً استمرَّ نكاحه لجواز نكاحِ المسلم لها، أو كان تحته حرَّةٌ غير كتابيَّة كوثنيَّة وكتابيَّة لا تحلُّ له ابتداءً، أو (١) تخلَّفت عنه بأن لم تسلِم معه، أو أسلمتْ هي وتخلَّف هو، فإن كانَ قبل الدُّخول تنجَّزت الفُرقة، أو بعده وأسلمَ الآخر في العدَّة استمرَّ نكاحُه، وإلَّا فالفرقةُ من الإسلام، والفرقةُ فيما ذكر فسخٌ لا طلاق، ولو أسلما معًا قبل الدُّخول أو بعدَه استمرَّ نكاحهما لتساويهمَا في الإسلام، والمعيَّةُ في الإسلام بآخر لفظٍ لأنَّ به يحصل الإسلام لا بأوَّله ولا بأثنائهِ، وقد جنحَ البخاريُّ إلى أنَّ الفرقةَ بمجرَّد الإسلام وَشَرَعَ يستدلُّ لذلك فقال: (وَقَالَ عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ (عَنْ خَالِدٍ) الحذَّاء (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (إِذَا أَسْلَمَتِ النَّصْرَانِيَّةُ قَبْلَ زَوْجِهَا بِسَاعَةٍ حَرُمَتْ عَلَيْهِ) سواءٌ دخلَ عليها أم لا، وهذا التَّعليقُ وصلَه ابنُ أبي شيبة، عن عبَّاد بن العوَّام، عن خالد الحذَّاء، بنحوه.
(وَقَالَ دَاوُدُ) بن أبي الفُرَات؛ بالفاء المضمومة والراء المخففة (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بنِ ميمون (الصَّائِغِ) المروزيِّ أنَّه قال: (سُئِلَ عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباحٍ (عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِ العَهْدِ) أي: الذِّمَّة (أَسْلَمَتْ ثُمَّ أَسْلَمَ زَوْجُهَا) بعدها وهي (فِي العِدَّةِ أَهِيَ امْرَأَتُهُ؟ قَالَ: لَا، إلَا أَنْ تَشَاءَ هِيَ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَصَدَاقٍ) جديد أيضًا لأنَّ الإسلام فرَّق بينهما، وهذا وصله ابنُ أبي شيبة من وجهٍ آخر، عن عطاءٍ بمعناه.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) هو ابنُ جبر، فيما وصلَه الطَّبريُّ من طريق ابنِ أبي نجيح، عنه: (إِذَا) أسلمتِ الزَّوجة ثمَّ (أَسْلَمَ) الزَّوج وهي (فِي العِدَّةِ يَتَزَوَّجُهَا) ثمَّ استدلَّ المؤلِّف لتقويةِ قول عطاء المذكور هنا بقوله: (وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]) أي: لا حلَّ بين
المؤمنة والمشرك لوقوع الفرقةِ بينهما بخروجها مسلمةً.
(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ، ولابن عساكرَ: «بابٌ» بالتَّنوين «وقال الحسن» (وَقَتَادَةُ) بن دعامةَ فيما أخرجه ابنُ أبي شيبة (فِي مَجُوسِيَّيْنِ) امرأة وزوجها (أسْلَمَا: هُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا، وَإِذَا) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «فإذا» (سَبَقَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ) بالإسلام (وَأَبَى الآخَرُ) أن يُسلم (بَانَتْ) منه وحينئذٍ (لَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهَا) إلَّا بخطبةٍ.
(وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بنُ عبد العزيز فيما وصلَه عبد الرَّزَّاق: (قُلْتُ لِعَطَاءٍ: امْرَأَةٌ مِنَ المُشْرِكِينَ جَاءَتْ إِلَى المُسْلِمِينَ أَيُعَاوَضُ) بفتح الواو مبنيًّا للمفعول مِنَ المعاوضة، ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «أيعاض» بإسقاط الواو مِنَ العِوضِ، أي: أيعطى (زَوْجُهَا) المشرك (مِنْهَا) عوضَ صداقها (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠]) المفسَّر بأعطوا أزواجهنَّ مثل ما دَفعوا إليهنَّ من المهورِ (قَالَ) عطاء: (لَا) يُعاوض (إِنَّمَا كَانَ ذَاكَ) المذكور في الآيةِ من الإعطاءِ (بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ أَهْلِ العَهْدِ) من المشركين حين انعقدَ العهدُ بينهم عليه، وأمَّا اليوم فلا.
(وَقَالَ) بالواو، ولابنِ عساكرَ بإسقاطها (١) (مُجَاهِدٌ) فيما وصلَه ابنُ أبي حاتمٍ من طريق ابنِ أبي نجيحٍ، عنه، في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠] من ذَهَبَ من أزواجِ المسلمين إلى الكفَّار فليعطِهِم الكفَّار صداقهُنَّ وليمسكوهُنَّ، ومن ذَهَبَ من أزواجِ الكفَّار إلى أصحابِ محمَّدٍ ﷺ فكذلك (هَذَا كُلُّهُ فِي صُلْحٍ) كان (بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ) ثمَّ انقطعَ ذلك يوم (٢) الفتحِ.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
بِآيَةِ الْمَائِدَةِ، وَعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُشْرِكَاتِ هُنَا عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ وَالْمَجُوسُ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ فِي نِكَاحِ النَّصْرَانِيَّةِ وَقَوْلَهُ: لَا أَعْلَمُ مِنَ الْإِشْرَاكِ شَيْئًا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تَقُولَ الْمَرْأَةُ رَبُّهَا عِيسَى وَهَذَا مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى اسْتِمْرَارِ حُكْمِ عُمُومِ آيَةِ الْبَقَرَةِ، فَكَأَنَّهُ يَرَى أَنَّ آيَةَ الْمَائِدَةِ مَنْسُوخَةٌ وَبِهِ جَزَمَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ، وَرَدَّهُ النَّحَّاسُ فَحَمَلَهُ عَلَى التَّوَرُّعِ كَمَا سَيَأْتِي، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ عُمُومَ آيَةِ الْبَقَرَةِ خُصَّ بِآيَةِ الْمَائِدَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فَبَقِيَ سَائِرُ الْمُشْرِكَاتِ عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّ عُمُومَ آيَةِ الْبَقَرَةِ أُرِيدَ بِهِ خُصُوصُ آيَةِ الْمَائِدَةِ، وَأَطْلَقَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ آيَةَ الْبَقَرَةِ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْمَائِدَةِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ شَذَّ بِذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْأَوَائِلِ أَنَّهُ حَرَّمَ ذَلِكَ اهـ، لَكِنْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ أَنَّ عَطَاءً كَرِهَ نِكَاحَ الْيَهُودِيَّاتِ وَالنَّصْرَانِيَّاتِ وَقَالَ: كَانَ ذَلِكَ وَالْمُسْلِمَاتُ قَلِيلٌ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ خَصَّ الْإِبَاحَةَ بِحَالٍ دُونَ حَالٍ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْمُسْلِمُونَ الْيَوْمَ عَلَى الرُّخْصَةِ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِالتَّنَزُّهِ عَنْهُنَّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحَرِّمَهُنَّ. وَزَعَمَ ابْنُ الْمُرَابِطِ تَبَعًا لِلنَّحَّاسِ وَغَيْرِهِ أَنَّ هَذَا مُرَادُ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا لَكِنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ السِّيَاقِ، لَكِنَّ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ ابْنُ عُمَرَ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الْمَنْعِ بِمَنْ يُشْرِكُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا مَنْ يُوَحِّدُ، وَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ آيَةَ الْحِلِّ عَلَى مَنْ لَمْ يُبَدِّلْ دِينَهُ مِنْهُمْ، وَقَدْ فَصَّلَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ كَالشَّافِعِيَّةِ بَيْنَ مَنْ دَخَلَ آبَاؤُهَا فِي ذَلِكَ الدِّينِ قَبْلَ التَّحْرِيفِ أَوِ النَّسْخِ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهُوَ مِنْ جِنْسِ مَذْهَبِ ابْنِ عُمَرَ بَلْ يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ بَحْثٌ فِي ذَلِكَ الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ هِرَقْلَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى تَحْرِيمِ النِّسَاءِ الْمَجُوسِيَّاتِ، وَجَاءَ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ تَسَرَّى بِمَجُوسِيَّةٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَوْرَدَهُ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَطَائِفَةٍ وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هُوَ مَحْجُوجٌ بِالْجَمَاعَةِ وَالتَّنْزِيلِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا إِجْمَاعَ مَعَ ثُبُوتِ الْخِلَافِ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَأَمَّا التَّنْزِيلُ فَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَجُوسَ لَيْسُوا أَهْلَ كِتَابٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ لَكِنْ لَمَّا أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ الْجِزْيَةَ مِنَ الْمَجُوسِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ، فَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ تجْرِيَ عَلَيْهِمْ بَقِيَّةُ أَحْكَامِ الْكِتَابِيِّينَ، لَكِنْ أُجِيبَ عَنْ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمَجُوسِ أَنَّهُمُ اتَّبَعُوا فِيهِمُ الْخَبَرَ، وَلَمْ يَرِدْ مِثْلُ ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ وَالذَّبَائِحِ، وَسَيَأْتِي تَعَرُّضٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ
إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
١٩ - بَاب نِكَاحِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْمُشْرِكَاتِ وَعِدَّتِهِنَّ
٥٢٨٦ - حَدَّثَنَي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَقَالَ عَطَاءٌ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى مَنْزِلَتَيْنِ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ، كَانُوا مُشْرِكِي أَهْلِ حَرْبٍ يُقَاتِلُهُمْ وَيُقَاتِلُونَهُ، وَمُشْرِكِي أَهْلِ عَهْدٍ لَا يُقَاتِلُهُمْ وَلَا يُقَاتِلُونَهُ وَكَانَ إِذَا هَاجَرَتْ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَمْ تُخْطَبْ حَتَّى تَحِيضَ وَتَطْهُرَ، فَإِذَا طَهُرَتْ حَلَّ لَهَا النِّكَاحُ، فَإِنْ هَاجَرَ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ رُدَّتْ إِلَيْهِ، وَإِنْ هَاجَرَ عَبْدٌ مِنْهُمْ أَوْ أَمَةٌ فَهُمَا حُرَّانِ، وَلَهُمَا مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ مِثْلَ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ، وَإِنْ هَاجَرَ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ أَهْلِ الْعَهْدِ لَمْ يُرَدُّوا وَرُدَّتْ أَثْمَانُهُمْ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٥٢٨٦ - ٥٢٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الرَّازيُّ الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) أبو عبد الرَّحمن بن يوسف الصَّنعانيُّ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (وَقَالَ عَطَاءٌ) قال الحافظ ابن حجرٍ: معطوفٌ على محذوفٍ كأنَّه كان في جملة أحاديثَ حدَّث بها ابن جريحٍ عن عطاءٍ، ثمَّ قال: وقال عطاء، أي: الخراسانيُّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (كَانَ المُشْرِكُونَ عَلَى مَنْزِلَتَيْنِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَ) من (المُؤْمِنِينَ) الأولى: (كَانُوا مُشْرِكِي أَهْلِ حَرْبٍ يُقَاتِلُهُمْ) النَّبيُّ ﷺ (وَيُقَاتِلُونَهُ وَ) الثَّانية: كانوا (مُشْرِكِي أَهْلِ عَهْدٍ) ولابنِ عساكرَ: «عقد» بالقاف بدل: عهدٍ، بالهاء (لَا يُقَاتِلُهُمْ) صلواتُ الله عليه وسلامه (وَلَا يُقَاتِلُونَهُ، وَكَانَ) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «فكان» (إِذَا هَاجَرَتِ امْرَأَةٌ مِنْ) دار (١) (أَهْلِ الحَرْبِ) إلى المدينة مسلمةً (لَمْ تُخْطَبْ) بضم أوله وفتح الطاء مبنيًّا للمفعول (حَتَّى تَحِيضَ) ثلاث حيضٍ (وَتَطْهُرَ) لأنَّها صارتْ بإسلامها وهجرتها من الحرائرِ، وقال الحنفيَّة: إذا خرجتِ المرأة إلينا مهاجرةً وقعتِ الفرقة اتِّفاقًا، وهل عليها عدَّة؟ فيها خلافٌ. عند أبي حنيفةَ: لا، فتتزوَّج (٢) في الحال إلَّا أن تكون حاملًا لا على وجهِ العدَّة بل ليرتفعَ المانعُ بالوضعِ، وعند أبي يوسف ومحمَّد: عليها العدَّة، ووجه قول أبي حنيفة: أنَّ العدَّة إنَّما وجبتْ إظهارًا لحظر النِّكاح المتقدِّم ولا حظر لملك الحربيِّ، بل أسقطَه الشَّرع بالآيةِ في المهاجرات: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] جمع كافرةٍ، فلو شرطنَا العدَّة لزمَ التَّمسُّك بعُقدة نكاحِهنَّ الموجودة (٣) في حالِ كُفرهنَّ (فَإِذَا (٤) طَهُرَتْ) بضم الهاء (حَلَّ لَهُ النِّكَاحُ، فَإِنْ هَاجَرَ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ)
تتزوَّج غيره (رُدَّتْ إِلَيْهِ) بالنِّكاح الأوَّل (وَإِنْ هَاجَرَ عَبْدٌ مِنْهُمْ) من أهل الحرب (أَوْ أَمَةٌ فَهُمَا حُرَّانِ وَلَهُمَا مَا لِلْمُهَاجِرِينَ) من مكَّة إلى المدينة من تمام حرمةِ الإسلام والحريَّة (ثُمَّ ذَكَرَ) عطاء (مِنْ) قصَّة (أَهْلِ العَهْدِ مِثْلَ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ) وهو قوله: (وَإِنْ هَاجَرَ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ) من (١) (أَهْلِ العَهْدِ لَمْ يُرَدُّوا) إليهم (وَرُدَّتْ أَثْمَانُهُمْ) إليهم، وهذا من باب فداء أَسرى المسلمين، ولم يجزْ تملُّكهم لارتفاعِ علَّة الاسترقاقِ الَّتي هي الكفر فيهم.
(وَقَالَ عَطَاءٌ) بالإسناد السَّابق (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (كَانَتْ قُرَيبَةُ) بضم القاف مصغَّرًا لأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ، ولغيرهما: «قَرِيبَة» بفتح القاف وكسر الراء وكذا ضبطه الدِّمياطيُّ، و (٢) في «القاموس» الوجهان، وعبارته بالتَّصغير وقد تُفتح (بِنْتُ) ولأبي ذرٍّ: «ابنة» (أَبِي أُمَيَّةَ) ابن المغيرة بن عبد الله بن عَمرو بن مخزومٍ، أخت أمِّ سلمة زوج النَّبيِّ ﷺ (عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ) ﵁ (فَطَلَّقَهَا، فَتَزَوَّجَهَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) وظاهرُ هذا كما في «الفتح»: أنَّها لم تكن أسلمت في هذا الوقت، وهو ما بين عمرة الحديبية وفتح مكَّة، وفيه نظرٌ، فقد ثبتَ بسندٍ
صحيحٍ عند النَّسائيِّ ما يقتضي أنَّها هاجرت قديمًا، لكن يحتمل أنَّها جاءت إلى المدينة زائرةً لأختها قبل أن تُسلِم، أو كانت مقيمةً عند زوجها عمر على دينها قبل أن تنزلَ الآية، لكن هذا يردُّه ما روى عبد الرَّزَّاق عن مَعمر، عن الزُّهريِّ لمَّا نزلت: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] فذكر القصَّة، وفيها: فطلَّق عمرُ امرأتين كانتا له بمكَّة، فهذا يردُّ أنَّها كانت مقيمة، ولا يردُّ أنَّها جاءت زائرةً، ويحتمل أن يكون لأمِّ سلمة أختان، كلٌّ منهما تسمَّى قريبة تقدَّم إسلام إحداهما، وتأخَّر إسلامُ الأخرى وهي المذكورة هنا، ويؤيِّده أنَّ عند ابن سعد في «طبقاته»: قريبة (١) الصُّغرى بنت أبي أميَّة (٢) أخت أمِّ سلمة تزوَّجها عبد الرَّحمن بن أبي بكر الصِّدِّيق (وَكَانَتْ أُمُّ الحَكَمِ ابْنَةُ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أَبِي سُفْيَانَ) أخت معاوية، وأمِّ حَبيبة لأبيها (تَحْتَ عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ) بفتح الغين المعجمة وسكون النون (الفِهْرِيِّ) بكسر الفاء وسكون الهاء (فَطَلَّقَهَا) حينئذٍ (فَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ الثَّقَفِي) بالمثلثة. واستُشْكل ترك ردِّ النِّساء إلى أهل مكَّة مع وقوع الصُّلح بينهم وبين المسلمين في الحديبية: على أنَّ من جاءَ منهم إلى المسلمين ردُّوه، ومن جاءَ من المسلمين إليهم لم يردُّوه. وأُجيب بأنَّ حكم النِّساء منسوخٌ بآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ إذ فيها ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ﴾ ثمَّ قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] أي: في الصُّلح، واستثنى النِّساء منه، والأمر بهذا كلِّه هو حكمُ الله بين خلقه، والله عليمٌ بما يُصلح عباده، أو أنَّ النِّساء لم يدخلنَ في أصل الصُّلح، ويؤيِّده ما في بعض طرقِ الحديث: «على أنَّ لا يأتيك منَّا رجلٌ إلَّا رددتَّه». إذ مفهومُه عدمُ دخول النِّساء.
(٢٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا أَسْلَمَتِ المُشْرِكَةُ) كوثنيَّةٍ (أَوِ النَّصْرَانِيَّةُ) أو اليهوديَّة (تَحْتَ الذِّمِّيِّ أَوِ الحَرْبِيِّ) قبل أن يُسلِم، هل تحصل الفرقة بينهما بمجرَّد إسلامها؟ أو يثبتُ لها الخيارُ أو يوقف في العدَّة؟ فإن أسلم استمرَّ النِّكاح وإلَّا وقعتِ الفرقة بينهما. قال الشَّافعيَّة: إذا أسلمَ مشركٌ ولو غير كتابيٍّ، كوثنيٍّ ومجوسيٍّ وتحته حرَّةٌ كتابيَّةٌ تحلُّ له ابتداءً استمرَّ نكاحه لجواز نكاحِ المسلم لها، أو كان تحته حرَّةٌ غير كتابيَّة كوثنيَّة وكتابيَّة لا تحلُّ له ابتداءً، أو (١) تخلَّفت عنه بأن لم تسلِم معه، أو أسلمتْ هي وتخلَّف هو، فإن كانَ قبل الدُّخول تنجَّزت الفُرقة، أو بعده وأسلمَ الآخر في العدَّة استمرَّ نكاحُه، وإلَّا فالفرقةُ من الإسلام، والفرقةُ فيما ذكر فسخٌ لا طلاق، ولو أسلما معًا قبل الدُّخول أو بعدَه استمرَّ نكاحهما لتساويهمَا في الإسلام، والمعيَّةُ في الإسلام بآخر لفظٍ لأنَّ به يحصل الإسلام لا بأوَّله ولا بأثنائهِ، وقد جنحَ البخاريُّ إلى أنَّ الفرقةَ بمجرَّد الإسلام وَشَرَعَ يستدلُّ لذلك فقال: (وَقَالَ عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ (عَنْ خَالِدٍ) الحذَّاء (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (إِذَا أَسْلَمَتِ النَّصْرَانِيَّةُ قَبْلَ زَوْجِهَا بِسَاعَةٍ حَرُمَتْ عَلَيْهِ) سواءٌ دخلَ عليها أم لا، وهذا التَّعليقُ وصلَه ابنُ أبي شيبة، عن عبَّاد بن العوَّام، عن خالد الحذَّاء، بنحوه.
(وَقَالَ دَاوُدُ) بن أبي الفُرَات؛ بالفاء المضمومة والراء المخففة (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بنِ ميمون (الصَّائِغِ) المروزيِّ أنَّه قال: (سُئِلَ عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباحٍ (عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِ العَهْدِ) أي: الذِّمَّة (أَسْلَمَتْ ثُمَّ أَسْلَمَ زَوْجُهَا) بعدها وهي (فِي العِدَّةِ أَهِيَ امْرَأَتُهُ؟ قَالَ: لَا، إلَا أَنْ تَشَاءَ هِيَ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَصَدَاقٍ) جديد أيضًا لأنَّ الإسلام فرَّق بينهما، وهذا وصله ابنُ أبي شيبة من وجهٍ آخر، عن عطاءٍ بمعناه.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) هو ابنُ جبر، فيما وصلَه الطَّبريُّ من طريق ابنِ أبي نجيح، عنه: (إِذَا) أسلمتِ الزَّوجة ثمَّ (أَسْلَمَ) الزَّوج وهي (فِي العِدَّةِ يَتَزَوَّجُهَا) ثمَّ استدلَّ المؤلِّف لتقويةِ قول عطاء المذكور هنا بقوله: (وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]) أي: لا حلَّ بين
المؤمنة والمشرك لوقوع الفرقةِ بينهما بخروجها مسلمةً.
(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ، ولابن عساكرَ: «بابٌ» بالتَّنوين «وقال الحسن» (وَقَتَادَةُ) بن دعامةَ فيما أخرجه ابنُ أبي شيبة (فِي مَجُوسِيَّيْنِ) امرأة وزوجها (أسْلَمَا: هُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا، وَإِذَا) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «فإذا» (سَبَقَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ) بالإسلام (وَأَبَى الآخَرُ) أن يُسلم (بَانَتْ) منه وحينئذٍ (لَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهَا) إلَّا بخطبةٍ.
(وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بنُ عبد العزيز فيما وصلَه عبد الرَّزَّاق: (قُلْتُ لِعَطَاءٍ: امْرَأَةٌ مِنَ المُشْرِكِينَ جَاءَتْ إِلَى المُسْلِمِينَ أَيُعَاوَضُ) بفتح الواو مبنيًّا للمفعول مِنَ المعاوضة، ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «أيعاض» بإسقاط الواو مِنَ العِوضِ، أي: أيعطى (زَوْجُهَا) المشرك (مِنْهَا) عوضَ صداقها (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠]) المفسَّر بأعطوا أزواجهنَّ مثل ما دَفعوا إليهنَّ من المهورِ (قَالَ) عطاء: (لَا) يُعاوض (إِنَّمَا كَانَ ذَاكَ) المذكور في الآيةِ من الإعطاءِ (بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ أَهْلِ العَهْدِ) من المشركين حين انعقدَ العهدُ بينهم عليه، وأمَّا اليوم فلا.
(وَقَالَ) بالواو، ولابنِ عساكرَ بإسقاطها (١) (مُجَاهِدٌ) فيما وصلَه ابنُ أبي حاتمٍ من طريق ابنِ أبي نجيحٍ، عنه، في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠] من ذَهَبَ من أزواجِ المسلمين إلى الكفَّار فليعطِهِم الكفَّار صداقهُنَّ وليمسكوهُنَّ، ومن ذَهَبَ من أزواجِ الكفَّار إلى أصحابِ محمَّدٍ ﷺ فكذلك (هَذَا كُلُّهُ فِي صُلْحٍ) كان (بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ) ثمَّ انقطعَ ذلك يوم (٢) الفتحِ.