الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٣٠٦
الحديث رقم ٥٣٠٦ من كتاب «كتاب الطلاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إحلاف الملاعن.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابٌ: يَبْدَأُ الرَّجُلُ بِالتَّلَاعُنِ
٥٣٠٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ : حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁،
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
بِحَذْفِ الْفَاعِلِ، وَلِغَيْرِهِ نَزَعَهُ عِرْقٌ وَكَذَا فِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ، وَالْمُرَادُ بِالْعِرْقِ الْأَصْلُ مِنَ النَّسَبِ شَبَّهَهُ بِعِرْقِ الشَّجَرَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: فُلَانٌ عَرِيقٌ فِي الْأَصَالَةِ أَيْ أَنَّ أَصْلَهُ مُتَنَاسِبٌ، وَكَذَا مُعْرِقٌ فِي الْكَرْمِ أَوِ اللُّؤْمِ، وَأَصْلُ النَّزْعِ الْجَذْبُ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْمَيْلِ، وَمِنْهُ مَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ حِينَ سُئِلَ عَنْ شَبَهِ الْوَلَدِ بِأَبِيهِ أَوْ بِأُمِّهِ: نَزَعَ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ، وَفِي الْحَدِيثِ ضَرْبُ الْمَثَلِ، وَتَشْبِيهُ الْمَجْهُولِ بِالْمَعْلُومِ تَقْرِيبًا لِفَهْمِ السَّائِلِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِصِحَّةِ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ أَصْلٌ فِي قِيَاسِ الشَّبَهِ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْقِيَاسِ وَالِاعْتِبَارُ بِالنَّظِيرِ ; وَتَوَقَّفَ فِيهِ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فَقَالَ: هُوَ تَشْبِيهٌ فِي أَمْرٍ وُجُودِيٍّ، وَالنِّزَاعُ إِنَّمَا هُوَ فِي التَّشْبِيهِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ طَرِيقٍ وَاحِدَةٍ قَوِيَّةٍ. وَفِيهِ أَنَّ الزَّوْجَ لَا يَجُوزُ لَهُ الِانْتِفَاءُ مِنْ وَلَدِهِ بِمُجَرَّدِ الظَّنِّ، وَأَنَّ الْوَلَدَ يَلْحَقُ بِهِ وَلَوْ خَالَفَ لَوْنُهُ لَوْنَ أُمِّهِ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ تَبَعًا لِابْنِ رُشْدٍ: لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَحِلُّ نَفْيُ الْوَلَدِ بِاخْتِلَافِ الْأَلْوَانِ الْمُتَقَارِبَةِ كَالْأُدْمَةِ وَالسُّمْرَةِ، وَلَا فِي الْبَيَاضِ وَالسَّوَادِ إِذَا كَانَ قَدْ أَقَرَّ بِالْوَطْءِ وَلَمْ تَمْضِ مُدَّةُ الِاسْتِبْرَاءِ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ فِي مَذْهَبِهِ، وَإِلَّا فَالْخِلَافُ ثَابِتٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بِتَفْصِيلٍ فَقَالُوا: إِنْ لَمْ يَنْضَمَّ إِلَيْهِ قَرِينَةُ زِنًا لَمْ يَجُزِ النَّفْيُ، فَإِنِ اتَّهَمَهَا فَأَتَتْ بِوَلَدٍ عَلَى لَوْنِ الرَّجُلِ الَّذِي اتَّهَمَهَا بِهِ جَازَ النَّفْيُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآتِي فِي اللِّعَانِ مَا يُقَوِّيهِ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَجُوزُ النَّفْيِ مَعَ الْقَرِينَةِ مُطْلَقًا، وَالْخِلَافُ إِنَّمَا هُوَ عِنْدَ عَدَمِهَا، وَهُوَ عَكْسُ تَرْتِيبِ الْخِلَافِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَفِيهِ تَقْدِيمُ حُكْمِ الْفِرَاشِ عَلَى مَا يُشْعِرُ بِهِ مُخَالَفَةَ الشَّبَهِ. وَفِيهِ الِاحْتِيَاطُ لِلْأَنْسَابِ وَإِبْقَائِهَا مَعَ الْإِمْكَانِ، وَالزَّجْرُ عَنْ تَحْقِيقِ ظَنِّ السُّوءِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يُؤْخَذُ مِنْهُ مَنْعُ التَّسَلْسُلِ، وَأَنَّ الْحَوَادِثَ لَا بُدَّ لَهَا أَنْ تَسْتَنِدَ إِلَى أَوَّلَ لَيْسَ بِحَادِثٍ.
وَفِيهِ أَنَّ التَّعْرِيضَ بِالْقَذْفِ لَا يُثْبِتُ حُكْمَ الْقَذْفِ حَتَّى يَقَعَ التَّصْرِيحُ خِلَافًا لِلْمَالِكِيَّةِ، وَأَجَابَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةَ أَنَّ التَّعْرِيضَ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْقَذْفُ عِنْدَهُمْ هُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْقَذْفُ كَمَا يُفْهَمُ مِنَ التَّصْرِيحِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِدَفْعِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الرَّجُلَ لَمْ يُرِدْ قَذْفًا، بَلْ جَاءَ سَائِلًا مُسْتَفْتِيًا عَنِ الْحُكْمِ لِمَا وَقَعَ لَهُ مِنَ الرِّيبَةِ، فَلَمَّا ضُرِبَ لَهُ الْمَثَلُ أَذْعَنَ، وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: التَّعْرِيضُ إِذَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ السُّؤَالِ لَا حَدَّ فِيهِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْحَدُّ فِي التَّعْرِيضِ إِذَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاجَهَةِ وَالْمُشَاتَمَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: الْفَرْقُ بَيْنَ الزَّوْجِ وَالْأَجْنَبِيِّ فِي التَّعْرِيضِ أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ يَقْصِدُ الْأَذِيَّةَ الْمَحْضَةَ، وَالزَّوْجُ قَدْ يُعْذَرُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى صِيَانَةِ النَّسَبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٢٧ - بَاب إِحْلَافِ الْمُلَاعِنِ
٥٣٠٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁: أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ قَذَفَ امْرَأَتَهُ فَأَحْلَفَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِحْلَافِ الْمُلَاعِنِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ مِنْ رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعٍ مُخْتَصَرًا بِلَفْظِ فَأَحْلَفَهُمَا وَكَذَا سَيَأْتِي بَعْدَ سِتَّةِ أَبْوَابٍ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ النُّورِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ لَاعَنَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَالْمُرَادُ بِالْإِحْلَافِ هُنَا النُّطْقُ بِكَلِمَاتِ اللِّعَانِ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ: إِنَّ اللِّعَانَ يَمِينٌ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: اللِّعَانُ شَهَادَةٌ وَهُوَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَقِيلَ: شَهَادَةٌ فِيهَا شَائِبَةُ الْيَمِينِ، وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَيْسَ بِيَمِينٍ وَلَا شَهَادَةٍ، وَانْبَنَى عَلَى الْخِلَافِ أَنَّ اللِّعَانَ يُشْرَعُ بَيْنَ كُلِّ زَوْجَيْنِ مُسْلِمَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ حُرَّيْنِ أَوْ عَبْدَيْنِ عَدْلَيْنِ أَوْ فَاسِقَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وفائدةُ الحديث: المنع عن نفِي الولد بمجرَّد الأمارات الضَّعيفة، بل لا بدَّ من تحقُّقٍ كأنْ رآها تزني، أو ظهور دليل قويٍّ كأن لم يكن وطئها، أو أتتْ بولدٍ قبل ستَّة أشهرٍ من مبدأ وطئها أو لأكثر من أربعِ سنين، بل يلزمه نفي الولد لأنَّ تركَ نفيه يتضمَّن استلحاقَهُ، واستلحاقُ مَن ليس منه حرامٌ، كما يحرُم نفي من هو منه.
وفي حديث أبي داود وصحَّحه الحاكم على شرط مسلم: «أيُّما امرأةٍ أَدخلت على قومٍ مَن ليسَ منهم فليستْ من الله في شيءٍ ولم (١) يُدخلها جنَّته، وأيَّما رجل جحدَ ولدَه وهو ينظرُ إليه احتجبَ الله منه يوم القيامةِ وفضحَه على رؤوسِ الخلائقِ يوم القيامة» فنصَّ في الأوَّل على المرأةِ، وفي الثَّاني على الرَّجل، ومعلومٌ أنَّ كلًّا منهما في مَعنى الآخر، ولا يكفِي مجرَّد الشُّيوع لأنَّه قد يذكره غير ثقةٍ فيستفيضُ، فإن لم يكن ولد فالأَولى أن يسترَ عليها ويطلِّقها إن كرهها.
وفي الحديث: أنَّ التَّعريض بالقذف ليس قذفًا، وبه قال الجمهور، واستدلَّ به إمامنا الشَّافعيُّ لذلك، وعن المالكيَّة: يجبُ به الحدُّ إذا كان مفهومًا.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المحاربين» [خ¦٦٨٤٧].
(٢٧) (بابُ إِحْلَافِ المُلَاعِنِ) بكسر العين.
٥٣٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلمة المِنْقَريُّ التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) بضم الجيم مصغَّرًا، ابن أسماء (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن عمر (﵁) وعن أبيه (أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ) هو عويمر العجلانيُّ (قَذَفَ امْرَأَتَهُ) بالزِّنا (فَأَحْلَفَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ) الإحلاف المخصوص وهو اللِّعان، وهو دليلٌ على أنَّ اللِّعان يمينٌ، وهو قول مالك والشَّافعيِّ. وقال أبو حنيفة: اللِّعان شهادةٌ. فعلى الأوَّل كلُّ من صحَّ يمينه صحَّ لِعانه، فلا لعان بقذفِ صبيٍّ، ومجنونٍ، ومُكرهٍ، ولا عقوبة عليهم. نعم يعزَّر المميز من الصَّبيِّ والمجنون ويسقطُ عنه ببلوغه وإفاقتهِ لأنَّه كان للزَّجر عن سوءِ الأدب، وقد حدثَ له زاجرٌ أقوى من ذلك وهو
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
بِحَذْفِ الْفَاعِلِ، وَلِغَيْرِهِ نَزَعَهُ عِرْقٌ وَكَذَا فِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ، وَالْمُرَادُ بِالْعِرْقِ الْأَصْلُ مِنَ النَّسَبِ شَبَّهَهُ بِعِرْقِ الشَّجَرَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: فُلَانٌ عَرِيقٌ فِي الْأَصَالَةِ أَيْ أَنَّ أَصْلَهُ مُتَنَاسِبٌ، وَكَذَا مُعْرِقٌ فِي الْكَرْمِ أَوِ اللُّؤْمِ، وَأَصْلُ النَّزْعِ الْجَذْبُ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْمَيْلِ، وَمِنْهُ مَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ حِينَ سُئِلَ عَنْ شَبَهِ الْوَلَدِ بِأَبِيهِ أَوْ بِأُمِّهِ: نَزَعَ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ، وَفِي الْحَدِيثِ ضَرْبُ الْمَثَلِ، وَتَشْبِيهُ الْمَجْهُولِ بِالْمَعْلُومِ تَقْرِيبًا لِفَهْمِ السَّائِلِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِصِحَّةِ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ أَصْلٌ فِي قِيَاسِ الشَّبَهِ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْقِيَاسِ وَالِاعْتِبَارُ بِالنَّظِيرِ ; وَتَوَقَّفَ فِيهِ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فَقَالَ: هُوَ تَشْبِيهٌ فِي أَمْرٍ وُجُودِيٍّ، وَالنِّزَاعُ إِنَّمَا هُوَ فِي التَّشْبِيهِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ طَرِيقٍ وَاحِدَةٍ قَوِيَّةٍ. وَفِيهِ أَنَّ الزَّوْجَ لَا يَجُوزُ لَهُ الِانْتِفَاءُ مِنْ وَلَدِهِ بِمُجَرَّدِ الظَّنِّ، وَأَنَّ الْوَلَدَ يَلْحَقُ بِهِ وَلَوْ خَالَفَ لَوْنُهُ لَوْنَ أُمِّهِ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ تَبَعًا لِابْنِ رُشْدٍ: لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَحِلُّ نَفْيُ الْوَلَدِ بِاخْتِلَافِ الْأَلْوَانِ الْمُتَقَارِبَةِ كَالْأُدْمَةِ وَالسُّمْرَةِ، وَلَا فِي الْبَيَاضِ وَالسَّوَادِ إِذَا كَانَ قَدْ أَقَرَّ بِالْوَطْءِ وَلَمْ تَمْضِ مُدَّةُ الِاسْتِبْرَاءِ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ فِي مَذْهَبِهِ، وَإِلَّا فَالْخِلَافُ ثَابِتٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بِتَفْصِيلٍ فَقَالُوا: إِنْ لَمْ يَنْضَمَّ إِلَيْهِ قَرِينَةُ زِنًا لَمْ يَجُزِ النَّفْيُ، فَإِنِ اتَّهَمَهَا فَأَتَتْ بِوَلَدٍ عَلَى لَوْنِ الرَّجُلِ الَّذِي اتَّهَمَهَا بِهِ جَازَ النَّفْيُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآتِي فِي اللِّعَانِ مَا يُقَوِّيهِ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَجُوزُ النَّفْيِ مَعَ الْقَرِينَةِ مُطْلَقًا، وَالْخِلَافُ إِنَّمَا هُوَ عِنْدَ عَدَمِهَا، وَهُوَ عَكْسُ تَرْتِيبِ الْخِلَافِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَفِيهِ تَقْدِيمُ حُكْمِ الْفِرَاشِ عَلَى مَا يُشْعِرُ بِهِ مُخَالَفَةَ الشَّبَهِ. وَفِيهِ الِاحْتِيَاطُ لِلْأَنْسَابِ وَإِبْقَائِهَا مَعَ الْإِمْكَانِ، وَالزَّجْرُ عَنْ تَحْقِيقِ ظَنِّ السُّوءِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يُؤْخَذُ مِنْهُ مَنْعُ التَّسَلْسُلِ، وَأَنَّ الْحَوَادِثَ لَا بُدَّ لَهَا أَنْ تَسْتَنِدَ إِلَى أَوَّلَ لَيْسَ بِحَادِثٍ.
وَفِيهِ أَنَّ التَّعْرِيضَ بِالْقَذْفِ لَا يُثْبِتُ حُكْمَ الْقَذْفِ حَتَّى يَقَعَ التَّصْرِيحُ خِلَافًا لِلْمَالِكِيَّةِ، وَأَجَابَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةَ أَنَّ التَّعْرِيضَ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْقَذْفُ عِنْدَهُمْ هُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْقَذْفُ كَمَا يُفْهَمُ مِنَ التَّصْرِيحِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِدَفْعِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الرَّجُلَ لَمْ يُرِدْ قَذْفًا، بَلْ جَاءَ سَائِلًا مُسْتَفْتِيًا عَنِ الْحُكْمِ لِمَا وَقَعَ لَهُ مِنَ الرِّيبَةِ، فَلَمَّا ضُرِبَ لَهُ الْمَثَلُ أَذْعَنَ، وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: التَّعْرِيضُ إِذَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ السُّؤَالِ لَا حَدَّ فِيهِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْحَدُّ فِي التَّعْرِيضِ إِذَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاجَهَةِ وَالْمُشَاتَمَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: الْفَرْقُ بَيْنَ الزَّوْجِ وَالْأَجْنَبِيِّ فِي التَّعْرِيضِ أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ يَقْصِدُ الْأَذِيَّةَ الْمَحْضَةَ، وَالزَّوْجُ قَدْ يُعْذَرُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى صِيَانَةِ النَّسَبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٢٧ - بَاب إِحْلَافِ الْمُلَاعِنِ
٥٣٠٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁: أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ قَذَفَ امْرَأَتَهُ فَأَحْلَفَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِحْلَافِ الْمُلَاعِنِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ مِنْ رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعٍ مُخْتَصَرًا بِلَفْظِ فَأَحْلَفَهُمَا وَكَذَا سَيَأْتِي بَعْدَ سِتَّةِ أَبْوَابٍ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ النُّورِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ لَاعَنَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَالْمُرَادُ بِالْإِحْلَافِ هُنَا النُّطْقُ بِكَلِمَاتِ اللِّعَانِ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ: إِنَّ اللِّعَانَ يَمِينٌ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: اللِّعَانُ شَهَادَةٌ وَهُوَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَقِيلَ: شَهَادَةٌ فِيهَا شَائِبَةُ الْيَمِينِ، وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَيْسَ بِيَمِينٍ وَلَا شَهَادَةٍ، وَانْبَنَى عَلَى الْخِلَافِ أَنَّ اللِّعَانَ يُشْرَعُ بَيْنَ كُلِّ زَوْجَيْنِ مُسْلِمَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ حُرَّيْنِ أَوْ عَبْدَيْنِ عَدْلَيْنِ أَوْ فَاسِقَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وفائدةُ الحديث: المنع عن نفِي الولد بمجرَّد الأمارات الضَّعيفة، بل لا بدَّ من تحقُّقٍ كأنْ رآها تزني، أو ظهور دليل قويٍّ كأن لم يكن وطئها، أو أتتْ بولدٍ قبل ستَّة أشهرٍ من مبدأ وطئها أو لأكثر من أربعِ سنين، بل يلزمه نفي الولد لأنَّ تركَ نفيه يتضمَّن استلحاقَهُ، واستلحاقُ مَن ليس منه حرامٌ، كما يحرُم نفي من هو منه.
وفي حديث أبي داود وصحَّحه الحاكم على شرط مسلم: «أيُّما امرأةٍ أَدخلت على قومٍ مَن ليسَ منهم فليستْ من الله في شيءٍ ولم (١) يُدخلها جنَّته، وأيَّما رجل جحدَ ولدَه وهو ينظرُ إليه احتجبَ الله منه يوم القيامةِ وفضحَه على رؤوسِ الخلائقِ يوم القيامة» فنصَّ في الأوَّل على المرأةِ، وفي الثَّاني على الرَّجل، ومعلومٌ أنَّ كلًّا منهما في مَعنى الآخر، ولا يكفِي مجرَّد الشُّيوع لأنَّه قد يذكره غير ثقةٍ فيستفيضُ، فإن لم يكن ولد فالأَولى أن يسترَ عليها ويطلِّقها إن كرهها.
وفي الحديث: أنَّ التَّعريض بالقذف ليس قذفًا، وبه قال الجمهور، واستدلَّ به إمامنا الشَّافعيُّ لذلك، وعن المالكيَّة: يجبُ به الحدُّ إذا كان مفهومًا.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المحاربين» [خ¦٦٨٤٧].
(٢٧) (بابُ إِحْلَافِ المُلَاعِنِ) بكسر العين.
٥٣٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلمة المِنْقَريُّ التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) بضم الجيم مصغَّرًا، ابن أسماء (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن عمر (﵁) وعن أبيه (أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ) هو عويمر العجلانيُّ (قَذَفَ امْرَأَتَهُ) بالزِّنا (فَأَحْلَفَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ) الإحلاف المخصوص وهو اللِّعان، وهو دليلٌ على أنَّ اللِّعان يمينٌ، وهو قول مالك والشَّافعيِّ. وقال أبو حنيفة: اللِّعان شهادةٌ. فعلى الأوَّل كلُّ من صحَّ يمينه صحَّ لِعانه، فلا لعان بقذفِ صبيٍّ، ومجنونٍ، ومُكرهٍ، ولا عقوبة عليهم. نعم يعزَّر المميز من الصَّبيِّ والمجنون ويسقطُ عنه ببلوغه وإفاقتهِ لأنَّه كان للزَّجر عن سوءِ الأدب، وقد حدثَ له زاجرٌ أقوى من ذلك وهو