«قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ رَجُلٌ قَذَفَ امْرَأَتَهُ، فَقَالَ فَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٣١١

الحديث رقم ٥٣١١ من كتاب «كتاب الطلاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب صداق الملاعنة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٣١١ في صحيح البخاري

«قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ رَجُلٌ قَذَفَ امْرَأَتَهُ، فَقَالَ فَرَّقَ النَّبِيُّ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي الْعَجْلَانِ وَقَالَ: اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ فَأَبَيَا، وَقَالَ: اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ فَأَبَيَا، فَقَالَ: اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ فَأَبَيَا، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا.» قَالَ أَيُّوبُ: فَقَالَ لِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: إِنَّ فِي الْحَدِيثِ شَيْئًا لَا أَرَاكَ تُحَدِّثُهُ، قَالَ: قَالَ الرَّجُلُ: مَالِي، قَالَ: قِيلَ لَا مَالَ لَكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَقَدْ دَخَلْتَ بِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَهُوَ أَبْعَدُ مِنْكَ.

بَابُ قَوْلِ الْإِمَامِ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ إِنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ

إسناد حديث رقم ٥٣١١ من صحيح البخاري

٥٣١١ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٣١١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ الْقَاسِمِ هَذِهِ مُوَافَقَةٌ لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ.

قَوْلُهُ: (لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ) تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ: إِنَّ نُكُولَ الْمَرْأَةِ عَنِ اللِّعَانِ لَا يُوجِبُ عَلَيْهَا الْحَدَّ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْحُدُودَ لَا تَثْبُتُ بِالنُّكُولِ، وَبِأَنَّ قَوْلَهُ : لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا، لَمْ يَقَعُ بِسَبَبِ اللِّعَانِ فَقَطْ. وَقَالَ أَحْمَدُ: إِذَا امْتَنَعَتْ تُحْبَسُ، وَأَهَابُ أَنْ أَقُولَ: تُرْجَمُ، لِأَنَّهَا لَوْ أَقَرَّتْ صَرِيحًا ثُمَّ رَجَعَتْ لَمْ تُرْجَمْ فَكَيْفَ تُرْجَمُ إِذَا أَبَتْ الِالْتِعَانَ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمَجْلِسِ) يَأْتِي بَيَانُهُ فِي بَابِ قَوْلِ الْإِمَامِ اللَّهُمَّ بَيِّنْ قَرِيبًا.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو صَالِحٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: آدَمَ خَدْلًا) يَعْنِي بِسُكُونِ الدَّالِ، وَيُقَالُ بِفَتْحِهَا مُخَفَّفًا فِي الْوَجْهَيْنِ وَبِالسُّكُونِ ذَكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ. وَأَبُو صَالِحٍ هَذَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَقَالَ لَنَا أَبُو صَالِحٍ وَرِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الْحُدُودِ.

٣٢ - بَاب صَدَاقِ الْمُلَاعَنَةِ

٥٣١١ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: رَجُلٌ قَذَفَ امْرَأَتَهُ، فَقَالَ: فَرَّقَ النَّبِيُّ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي الْعَجْلَانِ، وَقَالَ: اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا لكَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ فَأَبَيَا، وَقَالَ: اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ فَأَبَيَا، فَقَالَ: اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا لكَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ فَأَبَيَا، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، قَالَ أَيُّوبُ: فَقَالَ لِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: إِنَّ فِي الْحَدِيثِ شَيْئًا لَا أَرَاكَ تُحَدِّثُهُ، قَالَ: قَالَ الرَّجُلُ مَالِي، قَالَ: قِيلَ: لَا مَالَ لَكَ، إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَقَدْ دَخَلْتَ بِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَهُوَ أَبْعَدُ مِنْكَ.

[الحديث ٥٣١١، أطرافه في: ٥٣١٢، ٥٣٤٩، ٥٣٥٠]

قَوْلُهُ: (بَابُ صَدَاقِ الْمُلَاعَنَةِ) أَيْ بَيَانُ الْحُكْمِ فِيهِ، وَقَدِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْمَدْخُولَ بِهَا تَسْتَحِقُّ جَمِيعَهُ، وَاخْتُلِفَ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ لَهَا النِّصْفَ كَغَيْرِهَا مِنَ الْمُطَلَّقَاتِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَقِيلَ: بَلْ لَهَا جَمِيعُهُ قَالَهُ أَبُو الزِّنَادِ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ، وَقِيلَ: لَا شَيْءَ لَهَا أَصْلًا قَالَهُ الزُّهْرِيُّ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ) هُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ عُلَيَّةَ.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: رَجُلٌ قَذَفَ امْرَأَتَهُ) أَيْ مَا الْحُكْمُ فِيهِ؟ وَقَدْ أَوْرَدَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَزَادَ فِي أَوَّلِهِ قَالَ: لَمْ يُفَرِّقِ الْمُصْعَبُ - يَعْنِي ابْنَ الزُّبَيْرِ - بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ، أَيْ حَيْثُ كَانَ أَمِيرًا عَلَى الْعِرَاقِ، قَالَ سَعْدٌ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِابْنِ عُمَرَ. وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدٍ سُئِلْتُ عَنِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ فِي امْرَأَةِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ فَمَا دَرَيْتُ مَا أَقُولُ، فَمَضَيْتُ إِلَى مَنْزِلِ ابْنِ عُمَرَ بِمَكَّةَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، الْمُتَلَاعِنَانِ أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، نَعَمْ، إِنَّ أَوَّلَ مَنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ، وَعُرِفَ مِنْ قَوْلِهِ بِمَكَّةَ أَنَّ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَهَا حَذْفًا تَقْدِيرُهُ فَسَافَرْتُ إِلَى مَكَّةَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِابْنِ عُمَرَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كُنَّا بِالْكُوفَةِ نَخْتَلِفُ فِي الْمُلَاعَنَةِ، يَقُولُ بَعْضُنَا: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَيَقُولُ بَعْضُنَا: لَا يُفَرَّقُ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ كَانَ قَدِيمًا، وَقَدِ اسْتَمَرَّ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ مِنْ فُقَهَاءِ الْبَصْرَةِ عَلَى أَنَّ اللِّعَانَ لَا يَقْتَضِي الْفُرْقَةِ كَمَا تَقَدَّمَ نَقْلَهُ عَنْهُ. وَكَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ حَديثُ ابْنِ عُمَرَ.

قَوْلُهُ: (فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي الْعَجْلَانِ) سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ بَعْدَ بَابٍ، وَتَقَدَّمَتْ تَسْمِيَتُهُمَا فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي أَحْمَدِ الْجُرْجَانِيِّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المحاربين» (١)، ومسلم في «اللِّعان»، والنَّسائيُّ في «الطَّلاق».

(٣٢) (بابُ) حكم (صَدَاقِ) المرأة (المُلَاعَنَةِ) بفتح العين.

٥٣١١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ) بفتح العين في الأول، وضم الزاي وتكرير الراء بينهما ألف، قال: (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ) ابن عليَّة (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) أنَّه (قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ) : (رَجُلٌ قَذَفَ امْرَأَتَهُ) ما الحكمُ فيه؟ وزاد مسلم من وجهٍ آخر، عن سعيد بنِ جبيرٍ، قال: لم يفرِّق المصعب (٢) -يعني: ابن الزُّبير- بين المتلاعنين، أي: حيث كان أميرًا على العراق. قال سعيد: فذكرت ذلك لابن عمر (فَقَالَ: فَرَّقَ النَّبِيُّ (٣) بَيْنَ أَخَوَيْ) بفتح الواو وسكون التحتية (بَنِي العَجْلَانِ) بفتح العين المهملة وسكون الجيم، من باب التَّغليب حيث جعل الأخت كالأخ، وأمَّا إطلاق الأخوَّة فبالنَّظر إلى أنَّ المؤمنين إخوةٌ، أو إلى (٤) القرابةِ الَّتي بينهما بسبب أنَّ الزَّوجين كليهما من قبيلةِ عجلان (وَقَالَ) : (اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ) وللمُستملي: «لكاذبٌ» وجملة «يعلم» في محلِّ الخبر، و «أن» فتحت لأنَّها سدَّت مسدَّ مفعولي «علم» (٥) (فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟) منكما خبر المبتدأ، وهو تائبٌ وسوَّغ الابتداء بالنَّكرة تقدُّم

الخبر والاستفهام، وهو في المعنى صفة لموصوفٍ محذوفٍ، أي: فهل منكما أحدٌ تائبٌ أو شخصٌ تائبٌ (١)؟ ومِن للبيان، وتتعلَّق بالاستقرار المقدَّر، وعرَّض بالتَّوبة لهما بلفظ الاستفهام لإبهامِ الكاذب منهما (فَأَبَيَا) فامتنعا (فقَالَ) ثانيًا: (اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ) أحدٌ (مِنْكُمَا تَائِبُ؟ فَأَبَيَا. فَقَالَ) ثالثًا: (اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ) أحدٌ (مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ فَأَبَيَا. فَفَرَّقَ) بتشديد الراء (بَيْنَهُمَا) ، فظاهره: أنَّ الفرقة لا تقع إلَّا بقضاء القاضي وهو قول أبي حنيفة (قَالَ أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ بالسَّند السَّابق: (فَقَالَ لِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: إِنَّ فِي الحَدِيثِ) المذكور (شَيْئًا) سمعتُه من سعيد بنِ جبير وحفظتُه منه (لَا أَرَاكَ تُحَدِّثُهُ. قَالَ: قَالَ الرَّجُلُ) الملاعن: أين (مَالِي) الَّذي دفعته إليها صداقًا، أو مالي آخذه، فالخبر محذوفٌ، أو المعنى: أطلبُ مالي منها، فمنصوبٌ بمحذوفٍ، وإنَّما قال: مالي مع أنَّ المرأةَ ملكتهُ، لظنِّه (٢) أنَّه قد رجعَ إليه، فصارَ ماله بمجرَّد اللِّعان فردَّ عليه (قَالَ: قِيلَ: لَا مَالَ لَكَ) لأنَّك (إِنْ كُنْتَ صَادِقًا) فيما ادَّعيتَ به (٣) عليها (فَقَدْ دَخَلْتَ بِهَا) واستحقَّت جميع الصَّداق (وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا) فيما ادَّعيت عليها (فَهْوَ أَبْعَدُ مِنْكَ) لئلَّا يجتمع عليها الظُّلم في عرضها، ومُطالبتها بمالٍ قبضتُه قبضًا صحيحًا تستحقُّه.

نعم، اختلفَ في غير المدخولِ بها، والجمهور على أنَّ لها نصف الصَّداق كغيرها من المطلَّقات قبل الدُّخول، وقيل: بل لها الجميع، وقيل: لا شيءَ لها أصلًا.

وهذا الحديث أخرجه مسلم في «اللِّعان»، وأبو داود والنَّسائيُّ في «الطَّلاق».

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ الْقَاسِمِ هَذِهِ مُوَافَقَةٌ لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ.

قَوْلُهُ: (لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ) تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ: إِنَّ نُكُولَ الْمَرْأَةِ عَنِ اللِّعَانِ لَا يُوجِبُ عَلَيْهَا الْحَدَّ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْحُدُودَ لَا تَثْبُتُ بِالنُّكُولِ، وَبِأَنَّ قَوْلَهُ : لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا، لَمْ يَقَعُ بِسَبَبِ اللِّعَانِ فَقَطْ. وَقَالَ أَحْمَدُ: إِذَا امْتَنَعَتْ تُحْبَسُ، وَأَهَابُ أَنْ أَقُولَ: تُرْجَمُ، لِأَنَّهَا لَوْ أَقَرَّتْ صَرِيحًا ثُمَّ رَجَعَتْ لَمْ تُرْجَمْ فَكَيْفَ تُرْجَمُ إِذَا أَبَتْ الِالْتِعَانَ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمَجْلِسِ) يَأْتِي بَيَانُهُ فِي بَابِ قَوْلِ الْإِمَامِ اللَّهُمَّ بَيِّنْ قَرِيبًا.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو صَالِحٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: آدَمَ خَدْلًا) يَعْنِي بِسُكُونِ الدَّالِ، وَيُقَالُ بِفَتْحِهَا مُخَفَّفًا فِي الْوَجْهَيْنِ وَبِالسُّكُونِ ذَكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ. وَأَبُو صَالِحٍ هَذَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَقَالَ لَنَا أَبُو صَالِحٍ وَرِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الْحُدُودِ.

٣٢ - بَاب صَدَاقِ الْمُلَاعَنَةِ

٥٣١١ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: رَجُلٌ قَذَفَ امْرَأَتَهُ، فَقَالَ: فَرَّقَ النَّبِيُّ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي الْعَجْلَانِ، وَقَالَ: اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا لكَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ فَأَبَيَا، وَقَالَ: اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ فَأَبَيَا، فَقَالَ: اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا لكَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ فَأَبَيَا، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، قَالَ أَيُّوبُ: فَقَالَ لِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: إِنَّ فِي الْحَدِيثِ شَيْئًا لَا أَرَاكَ تُحَدِّثُهُ، قَالَ: قَالَ الرَّجُلُ مَالِي، قَالَ: قِيلَ: لَا مَالَ لَكَ، إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَقَدْ دَخَلْتَ بِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَهُوَ أَبْعَدُ مِنْكَ.

[الحديث ٥٣١١، أطرافه في: ٥٣١٢، ٥٣٤٩، ٥٣٥٠]

قَوْلُهُ: (بَابُ صَدَاقِ الْمُلَاعَنَةِ) أَيْ بَيَانُ الْحُكْمِ فِيهِ، وَقَدِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْمَدْخُولَ بِهَا تَسْتَحِقُّ جَمِيعَهُ، وَاخْتُلِفَ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ لَهَا النِّصْفَ كَغَيْرِهَا مِنَ الْمُطَلَّقَاتِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَقِيلَ: بَلْ لَهَا جَمِيعُهُ قَالَهُ أَبُو الزِّنَادِ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ، وَقِيلَ: لَا شَيْءَ لَهَا أَصْلًا قَالَهُ الزُّهْرِيُّ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ) هُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ عُلَيَّةَ.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: رَجُلٌ قَذَفَ امْرَأَتَهُ) أَيْ مَا الْحُكْمُ فِيهِ؟ وَقَدْ أَوْرَدَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَزَادَ فِي أَوَّلِهِ قَالَ: لَمْ يُفَرِّقِ الْمُصْعَبُ - يَعْنِي ابْنَ الزُّبَيْرِ - بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ، أَيْ حَيْثُ كَانَ أَمِيرًا عَلَى الْعِرَاقِ، قَالَ سَعْدٌ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِابْنِ عُمَرَ. وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدٍ سُئِلْتُ عَنِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ فِي امْرَأَةِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ فَمَا دَرَيْتُ مَا أَقُولُ، فَمَضَيْتُ إِلَى مَنْزِلِ ابْنِ عُمَرَ بِمَكَّةَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، الْمُتَلَاعِنَانِ أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، نَعَمْ، إِنَّ أَوَّلَ مَنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ، وَعُرِفَ مِنْ قَوْلِهِ بِمَكَّةَ أَنَّ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَهَا حَذْفًا تَقْدِيرُهُ فَسَافَرْتُ إِلَى مَكَّةَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِابْنِ عُمَرَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كُنَّا بِالْكُوفَةِ نَخْتَلِفُ فِي الْمُلَاعَنَةِ، يَقُولُ بَعْضُنَا: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَيَقُولُ بَعْضُنَا: لَا يُفَرَّقُ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ كَانَ قَدِيمًا، وَقَدِ اسْتَمَرَّ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ مِنْ فُقَهَاءِ الْبَصْرَةِ عَلَى أَنَّ اللِّعَانَ لَا يَقْتَضِي الْفُرْقَةِ كَمَا تَقَدَّمَ نَقْلَهُ عَنْهُ. وَكَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ حَديثُ ابْنِ عُمَرَ.

قَوْلُهُ: (فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي الْعَجْلَانِ) سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ بَعْدَ بَابٍ، وَتَقَدَّمَتْ تَسْمِيَتُهُمَا فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي أَحْمَدِ الْجُرْجَانِيِّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المحاربين» (١)، ومسلم في «اللِّعان»، والنَّسائيُّ في «الطَّلاق».

(٣٢) (بابُ) حكم (صَدَاقِ) المرأة (المُلَاعَنَةِ) بفتح العين.

٥٣١١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ) بفتح العين في الأول، وضم الزاي وتكرير الراء بينهما ألف، قال: (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ) ابن عليَّة (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) أنَّه (قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ) : (رَجُلٌ قَذَفَ امْرَأَتَهُ) ما الحكمُ فيه؟ وزاد مسلم من وجهٍ آخر، عن سعيد بنِ جبيرٍ، قال: لم يفرِّق المصعب (٢) -يعني: ابن الزُّبير- بين المتلاعنين، أي: حيث كان أميرًا على العراق. قال سعيد: فذكرت ذلك لابن عمر (فَقَالَ: فَرَّقَ النَّبِيُّ (٣) بَيْنَ أَخَوَيْ) بفتح الواو وسكون التحتية (بَنِي العَجْلَانِ) بفتح العين المهملة وسكون الجيم، من باب التَّغليب حيث جعل الأخت كالأخ، وأمَّا إطلاق الأخوَّة فبالنَّظر إلى أنَّ المؤمنين إخوةٌ، أو إلى (٤) القرابةِ الَّتي بينهما بسبب أنَّ الزَّوجين كليهما من قبيلةِ عجلان (وَقَالَ) : (اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ) وللمُستملي: «لكاذبٌ» وجملة «يعلم» في محلِّ الخبر، و «أن» فتحت لأنَّها سدَّت مسدَّ مفعولي «علم» (٥) (فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟) منكما خبر المبتدأ، وهو تائبٌ وسوَّغ الابتداء بالنَّكرة تقدُّم

الخبر والاستفهام، وهو في المعنى صفة لموصوفٍ محذوفٍ، أي: فهل منكما أحدٌ تائبٌ أو شخصٌ تائبٌ (١)؟ ومِن للبيان، وتتعلَّق بالاستقرار المقدَّر، وعرَّض بالتَّوبة لهما بلفظ الاستفهام لإبهامِ الكاذب منهما (فَأَبَيَا) فامتنعا (فقَالَ) ثانيًا: (اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ) أحدٌ (مِنْكُمَا تَائِبُ؟ فَأَبَيَا. فَقَالَ) ثالثًا: (اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ) أحدٌ (مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ فَأَبَيَا. فَفَرَّقَ) بتشديد الراء (بَيْنَهُمَا) ، فظاهره: أنَّ الفرقة لا تقع إلَّا بقضاء القاضي وهو قول أبي حنيفة (قَالَ أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ بالسَّند السَّابق: (فَقَالَ لِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: إِنَّ فِي الحَدِيثِ) المذكور (شَيْئًا) سمعتُه من سعيد بنِ جبير وحفظتُه منه (لَا أَرَاكَ تُحَدِّثُهُ. قَالَ: قَالَ الرَّجُلُ) الملاعن: أين (مَالِي) الَّذي دفعته إليها صداقًا، أو مالي آخذه، فالخبر محذوفٌ، أو المعنى: أطلبُ مالي منها، فمنصوبٌ بمحذوفٍ، وإنَّما قال: مالي مع أنَّ المرأةَ ملكتهُ، لظنِّه (٢) أنَّه قد رجعَ إليه، فصارَ ماله بمجرَّد اللِّعان فردَّ عليه (قَالَ: قِيلَ: لَا مَالَ لَكَ) لأنَّك (إِنْ كُنْتَ صَادِقًا) فيما ادَّعيتَ به (٣) عليها (فَقَدْ دَخَلْتَ بِهَا) واستحقَّت جميع الصَّداق (وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا) فيما ادَّعيت عليها (فَهْوَ أَبْعَدُ مِنْكَ) لئلَّا يجتمع عليها الظُّلم في عرضها، ومُطالبتها بمالٍ قبضتُه قبضًا صحيحًا تستحقُّه.

نعم، اختلفَ في غير المدخولِ بها، والجمهور على أنَّ لها نصف الصَّداق كغيرها من المطلَّقات قبل الدُّخول، وقيل: بل لها الجميع، وقيل: لا شيءَ لها أصلًا.

وهذا الحديث أخرجه مسلم في «اللِّعان»، وأبو داود والنَّسائيُّ في «الطَّلاق».

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله وبحمده