«طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَسَأَلَ عُمَرُ النَّبِيَّ ﷺ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٣٣٣

الحديث رقم ٥٣٣٣ من كتاب «كتاب الطلاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب مراجعة الحائض.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٣٣٣ في صحيح البخاري

«طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَسَأَلَ عُمَرُ النَّبِيَّ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا، ثُمَّ يُطَلِّقَ مِنْ قُبُلِ عِدَّتِهَا، قُلْتُ: فَتَعْتَدُّ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ؟ قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ.»

بَابٌ: تُحِدُّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَقَالَ الزُّهْرِيُّ لَا أَرَى أَنْ تَقْرَبَ الصَّبِيَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا الطِّيبَ لِأَنَّ عَلَيْهَا الْعِدَّةَ

إسناد حديث رقم ٥٣٣٣ من صحيح البخاري

٥٣٣٣ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٣٣٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: الْحَقُّ إنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي أَنَّ الطَّلَاقَ إِذَا وَقَعَ زَالَ النِّكَاحُ كَالْعِتْقِ، لَكِنَّ الشَّرْعَ أَثْبَتَ الرَّجْعَةَ فِي النِّكَاحِ دُونَ الْعِتْقِ فَافْتَرَقَا.

٤٥ - بَاب مُرَاجَعَةِ الْحَائِضِ

٥٣٣٣ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَسَأَلَ عُمَرُ النَّبِيَّ ، قال: مُرْهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا، ثُمَّ يُطَلِّقَ مِنْ قُبُلِ عِدَّتِهَا، قُلْتُ: أَفَتَعْتَدُّ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ؟ قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مُرَاجَعَةِ الْحَائِضِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِلِ الطَّلَاقِ.

٤٦ - بَاب تُحِدُّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا أَرَى أَنْ تَقْرَبَ الصَّبِيَّةُ الطِّيبَ؛ لِأَنَّ عَلَيْهَا الْعِدَّةَ

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ ابنة أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ:

٥٣٣٤ - قَالَتْ زَيْنَبُ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ - زَوْجِ النَّبِيِّ حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةٌ - خَلُوقٌ أَوْ غَيْرُهُ - فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً، ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا.

٥٣٣٥ - قَالَتْ زَيْنَبُ: فَدَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ ابنة جَحْشٍ حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا، فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَتْ: أَمَا وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا.

٥٣٣٦ - قَالَتْ زَيْنَبُ وَسَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ تَقُولُ جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَقَدْ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا أَفَتَكْحُلُهَا فَقال رسول الله : "لَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ لَا ثُمَّ قال رسول الله : "إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ"

[الحديث ٥٣٣٦ - طرفاه في: ٥٣٣٨، ٥٧٠٦]

٥٣٣٧ - قَالَ حُمَيْدٌ فَقُلْتُ لِزَيْنَبَ وَمَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ فَقَالَتْ زَيْنَبُ كَانَتْ الْمَرْأَةُ

إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا دَخَلَتْ حِفْشًا وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ حِمَارٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ طَائِرٍ فَتَفْتَضُّ بِهِ فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ إِلاَّ مَاتَ ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعَرَةً فَتَرْمِي ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ سُئِلَ مَالِكٌ مَا تَفْتَضُّ بِهِ قَالَ تَمْسَحُ بِهِ جِلْدَهَا"

قَوْلُهُ: (بَابُ تُحِدُّ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ، وَيَجُوزُ بِفَتْحه ثُمَّ ضَمَّة مِنَ الثُّلَاثِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي: بَابِ إِحْدَادِ الْمَرْأَةِ عَلَى غَيْرِ زَوْجِهَا مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: أَصْلُ الْإِحْدَادِ الْمَنْعُ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْبَوَّابُ إحدادا لِمَنْعِهِ الدَّاخِلَ، وَسُمِّيَتِ الْعُقُوبَةُ حَدًّا؛ لِأَنَّهَا تَرْدَعُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ. وَقَالَ ابْنُ دُرُسْتَوَيْهِ: مَعْنَى الْإِحْدَادِ: مَنْعُ الْمُعْتَدَّةِ نَفْسَهَا الزِّينَةَ، وَبَدَنَهَا الطِّيبَ، وَمَنْعُ الْخُطَّابِ خِطْبَتَهَا وَالطَّمَعَ فِيهَا كَمَا مَنَعَ الْحَدُّ الْمَعْصِيَةَ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: سُمِّيَ الْحَدِيدُ حَدِيدًا؛ لِلِامْتِنَاعِ بِهِ أَوْ لِامْتِنَاعِهِ عَلَى مُحَاوِلِهِ، وَمِنْهُ تَحْدِيدُ النَّظَرِ بِمَعْنَى امْتِنَاعِ تَقَلُّبِهِ فِي الْجِهَاتِ، وَيُرْوَى بِالْجِيمِ حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ، قَالَ: يُرْوَى بِالْحَاءِ وَالْجِيمِ، وَبِالْحَاءِ أَشْهَرُ، وَالْجِيمُ مَأْخُوذٌ مِنْ جَدَدْتُ الشَّيْءَ إِذَا قَطَعْتُهُ، فَكَأَنَّ الْمَرْأَةَ انْقَطَعَتْ عَنِ الزِّينَةِ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: أَنْكَرَ الْأَصْمَعِيُّ: حَدَّتْ وَلَمْ يَعْرِفْ إِلَّا أَحَدَّتْ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: كَانَ الْقُدَمَاءُ يُؤْثِرُونَ أَحَدَّتْ وَالْأُخْرَى أَكْثَرُ مَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا أَرَى أَنْ تَقْرَبَ الصَّبِيَّةُ الطِّيبَ) أَيْ: إِذَا كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ فَمَاتَ عَنْهَا.

وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّ عَلَيْهَا الْعِدَّةَ) أَظُنُّهُ مِنْ تَصَرُّفِ الْمُصَنِّفِ؛ فَإِنَّ أَثَرَ الزُّهْرِيِّ وَصَلَهُ ابْنُ وَهْبٍ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ يُونُسَ عَنْهُ بِدُونِهَا، وَأَصْلُهُ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ بِاخْتِصَارٍ. وَفِي التَّعْلِيلِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ سَبَبَ إِلْحَاقِ الصَّبِيَّةِ بِالْبَالِغِ فِي الْإِحْدَادِ وُجُوبُ الْعِدَّةِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا اتِّفَاقًا، وَبَذْلِكَ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا، وَاحْتَجَّ أَيْضًا بِأَنَّهُ يَحْرُمُ الْعَقْدُ عَلَيْهَا بَلْ خِطْبَتُهَا فِي الْعِدَّةِ، وَاحْتَجَّ غَيْرُهُ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةِ فِي الْبَابِ: أَفَنَكْحُلُهَا؟ فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهَا كَانَتْ صَغِيرَةً، إِذْ لَوْ كَانَتْ كَبِيرَةً لَقَالَتْ: أَفَتَكْتَحِلُ هِيَ؟ وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهَا: أَفَنَكْحُلُهَا؟ أَيْ: أَفَنُمَكِّنُهَا مِنَ الِاكْتِحَالِ؟.

قَوْلُهُ: (عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ) أَيِ: ابْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ. وَهِيَ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ، وَهِيَ رَبِيبَةُ النَّبِيِّ ، وَزَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهَا لَا رِوَايَةَ لَهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، كَذَا قَالَ، وَقَدْ أَخْرَجَ لَهَا مُسْلِمٌ حَدِيثَهَا: كَانَ اسْمِي بَرَّةَ فَسَمَّانِي رَسُولُ اللَّهِ زَيْنَبُ الْحَدِيثَ، وَأَخْرَجَ لَهَا الْبُخَارِيُّ حَدِيثًا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ) تَقَدَّمَ مِنْهَا الْحَدِيثَانِ الْأَوَّلَانِ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ مَعَ كَثِيرٍ مِنْ شَرْحِهِمَا، وَالْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْأَوَّلِ حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا، وَفِي الثَّانِي حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا، وَأَنَّهُ سُمِّيَ فِي بَعْضِ الْمُوَطَّآتِ: عَبْدُ اللَّهِ. وَكَذَا هُوَ فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُصْعَبٍ، وَأَنَّ الْمَعْرُوفَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ قُتِلَ بِأُحُدٍ شَهِيدًا، وَزَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ يَوْمَئِذٍ طِفْلَةٌ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ تَكُونَ دَخَلَتْ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عُبَيْدَ اللَّهِ الْمُصَغَّرَ؛ فَإِنَّ دُخُولَ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عِنْدَ بُلُوغِ الْخَبَرِ إِلَى الْمَدِينَةِ بِوَفَاتِهِ كَانَ وَهِيَ مُمَيِّزَةٌ، وَأَنْ يَكُونَ أَبَا أَحْمَدَ بْنَ جَحْشٍ فَإِنَّ اسْمَهُ عَبْدٌ بِغَيْرِ إِضَافَةٍ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَاتَ قَبْلَ زَيْنَبَ، لَكِنْ وَرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حضَرَ دَفْنَهَا. وَيَلْزَمُ عَلَى الْأَمْرَيْنِ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ فِي الِاسْمِ تَغْيِيرٌ، أَوِ الْمَيِّتُ كَانَ أَخَا زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ مِنْ أُمِّهَا أَوْ مِنَ الرَّضَاعَةِ.

قَوْلُهُ: (لَا يَحِلُّ) اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى تَحْرِيمِ الْإِحْدَادِ عَلَى غَيْرِ الزَّوْجِ وَهُوَ وَاضِحٌ، وَعَلَى وُجُوبِ الْإِحْدَادِ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ عَلَى الزَّوْجِ، وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ وَقَعَ بَعْدَ النَّفْيِ، فَيَدُلُّ عَلَى الْحِلِّ فَوْقَ الثَّلَاثِ عَلَى الزَّوْجِ لَا عَلَى الْوُجُوبِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْوُجُوبَ اسْتُفِيدَ مِنْ دَلِيلٍ

آخَرَ كَالْإِجْمَاعِ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْمَنْقُولَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ الْإِحْدَادَ لَا يَجِبُ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَنَقَلَ الْخَلَّالُ بِسَنَدِهِ عَنْ أَحْمَدَ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَعْرِفُ الْإِحْدَادَ، قَالَ أَحْمَدُ: مَا كَانَ بِالْعِرَاقِ أَشَدُّ تَبَحُّرًا مِنْ هَذَيْنِ - يَعْنِي الْحَسَنَ، وَالشَّعْبِيَّ - قَالَ: وَخَفِيَ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا، اهـ، وَمُخَالَفَتُهُمَا لَا تَقْدَحُ فِي الِاحْتِجَاجِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا رَدٌّ عَلَى مَنِ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ. وَفِي أَثَرِ الشَّعْبِيِّ تَعَقُّبٌ عَلَى ابْنِ الْمُنْذِرِ حَيْثُ نَفَى الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ إِلَّا عَنِ الْحَسَنِ، وَأَيْضًا فَحَدِيثُ الَّتِي شَكَتْ عَيْنَهَا - وَهُوَ ثَالِثُ أَحَادِيثِ الْبَابِ - دَالٌّ عَلَى الْوُجُوبِ، وَإِلَّا لَمْ يَمْتَنِعِ التَّدَاوِي الْمُبَاحُ، وَأُجِيبَ أَيْضًا بِأَنَّ السِّيَاقَ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مَا مُنِعَ مِنْهُ إِذَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهِ كَانَ ذَلِكَ الدَّلِيلُ دَالًّا بِعَيْنِهِ عَلَى الْوُجُوبِ كَالْخِتَانِ، وَالزِّيَادَةِ عَلَى الرُّكُوعِ فِي الْكُسُوفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (لِامْرَأَةٍ) تَمَسَّكَ بِمَفْهُومِهِ الْحَنَفِيَّةُ، فَقَالُوا: لَا يَجِبُ الْإِحْدَادُ عَلَى الصَّغِيرَةِ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى وُجُوبِ الْإِحْدَادِ عَلَيْهَا كَمَا تَجِبُ الْعِدَّةُ، وَأَجَابُوا عَنِ التَّقْيِيدِ بِالْمَرْأَةِ أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَعَنْ كَوْنِهَا غَيْرَ مُكَلَّفَةٍ بِأَنَّ الْوَلِيَّ هُوَ الْمُخَاطَبُ بِمَنْعِهَا مِمَّا تُمْنَعُ مِنْهُ الْمُعْتَدَّةُ، وَدَخَلَ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: امْرَأَةٌ الْمَدْخُولُ بِهَا وَغَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً، وَلَوْ كَانَتْ مُبَعَّضَةً أَوْ مُكَاتَبَةً أَوْ أُمَّ وَلَدٍ إِذَا مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا لَا سَيِّدُهَا؛ لِتَقْيِيدِهِ بِالزَّوْجِ فِي الْخَبَرِ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) اسْتَدَلَّ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنْ لَا إِحْدَادَ عَلَى الذِّمِّيَّةِ لِلتَّقْيِيدِ بِالْإِيمَانِ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ النَّسَائِيُّ بِذَلِكَ، وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ ذُكِرَ تَأْكِيدًا لِلْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ، كَمَا يُقَالُ: هَذَا طَرِيقُ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ يَسْلُكُهُ غَيْرُهُمْ. وَأَيْضًا فَالْإِحْدَادُ مِنْ حَقِّ الزَّوْجِ، وَهُوَ مُلْتَحَقٌ بِالْعِدَّةِ فِي حِفْظِ النَّسَبِ، فَتَدْخُلُ الْكَافِرَةُ فِي ذَلِكَ بِالْمَعْنَى، كَمَا دَخَلَ الْكَافِرُ فِي النَّهْيِ عَنِ السَّوْمِ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لِلزَّوْجِيَّةِ فَأَشْبَهَ النَّفَقَةَ وَالسُّكْنَى، وَنَقَلَ السُّبْكِيُّ فِي فَتَاوِيهِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الذِّمِّيَّةَ دَاخِلَةٌ فِي قَوْلِهِ: تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَرَدَّ عَلَى قَائِلِهِ وَبَيَّنَ فَسَادَ شُبْهَتِهِ فَأَجَادَ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَيَّدَ بِوَصْفِ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ الْمُتَّصِفَ بِهِ هُوَ الَّذِي يَنْقَادُ لِلشَّرْعِ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الذِّمِّيَّةَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا تَعْتَدُّ بِالْأَقْرَاءِ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ لَا إِحْدَادَ عَلَيْهَا.

قَوْلُهُ: (عَلَى مَيِّتٍ) اسْتُدِلَّ بِهِ لِمَنْ قَالَ: لَا إِحْدَادَ عَلَى امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَتَحَقَّقْ وَفَاتُهُ، خِلَافًا لِلْمَالِكِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا عَلَى زَوْجٍ) أُخِذَ مِنْ هَذَا الْحَصْرِ أَنْ لَا يُزَادَ عَلَى الثَّلَاثِ فِي غَيْرِ الزَّوْجِ أَبًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ رَخَصَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَحُدَّ عَلَى أَبِيهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَعَلَى مَنْ سِوَاهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَلَوْ صَحَّ لَكَانَ خُصُوصُ الْأَبِ يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ، لَكِنَّهُ مُرْسَلٌ أَوْ مُعْضَلٌ؛ لِأَنَّ جُلَّ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنِ التَّابِعِينَ وَلَمْ يَرْوِ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا الشَّيْءَ الْيَسِيرَ عَنْ بَعْضِ صِغَارِ الصَّحَابَةِ.

وَوَهِمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ فَتَعَقَّبَ عَلَى أَبِي دَاوُدَ تَخْرِيجَهُ فِي الْمَرَاسِيلِ فَقَالَ: عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ لَيْسَ تَابِعِيًّا، فَلَا يَخْرُجُ حَدِيثُهُ فِي الْمَرَاسِيلِ، وَهَذَا التَّعَقُّبُ مَرْدُودٌ؛ لِمَا قُلْنَاهُ، وَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَبُو دَاوُدَ كَانَ لَا يَخُصُّ الْمَرَاسِيلَ بِرِوَايَةِ التَّابِعِيِّ كَمَا هُوَ مَنْقُولٌ عَنْ غَيْرِهِ أَيْضًا، وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِلْأَصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي أَنْ لَا إِحْدَادَ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ، فَأَمَّا الرَّجْعِيَّةُ فَلَا إِحْدَادَ عَلَيْهَا إِجْمَاعًا، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي الْبَائِنِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا إِحْدَادَ، وَقَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ: عَلَيْهَا الْإِحْدَادُ قِيَاسًا عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّ الْإِحْدَادَ شُرِعَ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ مِنَ التَّطَيُّبِ وَاللُّبْسِ وَالتَّزَيُّنِ يَدْعُو إِلَى الْجِمَاعِ، فَمُنِعَتِ الْمَرْأَةُ مِنْهُ زَجْرًا لَهَا عَنْ ذَلِكَ فَكَانَ ذَلِكَ ظَاهِرًا فِي حق الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُهُ الْمَوْتُ عَنْ مَنْعِ الْمُعْتَدَّةِ مِنْهُ عَنِ التَّزْوِيجِ، وَلَا تُرَاعِيهِ هِيَ وَلَا تَخَافُ مِنْهُ، بِخِلَافِ الْمُطَلِّقِ الْحَيِّ فِي ذَلِكَ، وَمِنْ ثَمَّ وَجَبَتِ الْعِدَّةُ

عَلَى كُلِّ مُتَوَفًّى عَنْهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَدْخُولًا بِهَا بِخِلَافِ الْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا إِحْدَادَ عَلَيْهَا اتِّفَاقًا وَبِأَنَّ الْمُطَلَّقَةَ الْبَائِنَ يُمْكِنُهَا الْعَوْدُ إِلَى الزَّوْجِ بِعَيْنِهِ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمُلَاعَنَةَ لَا إِحْدَادَ عَلَيْهَا، وَأُجِيبَ بِأَنَّ تَرْكَهُ لِفِقْدَانِ الزَّوْجِ بِعَيْنِهِ لَا لِفِقْدَانِ الزَّوْجِيَّةِ.

وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْإِحْدَادِ عَلَى غَيْرِ الزَّوْجِ مِنْ قَرِيبٍ وَنَحْوِهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ فَمَا دُونَهَا، وَتَحْرِيمُهُ فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا، وَكَأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ أُبِيحَ لِأَجْلِ حَظِّ النَّفْسِ وَمُرَاعَاتِهَا وَغَلَبَةِ الطِّبَاعِ الْبَشَرِيَّةِ، وَلِهَذَا تَنَاوَلَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ وَزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ الطِّيبَ لِتَخْرُجَا عَنْ عُهْدَةِ الْإِحْدَادِ، وَصَرَّحَتْ كُلٌّ مِنْهُمَا بِأَنَّهَا لَمْ تَتَطَيَّبْ لِحَاجَةٍ؛ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ آثَارَ الْحُزْنِ بَاقِيَةٌ عِنْدَهَا، لَكِنَّهَا لَمْ يَسَعْهَا إِلَّا امْتِثَالُ الْأَمْرِ.

قَوْلُهُ: (أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) قِيلَ: الْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الْوَلَدَ يَتَكَامَلُ تَخْلِيقُهُ وَتُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ بَعْدَ مُضِيِّ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَهِيَ زِيَادَةٌ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ بِنُقْصَانِ الْأَهِلَّةِ فَجُبِرَ الْكَسْرُ إِلَى الْعَقْدِ عَلَى طَرِيقِ الِاحْتِيَاطِ، وَذَكَرَ الْعَشْرَ مُؤَنَّثًا لِإِرَادَةِ اللَّيَالِي، وَالْمُرَادُ مَعَ أَيَّامِهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، فَلَا تَحِلُّ حَتَّى تَدْخُلَ اللَّيْلَةَ الْحَادِيَةَ عَشَرَ.

وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ وَبَعْضِ السَّلَفِ: تَنْقَضِي بِمُضِيِّ اللَّيَالِي الْعَشْرِ بَعْدَ مُضِيِّ الْأَشْهُرِ وَتَحِلُّ فِي أَوَّلِ الْيَوْمِ الْعَاشِرِ، وَاسْتُثْنِيَتِ الْحَامِلُ كَمَا تَقَدَّمَ شَرْحُ حَالِهَا قَبْلُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ قَوِيِّ الْإِسْنَادِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانُ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ الْيَوْمَ الثَّالِثَ مِنْ قَتْلِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: لَا تُحِدِّي بَعْدَ يَوْمِكِ هَذَا لَفْظُ أَحْمَدَ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ وَلِابْنِ حِبَّانَ، وَالطَّحَاوِيِّ: لَمَّا أُصِيبَ جَعْفَرٌ أَتَانَا النَّبِيُّ فَقَالَ: تَسَلَّبِي ثَلَاثًا، ثُمَّ اصْنَعِي مَا شِئْتِ قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْإِحْدَادُ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا بَعْدَ الْيَوْمِ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ كَانَتْ زَوْجَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِالِاتِّفَاقِ وَهِيَ وَالِدَةُ أَوْلَادِهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَمُحَمَّدٍ، وَعَوْنٍ وَغَيْرِهِمْ، قَالَ: بَلْ ظَاهِرُ النَّهْيِ أَنَّ الْإِحْدَادَ لَا يَجُوزُ، وَأَجَابَ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ شَاذٌّ مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى خِلَافِهِ، قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ جَعْفَرًا قُتِلَ شَهِيدًا، وَالشُّهَدَاءُ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ. قَالَ: وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي حَقِّ غَيْرِ جَعْفَرٍ مِنَ الشُّهَدَاءِ مِمَّنْ قُطِعَ بِأَنَّهُمْ شُهَدَاءُ كَمَا قُطِعَ لِجَعْفَرٍ - كَحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمِّهِ وَكَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ وَالِدِ جَابِرٍ - اهـ كَلَامُ شَيْخِنَا مُلَخَّصًا.

وَأَجَابَ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَأَنَّ الْإِحْدَادَ كَانَ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ فِي بَعْضِ عِدَّتِهَا فِي وَقْتٍ، ثُمَّ أُمِرَتْ بِالْإِحْدَادِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، ثُمَّ سَاقَ أَحَادِيثَ الْبَابِ، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنَ النَّسْخِ. لَكِنَّهُ يُكْثِرُ مِنِ ادِّعَاءِ النَّسْخِ بِالِاحْتِمَالِ فَجَرَى عَلَى عَادَتِهِ، وَيَحْتَمِلُ وَرَاءَ ذَلِكَ أَجْوِبَةً أُخْرَى:

أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْإِحْدَادِ الْمُقَيَّدِ بِالثَّلَاثِ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى الْإِحْدَادِ الْمَعْرُوفِ فَعَلَتْهُ أَسْمَاءُ مُبَالَغَةً فِي حُزْنِهَا عَلَى جَعْفَرٍ فَنَهَاهَا عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ الثَّلَاثِ.

ثَانِيهَا: أَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا فَوَضَعَتْ بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَانْقَضَتِ الْعِدَّةُ، فَنَهَاهَا بَعْدَهَا عَنِ الْإِحْدَادِ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: ثَلَاثًا؛ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ اطَّلَعَ عَلَى أَنَّ عِدَّتَهَا تَنْقَضِي عِنْدَ الثَّلَاثِ.

ثَالِثُهَا: لَعَلَّهُ كَانَ أَبَانَهَا بِالطَّلَاقِ قَبْلَ اسْتِشْهَادِهِ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا إِحْدَادٌ.

رَابِعُهَا: أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ أَعَلَّ الْحَدِيثَ بِالِانْقِطَاعِ، فَقَالَ: لَمْ يَثْبُتْ سَمَاعُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِدَّادٍ مِنْ أَسْمَاءَ، وَهَذَا تَعْلِيلٌ مَدْفُوعٌ، فَقَدْ صَحَّحَهُ أَحْمَدُ، لَكِنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي الْإِحْدَادِ، قُلْتُ: وَهُوَ مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى أَنَّهُ يُعِلُّهُ بِالشُّذُوذِ. وَذَكَرَ الْأَثْرَمُ أَنَّ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ حَدِيثِ حَنْظَلَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ: لَا إِحْدَادَ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَقَالَ: هَذَا مُنْكَرٌ، وَالْمَعْرُوفُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ رَأْيِهِ. اهـ. وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ الْمَرْأَةِ الْمُعْتَدَّةِ فَلَا نَكَارَةَ فِيهِ، بِخِلَافِ حَدِيثِ أَسْمَاءَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَغْرَبَ

ابْنُ حِبَّانَ فَسَاقَ الْحَدِيثَ بِلَفْظِ: تَسَلَّمِي بِالْمِيمِ بَدَلَ الْمُوَحَّدَةِ، وَفَسَّرَهُ بِأَنَّهُ أَمَرَهَا بِالتَّسْلِيمِ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَلَا مَفْهُومَ لِتَقْيِيدِهَا بِالثَّلَاثِ بَلِ الْحِكْمَةُ فِيهِ كَوْنُ الْقَلَقِ يَكُونُ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ أَشَدَّ فَلِذَلِكَ قَيَّدَهَا بِالثَّلَاثِ، هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ، فَصَحَّفَ الْكَلِمَةَ وَتَكَلَّفَ لِتَأْوِيلِهَا. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ وَغَيْرِهِ: فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ أَنْ أَتَسَلَّبَ ثَلَاثًا فَتَبَيَّنَ خَطَؤُهُ.

قَوْلُهُ: (قَالَتْ زَيْنَبُ: وَسَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ الْحَدِيثُ الثَّالِثُ، وَوَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ: سَمِعْتُ أُمِّي أُمَّ سَلَمَةَ، زَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَالِكٍ: بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ .

قَوْلُهُ: (جَاءَتِ امْرَأَةٌ) زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ: مِنْ قُرَيْشٍ وَسَمَّاهَا ابْنُ وَهْبٍ فِي مُوَطَّئِهِ، وَأَخْرَجَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي أَحْكَامِهِ مِنْ طَرِيقِ عَاتِكَةَ بِنْتِ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ وَهْبٍ: عَنْ أَبِي الْأَسْوَدَ النَّوْفَلِي، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ زَيْنَبَ عَنْ أُمِّهَا أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ عَاتِكَةَ بِنْتَ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَتَتْ تَسْتَفْتِي رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَتْ: إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَكَانَتْ تَحْتَ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيِّ، وَهِيَ تُحِدُّ وَتَشْتَكِي عَيْنَهَا الْحَدِيثَ، وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عِمْرَانَ بْنِ هَارُونَ الرَّمْلِيِّ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، لَكِنَّهُ قَالَ: بِنْتُ نُعَيْمٍ وَلَمْ يُسَمِّهَا، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي الْمَعْرِفَةِ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ عَنْ أُمِّهَا عَنْ عَاتِكَةَ بِنْتِ نُعَيْمٍ - أُخْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ - جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ، فَقَالَتْ: إِنَّ ابْنَتَهَا تُوُفِّيَ زَوْجُهَا الْحَدِيثَ. وَعَبْدُ للَّهِ بْنُ عُقْبَةَ هُوَ ابْنُ لَهِيعَةَ نَسَبَهُ لِجَدِّهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ أَبُو الْأَسْوَدِ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلِابْنِ لَهِيعَةَ طَرِيقَانِ، وَلَمْ تُسَمَّ الْبِنْتُ الَّتِي تُوُفِّيَ زَوْجُهَا، وَلَمْ تُنْسَبْ فِيمَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْمُغِيرَةُ الْمَخْزُومِيُّ فَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ أَبِيهِ، وَقَدْ أَغْفَلَهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي الصَّحَابَةِ، وَكَذَا أَبُو مُوسَى فِي الذَّيْلِ عَلَيْهِ، وَكَذَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، لَكِنِ اسْتَدْرَكَهُ ابْنُ فَتَحُونَ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا) قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: يَجُوزُ فِيهِ وَجْهَانِ؛ ضَمُّ النُّونِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ عَلَى أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ هِيَ الْمُشْتَكِيَةُ، وَفَتْحُهَا عَلَى أَنْ يَكُونَ فِي اشْتَكَتْ ضَمِيرُ الْفَاعِلِ وَهِيَ الْمَرْأَةُ وَرَجَّحَ هَذَا، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: عَيْنَاهَا يَعْنِي وَهُوَ يُرَجِّحُ الضَّمَّ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ فِي مُسْلِمٍ، وَعَلَى الضَّمِّ اقْتَصَرَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ الْأَرْجَحُ، وَالَّذِي رَجَّحَ الْأَوَّلَ هُوَ الْمُنْذِرِيُّ.

قَوْلُهُ: (أَفَنَكْحُلُهَا) بِضَمِّ الْحَاءِ.

قَوْلُهُ: (لَا، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: لَا) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ فَقَالَ: لَا تَكْتَحِلُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الِاكْتِحَالِ عَلَى الْحَادَّةِ سَوَاءٌ احْتَاجَتْ إِلَيْهِ أَمْ لَا. وَجَاءَ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ: اجْعَلِيهِ بِاللَّيْلِ وَامْسَحِيهِ بِالنَّهَارِ وَوَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّهَا إِذَا لَمْ تَحْتَجْ إِلَيْهِ لَا يَحِلُّ، وَإِذَا احْتَاجَتْ لَمْ يَجُزْ بِالنَّهَارِ، وَيَجُوزُ بِاللَّيْلِ مَعَ أَنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهُ، فَإِنْ فَعَلَتْ مَسَحَتْهُ بِالنَّهَارِ.

قَالَ: وَتَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ حَدِيثَ الْبَابِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقِ الْخَوْفُ عَلَى عَيْنِهَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ الْمَذْكُورِ: فَخَشُوا عَلَى عَيْنِهَا وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْدَهْ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهَا: رَمِدَتْ رَمَدًا شَدِيدًا، وَقَدْ خَشِيَتْ عَلَى بَصَرِهَا وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّهَا قَالَتْ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ: إِنَّهَا تَشْتَكِي عَيْنَهَا فَوْقَ مَا يُظَنُّ، فَقَالَ: لَا وَفِي رِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ أَخْرَجَهَا ابْنُ حَزْمٍ إِنِّي أَخْشَى أَنْ تَنْفَقِئَ عَيْنُهَا، قَالَ: لَا، وَإِنِ انْفَقَأَتْ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ، وَبِمِثْلِ ذَلِكَ أَفْتَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ بِمَنْعِهِ مُطْلَقًا، وَعَنْهُ يَجُوزُ إِذَا خَافَتْ عَلَى عَيْنِهَا بِمَا لَا طِيبَ فِيهِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيَّةُ مُقَيَّدًا بِاللَّيْلِ، وَأَجَابُوا عَنْ قِصَّةِ الْمَرْأَةِ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ كَانَ يَحْصُلُ لَهَا الْبُرْءُ بِغَيْرِ الْكُحْلِ كَالتَّضْمِيدِ بِالصَّبْرِ وَنَحْوِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهَا أَحَدَّتْ عَلَى ابْنِ عُمَرَ فَلَمْ تَكْتَحِلْ حَتَّى كَادَتْ عَيْنَاهَا تَزِيغَانِ فَكَانَتْ تَقْطُرُ فِيهِمَا الصَّبْرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَ النَّهْيَ عَلَى كُحْلٍ مَخْصُوصٍ، وَهُوَ مَا يَقْتَضِي التَّزَيُّنَ بِهِ؛ لِأَنَّ

مَحْضَ التَّدَاوِي قَدْ يَحْصُلُ بِمَا لَا زِينَةَ فِيهِ، فَلَمْ يَنْحَصِرْ فِيمَا فِيهِ زِينَةٌ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: يَجُوزُ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ فِيهِ طِيبٌ، وَحَمَلُوا النَّهْيَ عَلَى التَّنْزِيهِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.

قَوْلُهُ: (إِنَّمَا هيَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) كَذَا فِي الْأَصْلِ بِالنَّصْبِ عَلَى حِكَايَةِ لَفْظِ الْقُرْآنِ، وَلِبَعْضِهِمْ بِالرَّفْعِ وَهُوَ وَاضِحٌ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَقْلِيلِ الْمُدَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِمَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ وَتَهْوِينُ الصَّبْرِ عَلَيْهَا، وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ: وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ، وَفِي التَّقْيِيدِ بِالْجَاهِلِيَّةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْإِسْلَامِ صَارَ بِخِلَافِهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِمَا وُصِفَ مِنَ الصَّنِيع، لَكِنَّ التَّقْدِيرَ بِالْحَوْلِ اسْتَمَرَّ فِي الْإِسْلَامِ بِنَصِّ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ ثُمَّ نُسِخَتْ بِالْآيَةِ الَّتِي قَبْلُ وَهِيَ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾

سُئِلَ مَالِكٌ: مَا تَفْتَضُّ بِهِ؟ قَالَ: تَمْسَحُ بِهِ جِلْدَهَا.

قَوْلُهُ: (قَالَ حُمَيْدٌ) هُوَ ابْنُ نَافِعٍ رَاوِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَبْدُوءِ بِهِ.

قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ لِزَيْنَبَ) هِيَ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ (وَمَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ؟) أَيْ: بَيِّنِي لِي الْمُرَادَ بِهَذَا الْكَلَامِ الَّذِي خُوطِبَتْ بِهِ هَذِهِ الْمَرْأَةُ.

قَوْلُهُ: (كَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا دَخَلَتْ حِفْشًا إِلَخْ) هَكَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَمْ تُسْنِدْهُ زَيْنَبُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ مَرْفُوعًا كُلُّهُ لَكِنَّهُ بِاخْتِصَارٍ وَلَفْظُهُ: فَقَالَ: لَا تَكْتَحِلُ، قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَمْكُثُ فِي شَرِّ أَحْلَاسِهَا - أَوْ شَرِّ بَيْتِهَا - فَإِذَا كَانَ حَوْلٌ فَمَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعْرَةٍ، فَلَا حَتَّى تَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، وَهَذَا لَا يَقْتَضِي إِدْرَاجَ رِوَايَةِ الْبَابِ؛ لِأَنَّ شُعْبَةَ مِنْ أَحْفَظِ النَّاسِ فَلَا يَقْضِي عَلَى رِوَايَتِهِ بِرِوَايَةِ غَيْرِهِ بِالِ حْتِمَالِ، وَلَعَلَّ الْمَوْقُوفَ مَا فِي رِوَايَةِ الْبَابِ مِنَ الزِّيَادَةِ الَّتِي لَيْسَتْ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ. وَالْحِفْشُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ فَسَّرَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ: الْبَيْتُ الصَّغِيرُ، وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ: الْحِفْشُ: الْخُصُّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْحِفْشُ: الْبَيْتُ الذَّلِيلُ، الشَّعِثُ الْبِنَاءِ، وَقِيلَ: هُوَ شَيْءٌ مِنْ خُوصٍ يُشْبِهُ الْقُفَّةَ تَجْمَعُ فِيهِ الْمُعْتَدَّةُ مَتَاعَهَا مِنْ غَزْلٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَظَاهِرُ سِيَاقِ الْقِصَّةِ يَأْبَى هَذَا خُصُوصًا رِوَايَةَ شُعْبَةَ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَّائِيَّ: عَمَدَتْ إِلَى شَرِّ بَيْتٍ لَهَا فَجَلَسَتْ فِيهِ وَلَعَلَّ أَصْلَ الْحِفْش مَا ذَكَرَ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي الْبَيْتِ الصَّغِيرِ الْحَقِيرِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ، وَالْأَحْلَاسُ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ بِمُهْمَلَتَيْنِ جَمْعُ حِلْسٍ بِكَسْرٍ ثُمَّ سُكُونٍ وَهُوَ الثَّوْبُ، أَوِ الْكِسَاءُ الرَّقِيقُ، يَكُونُ تَحْتَ الْبَرْذعَةِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الرَّاوِيَ شَكَّ فِي أَيِّ اللَّفْظَيْنِ وَقَعَ وَصْفُ ثِيَابِهَا أَوْ وَصْفُ مَكَانِهَا، وَقَدْ ذُكِرَا مَعًا فِي رِوَايَةِ الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى يَمُرَّ بِهَا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: لَهَا.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ) بِالتَّنْوِينِ (حِمَارٍ) بِالْجَرِّ وَالتَّنْوِينِ عَلَى الْبَدَلِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ شَاةٍ أَوْ طَائِرٍ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ، وَإِطْلَاقُ الدَّابَّةِ عَلَى مَا ذُكِرَ هُوَ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ لَا الْعُرْفِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (فَتَفْتَضُّ) بِفَاءٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ ثُمَّ ضَادٍ مُعْجَمَةٍ ثَقِيلَةٍ، فَسَّرَهُ مَالِكٌ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ، فَقَالَ: تَمْسَحُ بِهِ جِلْدَهَا، وَأَصْلُ الْفَضِّ: الْكَسْرُ، أَيْ: تَكْسِرُ مَا كَانَتْ فِيهِ، وَتَخْرُجُ مِنْهُ بِمَا تَفْعَلُهُ بِالدَّابَّةِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ: تُقْبَصُ بِقَافِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ خَفِيفَةٍ، وَهِيَ رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ، وَالْقَبْصُ: الْأَخْذُ بِأَطْرَافِ الْأَنَامِلِ، قَالَ الْأَصْبِهَانِيُّ، وَابْنُ الْأَثِيرِ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْإِسْرَاعِ، أَيْ: تَذْهَبُ بِعَدْوٍ وَسُرْعَةٍ إِلَى مَنْزِلِ أَبَوَيْهَا؟ لِكَثْرَةِ حَيَائِهَا لِقُبْحِ مَنْظَرِهَا، أَوْ لِشِدَّةِ شَوْقِهَا إِلَى التَّزْوِيجِ لِبُعْدِ عَهْدِهَا بِهِ. وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهَا: بِهِ سَبَبِيَّةٌ، وَالضَّبْطُ الْأَوَّلُ أَشْهَرُ.

قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سَأَلْتُ الْحِجَازِيِّينَ عَنِ الِافْتِضَاضِ، فَذَكَرُوا أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ كَانَتْ لَا تَمَسُّ مَاءً، وَلَا تُقَلِّمُ ظُفْرًا، وَلَا تُزِيلُ شَعْرًا، ثُمَّ تَخْرُجُ بَعْدَ الْحَوْلِ بِأَقْبَحِ مَنْظَرٍ، ثُمَّ تَفْتَضُّ، أَيْ: تَكْسِرُ مَا هِيَ فِيهِ مِنَ الْعِدَّةِ بِطَائِرٍ تَمْسَحُ بِهِ قُبُلَهَا، وَتَنْبِذُهُ، فَلَا يَكَادُ يَعِيشُ بَعْدَمَا تَفْتَضُّ بِهِ.

قُلْتُ: وَهَذَا لَا يُخَالِفُ تَفْسِيرَ مَالِكٍ، لَكِنَّهُ أَخَصُّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَطْلَقَ الْجِلْدَ وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ جِلْدُ الْقُبُلِ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: مَعْنَاهُ أَنَّهَا تَمْسَحُ بِيَدِهَا عَلَى الدَّابَّةِ وَعَلَى ظَهْرِهِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ) أمْرَ نَدْبٍ، وقال المالكيَّة وصحَّحه صاحب «الهداية» من الحنفيَّة: للوجوب (أَنْ يُرَاجِعَهَا، ثُمَّ يُمْسِكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ عِنْدَهُ حَيْضَةً أُخْرَى، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ حَيْضِهَا، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا حِينَ تَطْهُرُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُجَامِعَهَا، فَتِلْكَ) أي: حالة الطُّهر (العِدَّةُ) زمنها المُعتبر فيها (الَّتِي أَمَرَ اللهُ) أي: أَذِن الله في قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] (أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ) بفتح لام «يطلَّق» (وَكَانَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر (إِذَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ) أي: عمَّن طلَّق ثلاثًا (قَالَ لأَحَدِهِمْ: إِنْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لو» (كُنْتَ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْكَ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) بضمير الغيبة، ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «غيرك» بضمير الخطاب.

(وَزَادَ فِيهِ) في الحديث (غَيْرُهُ) أي: غير قُتيبة، وهو (١) أبو الجهم (عَنِ اللَّيْثِ) بن سعدٍ، أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ) يخاطبُ من سأله عن كونِهِ طلَّق امرأته ثلاثًا: (لَوْ طَلَّقْتَ) امرأتَكَ (مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ) لكانَ لك أن تُراجِعها (فَإِنَّ النَّبِيَّ ) لمَّا طلَّقتُ امرأتيِ وهي حائضٌ طلاقًا غير بائنٍ (أَمَرَنِي بِهَذَا) أي: بالمراجَعَة، وزاد في «باب من قال لامرأتِهِ: أنت عليَّ حرامٌ»: «فإن طلَّقها (٢) ثلاثًا حرمت حتى تنكح زوجًا غيره» [خ¦٥٢٦٤].

وهذا وصله أبو الجهم في «جزئه».

(٤٥) (بابُ مُرَاجَعَةِ الحَائِضِ) إذا طلقت طلاقًا غيرَ بائنٍ.

٥٣٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ) هو ابنُ منهال قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) التُّستريُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ) بضم الجيم وفتح

الموحدة آخره راء مصغَّرًا، ابن مطعم، أنَّه قال: (سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ) عمَّن يطلِّق امرأته وهي حائض (فَقَالَ) مجيبًا لي معبرًا بلفظ الغَيْبَة عن نفسه: (طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ) آمنةَ بنت غفار (وَهْيَ حَائِضٌ، فَسَأَلَ عُمَرُ النَّبِيَّ ) عن ذلك لمَّا سأله عن ابنه (قَالَ) لِعُمر (١): (مُرْهُ) أي: مر ابنك عبدَ الله (أَنْ يُرَاجِعَهَا) إلى عصمتِه (ثُمَّ يُطَلِّقَـ) ها (مِنْ قُبُلِ) بضم القاف والموحدة، أي: من وقتِ استقبال (عِدَّتِهَا) والشُّروع فيها، وذلك في الطُّهر.

قال يونسُ بن جُبير: (قُلْتُ) لابنِ عمر: (أفَتَعْتَدُّ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ؟) وتحتسبها ويُحكَم بوقوعِ طلقةٍ (قَالَ) ابن عمر مجيبًا له: (أَرَأَيْتَ) أي: أَخْبرني (إِنْ عَجَزَ) ابنُ عمر (وَاسْتَحْمَقَ) فما يمنعُه أن يكونَ طلاقًا.

وهذا الحديث قد مرَّ في أوائلِ «الطَّلاق» [خ¦٥٢٥٨].

(٤٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (تُحِدُّ) المرأة (المُتَوَفَّى عَنْهَا زَوجها أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) تُحِدُّ -بضم الفوقيَّة وكسر الحاء المهملة من الثُّلاثي المزيد فيه مِنْ أَحَدَّ على وزنِ أفعلَ- تحدُّ إحدادًا، وهو لغةً المنعُ، واصطلاحًا: تركُ المتوفَّى عنها زوجُها في عِدَّة الوفاةِ لبسَ مصبوغٍ بما يُقصد لزينةٍ، ولو صُبِغ قبل نسجهِ، وتركُ تحلٍّ بحَبٍّ (٢) يُتحلَّى به كلؤلؤٍ ومصوغٍ من ذهبٍ أو فضَّةٍ أو غيرهما، نحو نُحاس موِّه بهما نهارًا كخلخالٍ وسِوار وخاتمٍ، وتركُ تطيُّبٍ في بدنٍ وثوبٍ وطعامٍ وكُحلٍ ولو غير محرمٍ، وتركُ دهنِ شعرٍ واكتحالٍ بكحلِ زينةٍ كإثمدٍ إلَّا لحاجةٍ كرمدٍ، فتكتحلُ به ليلًا وتمسحُه نهارًا، وتركُ اسفيذَاج يُطلى به الوجه، ودِمَامٍ وهي حُمرةٌ يورَّد بها الخدُّ، وخضابٍ بنحو حِنَّاء كزعفرانٍ وورسٍ، وسقط لفظ «زوجها» لأبي ذرٍّ.

(وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم (٣): (لَا أَرَى) بفتح الهمزة والراء (أَنْ تَقْرَبَ الصَّبِيَّةُ المُتَوَفَّى

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: الْحَقُّ إنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي أَنَّ الطَّلَاقَ إِذَا وَقَعَ زَالَ النِّكَاحُ كَالْعِتْقِ، لَكِنَّ الشَّرْعَ أَثْبَتَ الرَّجْعَةَ فِي النِّكَاحِ دُونَ الْعِتْقِ فَافْتَرَقَا.

٤٥ - بَاب مُرَاجَعَةِ الْحَائِضِ

٥٣٣٣ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَسَأَلَ عُمَرُ النَّبِيَّ ، قال: مُرْهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا، ثُمَّ يُطَلِّقَ مِنْ قُبُلِ عِدَّتِهَا، قُلْتُ: أَفَتَعْتَدُّ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ؟ قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مُرَاجَعَةِ الْحَائِضِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِلِ الطَّلَاقِ.

٤٦ - بَاب تُحِدُّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا أَرَى أَنْ تَقْرَبَ الصَّبِيَّةُ الطِّيبَ؛ لِأَنَّ عَلَيْهَا الْعِدَّةَ

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ ابنة أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ:

٥٣٣٤ - قَالَتْ زَيْنَبُ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ - زَوْجِ النَّبِيِّ حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةٌ - خَلُوقٌ أَوْ غَيْرُهُ - فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً، ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا.

٥٣٣٥ - قَالَتْ زَيْنَبُ: فَدَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ ابنة جَحْشٍ حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا، فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَتْ: أَمَا وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا.

٥٣٣٦ - قَالَتْ زَيْنَبُ وَسَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ تَقُولُ جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَقَدْ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا أَفَتَكْحُلُهَا فَقال رسول الله : "لَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ لَا ثُمَّ قال رسول الله : "إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ"

[الحديث ٥٣٣٦ - طرفاه في: ٥٣٣٨، ٥٧٠٦]

٥٣٣٧ - قَالَ حُمَيْدٌ فَقُلْتُ لِزَيْنَبَ وَمَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ فَقَالَتْ زَيْنَبُ كَانَتْ الْمَرْأَةُ

إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا دَخَلَتْ حِفْشًا وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ حِمَارٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ طَائِرٍ فَتَفْتَضُّ بِهِ فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ إِلاَّ مَاتَ ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعَرَةً فَتَرْمِي ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ سُئِلَ مَالِكٌ مَا تَفْتَضُّ بِهِ قَالَ تَمْسَحُ بِهِ جِلْدَهَا"

قَوْلُهُ: (بَابُ تُحِدُّ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ، وَيَجُوزُ بِفَتْحه ثُمَّ ضَمَّة مِنَ الثُّلَاثِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي: بَابِ إِحْدَادِ الْمَرْأَةِ عَلَى غَيْرِ زَوْجِهَا مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: أَصْلُ الْإِحْدَادِ الْمَنْعُ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْبَوَّابُ إحدادا لِمَنْعِهِ الدَّاخِلَ، وَسُمِّيَتِ الْعُقُوبَةُ حَدًّا؛ لِأَنَّهَا تَرْدَعُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ. وَقَالَ ابْنُ دُرُسْتَوَيْهِ: مَعْنَى الْإِحْدَادِ: مَنْعُ الْمُعْتَدَّةِ نَفْسَهَا الزِّينَةَ، وَبَدَنَهَا الطِّيبَ، وَمَنْعُ الْخُطَّابِ خِطْبَتَهَا وَالطَّمَعَ فِيهَا كَمَا مَنَعَ الْحَدُّ الْمَعْصِيَةَ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: سُمِّيَ الْحَدِيدُ حَدِيدًا؛ لِلِامْتِنَاعِ بِهِ أَوْ لِامْتِنَاعِهِ عَلَى مُحَاوِلِهِ، وَمِنْهُ تَحْدِيدُ النَّظَرِ بِمَعْنَى امْتِنَاعِ تَقَلُّبِهِ فِي الْجِهَاتِ، وَيُرْوَى بِالْجِيمِ حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ، قَالَ: يُرْوَى بِالْحَاءِ وَالْجِيمِ، وَبِالْحَاءِ أَشْهَرُ، وَالْجِيمُ مَأْخُوذٌ مِنْ جَدَدْتُ الشَّيْءَ إِذَا قَطَعْتُهُ، فَكَأَنَّ الْمَرْأَةَ انْقَطَعَتْ عَنِ الزِّينَةِ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: أَنْكَرَ الْأَصْمَعِيُّ: حَدَّتْ وَلَمْ يَعْرِفْ إِلَّا أَحَدَّتْ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: كَانَ الْقُدَمَاءُ يُؤْثِرُونَ أَحَدَّتْ وَالْأُخْرَى أَكْثَرُ مَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا أَرَى أَنْ تَقْرَبَ الصَّبِيَّةُ الطِّيبَ) أَيْ: إِذَا كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ فَمَاتَ عَنْهَا.

وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّ عَلَيْهَا الْعِدَّةَ) أَظُنُّهُ مِنْ تَصَرُّفِ الْمُصَنِّفِ؛ فَإِنَّ أَثَرَ الزُّهْرِيِّ وَصَلَهُ ابْنُ وَهْبٍ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ يُونُسَ عَنْهُ بِدُونِهَا، وَأَصْلُهُ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ بِاخْتِصَارٍ. وَفِي التَّعْلِيلِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ سَبَبَ إِلْحَاقِ الصَّبِيَّةِ بِالْبَالِغِ فِي الْإِحْدَادِ وُجُوبُ الْعِدَّةِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا اتِّفَاقًا، وَبَذْلِكَ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا، وَاحْتَجَّ أَيْضًا بِأَنَّهُ يَحْرُمُ الْعَقْدُ عَلَيْهَا بَلْ خِطْبَتُهَا فِي الْعِدَّةِ، وَاحْتَجَّ غَيْرُهُ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةِ فِي الْبَابِ: أَفَنَكْحُلُهَا؟ فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهَا كَانَتْ صَغِيرَةً، إِذْ لَوْ كَانَتْ كَبِيرَةً لَقَالَتْ: أَفَتَكْتَحِلُ هِيَ؟ وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهَا: أَفَنَكْحُلُهَا؟ أَيْ: أَفَنُمَكِّنُهَا مِنَ الِاكْتِحَالِ؟.

قَوْلُهُ: (عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ) أَيِ: ابْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ. وَهِيَ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ، وَهِيَ رَبِيبَةُ النَّبِيِّ ، وَزَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهَا لَا رِوَايَةَ لَهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، كَذَا قَالَ، وَقَدْ أَخْرَجَ لَهَا مُسْلِمٌ حَدِيثَهَا: كَانَ اسْمِي بَرَّةَ فَسَمَّانِي رَسُولُ اللَّهِ زَيْنَبُ الْحَدِيثَ، وَأَخْرَجَ لَهَا الْبُخَارِيُّ حَدِيثًا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ) تَقَدَّمَ مِنْهَا الْحَدِيثَانِ الْأَوَّلَانِ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ مَعَ كَثِيرٍ مِنْ شَرْحِهِمَا، وَالْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْأَوَّلِ حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا، وَفِي الثَّانِي حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا، وَأَنَّهُ سُمِّيَ فِي بَعْضِ الْمُوَطَّآتِ: عَبْدُ اللَّهِ. وَكَذَا هُوَ فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُصْعَبٍ، وَأَنَّ الْمَعْرُوفَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ قُتِلَ بِأُحُدٍ شَهِيدًا، وَزَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ يَوْمَئِذٍ طِفْلَةٌ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ تَكُونَ دَخَلَتْ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عُبَيْدَ اللَّهِ الْمُصَغَّرَ؛ فَإِنَّ دُخُولَ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عِنْدَ بُلُوغِ الْخَبَرِ إِلَى الْمَدِينَةِ بِوَفَاتِهِ كَانَ وَهِيَ مُمَيِّزَةٌ، وَأَنْ يَكُونَ أَبَا أَحْمَدَ بْنَ جَحْشٍ فَإِنَّ اسْمَهُ عَبْدٌ بِغَيْرِ إِضَافَةٍ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَاتَ قَبْلَ زَيْنَبَ، لَكِنْ وَرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حضَرَ دَفْنَهَا. وَيَلْزَمُ عَلَى الْأَمْرَيْنِ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ فِي الِاسْمِ تَغْيِيرٌ، أَوِ الْمَيِّتُ كَانَ أَخَا زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ مِنْ أُمِّهَا أَوْ مِنَ الرَّضَاعَةِ.

قَوْلُهُ: (لَا يَحِلُّ) اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى تَحْرِيمِ الْإِحْدَادِ عَلَى غَيْرِ الزَّوْجِ وَهُوَ وَاضِحٌ، وَعَلَى وُجُوبِ الْإِحْدَادِ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ عَلَى الزَّوْجِ، وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ وَقَعَ بَعْدَ النَّفْيِ، فَيَدُلُّ عَلَى الْحِلِّ فَوْقَ الثَّلَاثِ عَلَى الزَّوْجِ لَا عَلَى الْوُجُوبِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْوُجُوبَ اسْتُفِيدَ مِنْ دَلِيلٍ

آخَرَ كَالْإِجْمَاعِ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْمَنْقُولَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ الْإِحْدَادَ لَا يَجِبُ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَنَقَلَ الْخَلَّالُ بِسَنَدِهِ عَنْ أَحْمَدَ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَعْرِفُ الْإِحْدَادَ، قَالَ أَحْمَدُ: مَا كَانَ بِالْعِرَاقِ أَشَدُّ تَبَحُّرًا مِنْ هَذَيْنِ - يَعْنِي الْحَسَنَ، وَالشَّعْبِيَّ - قَالَ: وَخَفِيَ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا، اهـ، وَمُخَالَفَتُهُمَا لَا تَقْدَحُ فِي الِاحْتِجَاجِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا رَدٌّ عَلَى مَنِ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ. وَفِي أَثَرِ الشَّعْبِيِّ تَعَقُّبٌ عَلَى ابْنِ الْمُنْذِرِ حَيْثُ نَفَى الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ إِلَّا عَنِ الْحَسَنِ، وَأَيْضًا فَحَدِيثُ الَّتِي شَكَتْ عَيْنَهَا - وَهُوَ ثَالِثُ أَحَادِيثِ الْبَابِ - دَالٌّ عَلَى الْوُجُوبِ، وَإِلَّا لَمْ يَمْتَنِعِ التَّدَاوِي الْمُبَاحُ، وَأُجِيبَ أَيْضًا بِأَنَّ السِّيَاقَ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مَا مُنِعَ مِنْهُ إِذَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهِ كَانَ ذَلِكَ الدَّلِيلُ دَالًّا بِعَيْنِهِ عَلَى الْوُجُوبِ كَالْخِتَانِ، وَالزِّيَادَةِ عَلَى الرُّكُوعِ فِي الْكُسُوفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (لِامْرَأَةٍ) تَمَسَّكَ بِمَفْهُومِهِ الْحَنَفِيَّةُ، فَقَالُوا: لَا يَجِبُ الْإِحْدَادُ عَلَى الصَّغِيرَةِ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى وُجُوبِ الْإِحْدَادِ عَلَيْهَا كَمَا تَجِبُ الْعِدَّةُ، وَأَجَابُوا عَنِ التَّقْيِيدِ بِالْمَرْأَةِ أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَعَنْ كَوْنِهَا غَيْرَ مُكَلَّفَةٍ بِأَنَّ الْوَلِيَّ هُوَ الْمُخَاطَبُ بِمَنْعِهَا مِمَّا تُمْنَعُ مِنْهُ الْمُعْتَدَّةُ، وَدَخَلَ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: امْرَأَةٌ الْمَدْخُولُ بِهَا وَغَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً، وَلَوْ كَانَتْ مُبَعَّضَةً أَوْ مُكَاتَبَةً أَوْ أُمَّ وَلَدٍ إِذَا مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا لَا سَيِّدُهَا؛ لِتَقْيِيدِهِ بِالزَّوْجِ فِي الْخَبَرِ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) اسْتَدَلَّ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنْ لَا إِحْدَادَ عَلَى الذِّمِّيَّةِ لِلتَّقْيِيدِ بِالْإِيمَانِ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ النَّسَائِيُّ بِذَلِكَ، وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ ذُكِرَ تَأْكِيدًا لِلْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ، كَمَا يُقَالُ: هَذَا طَرِيقُ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ يَسْلُكُهُ غَيْرُهُمْ. وَأَيْضًا فَالْإِحْدَادُ مِنْ حَقِّ الزَّوْجِ، وَهُوَ مُلْتَحَقٌ بِالْعِدَّةِ فِي حِفْظِ النَّسَبِ، فَتَدْخُلُ الْكَافِرَةُ فِي ذَلِكَ بِالْمَعْنَى، كَمَا دَخَلَ الْكَافِرُ فِي النَّهْيِ عَنِ السَّوْمِ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لِلزَّوْجِيَّةِ فَأَشْبَهَ النَّفَقَةَ وَالسُّكْنَى، وَنَقَلَ السُّبْكِيُّ فِي فَتَاوِيهِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الذِّمِّيَّةَ دَاخِلَةٌ فِي قَوْلِهِ: تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَرَدَّ عَلَى قَائِلِهِ وَبَيَّنَ فَسَادَ شُبْهَتِهِ فَأَجَادَ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَيَّدَ بِوَصْفِ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ الْمُتَّصِفَ بِهِ هُوَ الَّذِي يَنْقَادُ لِلشَّرْعِ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الذِّمِّيَّةَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا تَعْتَدُّ بِالْأَقْرَاءِ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ لَا إِحْدَادَ عَلَيْهَا.

قَوْلُهُ: (عَلَى مَيِّتٍ) اسْتُدِلَّ بِهِ لِمَنْ قَالَ: لَا إِحْدَادَ عَلَى امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَتَحَقَّقْ وَفَاتُهُ، خِلَافًا لِلْمَالِكِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا عَلَى زَوْجٍ) أُخِذَ مِنْ هَذَا الْحَصْرِ أَنْ لَا يُزَادَ عَلَى الثَّلَاثِ فِي غَيْرِ الزَّوْجِ أَبًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ رَخَصَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَحُدَّ عَلَى أَبِيهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَعَلَى مَنْ سِوَاهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَلَوْ صَحَّ لَكَانَ خُصُوصُ الْأَبِ يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ، لَكِنَّهُ مُرْسَلٌ أَوْ مُعْضَلٌ؛ لِأَنَّ جُلَّ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنِ التَّابِعِينَ وَلَمْ يَرْوِ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا الشَّيْءَ الْيَسِيرَ عَنْ بَعْضِ صِغَارِ الصَّحَابَةِ.

وَوَهِمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ فَتَعَقَّبَ عَلَى أَبِي دَاوُدَ تَخْرِيجَهُ فِي الْمَرَاسِيلِ فَقَالَ: عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ لَيْسَ تَابِعِيًّا، فَلَا يَخْرُجُ حَدِيثُهُ فِي الْمَرَاسِيلِ، وَهَذَا التَّعَقُّبُ مَرْدُودٌ؛ لِمَا قُلْنَاهُ، وَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَبُو دَاوُدَ كَانَ لَا يَخُصُّ الْمَرَاسِيلَ بِرِوَايَةِ التَّابِعِيِّ كَمَا هُوَ مَنْقُولٌ عَنْ غَيْرِهِ أَيْضًا، وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِلْأَصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي أَنْ لَا إِحْدَادَ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ، فَأَمَّا الرَّجْعِيَّةُ فَلَا إِحْدَادَ عَلَيْهَا إِجْمَاعًا، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي الْبَائِنِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا إِحْدَادَ، وَقَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ: عَلَيْهَا الْإِحْدَادُ قِيَاسًا عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّ الْإِحْدَادَ شُرِعَ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ مِنَ التَّطَيُّبِ وَاللُّبْسِ وَالتَّزَيُّنِ يَدْعُو إِلَى الْجِمَاعِ، فَمُنِعَتِ الْمَرْأَةُ مِنْهُ زَجْرًا لَهَا عَنْ ذَلِكَ فَكَانَ ذَلِكَ ظَاهِرًا فِي حق الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُهُ الْمَوْتُ عَنْ مَنْعِ الْمُعْتَدَّةِ مِنْهُ عَنِ التَّزْوِيجِ، وَلَا تُرَاعِيهِ هِيَ وَلَا تَخَافُ مِنْهُ، بِخِلَافِ الْمُطَلِّقِ الْحَيِّ فِي ذَلِكَ، وَمِنْ ثَمَّ وَجَبَتِ الْعِدَّةُ

عَلَى كُلِّ مُتَوَفًّى عَنْهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَدْخُولًا بِهَا بِخِلَافِ الْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا إِحْدَادَ عَلَيْهَا اتِّفَاقًا وَبِأَنَّ الْمُطَلَّقَةَ الْبَائِنَ يُمْكِنُهَا الْعَوْدُ إِلَى الزَّوْجِ بِعَيْنِهِ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمُلَاعَنَةَ لَا إِحْدَادَ عَلَيْهَا، وَأُجِيبَ بِأَنَّ تَرْكَهُ لِفِقْدَانِ الزَّوْجِ بِعَيْنِهِ لَا لِفِقْدَانِ الزَّوْجِيَّةِ.

وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْإِحْدَادِ عَلَى غَيْرِ الزَّوْجِ مِنْ قَرِيبٍ وَنَحْوِهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ فَمَا دُونَهَا، وَتَحْرِيمُهُ فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا، وَكَأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ أُبِيحَ لِأَجْلِ حَظِّ النَّفْسِ وَمُرَاعَاتِهَا وَغَلَبَةِ الطِّبَاعِ الْبَشَرِيَّةِ، وَلِهَذَا تَنَاوَلَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ وَزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ الطِّيبَ لِتَخْرُجَا عَنْ عُهْدَةِ الْإِحْدَادِ، وَصَرَّحَتْ كُلٌّ مِنْهُمَا بِأَنَّهَا لَمْ تَتَطَيَّبْ لِحَاجَةٍ؛ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ آثَارَ الْحُزْنِ بَاقِيَةٌ عِنْدَهَا، لَكِنَّهَا لَمْ يَسَعْهَا إِلَّا امْتِثَالُ الْأَمْرِ.

قَوْلُهُ: (أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) قِيلَ: الْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الْوَلَدَ يَتَكَامَلُ تَخْلِيقُهُ وَتُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ بَعْدَ مُضِيِّ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَهِيَ زِيَادَةٌ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ بِنُقْصَانِ الْأَهِلَّةِ فَجُبِرَ الْكَسْرُ إِلَى الْعَقْدِ عَلَى طَرِيقِ الِاحْتِيَاطِ، وَذَكَرَ الْعَشْرَ مُؤَنَّثًا لِإِرَادَةِ اللَّيَالِي، وَالْمُرَادُ مَعَ أَيَّامِهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، فَلَا تَحِلُّ حَتَّى تَدْخُلَ اللَّيْلَةَ الْحَادِيَةَ عَشَرَ.

وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ وَبَعْضِ السَّلَفِ: تَنْقَضِي بِمُضِيِّ اللَّيَالِي الْعَشْرِ بَعْدَ مُضِيِّ الْأَشْهُرِ وَتَحِلُّ فِي أَوَّلِ الْيَوْمِ الْعَاشِرِ، وَاسْتُثْنِيَتِ الْحَامِلُ كَمَا تَقَدَّمَ شَرْحُ حَالِهَا قَبْلُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ قَوِيِّ الْإِسْنَادِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانُ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ الْيَوْمَ الثَّالِثَ مِنْ قَتْلِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: لَا تُحِدِّي بَعْدَ يَوْمِكِ هَذَا لَفْظُ أَحْمَدَ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ وَلِابْنِ حِبَّانَ، وَالطَّحَاوِيِّ: لَمَّا أُصِيبَ جَعْفَرٌ أَتَانَا النَّبِيُّ فَقَالَ: تَسَلَّبِي ثَلَاثًا، ثُمَّ اصْنَعِي مَا شِئْتِ قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْإِحْدَادُ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا بَعْدَ الْيَوْمِ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ كَانَتْ زَوْجَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِالِاتِّفَاقِ وَهِيَ وَالِدَةُ أَوْلَادِهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَمُحَمَّدٍ، وَعَوْنٍ وَغَيْرِهِمْ، قَالَ: بَلْ ظَاهِرُ النَّهْيِ أَنَّ الْإِحْدَادَ لَا يَجُوزُ، وَأَجَابَ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ شَاذٌّ مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى خِلَافِهِ، قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ جَعْفَرًا قُتِلَ شَهِيدًا، وَالشُّهَدَاءُ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ. قَالَ: وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي حَقِّ غَيْرِ جَعْفَرٍ مِنَ الشُّهَدَاءِ مِمَّنْ قُطِعَ بِأَنَّهُمْ شُهَدَاءُ كَمَا قُطِعَ لِجَعْفَرٍ - كَحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمِّهِ وَكَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ وَالِدِ جَابِرٍ - اهـ كَلَامُ شَيْخِنَا مُلَخَّصًا.

وَأَجَابَ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَأَنَّ الْإِحْدَادَ كَانَ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ فِي بَعْضِ عِدَّتِهَا فِي وَقْتٍ، ثُمَّ أُمِرَتْ بِالْإِحْدَادِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، ثُمَّ سَاقَ أَحَادِيثَ الْبَابِ، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنَ النَّسْخِ. لَكِنَّهُ يُكْثِرُ مِنِ ادِّعَاءِ النَّسْخِ بِالِاحْتِمَالِ فَجَرَى عَلَى عَادَتِهِ، وَيَحْتَمِلُ وَرَاءَ ذَلِكَ أَجْوِبَةً أُخْرَى:

أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْإِحْدَادِ الْمُقَيَّدِ بِالثَّلَاثِ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى الْإِحْدَادِ الْمَعْرُوفِ فَعَلَتْهُ أَسْمَاءُ مُبَالَغَةً فِي حُزْنِهَا عَلَى جَعْفَرٍ فَنَهَاهَا عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ الثَّلَاثِ.

ثَانِيهَا: أَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا فَوَضَعَتْ بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَانْقَضَتِ الْعِدَّةُ، فَنَهَاهَا بَعْدَهَا عَنِ الْإِحْدَادِ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: ثَلَاثًا؛ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ اطَّلَعَ عَلَى أَنَّ عِدَّتَهَا تَنْقَضِي عِنْدَ الثَّلَاثِ.

ثَالِثُهَا: لَعَلَّهُ كَانَ أَبَانَهَا بِالطَّلَاقِ قَبْلَ اسْتِشْهَادِهِ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا إِحْدَادٌ.

رَابِعُهَا: أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ أَعَلَّ الْحَدِيثَ بِالِانْقِطَاعِ، فَقَالَ: لَمْ يَثْبُتْ سَمَاعُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِدَّادٍ مِنْ أَسْمَاءَ، وَهَذَا تَعْلِيلٌ مَدْفُوعٌ، فَقَدْ صَحَّحَهُ أَحْمَدُ، لَكِنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي الْإِحْدَادِ، قُلْتُ: وَهُوَ مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى أَنَّهُ يُعِلُّهُ بِالشُّذُوذِ. وَذَكَرَ الْأَثْرَمُ أَنَّ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ حَدِيثِ حَنْظَلَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ: لَا إِحْدَادَ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَقَالَ: هَذَا مُنْكَرٌ، وَالْمَعْرُوفُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ رَأْيِهِ. اهـ. وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ الْمَرْأَةِ الْمُعْتَدَّةِ فَلَا نَكَارَةَ فِيهِ، بِخِلَافِ حَدِيثِ أَسْمَاءَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَغْرَبَ

ابْنُ حِبَّانَ فَسَاقَ الْحَدِيثَ بِلَفْظِ: تَسَلَّمِي بِالْمِيمِ بَدَلَ الْمُوَحَّدَةِ، وَفَسَّرَهُ بِأَنَّهُ أَمَرَهَا بِالتَّسْلِيمِ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَلَا مَفْهُومَ لِتَقْيِيدِهَا بِالثَّلَاثِ بَلِ الْحِكْمَةُ فِيهِ كَوْنُ الْقَلَقِ يَكُونُ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ أَشَدَّ فَلِذَلِكَ قَيَّدَهَا بِالثَّلَاثِ، هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ، فَصَحَّفَ الْكَلِمَةَ وَتَكَلَّفَ لِتَأْوِيلِهَا. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ وَغَيْرِهِ: فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ أَنْ أَتَسَلَّبَ ثَلَاثًا فَتَبَيَّنَ خَطَؤُهُ.

قَوْلُهُ: (قَالَتْ زَيْنَبُ: وَسَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ الْحَدِيثُ الثَّالِثُ، وَوَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ: سَمِعْتُ أُمِّي أُمَّ سَلَمَةَ، زَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَالِكٍ: بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ .

قَوْلُهُ: (جَاءَتِ امْرَأَةٌ) زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ: مِنْ قُرَيْشٍ وَسَمَّاهَا ابْنُ وَهْبٍ فِي مُوَطَّئِهِ، وَأَخْرَجَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي أَحْكَامِهِ مِنْ طَرِيقِ عَاتِكَةَ بِنْتِ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ وَهْبٍ: عَنْ أَبِي الْأَسْوَدَ النَّوْفَلِي، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ زَيْنَبَ عَنْ أُمِّهَا أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ عَاتِكَةَ بِنْتَ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَتَتْ تَسْتَفْتِي رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَتْ: إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَكَانَتْ تَحْتَ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيِّ، وَهِيَ تُحِدُّ وَتَشْتَكِي عَيْنَهَا الْحَدِيثَ، وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عِمْرَانَ بْنِ هَارُونَ الرَّمْلِيِّ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، لَكِنَّهُ قَالَ: بِنْتُ نُعَيْمٍ وَلَمْ يُسَمِّهَا، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي الْمَعْرِفَةِ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ عَنْ أُمِّهَا عَنْ عَاتِكَةَ بِنْتِ نُعَيْمٍ - أُخْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ - جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ، فَقَالَتْ: إِنَّ ابْنَتَهَا تُوُفِّيَ زَوْجُهَا الْحَدِيثَ. وَعَبْدُ للَّهِ بْنُ عُقْبَةَ هُوَ ابْنُ لَهِيعَةَ نَسَبَهُ لِجَدِّهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ أَبُو الْأَسْوَدِ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلِابْنِ لَهِيعَةَ طَرِيقَانِ، وَلَمْ تُسَمَّ الْبِنْتُ الَّتِي تُوُفِّيَ زَوْجُهَا، وَلَمْ تُنْسَبْ فِيمَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْمُغِيرَةُ الْمَخْزُومِيُّ فَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ أَبِيهِ، وَقَدْ أَغْفَلَهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي الصَّحَابَةِ، وَكَذَا أَبُو مُوسَى فِي الذَّيْلِ عَلَيْهِ، وَكَذَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، لَكِنِ اسْتَدْرَكَهُ ابْنُ فَتَحُونَ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا) قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: يَجُوزُ فِيهِ وَجْهَانِ؛ ضَمُّ النُّونِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ عَلَى أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ هِيَ الْمُشْتَكِيَةُ، وَفَتْحُهَا عَلَى أَنْ يَكُونَ فِي اشْتَكَتْ ضَمِيرُ الْفَاعِلِ وَهِيَ الْمَرْأَةُ وَرَجَّحَ هَذَا، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: عَيْنَاهَا يَعْنِي وَهُوَ يُرَجِّحُ الضَّمَّ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ فِي مُسْلِمٍ، وَعَلَى الضَّمِّ اقْتَصَرَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ الْأَرْجَحُ، وَالَّذِي رَجَّحَ الْأَوَّلَ هُوَ الْمُنْذِرِيُّ.

قَوْلُهُ: (أَفَنَكْحُلُهَا) بِضَمِّ الْحَاءِ.

قَوْلُهُ: (لَا، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: لَا) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ فَقَالَ: لَا تَكْتَحِلُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الِاكْتِحَالِ عَلَى الْحَادَّةِ سَوَاءٌ احْتَاجَتْ إِلَيْهِ أَمْ لَا. وَجَاءَ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ: اجْعَلِيهِ بِاللَّيْلِ وَامْسَحِيهِ بِالنَّهَارِ وَوَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّهَا إِذَا لَمْ تَحْتَجْ إِلَيْهِ لَا يَحِلُّ، وَإِذَا احْتَاجَتْ لَمْ يَجُزْ بِالنَّهَارِ، وَيَجُوزُ بِاللَّيْلِ مَعَ أَنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهُ، فَإِنْ فَعَلَتْ مَسَحَتْهُ بِالنَّهَارِ.

قَالَ: وَتَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ حَدِيثَ الْبَابِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقِ الْخَوْفُ عَلَى عَيْنِهَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ الْمَذْكُورِ: فَخَشُوا عَلَى عَيْنِهَا وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْدَهْ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهَا: رَمِدَتْ رَمَدًا شَدِيدًا، وَقَدْ خَشِيَتْ عَلَى بَصَرِهَا وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّهَا قَالَتْ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ: إِنَّهَا تَشْتَكِي عَيْنَهَا فَوْقَ مَا يُظَنُّ، فَقَالَ: لَا وَفِي رِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ أَخْرَجَهَا ابْنُ حَزْمٍ إِنِّي أَخْشَى أَنْ تَنْفَقِئَ عَيْنُهَا، قَالَ: لَا، وَإِنِ انْفَقَأَتْ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ، وَبِمِثْلِ ذَلِكَ أَفْتَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ بِمَنْعِهِ مُطْلَقًا، وَعَنْهُ يَجُوزُ إِذَا خَافَتْ عَلَى عَيْنِهَا بِمَا لَا طِيبَ فِيهِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيَّةُ مُقَيَّدًا بِاللَّيْلِ، وَأَجَابُوا عَنْ قِصَّةِ الْمَرْأَةِ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ كَانَ يَحْصُلُ لَهَا الْبُرْءُ بِغَيْرِ الْكُحْلِ كَالتَّضْمِيدِ بِالصَّبْرِ وَنَحْوِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهَا أَحَدَّتْ عَلَى ابْنِ عُمَرَ فَلَمْ تَكْتَحِلْ حَتَّى كَادَتْ عَيْنَاهَا تَزِيغَانِ فَكَانَتْ تَقْطُرُ فِيهِمَا الصَّبْرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَ النَّهْيَ عَلَى كُحْلٍ مَخْصُوصٍ، وَهُوَ مَا يَقْتَضِي التَّزَيُّنَ بِهِ؛ لِأَنَّ

مَحْضَ التَّدَاوِي قَدْ يَحْصُلُ بِمَا لَا زِينَةَ فِيهِ، فَلَمْ يَنْحَصِرْ فِيمَا فِيهِ زِينَةٌ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: يَجُوزُ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ فِيهِ طِيبٌ، وَحَمَلُوا النَّهْيَ عَلَى التَّنْزِيهِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.

قَوْلُهُ: (إِنَّمَا هيَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) كَذَا فِي الْأَصْلِ بِالنَّصْبِ عَلَى حِكَايَةِ لَفْظِ الْقُرْآنِ، وَلِبَعْضِهِمْ بِالرَّفْعِ وَهُوَ وَاضِحٌ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَقْلِيلِ الْمُدَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِمَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ وَتَهْوِينُ الصَّبْرِ عَلَيْهَا، وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ: وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ، وَفِي التَّقْيِيدِ بِالْجَاهِلِيَّةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْإِسْلَامِ صَارَ بِخِلَافِهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِمَا وُصِفَ مِنَ الصَّنِيع، لَكِنَّ التَّقْدِيرَ بِالْحَوْلِ اسْتَمَرَّ فِي الْإِسْلَامِ بِنَصِّ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ ثُمَّ نُسِخَتْ بِالْآيَةِ الَّتِي قَبْلُ وَهِيَ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾

سُئِلَ مَالِكٌ: مَا تَفْتَضُّ بِهِ؟ قَالَ: تَمْسَحُ بِهِ جِلْدَهَا.

قَوْلُهُ: (قَالَ حُمَيْدٌ) هُوَ ابْنُ نَافِعٍ رَاوِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَبْدُوءِ بِهِ.

قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ لِزَيْنَبَ) هِيَ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ (وَمَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ؟) أَيْ: بَيِّنِي لِي الْمُرَادَ بِهَذَا الْكَلَامِ الَّذِي خُوطِبَتْ بِهِ هَذِهِ الْمَرْأَةُ.

قَوْلُهُ: (كَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا دَخَلَتْ حِفْشًا إِلَخْ) هَكَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَمْ تُسْنِدْهُ زَيْنَبُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ مَرْفُوعًا كُلُّهُ لَكِنَّهُ بِاخْتِصَارٍ وَلَفْظُهُ: فَقَالَ: لَا تَكْتَحِلُ، قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَمْكُثُ فِي شَرِّ أَحْلَاسِهَا - أَوْ شَرِّ بَيْتِهَا - فَإِذَا كَانَ حَوْلٌ فَمَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعْرَةٍ، فَلَا حَتَّى تَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، وَهَذَا لَا يَقْتَضِي إِدْرَاجَ رِوَايَةِ الْبَابِ؛ لِأَنَّ شُعْبَةَ مِنْ أَحْفَظِ النَّاسِ فَلَا يَقْضِي عَلَى رِوَايَتِهِ بِرِوَايَةِ غَيْرِهِ بِالِ حْتِمَالِ، وَلَعَلَّ الْمَوْقُوفَ مَا فِي رِوَايَةِ الْبَابِ مِنَ الزِّيَادَةِ الَّتِي لَيْسَتْ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ. وَالْحِفْشُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ فَسَّرَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ: الْبَيْتُ الصَّغِيرُ، وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ: الْحِفْشُ: الْخُصُّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْحِفْشُ: الْبَيْتُ الذَّلِيلُ، الشَّعِثُ الْبِنَاءِ، وَقِيلَ: هُوَ شَيْءٌ مِنْ خُوصٍ يُشْبِهُ الْقُفَّةَ تَجْمَعُ فِيهِ الْمُعْتَدَّةُ مَتَاعَهَا مِنْ غَزْلٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَظَاهِرُ سِيَاقِ الْقِصَّةِ يَأْبَى هَذَا خُصُوصًا رِوَايَةَ شُعْبَةَ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَّائِيَّ: عَمَدَتْ إِلَى شَرِّ بَيْتٍ لَهَا فَجَلَسَتْ فِيهِ وَلَعَلَّ أَصْلَ الْحِفْش مَا ذَكَرَ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي الْبَيْتِ الصَّغِيرِ الْحَقِيرِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ، وَالْأَحْلَاسُ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ بِمُهْمَلَتَيْنِ جَمْعُ حِلْسٍ بِكَسْرٍ ثُمَّ سُكُونٍ وَهُوَ الثَّوْبُ، أَوِ الْكِسَاءُ الرَّقِيقُ، يَكُونُ تَحْتَ الْبَرْذعَةِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الرَّاوِيَ شَكَّ فِي أَيِّ اللَّفْظَيْنِ وَقَعَ وَصْفُ ثِيَابِهَا أَوْ وَصْفُ مَكَانِهَا، وَقَدْ ذُكِرَا مَعًا فِي رِوَايَةِ الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى يَمُرَّ بِهَا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: لَهَا.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ) بِالتَّنْوِينِ (حِمَارٍ) بِالْجَرِّ وَالتَّنْوِينِ عَلَى الْبَدَلِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ شَاةٍ أَوْ طَائِرٍ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ، وَإِطْلَاقُ الدَّابَّةِ عَلَى مَا ذُكِرَ هُوَ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ لَا الْعُرْفِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (فَتَفْتَضُّ) بِفَاءٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ ثُمَّ ضَادٍ مُعْجَمَةٍ ثَقِيلَةٍ، فَسَّرَهُ مَالِكٌ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ، فَقَالَ: تَمْسَحُ بِهِ جِلْدَهَا، وَأَصْلُ الْفَضِّ: الْكَسْرُ، أَيْ: تَكْسِرُ مَا كَانَتْ فِيهِ، وَتَخْرُجُ مِنْهُ بِمَا تَفْعَلُهُ بِالدَّابَّةِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ: تُقْبَصُ بِقَافِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ خَفِيفَةٍ، وَهِيَ رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ، وَالْقَبْصُ: الْأَخْذُ بِأَطْرَافِ الْأَنَامِلِ، قَالَ الْأَصْبِهَانِيُّ، وَابْنُ الْأَثِيرِ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْإِسْرَاعِ، أَيْ: تَذْهَبُ بِعَدْوٍ وَسُرْعَةٍ إِلَى مَنْزِلِ أَبَوَيْهَا؟ لِكَثْرَةِ حَيَائِهَا لِقُبْحِ مَنْظَرِهَا، أَوْ لِشِدَّةِ شَوْقِهَا إِلَى التَّزْوِيجِ لِبُعْدِ عَهْدِهَا بِهِ. وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهَا: بِهِ سَبَبِيَّةٌ، وَالضَّبْطُ الْأَوَّلُ أَشْهَرُ.

قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سَأَلْتُ الْحِجَازِيِّينَ عَنِ الِافْتِضَاضِ، فَذَكَرُوا أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ كَانَتْ لَا تَمَسُّ مَاءً، وَلَا تُقَلِّمُ ظُفْرًا، وَلَا تُزِيلُ شَعْرًا، ثُمَّ تَخْرُجُ بَعْدَ الْحَوْلِ بِأَقْبَحِ مَنْظَرٍ، ثُمَّ تَفْتَضُّ، أَيْ: تَكْسِرُ مَا هِيَ فِيهِ مِنَ الْعِدَّةِ بِطَائِرٍ تَمْسَحُ بِهِ قُبُلَهَا، وَتَنْبِذُهُ، فَلَا يَكَادُ يَعِيشُ بَعْدَمَا تَفْتَضُّ بِهِ.

قُلْتُ: وَهَذَا لَا يُخَالِفُ تَفْسِيرَ مَالِكٍ، لَكِنَّهُ أَخَصُّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَطْلَقَ الْجِلْدَ وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ جِلْدُ الْقُبُلِ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: مَعْنَاهُ أَنَّهَا تَمْسَحُ بِيَدِهَا عَلَى الدَّابَّةِ وَعَلَى ظَهْرِهِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ) أمْرَ نَدْبٍ، وقال المالكيَّة وصحَّحه صاحب «الهداية» من الحنفيَّة: للوجوب (أَنْ يُرَاجِعَهَا، ثُمَّ يُمْسِكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ عِنْدَهُ حَيْضَةً أُخْرَى، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ حَيْضِهَا، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا حِينَ تَطْهُرُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُجَامِعَهَا، فَتِلْكَ) أي: حالة الطُّهر (العِدَّةُ) زمنها المُعتبر فيها (الَّتِي أَمَرَ اللهُ) أي: أَذِن الله في قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] (أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ) بفتح لام «يطلَّق» (وَكَانَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر (إِذَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ) أي: عمَّن طلَّق ثلاثًا (قَالَ لأَحَدِهِمْ: إِنْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لو» (كُنْتَ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْكَ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) بضمير الغيبة، ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «غيرك» بضمير الخطاب.

(وَزَادَ فِيهِ) في الحديث (غَيْرُهُ) أي: غير قُتيبة، وهو (١) أبو الجهم (عَنِ اللَّيْثِ) بن سعدٍ، أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ) يخاطبُ من سأله عن كونِهِ طلَّق امرأته ثلاثًا: (لَوْ طَلَّقْتَ) امرأتَكَ (مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ) لكانَ لك أن تُراجِعها (فَإِنَّ النَّبِيَّ ) لمَّا طلَّقتُ امرأتيِ وهي حائضٌ طلاقًا غير بائنٍ (أَمَرَنِي بِهَذَا) أي: بالمراجَعَة، وزاد في «باب من قال لامرأتِهِ: أنت عليَّ حرامٌ»: «فإن طلَّقها (٢) ثلاثًا حرمت حتى تنكح زوجًا غيره» [خ¦٥٢٦٤].

وهذا وصله أبو الجهم في «جزئه».

(٤٥) (بابُ مُرَاجَعَةِ الحَائِضِ) إذا طلقت طلاقًا غيرَ بائنٍ.

٥٣٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ) هو ابنُ منهال قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) التُّستريُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ) بضم الجيم وفتح

الموحدة آخره راء مصغَّرًا، ابن مطعم، أنَّه قال: (سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ) عمَّن يطلِّق امرأته وهي حائض (فَقَالَ) مجيبًا لي معبرًا بلفظ الغَيْبَة عن نفسه: (طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ) آمنةَ بنت غفار (وَهْيَ حَائِضٌ، فَسَأَلَ عُمَرُ النَّبِيَّ ) عن ذلك لمَّا سأله عن ابنه (قَالَ) لِعُمر (١): (مُرْهُ) أي: مر ابنك عبدَ الله (أَنْ يُرَاجِعَهَا) إلى عصمتِه (ثُمَّ يُطَلِّقَـ) ها (مِنْ قُبُلِ) بضم القاف والموحدة، أي: من وقتِ استقبال (عِدَّتِهَا) والشُّروع فيها، وذلك في الطُّهر.

قال يونسُ بن جُبير: (قُلْتُ) لابنِ عمر: (أفَتَعْتَدُّ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ؟) وتحتسبها ويُحكَم بوقوعِ طلقةٍ (قَالَ) ابن عمر مجيبًا له: (أَرَأَيْتَ) أي: أَخْبرني (إِنْ عَجَزَ) ابنُ عمر (وَاسْتَحْمَقَ) فما يمنعُه أن يكونَ طلاقًا.

وهذا الحديث قد مرَّ في أوائلِ «الطَّلاق» [خ¦٥٢٥٨].

(٤٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (تُحِدُّ) المرأة (المُتَوَفَّى عَنْهَا زَوجها أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) تُحِدُّ -بضم الفوقيَّة وكسر الحاء المهملة من الثُّلاثي المزيد فيه مِنْ أَحَدَّ على وزنِ أفعلَ- تحدُّ إحدادًا، وهو لغةً المنعُ، واصطلاحًا: تركُ المتوفَّى عنها زوجُها في عِدَّة الوفاةِ لبسَ مصبوغٍ بما يُقصد لزينةٍ، ولو صُبِغ قبل نسجهِ، وتركُ تحلٍّ بحَبٍّ (٢) يُتحلَّى به كلؤلؤٍ ومصوغٍ من ذهبٍ أو فضَّةٍ أو غيرهما، نحو نُحاس موِّه بهما نهارًا كخلخالٍ وسِوار وخاتمٍ، وتركُ تطيُّبٍ في بدنٍ وثوبٍ وطعامٍ وكُحلٍ ولو غير محرمٍ، وتركُ دهنِ شعرٍ واكتحالٍ بكحلِ زينةٍ كإثمدٍ إلَّا لحاجةٍ كرمدٍ، فتكتحلُ به ليلًا وتمسحُه نهارًا، وتركُ اسفيذَاج يُطلى به الوجه، ودِمَامٍ وهي حُمرةٌ يورَّد بها الخدُّ، وخضابٍ بنحو حِنَّاء كزعفرانٍ وورسٍ، وسقط لفظ «زوجها» لأبي ذرٍّ.

(وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم (٣): (لَا أَرَى) بفتح الهمزة والراء (أَنْ تَقْرَبَ الصَّبِيَّةُ المُتَوَفَّى

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر