«جَاءَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٣٥٩

الحديث رقم ٥٣٥٩ من كتاب «كتاب النفقات» في صحيح البخاري، تحت باب: باب نفقة المرأة إذا غاب عنها زوجها ونفقة الولد.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «جاءت هند بنت عتبة، فقالت: يا رسول الله، إن…

«جَاءَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أَنْ أُطْعِمَ مِنَ الَّذِي لَهُ عِيَالَنَا قَالَ: لَا إِلَّا بِالْمَعْرُوفِ.»

سند حديث: ٥٣٥٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ…

٥٣٥٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «جاءت هند بنت عتبة، فقالت: يا رسول الله، إن…

استفتتْ هند بنت عتبة رضي الله عنها النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن زوجها أبي سفيان رضي الله عنه، وأنه رجل بخيل حريص على ماله، لا يعطيها من النفقة ما يكفيها ويكفي بنيها، إلا أن تأخذ من ماله سرًّا وهو لا يعلم، فهل عليها في ذلك من إثم؟

فقال صلى الله عليه وسلم: خذي لك ولبنيه من ماله القَدْرَ الذي عُرِف بالعادة أنه الكفاية ولو بغير علمه.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • وجوب النفقةِ على الزَّوجة والأولاد.
  • قال ابن حجر: والمراد من قوله: "خذي من ماله ما يكفيك بالمعروف"، فأحالها على العرف فيما ليس فيه تحديد شرعي.
  • قال ابن حجر: واستدل بهذا الحديث على جواز ذكر الإنسان بما لا يعجبه إذا كان على وجه الاستفتاء والاشتكاء ونحو ذلك، وهو أحد المواضع التي تباح فيها الغيبة.
  • قال القرطبي: لم تُرد هند وصف أبي سفيان بالشُّحّ في جميع أحواله، وإنما وصفت حالها معه وأنه كان يُقَتِّر عليها وعلى أولادها، وهذا لا يستلزم البخل مطلقًا، فإن كثيرًا من الرؤساء يفعل ذلك مع أهله ويؤثِر الأجانب استئلافًا لهم.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «جاءت هند بنت عتبة، فقالت: يا رسول الله، إن…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الِاخْتِلَافِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي حَالِ الضِّيقِ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ الِادِّخَارُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَصْلًا.

٤ - بَاب نَفَقَةِ الْمَرْأَةِ إِذَا غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَنَفَقَةِ الْوَلَدِ

٥٣٥٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ، فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أَنْ أُطْعِمَ مِنْ الَّذِي لَهُ عِيَالَنَا؟ قَالَ: لَا إِلَّا بِالْمَعْرُوفِ.

٥٣٦٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: إِذَا أَنْفَقَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ كَسْبِ زَوْجِهَا عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ نَفَقَةِ الْمَرْأَةِ إِذَا غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَنَفَقَةُ الْوَلَدِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ هِنْدٍ امْرَأَةِ أَبِي سُفْيَانَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ

وَحَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ كَسْبِ زَوْجِهَا، وَقَدْ مَرَّ شَرْحُهُ فِي أَوَاخِرِ النِّكَاحِ.

(تَنْبِيهٌ):

وَقَعَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ وَحَدِيثُهَا مُتَأَخِّرَةً عَنِ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ عِنْدَ النَّسَفِيِّ.

٥ - بَاب وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ - إِلَى قَوْلِهِ: - بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، وَقَالَ: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾، وَقَالَ: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى * لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ: - ﴿بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾، وَقَالَ يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ: نَهَى اللَّهُ تعالى أَنْ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا، وَذَلِكَ أَنْ تَقُولَ الْوَالِدَةُ: لَسْتُ مُرْضِعَتَهُ، وَهِيَ أَمْثَلُ لَهُ غِذَاءً وَأَشْفَقُ عَلَيْهِ وَأَرْفَقُ بِهِ مِنْ غَيْرِهَا، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَأْبَى بَعْدَ أَنْ يُعْطِيَهَا مِنْ نَفْسِهِ مَا جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لِلْمَوْلُودِ لَهُ أَنْ يُضَارَّ بِوَلَدِهِ وَالِدَتَهُ فَيَمْنَعَهَا أَنْ تُرْضِعَهُ ضِرَارًا لَهَا إِلَى غَيْرِهَا، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَسْتَرْضِعَا عَنْ طِيبِ نَفْسِ الْوَالِدِ وَالْوَالِدَةِ، ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ. فِصَالُهُ: فِطَامُهُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿بَصِيرٌ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَالْأَكْثَرُ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: إِلَى قَوْلِهِ: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وَقَالَ: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾، وَقَالَ: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى * لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾، قِيلَ: دَلَّتِ الْآيَةُ الْأُولَى عَلَى إِيجَابِ الْإِنْفَاقِ عَلَى الْمُرْضِعَةِ مِنْ أَجْلِ رَضَاعِهَا الْوَلَدَ، كَانَتْ فِي الْعِصْمَةِ أَمْ لَا. وَفِي الثَّانِيَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى قَدْرِ الْمُدَّةِ الَّتِي يَجِبُ ذَلِكَ فِيهَا.

وَفِي الثَّالِثَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى مِقْدَارِ الْإِنْفَاقِ وَأَنَّهُ بِالنَّظَرِ لِحَالِ الْمُنْفِقِ. وَفِيهَا أَيْضًا الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الْإِرْضَاعَ لَا يَتَحَتَّمُ عَلَى الْأُمِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ فِي بَابِ لَا رَضَاعَ بَعْدَ حَوْلَيْنِ الْبَحْثُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ إِرْضَاعَ الْحَوْلَيْنِ مُخْتَصٌّ بِمَنْ وَضَعَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَمَهْمَا وَضَعَتْ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ نَقَصَ مِنْ مُدَّةِ

الْحَوْلَيْنِ تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾. وَتُعُقِّبَ بِمَنْ زَادَ حَمْلُهَا عَلَى ثَلَاثِينَ شَهْرًا؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ إِسْقَاطُ مُدَّةِ الرَّضَاعَةِ وَلَا قَائِلَ بِهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى الْغَالِبِ، وَأُخِذَ مِنَ الْآيَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ أَنَّ مَنْ وُلِدَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَمَا فَوْقَهَا الْتَحَقَ بِالزَّوْجِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ يُونُسُ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ، وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ ابْنُ وَهْبٍ فِي جَامِعِهِ عَنْ يُونُسَ قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ - فَذَكَرَهُ إِلَى قَوْلِهِ: - وَتَشَاوُرٍ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عُقَيلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ نَحْوَهُ. وَقَوْلُهُ: ضِرَارًا لَهَا إِلَى غَيْرِهَا يَتَعَلَّقُ بِمَنْعِهَا، أَيْ: مَنْعُهَا يَنْتَهِي إِلَى رَضَاعِ غَيْرِهَا، فَإِذَا رَضِيَتْ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ: الْوَالِدَاتُ أَحَقُّ بِرَضَاعِ أَوْلَادِهِنَّ، وَلَيْسَ لِوَالِدَةٍ أَنْ تُضَارَّ وَلَدَهَا فَتَأْبَى رَضَاعَهُ، وَهِيَ تُعْطَى عَلَيْهِ مَا يُعْطَى غَيْرُهَا، وَلَيْسَ لِلْمَوْلُودِ لَهُ أَنْ يَنْزِعَ وَلَدَهُ مِنْهَا ضِرَارًا لَهَا وَهِيَ تَقْبَلُ مِنَ الْأَجْرِ مَا يُعْطَى غَيْرُهَا، فَإِنْ أَرَادَا فِصَالَ الْوَلَدِ عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ دُونَ الْحَوْلَيْنِ فَلَا بَأْسَ.

قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْكَلَامِ: (فِصَالُهُ: فِطَامُهُ) هُوَ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُ وَعَنِ السُّدِّيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَالْفِصَالُ مَصْدَرٌ يُقَالُ: فَاصَلْتُهُ أُفَاصِلُهُ مُفَاصَلَةً وَفِصَالًا إِذَا فَارَقْتُهُ مِنْ خُلْطَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمَا، وَفِصَالُ الْوَلَدِ مَنْعُهُ مِنْ شُرْبِ اللَّبَنِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾، لَفْظُهُ لَفْظُ الْخَبَرِ، وَمَعْنَاهُ الْأَمْرُ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِلْزَامِ، كَقَوْلِكِ: حَسْبُكُ دِرْهَمٌ، أَيِ: اكْتَفِ بِدِرْهَمٍ، قَالَ: وَلَا يَجِبُ عَلَى الْوَالِدَةِ إِرْضَاعُ وَلَدِهَا إِذَا كَانَ أَبُوهُ حَيًّا مُوسِرًا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ قَالَ: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا إِرْضَاعُ وَلَدِهَا، وَدَلَّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾، سِيقَ لِمَبْلَغِ غَايَةِ الرَّضَاعَةِ الَّتِي مَعَ اخْتِلَافِ الْوَالِدَيْنِ فِي رَضَاعِ الْمَوْلُودِ جُعِلَتْ حَدًّا فَاصِلًا.

قُلْتُ: وَهَذَا أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِمَنْ وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ أَوْ وَقْفِهِ عَلَى عِكْرِمَةَ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلٌ ثَالِثٌ أَنَّ الْحَوْلَيْنِ لِغَايَةِ الْإِرْضَاعِ، وَأَنْ لَا رَضَاعَ بَعْدَهُمَا، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ بَيْنَ الزُّهْرِيِّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، ثُمَّ أَخْرَجَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا كَانَ مِنْ رَضَاعَةٍ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ فَلَا رَضَاعَ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِثْلُهُ، ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ إِرْضَاعُهَا الْحَوْلَيْنِ فَرْضًا، ثُمَّ خُفِّفَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾، وَالْقَوْلُ الثَّانِي هُوَ الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ، وَلِهَذَا عَقَّبَ الْآيَةَ الْأُولَى بِالْآيَةِ الثَّانِيَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾، وَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ بَطَّالٍ مِنْ أَنَّ الْخَبَرَ بِمَعْنَى الْأَمْرِ هُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، لَكِنْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهَا خَبَرٌ عَنِ الْمَشْرُوعِيَّةِ؛ فَإِنَّ بَعْضَ الْوَالِدَاتِ يَجِبُ عَلَيْهِنَّ ذَلِكَ وَبَعْضُهُنَّ لَا يَجِبُ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، فَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى عُمُومِهِ، وَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِي الْعُدُولِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِالْإِلْزَامِ كَأَنْ يُقَالَ: وَعَلَى الْوَالِدَاتِ إِرْضَاعُ أَوْلَادِهِنَّ كَمَا جَاءَ بَعْدَهُ، ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَالِدَاتِ هُنَا الْمَبْتُوتَاتُ الْمُطَلَّقَاتُ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ أُجْرَةَ

الرَّضَاعِ عَلَى الزَّوْجِ إِذَا خَرَجَتِ الْمُطَلَّقَةُ مِنَ الْعِدَّةِ، وَالْأُمُّ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ أَوْلَى بِالرَّضَاعَةِ إِلَّا إِنْ وَجَدَ الْأَبُ مَنْ يُرْضِعُ لَهُ بِدُونِ مَا سَأَلَتْ، إِلَّا أَنْ لَا يَقْبَلَ الْوَلَدُ غَيْرَهَا فَتُجْبَرُ بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْمَنْقُولِ هُنَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُتَزَوِّجَةِ: فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ الْكُوفِيِّينَ: لَا يَلْزَمُهَا إِرْضَاعُ وَلَدِهَا، وَقَالَ مَالِكٌ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى مِنَ الْكُوفِيِّينَ: تُجْبَرُ عَلَى إِرْضَاعِ وَلَدِهَا مَا دَامَتْ مُتَزَوِّجَةً بِوَالِدِهِ، وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهَا لَا تُجْبَرُ بِأَنَّ ذَلِكَ إِنْ كَانَ لِحُرْمَةِ الْوَلَدِ فَلَا يُتَّجَهُ؛ لِأَنَّهَا لَا تُجْبَرُ عَلَيْهِ إِذَا كَانَتْ مُطَلَّقَةً ثَلَاثًا بِإِجْمَاعٍ، مَعَ أَنَّ حُرْمَةَ الْوَلَدِيَّةِ مَوْجُودَةٌ، وَإِنْ كَانَ لِحُرْمَةِ الزَّوْجِ لَمْ يُتَّجَهْ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَخْدِمَهَا فِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٣٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ) محمَّد المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بنُ يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بن الزُّبير (أَنَّ عَائِشَةَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عن عائشة» () أنَّها (قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدُ) بغير صرفٍ، ولأبي ذرٍّ: «هند» بالصَّرف (١) (بِنْتُ عُتْبَةَ) بنِ ربيعةَ بنِ عبد شمس بنِ عبد مناف، أمُّ معاوية إلى رسول الله (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ) صخر بن حرب بن أميَّة بن عبد شمس بن عبد منافٍ (رَجُلٌ مِسِّيكٌ) قال في «القاموس»: كأَمِيْر وسِكِّيْت وهُمَزَة وعُنُق: بخيلٍ (فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ) إثمٌ (أَنْ أُطْعِمَ) بضم الهمزة وكسر العين (مِنَ) الشَّيء (الَّذِي لَهُ عِيَالَنَا؟ قَالَ) : (لَا) تُطعميهِم من ماله (إِلَّا بِالمَعْرُوفِ) بين النَّاس أنَّه قدر الكفايةِ عادةً من غير إسرافٍ، وفي «المظالم»: «لا حرجَ عليك أنْ تُطْعميهم بالمعروفِ» [خ¦٢٤٦٠] وقال القُرطبيُّ: قوله: «خذي» أمر إباحةٍ بدليل قوله: «لا حرجَ». قال: وهذه الإباحةُ وإن كانت مطلقةً لفظًا لكنَّها مقيدةٌ معنًى كأنَّه قال: إن صحَّ ما ذكرتِ، وقد اختلف أصحابنا هل للمرأةِ استقلالٌ بالأخذِ من مال زوجِها عند الحاجةِ بغيرِ إذنِ القاضي؟ فيه وجهانِ مبنيَّان على وجهين بناءً على أنَّ إذنَ النّبيِّ لهندٍ كان إفتاءً أو قضاءً، والأوَّل أصحُّ فيجري في كلِّ امرأةٍ أشبهتْها، وعلى الثّاني وهو أن يكون قضاءً لا يجري على غيرها إلَّا بإذنِ القاضي، وأيَّد القول الأول ابنُ دقيق العيد بأنَّ الحكم يحتاجُ إلى إثباتِ السَّبب المسلَّط على الأخذِ من مال الغير، ولا يحتاجُ إلى ذلك في (٢) الفَتوى، وربما قيل: إنَّ أبا سفيان كان حاضرًا في البلدِ، ولا يُقضى على الغائبِ الحاضر في البلدِ مع إمكان إحضارِهِ وسماع الدَّعوى على المشهور من مذاهبِ الفقهاء، ثمَّ قال: وهذا يبعد ثبوتَه إلَّا أن يُؤخذَ بطريق الاستصحابِ بحال حضورِهِ. انتهى.

وفيه كلامٌ يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى بعونه في «القضاءِ على الغائب» في «كتاب الأحكام».

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

يتَعَلَّق بقوله: (فيمنعها) أَي: منعا يَنْتَهِي إِلَى رضَاع غَيرهَا. قَوْله: (فَإِن أَرَادَ فصالاً) أَي: فَإِن أنْفق والدا الطِّفْل على فصاله قبل الْحَوْلَيْنِ ورأيا فِي ذَلِك مصلحَة لَهُ وتشاورا فِي ذَلِك واجتمعا عَلَيْهِ فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا فِي ذَلِك. فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَن انْفِرَاد أَحدهمَا بذلك دون الآخر لَا يَكْفِي، وَلَا يجوز لوَاحِد مِنْهُمَا أَن يستبد بذلك من غير مُشَاورَة الآخر. قَوْله: (فصاله) فطامه، هَذَا تَفْسِير ابْن عَبَّاس أخرجه الطَّبَرِيّ عَنهُ، والفصال مصدر تَقول: فاصلته أفاصله مفاصلة وفصالاً إِذا فارقته من خلْطَة كَانَت بَينهمَا، وفصال الْوَلَد مَنعه من شرب اللَّبن.

٥ - (بَابُ: {نَفَقَةِ المَرْأةِ إذَا غَابَ عَنْهَا زَوْجُها وَنَفَقَةِ الوَلَدِ} )

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان نَفَقَة الْمَرْأَة إِلَى آخِره.

٥٣٥٩ - حدَّثنا ابنُ مِقَاتِلٍ أخْبَرَنا عَبْدُ الله أخْبَرَنا يُونُسُ عَنِ ابنِ شِهابٍ أخْبَرَنِي عُرْوَةُ أنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها. قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله إنَّ أبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مَسِيكٌ فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أنْ أُطْعِمَ مِنَ الَّذِي لَهُ عِيالَنا؟ قَالَ: لَا، إلاّ بِالمَعْرُوفِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. فِي نَفَقَة الْوَلَد فَقَط لِأَن أَبَا سُفْيَان كَانَ حَاضرا فِي الْمَدِينَة.

وَابْن مقَاتل هُوَ مُحَمَّد بن مقَاتل الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور عَن يحيى بن بكير عَن لَيْث.

قَوْله: (هِنْد بنت عتبَة) بِضَم الْعين وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن ربيعَة عبد شمس بن عبد منَاف أم مُعَاوِيَة أسلمت عَام الْفَتْح بعد إِسْلَام زَوجهَا أبي سُفْيَان بن حَرْب فأقرهما رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، على نِكَاحهمَا، وَتوفيت فِي خلَافَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَبُو قُحَافَة والذ أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَاسم أبي سُفْيَان صَخْر بن حَرْب بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف، مَاتَ فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ فِي خلَافَة عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَصلى عَلَيْهِ ابْنه مُعَاوِيَة. وَقيل: عُثْمَان، وَدفن بِالبَقِيعِ وَهُوَ ابْن ثَمَان وَثَمَانِينَ سنة. وَقيل: ابْن بضع وَتِسْعين سنة. قَوْله: (مسيك) بِفَتْح الْمِيم وَكسر السِّين الْمُهْملَة الْخَفِيفَة وبكسر الْمِيم وَتَشْديد السِّين يَعْنِي: بخيل لَا يُعْطي من مَاله شَيْئا. فَالْأول فعيل بِمَعْنى فَاعل، وَالثَّانِي صِيغَة مُبَالغَة، قَوْله: (حرج) أَي: إِثْم قَوْله: (من الَّذِي لَهُ) أَي: من الشَّيْء الَّذِي لَهُ مِمَّا يملكهُ. قَوْله: (عيالنا) مَنْصُوب بقوله: (أَن أطْعم) قَوْله: (قَالَ لَا إِلَّا بِالْمَعْرُوفِ) أَي: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا تطعمي إلَاّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقيل: مَعْنَاهُ: لَا حرج عَلَيْك وَلَا تنفقي إلَاّ بِالْمَعْرُوفِ، وَهُوَ الَّذِي يتعارفه النَّاس فِي النَّفَقَة على أَوْلَادهم من غير إِسْرَاف. وَقيل: مَعْنَاهُ لَا تسرفي وأنفقي بِالْمَعْرُوفِ.

وَفِيه الدّلَالَة على وجوب نَفَقَة الْوَلَد.

٣٥٦٠ - حدَّثنا يَحْيَى حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ قَالَ: سَمِعْتُ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَال: إذَا أنْفَقَتِ المَرْأةُ مِنْ كَسْبِ زَوْجِها عَنْ غَيْر أمْرِهِ فَلَهُ نِصْفُ أجْرِهِ.

قيل: لَا وَجه لإيراد هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب، فَلَا مُطَابقَة بَينه وَبَين التَّرْجَمَة وَأجِيب: بِأَنَّهُ كَمَا كَانَ للْمَرْأَة أَن تَتَصَدَّق من مَال زَوجهَا من غير أمره بِمَا تعلم أَنه يسمح بِمثلِهِ، وَهُوَ غير وَاجِب، كَانَ لَهَا أَن تَأْخُذ من مَاله بِمَا يجب عَلَيْهِ بِالطَّرِيقِ الأولى. وَهَذَا هُوَ الْجَامِع بَين الْحَدِيثين، وَهَذَا الْقدر كافٍ فِي الْمُطَابقَة.

وَيحيى شيخ البُخَارِيّ قَالَ الْكرْمَانِي: أما يحيى بن مُوسَى الْبَلْخِي الَّذِي يُقَال لَهُ: خَتّ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَأما يحيى بن جَعْفَر بن أعين البيكندي البُخَارِيّ، سمع عبد الرَّزَّاق بن همام عَن معمر بن رَاشد عَن همام بن مُنَبّه أخي وهب بن مُنَبّه. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى التَّرَدُّد فِي يحيى فَإِن الحَدِيث مر فِي الْبيُوع فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: {انفقوا من طَيّبَات مَا كسبتم} (الْبَقَرَة: ٢٦) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن وَصرح فِيهِ بقوله: حَدثنِي يحيى بن جَعْفَر عَن عبد الرَّزَّاق إِلَى آخِره.

قَوْله: (فَلهُ نصف أجره) وَوَجهه أَن ذَلِك من الطَّعَام الَّذِي يكون فِي الْبَيْت لأجل قوتهما جَمِيعًا. وَقيل المُرَاد بِغَيْر أمره الصَّرِيح بِأَن يَكْتَفِي فِي الْإِنْفَاق بِالْعَادَةِ أَو بالقرائن فِي الْإِذْن وَالْكَلَام المستوفي فِيهِ قد مر هُنَاكَ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الِاخْتِلَافِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي حَالِ الضِّيقِ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ الِادِّخَارُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَصْلًا.

٤ - بَاب نَفَقَةِ الْمَرْأَةِ إِذَا غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَنَفَقَةِ الْوَلَدِ

٥٣٥٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ، فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أَنْ أُطْعِمَ مِنْ الَّذِي لَهُ عِيَالَنَا؟ قَالَ: لَا إِلَّا بِالْمَعْرُوفِ.

٥٣٦٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: إِذَا أَنْفَقَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ كَسْبِ زَوْجِهَا عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ نَفَقَةِ الْمَرْأَةِ إِذَا غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَنَفَقَةُ الْوَلَدِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ هِنْدٍ امْرَأَةِ أَبِي سُفْيَانَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ

وَحَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ كَسْبِ زَوْجِهَا، وَقَدْ مَرَّ شَرْحُهُ فِي أَوَاخِرِ النِّكَاحِ.

(تَنْبِيهٌ):

وَقَعَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ وَحَدِيثُهَا مُتَأَخِّرَةً عَنِ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ عِنْدَ النَّسَفِيِّ.

٥ - بَاب وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ - إِلَى قَوْلِهِ: - بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، وَقَالَ: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾، وَقَالَ: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى * لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ: - ﴿بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾، وَقَالَ يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ: نَهَى اللَّهُ تعالى أَنْ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا، وَذَلِكَ أَنْ تَقُولَ الْوَالِدَةُ: لَسْتُ مُرْضِعَتَهُ، وَهِيَ أَمْثَلُ لَهُ غِذَاءً وَأَشْفَقُ عَلَيْهِ وَأَرْفَقُ بِهِ مِنْ غَيْرِهَا، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَأْبَى بَعْدَ أَنْ يُعْطِيَهَا مِنْ نَفْسِهِ مَا جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لِلْمَوْلُودِ لَهُ أَنْ يُضَارَّ بِوَلَدِهِ وَالِدَتَهُ فَيَمْنَعَهَا أَنْ تُرْضِعَهُ ضِرَارًا لَهَا إِلَى غَيْرِهَا، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَسْتَرْضِعَا عَنْ طِيبِ نَفْسِ الْوَالِدِ وَالْوَالِدَةِ، ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ. فِصَالُهُ: فِطَامُهُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿بَصِيرٌ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَالْأَكْثَرُ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: إِلَى قَوْلِهِ: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وَقَالَ: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾، وَقَالَ: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى * لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾، قِيلَ: دَلَّتِ الْآيَةُ الْأُولَى عَلَى إِيجَابِ الْإِنْفَاقِ عَلَى الْمُرْضِعَةِ مِنْ أَجْلِ رَضَاعِهَا الْوَلَدَ، كَانَتْ فِي الْعِصْمَةِ أَمْ لَا. وَفِي الثَّانِيَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى قَدْرِ الْمُدَّةِ الَّتِي يَجِبُ ذَلِكَ فِيهَا.

وَفِي الثَّالِثَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى مِقْدَارِ الْإِنْفَاقِ وَأَنَّهُ بِالنَّظَرِ لِحَالِ الْمُنْفِقِ. وَفِيهَا أَيْضًا الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الْإِرْضَاعَ لَا يَتَحَتَّمُ عَلَى الْأُمِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ فِي بَابِ لَا رَضَاعَ بَعْدَ حَوْلَيْنِ الْبَحْثُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ إِرْضَاعَ الْحَوْلَيْنِ مُخْتَصٌّ بِمَنْ وَضَعَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَمَهْمَا وَضَعَتْ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ نَقَصَ مِنْ مُدَّةِ

الْحَوْلَيْنِ تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾. وَتُعُقِّبَ بِمَنْ زَادَ حَمْلُهَا عَلَى ثَلَاثِينَ شَهْرًا؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ إِسْقَاطُ مُدَّةِ الرَّضَاعَةِ وَلَا قَائِلَ بِهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى الْغَالِبِ، وَأُخِذَ مِنَ الْآيَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ أَنَّ مَنْ وُلِدَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَمَا فَوْقَهَا الْتَحَقَ بِالزَّوْجِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ يُونُسُ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ، وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ ابْنُ وَهْبٍ فِي جَامِعِهِ عَنْ يُونُسَ قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ - فَذَكَرَهُ إِلَى قَوْلِهِ: - وَتَشَاوُرٍ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عُقَيلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ نَحْوَهُ. وَقَوْلُهُ: ضِرَارًا لَهَا إِلَى غَيْرِهَا يَتَعَلَّقُ بِمَنْعِهَا، أَيْ: مَنْعُهَا يَنْتَهِي إِلَى رَضَاعِ غَيْرِهَا، فَإِذَا رَضِيَتْ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ: الْوَالِدَاتُ أَحَقُّ بِرَضَاعِ أَوْلَادِهِنَّ، وَلَيْسَ لِوَالِدَةٍ أَنْ تُضَارَّ وَلَدَهَا فَتَأْبَى رَضَاعَهُ، وَهِيَ تُعْطَى عَلَيْهِ مَا يُعْطَى غَيْرُهَا، وَلَيْسَ لِلْمَوْلُودِ لَهُ أَنْ يَنْزِعَ وَلَدَهُ مِنْهَا ضِرَارًا لَهَا وَهِيَ تَقْبَلُ مِنَ الْأَجْرِ مَا يُعْطَى غَيْرُهَا، فَإِنْ أَرَادَا فِصَالَ الْوَلَدِ عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ دُونَ الْحَوْلَيْنِ فَلَا بَأْسَ.

قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْكَلَامِ: (فِصَالُهُ: فِطَامُهُ) هُوَ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُ وَعَنِ السُّدِّيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَالْفِصَالُ مَصْدَرٌ يُقَالُ: فَاصَلْتُهُ أُفَاصِلُهُ مُفَاصَلَةً وَفِصَالًا إِذَا فَارَقْتُهُ مِنْ خُلْطَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمَا، وَفِصَالُ الْوَلَدِ مَنْعُهُ مِنْ شُرْبِ اللَّبَنِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾، لَفْظُهُ لَفْظُ الْخَبَرِ، وَمَعْنَاهُ الْأَمْرُ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِلْزَامِ، كَقَوْلِكِ: حَسْبُكُ دِرْهَمٌ، أَيِ: اكْتَفِ بِدِرْهَمٍ، قَالَ: وَلَا يَجِبُ عَلَى الْوَالِدَةِ إِرْضَاعُ وَلَدِهَا إِذَا كَانَ أَبُوهُ حَيًّا مُوسِرًا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ قَالَ: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا إِرْضَاعُ وَلَدِهَا، وَدَلَّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾، سِيقَ لِمَبْلَغِ غَايَةِ الرَّضَاعَةِ الَّتِي مَعَ اخْتِلَافِ الْوَالِدَيْنِ فِي رَضَاعِ الْمَوْلُودِ جُعِلَتْ حَدًّا فَاصِلًا.

قُلْتُ: وَهَذَا أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِمَنْ وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ أَوْ وَقْفِهِ عَلَى عِكْرِمَةَ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلٌ ثَالِثٌ أَنَّ الْحَوْلَيْنِ لِغَايَةِ الْإِرْضَاعِ، وَأَنْ لَا رَضَاعَ بَعْدَهُمَا، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ بَيْنَ الزُّهْرِيِّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، ثُمَّ أَخْرَجَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا كَانَ مِنْ رَضَاعَةٍ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ فَلَا رَضَاعَ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِثْلُهُ، ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ إِرْضَاعُهَا الْحَوْلَيْنِ فَرْضًا، ثُمَّ خُفِّفَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾، وَالْقَوْلُ الثَّانِي هُوَ الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ، وَلِهَذَا عَقَّبَ الْآيَةَ الْأُولَى بِالْآيَةِ الثَّانِيَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾، وَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ بَطَّالٍ مِنْ أَنَّ الْخَبَرَ بِمَعْنَى الْأَمْرِ هُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، لَكِنْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهَا خَبَرٌ عَنِ الْمَشْرُوعِيَّةِ؛ فَإِنَّ بَعْضَ الْوَالِدَاتِ يَجِبُ عَلَيْهِنَّ ذَلِكَ وَبَعْضُهُنَّ لَا يَجِبُ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، فَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى عُمُومِهِ، وَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِي الْعُدُولِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِالْإِلْزَامِ كَأَنْ يُقَالَ: وَعَلَى الْوَالِدَاتِ إِرْضَاعُ أَوْلَادِهِنَّ كَمَا جَاءَ بَعْدَهُ، ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَالِدَاتِ هُنَا الْمَبْتُوتَاتُ الْمُطَلَّقَاتُ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ أُجْرَةَ

الرَّضَاعِ عَلَى الزَّوْجِ إِذَا خَرَجَتِ الْمُطَلَّقَةُ مِنَ الْعِدَّةِ، وَالْأُمُّ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ أَوْلَى بِالرَّضَاعَةِ إِلَّا إِنْ وَجَدَ الْأَبُ مَنْ يُرْضِعُ لَهُ بِدُونِ مَا سَأَلَتْ، إِلَّا أَنْ لَا يَقْبَلَ الْوَلَدُ غَيْرَهَا فَتُجْبَرُ بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْمَنْقُولِ هُنَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُتَزَوِّجَةِ: فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ الْكُوفِيِّينَ: لَا يَلْزَمُهَا إِرْضَاعُ وَلَدِهَا، وَقَالَ مَالِكٌ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى مِنَ الْكُوفِيِّينَ: تُجْبَرُ عَلَى إِرْضَاعِ وَلَدِهَا مَا دَامَتْ مُتَزَوِّجَةً بِوَالِدِهِ، وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهَا لَا تُجْبَرُ بِأَنَّ ذَلِكَ إِنْ كَانَ لِحُرْمَةِ الْوَلَدِ فَلَا يُتَّجَهُ؛ لِأَنَّهَا لَا تُجْبَرُ عَلَيْهِ إِذَا كَانَتْ مُطَلَّقَةً ثَلَاثًا بِإِجْمَاعٍ، مَعَ أَنَّ حُرْمَةَ الْوَلَدِيَّةِ مَوْجُودَةٌ، وَإِنْ كَانَ لِحُرْمَةِ الزَّوْجِ لَمْ يُتَّجَهْ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَخْدِمَهَا فِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٣٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ) محمَّد المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بنُ يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بن الزُّبير (أَنَّ عَائِشَةَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عن عائشة» () أنَّها (قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدُ) بغير صرفٍ، ولأبي ذرٍّ: «هند» بالصَّرف (١) (بِنْتُ عُتْبَةَ) بنِ ربيعةَ بنِ عبد شمس بنِ عبد مناف، أمُّ معاوية إلى رسول الله (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ) صخر بن حرب بن أميَّة بن عبد شمس بن عبد منافٍ (رَجُلٌ مِسِّيكٌ) قال في «القاموس»: كأَمِيْر وسِكِّيْت وهُمَزَة وعُنُق: بخيلٍ (فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ) إثمٌ (أَنْ أُطْعِمَ) بضم الهمزة وكسر العين (مِنَ) الشَّيء (الَّذِي لَهُ عِيَالَنَا؟ قَالَ) : (لَا) تُطعميهِم من ماله (إِلَّا بِالمَعْرُوفِ) بين النَّاس أنَّه قدر الكفايةِ عادةً من غير إسرافٍ، وفي «المظالم»: «لا حرجَ عليك أنْ تُطْعميهم بالمعروفِ» [خ¦٢٤٦٠] وقال القُرطبيُّ: قوله: «خذي» أمر إباحةٍ بدليل قوله: «لا حرجَ». قال: وهذه الإباحةُ وإن كانت مطلقةً لفظًا لكنَّها مقيدةٌ معنًى كأنَّه قال: إن صحَّ ما ذكرتِ، وقد اختلف أصحابنا هل للمرأةِ استقلالٌ بالأخذِ من مال زوجِها عند الحاجةِ بغيرِ إذنِ القاضي؟ فيه وجهانِ مبنيَّان على وجهين بناءً على أنَّ إذنَ النّبيِّ لهندٍ كان إفتاءً أو قضاءً، والأوَّل أصحُّ فيجري في كلِّ امرأةٍ أشبهتْها، وعلى الثّاني وهو أن يكون قضاءً لا يجري على غيرها إلَّا بإذنِ القاضي، وأيَّد القول الأول ابنُ دقيق العيد بأنَّ الحكم يحتاجُ إلى إثباتِ السَّبب المسلَّط على الأخذِ من مال الغير، ولا يحتاجُ إلى ذلك في (٢) الفَتوى، وربما قيل: إنَّ أبا سفيان كان حاضرًا في البلدِ، ولا يُقضى على الغائبِ الحاضر في البلدِ مع إمكان إحضارِهِ وسماع الدَّعوى على المشهور من مذاهبِ الفقهاء، ثمَّ قال: وهذا يبعد ثبوتَه إلَّا أن يُؤخذَ بطريق الاستصحابِ بحال حضورِهِ. انتهى.

وفيه كلامٌ يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى بعونه في «القضاءِ على الغائب» في «كتاب الأحكام».

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

يتَعَلَّق بقوله: (فيمنعها) أَي: منعا يَنْتَهِي إِلَى رضَاع غَيرهَا. قَوْله: (فَإِن أَرَادَ فصالاً) أَي: فَإِن أنْفق والدا الطِّفْل على فصاله قبل الْحَوْلَيْنِ ورأيا فِي ذَلِك مصلحَة لَهُ وتشاورا فِي ذَلِك واجتمعا عَلَيْهِ فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا فِي ذَلِك. فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَن انْفِرَاد أَحدهمَا بذلك دون الآخر لَا يَكْفِي، وَلَا يجوز لوَاحِد مِنْهُمَا أَن يستبد بذلك من غير مُشَاورَة الآخر. قَوْله: (فصاله) فطامه، هَذَا تَفْسِير ابْن عَبَّاس أخرجه الطَّبَرِيّ عَنهُ، والفصال مصدر تَقول: فاصلته أفاصله مفاصلة وفصالاً إِذا فارقته من خلْطَة كَانَت بَينهمَا، وفصال الْوَلَد مَنعه من شرب اللَّبن.

٥ - (بَابُ: {نَفَقَةِ المَرْأةِ إذَا غَابَ عَنْهَا زَوْجُها وَنَفَقَةِ الوَلَدِ} )

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان نَفَقَة الْمَرْأَة إِلَى آخِره.

٥٣٥٩ - حدَّثنا ابنُ مِقَاتِلٍ أخْبَرَنا عَبْدُ الله أخْبَرَنا يُونُسُ عَنِ ابنِ شِهابٍ أخْبَرَنِي عُرْوَةُ أنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها. قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله إنَّ أبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مَسِيكٌ فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أنْ أُطْعِمَ مِنَ الَّذِي لَهُ عِيالَنا؟ قَالَ: لَا، إلاّ بِالمَعْرُوفِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. فِي نَفَقَة الْوَلَد فَقَط لِأَن أَبَا سُفْيَان كَانَ حَاضرا فِي الْمَدِينَة.

وَابْن مقَاتل هُوَ مُحَمَّد بن مقَاتل الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور عَن يحيى بن بكير عَن لَيْث.

قَوْله: (هِنْد بنت عتبَة) بِضَم الْعين وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن ربيعَة عبد شمس بن عبد منَاف أم مُعَاوِيَة أسلمت عَام الْفَتْح بعد إِسْلَام زَوجهَا أبي سُفْيَان بن حَرْب فأقرهما رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، على نِكَاحهمَا، وَتوفيت فِي خلَافَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَبُو قُحَافَة والذ أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَاسم أبي سُفْيَان صَخْر بن حَرْب بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف، مَاتَ فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ فِي خلَافَة عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَصلى عَلَيْهِ ابْنه مُعَاوِيَة. وَقيل: عُثْمَان، وَدفن بِالبَقِيعِ وَهُوَ ابْن ثَمَان وَثَمَانِينَ سنة. وَقيل: ابْن بضع وَتِسْعين سنة. قَوْله: (مسيك) بِفَتْح الْمِيم وَكسر السِّين الْمُهْملَة الْخَفِيفَة وبكسر الْمِيم وَتَشْديد السِّين يَعْنِي: بخيل لَا يُعْطي من مَاله شَيْئا. فَالْأول فعيل بِمَعْنى فَاعل، وَالثَّانِي صِيغَة مُبَالغَة، قَوْله: (حرج) أَي: إِثْم قَوْله: (من الَّذِي لَهُ) أَي: من الشَّيْء الَّذِي لَهُ مِمَّا يملكهُ. قَوْله: (عيالنا) مَنْصُوب بقوله: (أَن أطْعم) قَوْله: (قَالَ لَا إِلَّا بِالْمَعْرُوفِ) أَي: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا تطعمي إلَاّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقيل: مَعْنَاهُ: لَا حرج عَلَيْك وَلَا تنفقي إلَاّ بِالْمَعْرُوفِ، وَهُوَ الَّذِي يتعارفه النَّاس فِي النَّفَقَة على أَوْلَادهم من غير إِسْرَاف. وَقيل: مَعْنَاهُ لَا تسرفي وأنفقي بِالْمَعْرُوفِ.

وَفِيه الدّلَالَة على وجوب نَفَقَة الْوَلَد.

٣٥٦٠ - حدَّثنا يَحْيَى حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ قَالَ: سَمِعْتُ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَال: إذَا أنْفَقَتِ المَرْأةُ مِنْ كَسْبِ زَوْجِها عَنْ غَيْر أمْرِهِ فَلَهُ نِصْفُ أجْرِهِ.

قيل: لَا وَجه لإيراد هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب، فَلَا مُطَابقَة بَينه وَبَين التَّرْجَمَة وَأجِيب: بِأَنَّهُ كَمَا كَانَ للْمَرْأَة أَن تَتَصَدَّق من مَال زَوجهَا من غير أمره بِمَا تعلم أَنه يسمح بِمثلِهِ، وَهُوَ غير وَاجِب، كَانَ لَهَا أَن تَأْخُذ من مَاله بِمَا يجب عَلَيْهِ بِالطَّرِيقِ الأولى. وَهَذَا هُوَ الْجَامِع بَين الْحَدِيثين، وَهَذَا الْقدر كافٍ فِي الْمُطَابقَة.

وَيحيى شيخ البُخَارِيّ قَالَ الْكرْمَانِي: أما يحيى بن مُوسَى الْبَلْخِي الَّذِي يُقَال لَهُ: خَتّ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَأما يحيى بن جَعْفَر بن أعين البيكندي البُخَارِيّ، سمع عبد الرَّزَّاق بن همام عَن معمر بن رَاشد عَن همام بن مُنَبّه أخي وهب بن مُنَبّه. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى التَّرَدُّد فِي يحيى فَإِن الحَدِيث مر فِي الْبيُوع فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: {انفقوا من طَيّبَات مَا كسبتم} (الْبَقَرَة: ٢٦) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن وَصرح فِيهِ بقوله: حَدثنِي يحيى بن جَعْفَر عَن عبد الرَّزَّاق إِلَى آخِره.

قَوْله: (فَلهُ نصف أجره) وَوَجهه أَن ذَلِك من الطَّعَام الَّذِي يكون فِي الْبَيْت لأجل قوتهما جَمِيعًا. وَقيل المُرَاد بِغَيْر أمره الصَّرِيح بِأَن يَكْتَفِي فِي الْإِنْفَاق بِالْعَادَةِ أَو بالقرائن فِي الْإِذْن وَالْكَلَام المستوفي فِيهِ قد مر هُنَاكَ.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.5 / 29.5
الإضاءة 67%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله