الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 5365
الحديث رقم 5365 من كتاب «كتاب النفقات» في صحيح البخاري، تحت باب: باب حفظ المرأة زوجها في ذات يده والنفقة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٥٣٦٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ وَأَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
سمع أبو هريرة النبي صلى الله عليه وسلم يقول: نساء قريش خير النساء اللاتي ركبن الإبل، أو من عادتهن ركوب الإبل، أشفقهن على ولد بحسن التربية، وأرعاهن على زوج في ماله بالأمانة وحسن التدبير في النفقة وغيرها.
يقول أبو هريره عقب روايته للحديث: ولم تركب مريم بنت عمران بعيرًا قط، فلم تدخل في الموصوفات بركوب الإبل فهي أفضل النساء مطلقًا.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مَعَهَا وَآخِرُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ حَاضِرًا، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا تَوَجَّهَ وَحْدَهُ أَوْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ لَمَّا اشْتَكَتْ مِنْهُ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي تَفْسِيرِ الْمُمْتَحِنَةِ مِنَ الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ عُتْبَةَ أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ ذَهَبَ بِهَا وَبِأُخْتِهَا هِنْدٍ يُبَايِعَانِ، فَلَمَّا اشْتَرَطَ وَلَا يَسْرِقْنَ قَالَتْ هِنْدٌ: لَا أُبَايِعُكَ عَلَى السَّرِقَةِ، إِنِّي أَسْرِقُ مِنْ زَوْجِي، فَكَفَّ حَتَّى أَرْسَلَ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ يَتَحَلَّلُ لَهَا مِنْهُ، فَقَالَ: أَمَّا الرَّطْبُ فَنَعَمْ وَأَمَّا الْيَابِسُ فَلَا، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يُرِدْ أَنَّ قِصَّةَ هِنْدٍ كَانَ
قَضَاءً عَلَى أَبِي سُفْيَانَ وَهُوَ غَائِبٌ، بَلِ اسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى صِحَّةِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَضَاءً عَلَى غَائِبٍ بِشَرْطِهِ، بَلْ لَمَّا كَانَ أَبُو سُفْيَانَ غَيْرَ حَاضِرٍ مَعَهَا فِي الْمَجْلِسِ وَأَذِنَ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ قَدْرَ كِفَايَتِهَا كَانَ فِي ذَلِكَ نَوْعُ قَضَاءٍ عَلَى الْغَائِبِ فَيَحْتَاجُ مَنْ مَنَعَهُ أَنْ يُجِيبَ عَنْ هَذَا، وَقَدِ انْبَنَى عَلَى هَذَا خِلَافٌ يَتَفَرَّعُ مِنْهُ، وَهُوَ أَنَّ الْأَبَ إِذَا غَابَ أَوِ امْتَنَعَ مِنَ الْإِنْفَاقِ عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَذِنَ الْقَاضِي لِلْأُمِّ إِذَا كَانَتْ فِيهَا أَهْلِيَّةُ ذَلِكَ فِي الْأَخْذِ مِنْ مَالِ الْأَبِ إِنْ أَمْكَنَ أَوْ فِي الِاسْتِقْرَاضِ عَلَيْهِ وَالْإِنْفَاقِ عَلَى الصَّغِيرِ، وَهَلْ لَهَا الِاسْتِقْلَالُ بِذَلِكَ بِغَيْرِ إِذْنِ الْقَاضِي؟ وَجْهَانِ يَنْبَنِيَانِ عَلَى الْخِلَافِ فِي قِصَّةِ هِنْدٍ، فَإِنْ كَانَتْ إِفْتَاءً جَازَ لَهَا الْأَخْذُ بِغَيْرِ إِذْنٍ، وَإِنْ كَانَتْ قَضَاءً فَلَا يَجُوزُ إِلَّا بِإِذْنِ الْقَاضِي.
وَمِمَّا رَجَّحَ بِهِ أَنَّهُ كَانَ قَضَاءً لَا فُتْيَا التَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ حَيْثُ قَالَ لَهَا: خُذِي وَلَوْ كَانَ فُتْيَا لَقَالَ مَثَلًا: لَا حَرَجَ عَلَيْكِ إِذَا أَخَذْتِ، وَلِأَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ ﷺ إِنَّمَا هُوَ الْحُكْمُ. وَمِمَّا رَجَّحَ بِهِ أَنَّهُ كَانَ فَتْوَى وُقُوعُ الِاسْتِفْهَامِ فِي الْقِصَّةِ فِي قَوْلِهَا: هَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ وَلِأَنَّهُ فَوَّضَ تَقْدِيرَ الِاسْتِحْقَاقِ إِلَيْهَا، وَلَوْ كَانَ قَضَاءً لَمْ يُفَوِّضْهُ إِلَى الْمُدَّعِي، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحْلِفْهَا عَلَى مَا ادَّعَتْهُ وَلَا كَلَّفَهَا ال بَيِّنَةَ، وَالْجَوَابُ أَنَّ فِي تَرْكِ تَحْلِيفِهَا أَوْ تَكْلِيفِهَا الْبَيِّنَةَ حُجَّةً لِمَنْ أَجَازَ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ، فَكَأَنَّهُ ﷺ عَلِمَ صِدْقَهَا فِي كُلِّ مَا ادَّعَتْ بِهِ، وَعَنِ الِاسْتِفْهَامِ أَنَّهُ لَا اسْتِحَالَةَ فِيهِ مِنْ طَالِبِ الْحُكْمِ، وَعَنْ تَفْوِيضِ قَدْرِ الِاسْتِحْقَاقِ أَنَّ الْمُرَادَ الْمَوْكُولُ إِلَى الْعُرْفِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ الْمَذَاهِبِ فِي الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
تَنْبِيهٌ:
أَشْكَلَ عَلَى بَعْضِهِمُ اسْتِدْلَالُ الْبُخَارِيِّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَسْأَلَةِ الظَّفَرِ فِي كِتَابِ الْأَشْخَاصِ حَيْثُ تَرْجَمَ لَهُ قِصَاصُ الْمَظْلُومِ إِذَا وَجَدَ مَالَ ظَالِمِهِ وَاسْتِدْلَالُهُ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهِ عَلَى مَسْأَلَةِ الظَّفَرِ لَا تَكُونُ إِلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَسْأَلَةَ هِنْدٍ كَانَتْ عَلَى طَرِيقِ الْفَتْوَى، وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا كَانَتْ حُكْمًا. وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: كُلُّ حُكْمٍ يَصْدُرُ مِنَ الشَّارِعِ فَإِنَّهُ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْإِفْتَاءِ بِذَلِكَ الْحُكْمِ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ، فَيَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ وَقَعَ هَذَا الْبَابُ مُقَدَّمًا عَلَى بَابَيْنِ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ
١٠ - بَاب حِفْظِ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا فِي ذَاتِ يَدِهِ وَالنَّفَقَةِ
٥٣٦٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ.، وَأَبُو الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الْإِبِلَ نِسَاءُ قُرَيْشٍ - وَقَالَ الْآخَرُ: صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ - أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ. وَيُذْكَرُ عَنْ مُعَاوِيَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ.
قَوْلُهُ: (بَابُ حِفْظِ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا فِي ذَاتِ يَدِهِ، وَالنَّفَقَةِ) الْمُرَادُ بِذَاتِ الْيَدِ الْمَالُ، وَعَطْفُ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ. وَوَقَعَ فِي شَرْحِ ابْنِ بَطَّالٍ: وَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ وَزِيَادَةُ لَفْظَةِ: عَلَيْهِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٥٣٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) طاوس بن كيسان، الإمام أبي عبد الرَّحمن، قال سفيان (وَ) حدَّثنا أيضًا (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بنُ ذكوان، كلاهما، أي: ابن (١) طاوس وأبو الزِّناد (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ نِسَاءُ قُرَيْشٍ) يريدُ نساءَ العربِ لأنَّهنَّ يركبن الإبلَ.
(وَقَالَ الآخَرُ) وهو ابنُ طاوس كما عند مسلمٍ (صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ) بدل: «خيرُ» (٢).
وللكُشميهنيِّ: «صُلَّح نساء قريش (٣)» بضم الصاد وفتح اللام المشددة، بصيغة الجمع (أَحْنَاهُ) بالحاء المهملة، أشفَقه (عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ) فلا يتزوَّجن ما دام صغيرًا (وَأَرْعَاهُ) أي: أحفظهُ (عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ) أي: في (٤) ماله. ونكَّرَ لفظ الولد إشارةً إلى أنَّها تحنو على أيِّ ولدٍ كان، وإن كان ولد زوجها من غيرها أكثر ممَّا يحنو عليه غيرها. وقال: أحناهُ، فذكَّر، وكان القياس أن يقول: أحناهنَّ لأنَّ الضَّمير عائدٌ على النِّساء.
وأُجيب بأنَّ التَّذكير يدلُّ على الجنسيَّة كأنَّه قيل: خير هذا الجنس الَّذين (٥) فاقوا النَّاس في
الشَّرف هذا الجيل، ولذلك عدَلَ عن (١) ذكر العرب إلى الصِّفة المميِّزة من قوله: ركبْنَ الإبلَ لزيادة الاختصاص، ولو قيل: أحناهنَّ، كانت الذَّات المقصودة (٢)، والمعنى تابعًا لها فلم يكن بذلك، وفي اختصاص العربِ من بين سائر النَّاس واختصاصِ قريشٍ منها دَلالةٌ على أنَّ العربَ أشرفُ النَّاس وأشرفها قريشٌ.
(وَيُذْكَرُ عَنْ مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيان فيما أخرجَه الإمامُ أحمدُ والطَّبرانيُّ من طريقِ زيد بنِ أبي عتاب (وَ) عن (ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵃ فيما أخرجَهُ أحمدُ أيضًا من طريقِ شهرِ بن حوشبٍ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) نحو رواية ابنِ طاوس.
(١١) (بابُ) وجوبِ (كِسْوَةِ المَرْأَةِ) بكسر الكاف وضمِّها، على زوجها (بِالمَعْرُوفِ) أسوة أمثالها، فيجبُ لها عليه قميصٌ وسراويل، أو إزارٌ اعتيدَ، وخمارٌ وهو المقنعةُ، ومكعب وهو المداسُ أو نعل، ويزيدُ لها في الشِّتاء جبَّة محشوَّة، أو فروة بحسب الحاجةِ لدفع البردِ، فإن اشتدَّ فجُبَّتان على الموسرِ والمعسرِ، لكن الموسر يكسوهَا بكسوةٍ (٣) من جيِّد القطنِ وكذا الكتَّانُ والحريرُ والخزُّ إن اعتادوهُ لنسائهم، والمعسرُ يكسوهَا من خشنهِ، ويتوسَّط بينهما المتوسِّط.
وعلى الموسرِ طِنْفسةٌ وهي بساطٌ صغيرٌ في الشِّتاء، ونِطعٌ في الصَّيف تحتهما زِلِّيَّة أو حصير، وعلى المعسر حصيرٌ في الصَّيف ولبْدٌ في الشِّتاء، وعلى المتوسِّط زلِّيَّة في الصَّيف والشِّتاء.
ويجب لنومها على كلٍّ منهم (٤) مع التَّفاوت في الكيفيَّة بينهم: فراشٌ ترقدُ عليه كمضْرَبةٍ ليِّنة، ومخدَّةٌ مع لحافٍ أو كساءٍ في الشِّتاء ورداءٍ في الصَّيف، وآلةُ أكلٍ وشربٍ وطبخٍ كقصعةٍ وكوزٍ وجرَّةٍ وقدرٍ، وآلةُ تنظيفٍ كمُشْط ودهْنٍ وسِدْر، وأجرُ حمَّامٍ اعتيدَ، وثمنُ ماءِ غسلٍ بسببهِ كوطئهِ وولادتها منه بخلافِ الحيضِ والاحتلامِ.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَقد علم أَن سَاكن الْوسط يجوز فِيهِ الْأَمْرَانِ: الصّرْف وَتَركه، كَمَا فِي نوح ودعد وَنَحْوهمَا.
قَوْله: (شحيح) أَي: بخيل، وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة: رجل مسيك. قَوْله: (وَهُوَ لَا يعلم) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال، وَقد احْتج بِهِ من قَالَ: تلْزمهُ نَفَقَة وَلَده وَإِن كَانَ كَبِير أورد بِأَنَّهَا وَاقعَة عين وَلَا عُمُوم فِي الْأَفْعَال، وَلَعَلَّ الْوَلَد فِيهِ كَانَ صَغِيرا وكبيرا زَمنا عَاجِزا عَن الْكسْب، وَبَعض الْمَالِكِيَّة. قَالَ: تلْزمهُ إِذا كَانَ زَمنا مُطلقًا.
وَفِيه: مَسْأَلَة الظفرة، وَقد تقدم ذكرهَا فِي الْمَظَالِم على تَفْصِيل وَاخْتِلَاف فِيهَا. وَفِيه: أَن وصف الْإِنْسَان بِمَا فِيهِ من النَّقْص على وَجه التظلم مِنْهُ، والصيرورة إِلَى طلب الانتصاف من حق عَلَيْهِ جَائِز وَلَيْسَ بغيبة لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يُنكر عَلَيْهَا قَوْلهَا، وَاسْتدلَّ بعض الشَّافِعِيَّة على الْحَنَفِيَّة فِي مَنعهم الْقَضَاء على الْغَائِب بِقصَّة هِنْد لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قضى على زَوجهَا وَهُوَ غَائِب. قَالَت الْحَنَفِيَّة: هَذَا لَيْسَ بِصَحِيح، لِأَن هَذِه الْقَضِيَّة كَانَت بِمَكَّة، وَكَانَ أَبُو سُفْيَان حَاضر.
وَاخْتلف الْعلمَاء فِي مِقْدَار مَا يفْرض السُّلْطَان للزَّوْجَة على زَوجهَا. فَقَالَ مَالك: يفْرض لَهَا بِقدر كفايتها فِي الْيُسْر والعسر وَيعْتَبر حَالهَا من حَاله، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة: وَلَيْسَت مقدرَة. وَقَالَ الشَّافِعِي: مقدرَة بِاجْتِهَاد الْحَاكِم فِيهَا. وَهِي تعْتَبر بِحَالهِ دونهَا. فَمن كَانَ مُوسِرًا فمدان كل يَوْم، وَإِن كَانَ متوسطا فَمد وَنصف، وَمن كَانَ مُعسرا فَمد، فَيجب لبِنْت الْخَلِيفَة مَا يجب لبِنْت الحارس.
١٠ - (بَابُ: {حِفْظِ المَرْأةِ زَوْجِها فِي ذَاتِ يَدِهِ وَالنَّفَقَةِ} )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وجوب حفظ الْمَرْأَة زَوجهَا فِي ذَات يَده، يَعْنِي: فِي مَاله. قَوْله: (وَالنَّفقَة) ، أَي: وَفِي النَّفَقَة. وَهُوَ من عطف الْخَاص على الْعَام، وَوَقع فِي بعض النّسخ، وَالنَّفقَة عَلَيْهِ. أَي: على الزَّوْج.
٥٣٦٥ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا سُفْيَانُ حدَّثنا ابنُ طَاوُوسِ عَنْ أبِيهِ وَأبُو الزِّنادِ عَنِ الأعْرَجِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإبِلَ نِسَاءُ قُرَيْشٍ، وَقَالَ الآخَرُ: صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ أحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صَغرِهِ وَأرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وأرعاه على زوج فِي ذَات يَدَيْهِ) وَعلي بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَابْن طَاوُوس عبد الله، وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.
والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب النِّكَاح فِي: بَاب إِلَى من ينْكح وَأي النِّسَاء خير.
قَوْله: (وَأَبُو الزِّنَاد) ، عطف على (ابْن طَاوُوس) وَحَاصِله أَن لِسُفْيَان فِيهِ شيخين: أَحدهمَا: ابْن طَاوُوس، وَالْآخر: أَبُو الزِّنَاد. قَوْله: (خير نسَاء ركبن الْإِبِل نسَاء قُرَيْش) ، حَدِيث سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة وَفِي آخر الحَدِيث يَقُول: أَبُو هُرَيْرَة. وَلم تركب مَرْيَم ابْنة عمرَان بَعِيرًا قطّ، وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قد قَالَ: خير نسَاء ركبن الْإِبِل، وَذكر صَاحب (النَّجْم الثاقب) أَن أَبَا هُرَيْرَة فهم أَن الْبَعِير من الْإِبِل فَقَط وَلَيْسَ كَذَلِك، بل يكون أَيْضا حمارا. قَالَ تَعَالَى: {وَلمن جَاءَ بِهِ حمل بعير وَأَنا بِهِ زعيم} (يُوسُف: ٧٢) قَالَ ابْن خالويه: لم تكن إخْوَة يُوسُف ركبانا إلَاّ على أحمرة، وَلم يكن عِنْدهم إبل، وَلم يكن حملانهم فِي أسفارهم وَشبههَا إلَاّ على أحمرة، وَكَذَا قَالَ مُجَاهِد: الْبَعِير هُنَا الْحمار، وَهِي لُغَة حَكَاهَا الكواشي. قَوْله: (وَقَالَ الآخر) بِفَتْح الْخَاء (صَالح نسَاء قُرَيْش) أَرَادَ أَن أحد الِاثْنَيْنِ من ابْن طَاوُوس وَأَبُو الزِّنَاد الَّذِي سمع مِنْهُمَا سُفْيَان هَذَا الحَدِيث. قَالَ: (خير نسَاء ركبن الْإِبِل) وَقَالَ الآخر: (صَالح نسَاء قُرَيْش) وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم عَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان قَالَ أَحدهمَا: صَالح نسَاء قُرَيْش كَذَا بالإبهام، وَلَكِن بَين فِي رِوَايَة معمر عَن ابْن طَاوُوس عِنْد مُسلم، أَن الَّذِي زَاد لفظ: صَالح، هُوَ ابْن طَاوُوس، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني: صُلَّح نسَاء قُرَيْش، بِضَم الصَّاد وَفتح اللَّام الْمُشَدّدَة وَهُوَ صِيغَة جمع. قَوْله: (أحناهُ على وَلَده) ، بِالْحَاء الْمُهْملَة من الحنو وَهُوَ الْعَطف والشفقة وَهُوَ صِيغَة التَّفْضِيل من الحانية، وَقَالَ ابْن التِّين: هِيَ الَّتِي تقيم على وَلَدهَا فَلَا تتَزَوَّج، يُقَال: حَتَّى يحنى وحنا يحنو إِذا أشْفق، فَإِن تزوجت الْمَرْأَة لَيست بحانية. قَوْله: (وأرعاه) من الرِّعَايَة وَهِي الْحِفْظ أَو من الإرعاء وَهِي الْإِبْقَاء. فَإِن قلت: كَانَ الْقيَاس أَن يُقَال: إحناهن. قلت: الْعَرَب فِي مثله لَا يَتَكَلَّمُونَ بِهِ إلَاّ مُفْرد أَو لَعَلَّه بِاعْتِبَار الْمَذْكُور، أَو بِاعْتِبَار لفظ النِّسَاء.
(وَيُذْكرُ عَنْ مُعَاوِيَةَ وَابنِ عَبَّاسٍ عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم)
ذكر مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان، وَعبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، بِصِيغَة التمريض، أما الَّذِي رُوِيَ عَن مُعَاوِيَة فَأخْرجهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من طَرِيق زيد بن أبي عتاب عَن مُعَاوِيَة: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَذكر مثل رِوَايَة ابْن طَاوُوس فِي جملَة أَحَادِيث، وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَأخْرجهُ أَحْمد أَيْضا من طَرِيق شهر بن حَوْشَب: حَدثنِي ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خطب امْرَأَة من قومه يُقَال لَهَا سَوْدَة وَكَانَ لَهَا خَمْسَة صبيان أَو سِتَّة من بعل لَهَا مَاتَ، فَقَالَت لَهُ: مَا يَمْنعنِي مِنْك أَن لَا تكون أحب الْبَريَّة إِلَى إلَاّ أَنِّي أكرمك أَن تصفوا هَذِه الصبية عِنْد رَأسك، فَقَالَ لَهَا: يَرْحَمك الله إِن خير نسَاء ركبن أعجاز الْإِبِل صَالح نسَاء قُرَيْش الحَدِيث، وَقيل: يحْتَمل أَن تكون أم هانىء الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة فلعلها كَانَت تلقب بسودة. قلت: الْمَشْهُور أَن اسْمهَا فَاخِتَة. وَقيل: هِنْد وَكَانَ إسْلَامهَا يَوْم الْفَتْح، وَلَيْسَت سَوْدَة هَذِه سَوْدَة بنت زَمعَة زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَإِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تزَوجهَا قَدِيما بِمَكَّة بعد موت خَدِيجَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَدخل بهَا قبل أَن يدْخل بعائشة وَمَات وَهِي فِي عصمته.
١١ - (بَابُ: {كِسْوَةِ المَرْأةِ بِالمَعْرُوفِ} )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وجوب كسْوَة الْمَرْأَة على زَوجهَا بِالْمَعْرُوفِ، أَي: الَّذِي هُوَ الْمُتَعَارف فِي أَمْثَالهَا.
٥٣٦٦ - حدَّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهالٍ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ: أخْبَرَنِي عَبْدُ المَلِكِ بنُ مَيْسَرَةَ. قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بنَ وَهْبٍ عَنْ عَلِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: آتَى إلَيَّ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حُلَّةَ سِيرَاءَ فَلَبِسْتُها فَرَأيْتُ الغَضَبَ فِي وَجْهِهِ فَشَقَقْتُها بَيْنَ نِسَائِي.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فشققتها بَين نسَائِي) وَوجه ذَلِك من حَيْثُ أَن الَّذِي حصل لفاطمة من الْحلَّة قِطْعَة فرضيت اقتصادا بِحَسب الْحَال لَا إسرافا.
والْحَدِيث مر فِي كتاب الْهِبَة فِي: بَاب هَدِيَّة مَا يكره لبسه بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن.
قَوْله: (آتى إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، بِالْمدِّ يَعْنِي: أعْطى ثمَّ ضمّن أعْطى معنى أهْدى أَو أرسل، فَلذَلِك عداهُ بإليّ بِالتَّشْدِيدِ، وَفِي بَاب الْهِبَة. عَن عَليّ: أهْدى إِلَيّ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَوَقع فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: بعث إليّ وَفِي رِوَايَة أَتَى إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِحرف الْجَرّ، وأتى بِمَعْنى جَاءَ فعلى هَذَا ترْتَفع حلَّة سيراء على الفاعلية وَيكون فِيهِ حذف تَقْدِيره: فَأتى إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حلَّة سيراء فَأَعْطَانِيهَا فلبستها. وعَلى الْوَجْه الأول: حلَّة سيراء مَنْصُوب على المفعولية، والحلة إِزَار ورداء، وَقَالَ: أَبُو عبيد: لَا تسمى حلَّة حَتَّى تكون من ثَوْبَيْنِ، وسيراء بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالمد، وَهُوَ برد فِيهِ خطوط صفر، وَقيل: هِيَ مضلعة بالحرير، وَقيل: إِنَّهَا حَرِير مَحْض، وَقَالَ الْكرْمَانِي: ضبطوا الْحلَّة بِالْإِضَافَة وبالتنوين. قَوْله: (فشققتها بَين نسَائِي) ، أَرَادَ بِهِ بَين فَاطِمَة وقراباته، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لم يكن لعَلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، زَوْجَة غير فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَلَا سَرِيَّة ويروى: فشققتها خمرًا بَين الفواطم، وَقَالَ ابْن بطال: أجمع الْعلمَاء على أَن للْمَرْأَة مَعَ النَّفَقَة على الزَّوْج الْكسْوَة وجوبا على قدر الْكِفَايَة لَهَا وعَلى قدر الْيُسْر والعسر.
١٢ - (بابُ: {عَوْنِ المَرْأَةِ زَوْجَها فِي وَلَدِهِ} )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مندوبية عون الْمَرْأَة زَوجهَا فِي أَمر وَلَده، وَسقط فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ لفظ وَلَده.
٥٣٦٧ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْروٍ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله، رَضِيَ الله عَنْهُما، قَالَ: هَلَكَ أبِي وَتَرَكَ سَبْعَ بَنَاتٍ أوْ تِسْعَ بَنَاتٍ، فَتَزَوَّجَتُ امْرَأةً ثَيْبا. فَقَالَ لِي رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أتَزَوَّجْتَ يَا جَابِر؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: بِكْرا أمْ ثَيِّبا؟ قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبا. قَالَ: فَهَلَاّ جَارِيَةً تُلاعِبُها وَتُلاعِبُكَ وَتُضَاحِكُها وَتُضَاحِكُكَ؟ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: إنَّ عَبْدَ الله هَلَكَ وَتَرَكَ بَنَاتٍ، وَإنِّي كَرِهْتُ أنْ أجِيئَهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ، فَتَزَوَّجْتُ امْرَأةً تَقُومُ عَلَيْهِنَّ وَتصْلِحُهُنَّ، فَقَالَ: بَارَكَ الله لَكَ أوْ قَالَ خَيْرا.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه استنبط قيام الْمَرْأَة على ولد زَوجهَا من قيام امْرَأَة جَابر على أخواته وَعمر هُوَ ابْن دِينَار
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مَعَهَا وَآخِرُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ حَاضِرًا، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا تَوَجَّهَ وَحْدَهُ أَوْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ لَمَّا اشْتَكَتْ مِنْهُ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي تَفْسِيرِ الْمُمْتَحِنَةِ مِنَ الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ عُتْبَةَ أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ ذَهَبَ بِهَا وَبِأُخْتِهَا هِنْدٍ يُبَايِعَانِ، فَلَمَّا اشْتَرَطَ وَلَا يَسْرِقْنَ قَالَتْ هِنْدٌ: لَا أُبَايِعُكَ عَلَى السَّرِقَةِ، إِنِّي أَسْرِقُ مِنْ زَوْجِي، فَكَفَّ حَتَّى أَرْسَلَ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ يَتَحَلَّلُ لَهَا مِنْهُ، فَقَالَ: أَمَّا الرَّطْبُ فَنَعَمْ وَأَمَّا الْيَابِسُ فَلَا، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يُرِدْ أَنَّ قِصَّةَ هِنْدٍ كَانَ
قَضَاءً عَلَى أَبِي سُفْيَانَ وَهُوَ غَائِبٌ، بَلِ اسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى صِحَّةِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَضَاءً عَلَى غَائِبٍ بِشَرْطِهِ، بَلْ لَمَّا كَانَ أَبُو سُفْيَانَ غَيْرَ حَاضِرٍ مَعَهَا فِي الْمَجْلِسِ وَأَذِنَ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ قَدْرَ كِفَايَتِهَا كَانَ فِي ذَلِكَ نَوْعُ قَضَاءٍ عَلَى الْغَائِبِ فَيَحْتَاجُ مَنْ مَنَعَهُ أَنْ يُجِيبَ عَنْ هَذَا، وَقَدِ انْبَنَى عَلَى هَذَا خِلَافٌ يَتَفَرَّعُ مِنْهُ، وَهُوَ أَنَّ الْأَبَ إِذَا غَابَ أَوِ امْتَنَعَ مِنَ الْإِنْفَاقِ عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَذِنَ الْقَاضِي لِلْأُمِّ إِذَا كَانَتْ فِيهَا أَهْلِيَّةُ ذَلِكَ فِي الْأَخْذِ مِنْ مَالِ الْأَبِ إِنْ أَمْكَنَ أَوْ فِي الِاسْتِقْرَاضِ عَلَيْهِ وَالْإِنْفَاقِ عَلَى الصَّغِيرِ، وَهَلْ لَهَا الِاسْتِقْلَالُ بِذَلِكَ بِغَيْرِ إِذْنِ الْقَاضِي؟ وَجْهَانِ يَنْبَنِيَانِ عَلَى الْخِلَافِ فِي قِصَّةِ هِنْدٍ، فَإِنْ كَانَتْ إِفْتَاءً جَازَ لَهَا الْأَخْذُ بِغَيْرِ إِذْنٍ، وَإِنْ كَانَتْ قَضَاءً فَلَا يَجُوزُ إِلَّا بِإِذْنِ الْقَاضِي.
وَمِمَّا رَجَّحَ بِهِ أَنَّهُ كَانَ قَضَاءً لَا فُتْيَا التَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ حَيْثُ قَالَ لَهَا: خُذِي وَلَوْ كَانَ فُتْيَا لَقَالَ مَثَلًا: لَا حَرَجَ عَلَيْكِ إِذَا أَخَذْتِ، وَلِأَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ ﷺ إِنَّمَا هُوَ الْحُكْمُ. وَمِمَّا رَجَّحَ بِهِ أَنَّهُ كَانَ فَتْوَى وُقُوعُ الِاسْتِفْهَامِ فِي الْقِصَّةِ فِي قَوْلِهَا: هَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ وَلِأَنَّهُ فَوَّضَ تَقْدِيرَ الِاسْتِحْقَاقِ إِلَيْهَا، وَلَوْ كَانَ قَضَاءً لَمْ يُفَوِّضْهُ إِلَى الْمُدَّعِي، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحْلِفْهَا عَلَى مَا ادَّعَتْهُ وَلَا كَلَّفَهَا ال بَيِّنَةَ، وَالْجَوَابُ أَنَّ فِي تَرْكِ تَحْلِيفِهَا أَوْ تَكْلِيفِهَا الْبَيِّنَةَ حُجَّةً لِمَنْ أَجَازَ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ، فَكَأَنَّهُ ﷺ عَلِمَ صِدْقَهَا فِي كُلِّ مَا ادَّعَتْ بِهِ، وَعَنِ الِاسْتِفْهَامِ أَنَّهُ لَا اسْتِحَالَةَ فِيهِ مِنْ طَالِبِ الْحُكْمِ، وَعَنْ تَفْوِيضِ قَدْرِ الِاسْتِحْقَاقِ أَنَّ الْمُرَادَ الْمَوْكُولُ إِلَى الْعُرْفِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ الْمَذَاهِبِ فِي الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
تَنْبِيهٌ:
أَشْكَلَ عَلَى بَعْضِهِمُ اسْتِدْلَالُ الْبُخَارِيِّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَسْأَلَةِ الظَّفَرِ فِي كِتَابِ الْأَشْخَاصِ حَيْثُ تَرْجَمَ لَهُ قِصَاصُ الْمَظْلُومِ إِذَا وَجَدَ مَالَ ظَالِمِهِ وَاسْتِدْلَالُهُ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهِ عَلَى مَسْأَلَةِ الظَّفَرِ لَا تَكُونُ إِلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَسْأَلَةَ هِنْدٍ كَانَتْ عَلَى طَرِيقِ الْفَتْوَى، وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا كَانَتْ حُكْمًا. وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: كُلُّ حُكْمٍ يَصْدُرُ مِنَ الشَّارِعِ فَإِنَّهُ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْإِفْتَاءِ بِذَلِكَ الْحُكْمِ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ، فَيَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ وَقَعَ هَذَا الْبَابُ مُقَدَّمًا عَلَى بَابَيْنِ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ
١٠ - بَاب حِفْظِ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا فِي ذَاتِ يَدِهِ وَالنَّفَقَةِ
٥٣٦٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ.، وَأَبُو الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الْإِبِلَ نِسَاءُ قُرَيْشٍ - وَقَالَ الْآخَرُ: صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ - أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ. وَيُذْكَرُ عَنْ مُعَاوِيَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ.
قَوْلُهُ: (بَابُ حِفْظِ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا فِي ذَاتِ يَدِهِ، وَالنَّفَقَةِ) الْمُرَادُ بِذَاتِ الْيَدِ الْمَالُ، وَعَطْفُ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ. وَوَقَعَ فِي شَرْحِ ابْنِ بَطَّالٍ: وَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ وَزِيَادَةُ لَفْظَةِ: عَلَيْهِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٥٣٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) طاوس بن كيسان، الإمام أبي عبد الرَّحمن، قال سفيان (وَ) حدَّثنا أيضًا (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بنُ ذكوان، كلاهما، أي: ابن (١) طاوس وأبو الزِّناد (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ نِسَاءُ قُرَيْشٍ) يريدُ نساءَ العربِ لأنَّهنَّ يركبن الإبلَ.
(وَقَالَ الآخَرُ) وهو ابنُ طاوس كما عند مسلمٍ (صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ) بدل: «خيرُ» (٢).
وللكُشميهنيِّ: «صُلَّح نساء قريش (٣)» بضم الصاد وفتح اللام المشددة، بصيغة الجمع (أَحْنَاهُ) بالحاء المهملة، أشفَقه (عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ) فلا يتزوَّجن ما دام صغيرًا (وَأَرْعَاهُ) أي: أحفظهُ (عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ) أي: في (٤) ماله. ونكَّرَ لفظ الولد إشارةً إلى أنَّها تحنو على أيِّ ولدٍ كان، وإن كان ولد زوجها من غيرها أكثر ممَّا يحنو عليه غيرها. وقال: أحناهُ، فذكَّر، وكان القياس أن يقول: أحناهنَّ لأنَّ الضَّمير عائدٌ على النِّساء.
وأُجيب بأنَّ التَّذكير يدلُّ على الجنسيَّة كأنَّه قيل: خير هذا الجنس الَّذين (٥) فاقوا النَّاس في
الشَّرف هذا الجيل، ولذلك عدَلَ عن (١) ذكر العرب إلى الصِّفة المميِّزة من قوله: ركبْنَ الإبلَ لزيادة الاختصاص، ولو قيل: أحناهنَّ، كانت الذَّات المقصودة (٢)، والمعنى تابعًا لها فلم يكن بذلك، وفي اختصاص العربِ من بين سائر النَّاس واختصاصِ قريشٍ منها دَلالةٌ على أنَّ العربَ أشرفُ النَّاس وأشرفها قريشٌ.
(وَيُذْكَرُ عَنْ مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيان فيما أخرجَه الإمامُ أحمدُ والطَّبرانيُّ من طريقِ زيد بنِ أبي عتاب (وَ) عن (ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵃ فيما أخرجَهُ أحمدُ أيضًا من طريقِ شهرِ بن حوشبٍ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) نحو رواية ابنِ طاوس.
(١١) (بابُ) وجوبِ (كِسْوَةِ المَرْأَةِ) بكسر الكاف وضمِّها، على زوجها (بِالمَعْرُوفِ) أسوة أمثالها، فيجبُ لها عليه قميصٌ وسراويل، أو إزارٌ اعتيدَ، وخمارٌ وهو المقنعةُ، ومكعب وهو المداسُ أو نعل، ويزيدُ لها في الشِّتاء جبَّة محشوَّة، أو فروة بحسب الحاجةِ لدفع البردِ، فإن اشتدَّ فجُبَّتان على الموسرِ والمعسرِ، لكن الموسر يكسوهَا بكسوةٍ (٣) من جيِّد القطنِ وكذا الكتَّانُ والحريرُ والخزُّ إن اعتادوهُ لنسائهم، والمعسرُ يكسوهَا من خشنهِ، ويتوسَّط بينهما المتوسِّط.
وعلى الموسرِ طِنْفسةٌ وهي بساطٌ صغيرٌ في الشِّتاء، ونِطعٌ في الصَّيف تحتهما زِلِّيَّة أو حصير، وعلى المعسر حصيرٌ في الصَّيف ولبْدٌ في الشِّتاء، وعلى المتوسِّط زلِّيَّة في الصَّيف والشِّتاء.
ويجب لنومها على كلٍّ منهم (٤) مع التَّفاوت في الكيفيَّة بينهم: فراشٌ ترقدُ عليه كمضْرَبةٍ ليِّنة، ومخدَّةٌ مع لحافٍ أو كساءٍ في الشِّتاء ورداءٍ في الصَّيف، وآلةُ أكلٍ وشربٍ وطبخٍ كقصعةٍ وكوزٍ وجرَّةٍ وقدرٍ، وآلةُ تنظيفٍ كمُشْط ودهْنٍ وسِدْر، وأجرُ حمَّامٍ اعتيدَ، وثمنُ ماءِ غسلٍ بسببهِ كوطئهِ وولادتها منه بخلافِ الحيضِ والاحتلامِ.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَقد علم أَن سَاكن الْوسط يجوز فِيهِ الْأَمْرَانِ: الصّرْف وَتَركه، كَمَا فِي نوح ودعد وَنَحْوهمَا.
قَوْله: (شحيح) أَي: بخيل، وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة: رجل مسيك. قَوْله: (وَهُوَ لَا يعلم) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال، وَقد احْتج بِهِ من قَالَ: تلْزمهُ نَفَقَة وَلَده وَإِن كَانَ كَبِير أورد بِأَنَّهَا وَاقعَة عين وَلَا عُمُوم فِي الْأَفْعَال، وَلَعَلَّ الْوَلَد فِيهِ كَانَ صَغِيرا وكبيرا زَمنا عَاجِزا عَن الْكسْب، وَبَعض الْمَالِكِيَّة. قَالَ: تلْزمهُ إِذا كَانَ زَمنا مُطلقًا.
وَفِيه: مَسْأَلَة الظفرة، وَقد تقدم ذكرهَا فِي الْمَظَالِم على تَفْصِيل وَاخْتِلَاف فِيهَا. وَفِيه: أَن وصف الْإِنْسَان بِمَا فِيهِ من النَّقْص على وَجه التظلم مِنْهُ، والصيرورة إِلَى طلب الانتصاف من حق عَلَيْهِ جَائِز وَلَيْسَ بغيبة لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يُنكر عَلَيْهَا قَوْلهَا، وَاسْتدلَّ بعض الشَّافِعِيَّة على الْحَنَفِيَّة فِي مَنعهم الْقَضَاء على الْغَائِب بِقصَّة هِنْد لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قضى على زَوجهَا وَهُوَ غَائِب. قَالَت الْحَنَفِيَّة: هَذَا لَيْسَ بِصَحِيح، لِأَن هَذِه الْقَضِيَّة كَانَت بِمَكَّة، وَكَانَ أَبُو سُفْيَان حَاضر.
وَاخْتلف الْعلمَاء فِي مِقْدَار مَا يفْرض السُّلْطَان للزَّوْجَة على زَوجهَا. فَقَالَ مَالك: يفْرض لَهَا بِقدر كفايتها فِي الْيُسْر والعسر وَيعْتَبر حَالهَا من حَاله، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة: وَلَيْسَت مقدرَة. وَقَالَ الشَّافِعِي: مقدرَة بِاجْتِهَاد الْحَاكِم فِيهَا. وَهِي تعْتَبر بِحَالهِ دونهَا. فَمن كَانَ مُوسِرًا فمدان كل يَوْم، وَإِن كَانَ متوسطا فَمد وَنصف، وَمن كَانَ مُعسرا فَمد، فَيجب لبِنْت الْخَلِيفَة مَا يجب لبِنْت الحارس.
١٠ - (بَابُ: {حِفْظِ المَرْأةِ زَوْجِها فِي ذَاتِ يَدِهِ وَالنَّفَقَةِ} )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وجوب حفظ الْمَرْأَة زَوجهَا فِي ذَات يَده، يَعْنِي: فِي مَاله. قَوْله: (وَالنَّفقَة) ، أَي: وَفِي النَّفَقَة. وَهُوَ من عطف الْخَاص على الْعَام، وَوَقع فِي بعض النّسخ، وَالنَّفقَة عَلَيْهِ. أَي: على الزَّوْج.
٥٣٦٥ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا سُفْيَانُ حدَّثنا ابنُ طَاوُوسِ عَنْ أبِيهِ وَأبُو الزِّنادِ عَنِ الأعْرَجِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإبِلَ نِسَاءُ قُرَيْشٍ، وَقَالَ الآخَرُ: صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ أحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صَغرِهِ وَأرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وأرعاه على زوج فِي ذَات يَدَيْهِ) وَعلي بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَابْن طَاوُوس عبد الله، وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.
والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب النِّكَاح فِي: بَاب إِلَى من ينْكح وَأي النِّسَاء خير.
قَوْله: (وَأَبُو الزِّنَاد) ، عطف على (ابْن طَاوُوس) وَحَاصِله أَن لِسُفْيَان فِيهِ شيخين: أَحدهمَا: ابْن طَاوُوس، وَالْآخر: أَبُو الزِّنَاد. قَوْله: (خير نسَاء ركبن الْإِبِل نسَاء قُرَيْش) ، حَدِيث سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة وَفِي آخر الحَدِيث يَقُول: أَبُو هُرَيْرَة. وَلم تركب مَرْيَم ابْنة عمرَان بَعِيرًا قطّ، وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قد قَالَ: خير نسَاء ركبن الْإِبِل، وَذكر صَاحب (النَّجْم الثاقب) أَن أَبَا هُرَيْرَة فهم أَن الْبَعِير من الْإِبِل فَقَط وَلَيْسَ كَذَلِك، بل يكون أَيْضا حمارا. قَالَ تَعَالَى: {وَلمن جَاءَ بِهِ حمل بعير وَأَنا بِهِ زعيم} (يُوسُف: ٧٢) قَالَ ابْن خالويه: لم تكن إخْوَة يُوسُف ركبانا إلَاّ على أحمرة، وَلم يكن عِنْدهم إبل، وَلم يكن حملانهم فِي أسفارهم وَشبههَا إلَاّ على أحمرة، وَكَذَا قَالَ مُجَاهِد: الْبَعِير هُنَا الْحمار، وَهِي لُغَة حَكَاهَا الكواشي. قَوْله: (وَقَالَ الآخر) بِفَتْح الْخَاء (صَالح نسَاء قُرَيْش) أَرَادَ أَن أحد الِاثْنَيْنِ من ابْن طَاوُوس وَأَبُو الزِّنَاد الَّذِي سمع مِنْهُمَا سُفْيَان هَذَا الحَدِيث. قَالَ: (خير نسَاء ركبن الْإِبِل) وَقَالَ الآخر: (صَالح نسَاء قُرَيْش) وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم عَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان قَالَ أَحدهمَا: صَالح نسَاء قُرَيْش كَذَا بالإبهام، وَلَكِن بَين فِي رِوَايَة معمر عَن ابْن طَاوُوس عِنْد مُسلم، أَن الَّذِي زَاد لفظ: صَالح، هُوَ ابْن طَاوُوس، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني: صُلَّح نسَاء قُرَيْش، بِضَم الصَّاد وَفتح اللَّام الْمُشَدّدَة وَهُوَ صِيغَة جمع. قَوْله: (أحناهُ على وَلَده) ، بِالْحَاء الْمُهْملَة من الحنو وَهُوَ الْعَطف والشفقة وَهُوَ صِيغَة التَّفْضِيل من الحانية، وَقَالَ ابْن التِّين: هِيَ الَّتِي تقيم على وَلَدهَا فَلَا تتَزَوَّج، يُقَال: حَتَّى يحنى وحنا يحنو إِذا أشْفق، فَإِن تزوجت الْمَرْأَة لَيست بحانية. قَوْله: (وأرعاه) من الرِّعَايَة وَهِي الْحِفْظ أَو من الإرعاء وَهِي الْإِبْقَاء. فَإِن قلت: كَانَ الْقيَاس أَن يُقَال: إحناهن. قلت: الْعَرَب فِي مثله لَا يَتَكَلَّمُونَ بِهِ إلَاّ مُفْرد أَو لَعَلَّه بِاعْتِبَار الْمَذْكُور، أَو بِاعْتِبَار لفظ النِّسَاء.
(وَيُذْكرُ عَنْ مُعَاوِيَةَ وَابنِ عَبَّاسٍ عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم)
ذكر مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان، وَعبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، بِصِيغَة التمريض، أما الَّذِي رُوِيَ عَن مُعَاوِيَة فَأخْرجهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من طَرِيق زيد بن أبي عتاب عَن مُعَاوِيَة: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَذكر مثل رِوَايَة ابْن طَاوُوس فِي جملَة أَحَادِيث، وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَأخْرجهُ أَحْمد أَيْضا من طَرِيق شهر بن حَوْشَب: حَدثنِي ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خطب امْرَأَة من قومه يُقَال لَهَا سَوْدَة وَكَانَ لَهَا خَمْسَة صبيان أَو سِتَّة من بعل لَهَا مَاتَ، فَقَالَت لَهُ: مَا يَمْنعنِي مِنْك أَن لَا تكون أحب الْبَريَّة إِلَى إلَاّ أَنِّي أكرمك أَن تصفوا هَذِه الصبية عِنْد رَأسك، فَقَالَ لَهَا: يَرْحَمك الله إِن خير نسَاء ركبن أعجاز الْإِبِل صَالح نسَاء قُرَيْش الحَدِيث، وَقيل: يحْتَمل أَن تكون أم هانىء الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة فلعلها كَانَت تلقب بسودة. قلت: الْمَشْهُور أَن اسْمهَا فَاخِتَة. وَقيل: هِنْد وَكَانَ إسْلَامهَا يَوْم الْفَتْح، وَلَيْسَت سَوْدَة هَذِه سَوْدَة بنت زَمعَة زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَإِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تزَوجهَا قَدِيما بِمَكَّة بعد موت خَدِيجَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَدخل بهَا قبل أَن يدْخل بعائشة وَمَات وَهِي فِي عصمته.
١١ - (بَابُ: {كِسْوَةِ المَرْأةِ بِالمَعْرُوفِ} )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وجوب كسْوَة الْمَرْأَة على زَوجهَا بِالْمَعْرُوفِ، أَي: الَّذِي هُوَ الْمُتَعَارف فِي أَمْثَالهَا.
٥٣٦٦ - حدَّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهالٍ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ: أخْبَرَنِي عَبْدُ المَلِكِ بنُ مَيْسَرَةَ. قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بنَ وَهْبٍ عَنْ عَلِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: آتَى إلَيَّ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حُلَّةَ سِيرَاءَ فَلَبِسْتُها فَرَأيْتُ الغَضَبَ فِي وَجْهِهِ فَشَقَقْتُها بَيْنَ نِسَائِي.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فشققتها بَين نسَائِي) وَوجه ذَلِك من حَيْثُ أَن الَّذِي حصل لفاطمة من الْحلَّة قِطْعَة فرضيت اقتصادا بِحَسب الْحَال لَا إسرافا.
والْحَدِيث مر فِي كتاب الْهِبَة فِي: بَاب هَدِيَّة مَا يكره لبسه بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن.
قَوْله: (آتى إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، بِالْمدِّ يَعْنِي: أعْطى ثمَّ ضمّن أعْطى معنى أهْدى أَو أرسل، فَلذَلِك عداهُ بإليّ بِالتَّشْدِيدِ، وَفِي بَاب الْهِبَة. عَن عَليّ: أهْدى إِلَيّ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَوَقع فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: بعث إليّ وَفِي رِوَايَة أَتَى إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِحرف الْجَرّ، وأتى بِمَعْنى جَاءَ فعلى هَذَا ترْتَفع حلَّة سيراء على الفاعلية وَيكون فِيهِ حذف تَقْدِيره: فَأتى إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حلَّة سيراء فَأَعْطَانِيهَا فلبستها. وعَلى الْوَجْه الأول: حلَّة سيراء مَنْصُوب على المفعولية، والحلة إِزَار ورداء، وَقَالَ: أَبُو عبيد: لَا تسمى حلَّة حَتَّى تكون من ثَوْبَيْنِ، وسيراء بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالمد، وَهُوَ برد فِيهِ خطوط صفر، وَقيل: هِيَ مضلعة بالحرير، وَقيل: إِنَّهَا حَرِير مَحْض، وَقَالَ الْكرْمَانِي: ضبطوا الْحلَّة بِالْإِضَافَة وبالتنوين. قَوْله: (فشققتها بَين نسَائِي) ، أَرَادَ بِهِ بَين فَاطِمَة وقراباته، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لم يكن لعَلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، زَوْجَة غير فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَلَا سَرِيَّة ويروى: فشققتها خمرًا بَين الفواطم، وَقَالَ ابْن بطال: أجمع الْعلمَاء على أَن للْمَرْأَة مَعَ النَّفَقَة على الزَّوْج الْكسْوَة وجوبا على قدر الْكِفَايَة لَهَا وعَلى قدر الْيُسْر والعسر.
١٢ - (بابُ: {عَوْنِ المَرْأَةِ زَوْجَها فِي وَلَدِهِ} )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مندوبية عون الْمَرْأَة زَوجهَا فِي أَمر وَلَده، وَسقط فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ لفظ وَلَده.
٥٣٦٧ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْروٍ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله، رَضِيَ الله عَنْهُما، قَالَ: هَلَكَ أبِي وَتَرَكَ سَبْعَ بَنَاتٍ أوْ تِسْعَ بَنَاتٍ، فَتَزَوَّجَتُ امْرَأةً ثَيْبا. فَقَالَ لِي رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أتَزَوَّجْتَ يَا جَابِر؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: بِكْرا أمْ ثَيِّبا؟ قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبا. قَالَ: فَهَلَاّ جَارِيَةً تُلاعِبُها وَتُلاعِبُكَ وَتُضَاحِكُها وَتُضَاحِكُكَ؟ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: إنَّ عَبْدَ الله هَلَكَ وَتَرَكَ بَنَاتٍ، وَإنِّي كَرِهْتُ أنْ أجِيئَهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ، فَتَزَوَّجْتُ امْرَأةً تَقُومُ عَلَيْهِنَّ وَتصْلِحُهُنَّ، فَقَالَ: بَارَكَ الله لَكَ أوْ قَالَ خَيْرا.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه استنبط قيام الْمَرْأَة على ولد زَوجهَا من قيام امْرَأَة جَابر على أخواته وَعمر هُوَ ابْن دِينَار
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56