«إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٤٦٠

الحديث رقم ٥٤٦٠ من كتاب «كتاب الأطعمة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الأكل مع الخادم.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٤٦٠ في صحيح البخاري

«إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِلْهُ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ، أَوْ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ؛ فَإِنَّهُ وَلِيَ حَرَّهُ وَعِلَاجَهُ.»

بَابٌ: الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ مِثْلُ الصَّائِمِ الصَّابِرِ

بَابُ الرَّجُلِ يُدْعَى إِلَى طَعَامٍ فَيَقُولُ وَهَذَا مَعِي، وَقَالَ أَنَسٌ إِذَا دَخَلْتَ عَلَى مُسْلِمٍ لَا يُتَّهَمُ فَكُلْ مِنْ طَعَامِهِ وَاشْرَبْ مِنْ شَرَابِهِ

إسناد حديث رقم ٥٤٦٠ من صحيح البخاري

٥٤٦٠ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدٍ هُوَ ابْنُ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٤٦٠: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَقْلُوبٌ مِنَ الْإِكْفَاءِ وَهُوَ الْقَلْبُ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَكْفِي الْإِنَاءَ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ. وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، عَنْ أَبِي مَنْصُورٍ الْجَوَالِيقِيِّ أَنَّ الصَّوَابَ غَيْرُ مُكَافَأٍ بِالْهَمْزَةِ، أَيْ إِنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُكَافَأُ. قُلْتُ: وَثَبَتَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ هَكَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، لَكِنَّ الَّذِي فِي حَدِيثِ الْبَابِ غَيْرُ مَكْفِيٍّ بِالْيَاءِ، وَلِكُلٍّ مَعْنًى.

قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى (كَفَانَا وَأَرْوَانَا) هَذَا يُؤَيِّدُ عَوْدَ الضَّمِيرِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْكَافِي لَا الْمُكَفِّي، وَكَفَانَا هُوَ مِنَ الْكِفَايَةِ، وَهِيَ أَعَمُّ مِنَ الشِّبَعِ وَالرِّيِّ وَغَيْرِهِمَا، فَأَرْوَانَا عَلَى هَذَا مِنَ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ وَآوَانَا بِالْمَدِّ مِنَ الْإِيوَاءِ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ وَلِأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَ وَسَقَى وَسَوَّغَهُ وَجَعَلَ لَهُ مَخْرَجًا وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي أُمَامَةَ وَزِيَادَةً فِي حَدِيثٍ مُطَوَّلٍ، وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ الْمِصْرِيِّ أَنَّهُ حَدَّثَهُ رَجُلٌ خَدَمَ النَّبِيَّ ثَمَانَ سِنِينَ أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ النَّبِيَّ إِذَا قُرِّبَ إِلَيْهِ طَعَامُهُ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ، فَإِذَا فَرَغَ قَالَ: اللَّهُمَّ أَطْعَمْتَ وَسَقَيْتَ وَأَغْنَيْتَ وَأَقْنَيْتَ وَهَدَيْتَ وَأَحْيَيْتَ، فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَعْطَيْتَ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ.

قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخَرَى (وَلَا مَكْفُورٌ) أَيْ مَجْحُودٌ فَضْلُهُ وَنِعْمَتُهُ، وَهَذَا مِمَّا يُقَوِّي أَنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ (وَلَا مُوَدَّعٌ) بِفَتْحِ الدَّالِ الثَّقِيلَةِ أَيْ غَيْرُ مَتْرُوكٍ، وَيُحْتَمَلُ كَسْرُهَا عَلَى أَنَّهُ حَالٌ مِنَ الْقَائِلِ أَيْ غَيْرُ تَارِكٍ.

قَوْلُهُ (وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ) بِفَتْحِ النُّونِ وَبِالتَّنْوِينِ.

قَوْلُهُ (رَبُّنَا) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ هُوَ رَبُّنَا، أَوْ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مُتَقَدِّمٌ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى الْمَدْحِ أَوْ الِاخْتِصَاصِ أَوْ إِضْمَارِ أَعني، قَالَ ابْنُ التِّينِ وَيَجُوزُ الْجَرُّ عَلَى أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الضَّمِيرِ فِي عَنْهُ، وَقَالَ غَيْرُهُ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الِاسْمِ فِي قَوْلِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ رَبَّنَا بِالنَّصْبِ عَلَى النِّدَاءِ مَعَ حَذْفِ أَدَاةِ النِّدَاءِ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: بِحَسَبِ رَفْعِ غَيْرِ أَيْ وَنَصْبِهِ وَرَفْعِ رَبِّنَا وَنَصْبِهِ، وَالِاخْتِلَافُ فِي مَرْجِعِ الضَّمِيرِ يُكْثِرُ التَّوْجِيهَاتِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ.

٥٥ - بَاب الْأَكْلِ مَعَ الْخَادِمِ

٥٤٦٠ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، هُوَ ابْنُ زِيَادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِلْهُ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ، أَوْ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ، فَإِنَّهُ وَلِيَ حَرَّهُ وَعِلَاجَهُ.

قَوْلُهُ (بَابُ الْأَكْلِ مَعَ الْخَادِمِ) أَيْ عَلَى قَصْدِ التَّوَاضُعِ، وَالْخَادِمُ يُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ رَقِيقًا أَوْ حُرًّا، مَحِلُّهُ فِيمَا إِذَا كَانَ السَّيِّدُ رَجُلًا أَنْ يَكُونَ الْخَادِمُ إِذَا كَانَ أُنْثَى مِلْكَهُ أَوْ مَحْرَمَهُ أَوْ مَا فِي حُكْمِهِ وَبِالْعَكْسِ.

قَوْلُهُ (مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ) هُوَ الْجُمَحِيُّ.

قَوْلُهُ (إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ) بِالنَّصْبِ (خَادِمُهُ) بِالرَّفْعِ.

قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَلْيُقْعِدْهُ مَعَهُ فَلْيَأْكُلْ وَفِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلِيِّ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ فَلْيُجْلِسْهُ مَعَهُ، فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِلْهُ وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ، عَنْ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَادْعُهُ فَإِنْ أَبَى فَأَطْعِمْهُ مِنْهُ وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلْيَدْعُهُ فَلْيَأْكُلْ مَعَهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَفَاعِلُ أَبَى وَكَذَا إِنْ لَمْ يَفْعَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ السَّيِّدَ، وَالْمَعْنَى إِذَا تَرَفَّعَ عَنْ مُؤَاكَلَةِ غُلَامِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْخَادِمَ إِذَا تَوَاضَعَ عَنْ مُؤَاكَلَةِ سَيِّدِهِ، وَيُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ جَابِرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ أُمِرْنَا أَنْ نَدْعُوَهُ، فَإِنْ كَرِهَ أَحَدُنَا

أَنْ يَطْعَمَ مَعَهُ فَلْيُطْعِمْهُ فِي يَدِهِ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.

قَوْلُهُ (فَلْيُنَاوِلْهُ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيِ اللُّقْمَةِ، وَأَوْ لِلتَّقْسِيمِ بِحَسَبِ حَالِ الطَّعَامِ وَحَالِ الْخَادِمِ، وَقَوْلُهُ أَوْ لُقْمَةٌ أَوْ لُقْمَتَيْنِ هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِلَفْظِ لُقْمَةٍ فَقَطْ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ تَقْيِيدُ ذَلِكَ بِمَا إِذَا كَانَ الطَّعَامُ قَلِيلًا وَلَفْظُهُ فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ مَشْفُوهًا قَلِيلًا وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ يَعْنِي قَلِيلًا فَلْيَضَعْ فِي يَدِهِ مِنْهُ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: يَعْنِي لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الطَّعَامَ إِذَا كَانَ كَثِيرًا فَإِمَّا أَنْ يُقْعِدَهُ مَعَهُ وَإِمَّا أَنْ يَجْعَلَ حَظَّهُ مِنْهُ كَثِيرًا.

قَوْلُهُ (فَإِنَّهُ وَلِيَ حَرَّهُ) أَيْ عِنْدَ الطَّبْخِ (وَعِلَاجَهُ) أَيْ عِنْدَ تَحْصِيلِ آلَاتِهِ، وَقَبْلَ وَضْعِ الْقِدْرِ عَلَى النَّارِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ فِي مَعْنَى الطَّبَّاخِ حَامِلَ الطَّعَامِ لِوُجُودِ الْمَعْنَى فِيهِ وَهُوَ تَعَلُّقُ نَفْسِهِ بِهِ، بَلْ يُؤْخَذُ مِنْهُ الِاسْتِحْبَابُ فِي مُطْلَقِ خَدَمِ الْمَرْءِ مِمَّنْ يُعَانِي ذَلِكَ، وَإِلَى ذَلِكَ يُومِئُ إِطْلَاقُ التَّرْجَمَةِ، وَفِي هَذَا تَعْلِيلُ الْأَمْرِ الْمَذْكُورِ، وَإِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ لِلْعَيْنِ حَظًّا فِي الْمَأْكُولِ فَيَنْبَغِي صَرْفُهَا بِإِطْعَامِ صَاحِبِهَا مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ لِتَسْكُنَ نَفْسُهُ فَيَكُونُ أَكَفَ لِشَرِّهِ. قَالَ الْمُهَلَّبُ: هَذَا الْحَدِيثُ يُفَسِّرُ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ فِي الْأَمْرِ بِالتَّسْوِيَةِ مَعَ الْخَادِمِ فِي الْمَطْعَمِ وَالْمَلْبَسِ، فَإِنَّهُ جَعَلَ الْخِيَارَ إِلَى السَّيِّدِ فِي إِجْلَاسِ الْخَادِمِ مَعَهُ وَتَرْكِهِ. قُلْتُ: وَلَيْسَ فِي الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَطْعَمُونَ إِلْزَامٌ بِمُؤَاكَلَةِ الْخَادِمِ، بَلْ فِيهِ أَنْ لَا يَسْتَأْثِرَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ بَلْ يُشْرِكَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لَكِنْ بِحَسَبِ مَا يَدْفَعُ بِهِ شَرَّ عَيْنِهِ.

وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْوَاجِبَ إِطْعَامُ الْخَادِمِ مِنْ غَالِبِ الْقُوتِ الَّذِي يَأْكُلُ مِنْهُ مِثْلَهُ فِي تِلْكَ الْبَلَدِ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْأُدْمِ وَالْكِسْوَةِ، وَأَنَّ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَسْتَأْثِرَ بِالنَّفِيسِ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ أَنْ يُشْرِكَ مَعَهُ الْخَادِمَ فِي ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاخْتَلَفَ حُكْمُ هَذَا الْأَمْرِ بِالْإِجْلَاسِ أَوِ الْمُنَاوَلَةِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْحَدِيثَ: هَذَا عِنْدَنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَوَّلُهُمَا بِمَعْنَاهُ أَنَّ إِجْلَاسَهُ مَعَهُ أَفْضَلُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، أَوْ يَكُونُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُجْلِسَهُ أَوْ يُنَاوِلَهُ، وَقَدْ يَكُونُ أَمْرُهُ اخْتِيَارًا غَيْرَ حَتْمٍ اهـ. وَرَجَّحَ الرَّافِعِيُّ الِاحْتِمَالَ الْأَخِيرَ، وَحَمَلَ الْأَوَّلَ عَلَى الْوُجُوبِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْإِجْلَاسَ لَا يَتَعَيَّنُ، لَكِنْ إِنْ فَعَلَهُ كَانَ أَفْضَلَ وَإِلَّا تَعَيَّنَتِ الْمُنَاوَلَةُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْوَاجِبَ أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ. وَالثَّانِي أَنَّ الْأَمْرَ لِلنَّدَبِ مُطْلَقًا.

تَنْبِيهٌ:

فِي قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَإِنْ كَانَ الطَّعَامَ مَشْفُوهًا بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ فَسَّرَهُ بِالْقَلِيلِ، وَأَصْلُهُ الْمَاءُ الَّذِي تَكْثُرُ عَلَيْهِ الشِّفَاهُ حَتَّى يَقِلَّ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَحِلَّ الْإِجْلَاسِ أَوِ الْمُنَاوَلَةِ مَا إِذَا كَانَ الطَّعَامُ قَلِيلًا وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ كَثِيرًا وَسِعَ السَّيِّدَ وَالْخَادِمَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَمْرِ بِذَلِكَ أَنْ تَسْكُنَ نَفْسُ الْخَادِمِ بِذَلِكَ، وَهُوَ حَاصِلٌ مَعَ الْكَثْرَةِ دُونَ الْقِلَّةِ، فَإِنَّ الْقِلَّةَ مَظِنَّةُ أَنْ لَا يَفْضُلَ مِنْهُ شَيْءٌ. وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ فَإِنْ كَانَ مَشْفُوهًا أَنَّ الْأَمْرَ الْوَارِدَ لِمَنْ طَبَخَ بِتَكْثِيرِ الْمَرَقِ لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٥٦ - بَاب: الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ مِثْلُ الصَّائِمِ الصَّابِرِ. فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ

قَوْلُهُ (بَابُ الطَّاعِمِ الشَّاكِرِ مِثْلُ الصَّائِمِ الصَّابِرِ. فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ هَذَا الْحَدِيثُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُعَلَّقَةِ الَّتِي لَمْ تَقَعْ فِي هَذَا الْكِتَابِ مَوْصُولَةً، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّارِيخِ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُرَّةَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ عَنْ عَمِّهِ حَكِيمِ بْنِ أَبِي حُرَّةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَفْظُهُ إِنَّ لِلطَّاعِمِ الشَّاكِرِ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلَ مَا لِلصَّائِمِ الصَّابِرِ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى مُحَمَّدٍ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْهُ عَنْ عَمِّهِ حَكِيمٍ، عَنْ سِنَانِ بْنِ سَنَةَ الْأَسْلَمِيِّ وَقِيلَ عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

مَرَّةً: إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ قَالَ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي كَفَانَا) من الكفاية الشَّاملة للشبعِ والرِّيِّ وغيرهما، وحينئذٍ فيكون قولهُ: (وَأَرْوَانَا) من عطف الخاصِّ على العامِّ. قال في «الفتح»: ووقعَ في رواية ابنِ السَّكن، عن الفَِرَبْريِّ: «وآوانا» بمدِّ الهمزة بعدها من الإيواء (غَيْرَ مَكْفِي وَلَا مَكْفُورٍ) أي: ولا مجحودٍ فضله ونعمته، وهذا كلُّه ممَّا يتأيَّد به القول بأنَّ (١) الضَّمير في الرِّواية الأولى راجعٌ إلى الله تعالى، واختلاف طرق الحديث يبيِّن بعضه بعضًا (وَقَالَ مَرَّةً: لَكَ الحَمْدُ) ولغير أبي ذرٍّ: «وقال مرَّة: الحمد لله» (رَبَّنَا، غَيْرَ مَكْفِي، وَلَا مُوَدَّعٍ، وَلَا مُسْتَغْنًى) عنه (رَبَّنَا).

وعند أبي داود من حديثِ أبي سعيد: «الحمد لله الَّذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين». وفي حديث أبي أيُّوب عند التِّرمذيِّ وأبي داود: «الحمد لله الَّذي أطعم وسقى وسوَّغه وجعل له مخرجًا».

(٥٥) (بابُ الأَكْلِ مَعَ الخَادِمِ) للتَّواضع ونفي الكبر سواء كان الخادم حرًّا أو رقيقًا ذكرًا أو أنثى إذا جاز له النَّظر إليه.

٥٤٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارث بنِ سَخْبرة الحَوْضيُّ النَّمريُّ الأزديُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مُحَمَّدٍ -هو: ابْنُ زِيَادٍ-) القرشيِّ الجُمَحِيِّ مَولاهم، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ) بنصب أحدكُم ورفع خادمه مفعولًا وفاعلًا (٢) (بِطَعَامِهِ) جار ومجرور في موضع نصبٍ. زاد أحمدُ والتِّرمذيُّ: «فليجلسه معه» (فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِلْهُ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ) بضم الهمزة فيهما، أي: لقمةً أو لُقمتين، وأما بالفتح فمعناه: المرَّة الواحدة مع الاستيفاء، وليس مرادًا هنا، وأو للتَّقسيم (أَوْ) قال: (لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ) بالشَّكِّ من الرَّاوي. وعند التِّرمذيِّ بلفظ: «لقمة» فقط. ولمسلم تقييدُ ذلك بما إذا كان الطَّعام قليلًا، ومقتضاهُ: أنَّه إذا كان كثيرًا فإمَّا أن يُقْعده معه، وإمَّا أن يجعلَ

حظَّه منه كثيرًا (فَإِنَّهُ وَلِيَ حَرَّهُ) عند الطَّبخ (وَعِلَاجَهُ) عند تحصيلِ الآنية (١) وتركيبه وإصلاحه. وفي رواية لأحمد: «فإنَّه ولي حرَّه ودخانه» والأمر هنا للنَّدب، وينبغِي أن يلحق بهذا الَّذي طبخ مَن حَمَلَه أو عايَنَه ولو هرًّا أو كلبًا لتعلُّق نفسه به، فربَّما وقع الضَّرر للآكل منه، فينبغِي إطعامه من ذلك لتسكن نفسُه ويتَّقي شرَّ عينه.

وقد قيل: إنَّه ينفصلُ من البصر سمومٌ تركبُ الطَّعام لا دواء لها إلَّا بشيءٍ يطعمه من ذلك الطَّعام للنَّاظر إليه.

(٥٦) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين: (الطَّاعِمُ) وهو كما في «القاموس» وغيره: الحسن الحال في المطعم (الشَّاكِرُ) لربِّه تعالى على ما أنعم به عليه من الثَّواب (مِثْلُ الصَّائِمِ الصَّابِرِ) على الجوع، والطَّاعم مبتدأ، ومثل الصَّائم خبره. فإن قلت: قد تقرَّر في علم البيان أنَّ التَّشبيه يستدعي الجهة الجامعة والشُّكر نتيجة النَّعماء كما أنَّ الصَّبر نتيجةَ البلاء، فكيف شبَّه الشَّاكر بالصَّابر؟ أجيب (٣) بأنَّ هذا تشبيه في أصلِ ما لكلِّ واحدٍ منهما من الأجرِ لا في المقدارِ، وهذا كما يقال: زيدٌ كعمرو إذ (٤) معناه: زيدٌ يشبه عمرًا في بعض الخصالِ ولا يلزم منه المماثلةُ في جميعها، فلا تلزم المماثلةُ في الأجر أيضًا.

وقال شارح (٥) «المشكاة»: قد ورد: الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصفٌ شكر، وربَّما يتوهَّم متوهِّمٌ أنَّ ثوابَ شُكر الطَّاعم يقصر عن ثواب صَبر الصَّائم (٦) فأزيلَ توهُّمه به يعني: هما سيان في الثَّواب.

قال: وفيه وجهٌ آخر وهو أنَّ الشَّاكر لمَّا رأى النِّعمة من الله وحبسَ نفسه على محبَّة المنعم بالقلبِ وأظهرها باللِّسان نالَ درجة الصَّابر قال:

وَقَيَّدْتُ نَفْسِي فِي ذَرَاكَ مَحَبَّةً … وَمَنْ وَجَدَ الإِحْسَانَ قَيْدًا تَقَيَّدًا

فيكون التَّشبيه واقعًا في حبس النَّفس بالمحبَّة، والجهة الجامعة حبس النَّفس مطلقًا فأينما وُجد الشُّكر وُجد الصَّبر ولا ينعكس. انتهى.

فالصَّابر يحبسُ نفسه على طاعة المنعم، والشَّاكر يحبسُ نفسه على محبَّته، وإذا تقرَّر أنَّ الأصل أنَّ المشبَّه به أعلى درجةً من المشبَّه اقتضى السِّياقُ المذكور هنا تفضيلَ الفقير الصَّابر على الغنيِّ الشَّاكر، وللنَّاس في هذه المسألة كلامٌ طويلٌ تأتي نبذةٌ منه إن شاء الله تعالى بعونه وقوَّته وكرمه في «الرِّقاق».

وما أحسن قول أحمد بنِ نصر الدَّاوديِّ: الفقرُ والغنى محنتان من اللهِ يختبرُ بهما عبادَه في الشُّكر والصَّبر كما قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] فالفقيرُ والغنيُّ متقابلان بما يعرضُ لكلٍّ منهما في فقرهِ وغِناه من العوارض فيُمدح أو يُذمُّ، وقد جمع الله تعالى لسيدنا محمَّد الحالات الثَّلاث: الفقرَ والغنى والكفافَ، فكان الأوَّل أوَّل حالاتهِ، فقامَ بواجبِ ذلك من (١) مجاهدة النَّفس، ثمَّ فُتحت عليه الفتوح فصار بذلك في حدِّ الأغنياء، فقام بواجبِ ذلك من بذلهِ لمستحقِّه والمواساة به والإيثارِ مع اقتصاره منه على ما يسدُّ ضرورةَ عيالهِ، وهي صورةُ الكفاف الَّتي مات عليها، وهي حالةٌ سليمةٌ من الغنى المُطغي، والفقرِ المؤلم.

وفي مسلم من حديثِ ابن عمر رفعه: «قد أفلحَ من هُدي إلى الإسلامِ ورُزق الكفافَ وقنعَ» والكفافُ: الكفاية بلا زيادة، فمن حصل له ما يكفيه واقتنعَ به أَمِنَ من (٢) آفات الغنى والفقر، وقد رجَّح قومٌ الغنى على الفقرِ لما يتضمَّنه من القُربِ المالية.

وهذا الَّذي ذكر إنَّما هو في فضلِ الوصفين الغنى والفقر (٣) لا في أحدٍ ممَّن اتَّصف بأحدهما، والاختلافُ إنَّما هو في الأخيرِ.

نعم، النَّظر في أيِّ الحالين أفضلُ عند الله للعبدِ حتَّى يتكسَّبه ويتخلَّق به، وهل التَّقلُّل (٤) من المالِ أفضل؛ ليتفرَّغ قلبه من الشَّواغل وينالَ لذَّة المناجاةِ، ولا ينهمِك في الاكتسابِ ليستريح

من طولِ الحساب، أو التَّشاغل باكتسابِ المال أفضل ليستكثرَ به من التَّقرُّب بالبرِّ والصِّلة والصَّدقة لما فيه من النَّفع المتعدِّي، وإذا كان الأمرُ كذلك فالأفضلُ ما اختاره وجمهورُ أصحابه من التَّقلُّل من الدُّنيا، ولكلٍّ من القولين أدلَّةٌ تأتي إن شاء الله تعالى بفضلِ الله وإحسانه.

والتَّحقيق أن لا يُجاب في هذه المسألة بجوابٍ كلِّيٍّ، بل يختلفُ باختلافِ الأحوال والأشخاصِ، لكن عند الاستواءِ من كلِّ جهةٍ وفرضِ رفع العوارض بأسرها، فالفقرُ أسلم عاقبةً في الدَّار الأخرى.

وقد أشار المؤلِّف لما ترجم له بقولهِ: (فِيهِ) أي: في الباب (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ ) وهذا وصله ابن ماجه في «الصَّوم» عن يعقوبَ بنِ حميدِ بنِ كاسبِ، عن محمد بنِ معن بنِ محمد الغفاريِّ، عن أبيه. وعن يعقوبَ بنِ حميدِ، عن عبد الله بنِ عبد الله، عن معن بنِ محمد (١)، عن (٢) حنظلةَ بن عليٍّ الأسلميِّ، عن أبي هريرة، به.

والتِّرمذيُّ في «الزهد» عن إسحاقِ بن موسى الأنصاريِّ، عن محمد بنِ معن، عن أبيه (٣)، عن سعيد المقبريِّ، عن أبي هريرة -بلفظ التَّرجمة- به (٤)، وقال: حسنٌ غريب.

وأخرجهُ البخاريُّ في «التاريخ» والحاكم في «المستدرك» من رواية سُليمان بن بلال، عن محمد بنِ عبد الله بنِ أبي حُرَّة، عن عمِّه حكيمِ بن أبي حُرَّة، عن سلمان الأغر (٥)، عن أبي هريرة بلفظ: «إنَّ للطَّاعم الشَّاكر من الأجرِ مثل ما للصَّائم الصَّابر».

وأخرجه ابنُ حبَّان وقال: معناه: أنْ يَطْعم ثمَّ لا يعصِي بارئهُ بقوَّته، ويتمَّ شُكرَه بإتيانِ طاعتهِ بجوارحهِ؛ لأنَّ الصَّائم قُرِنَ به الصَّبرُ وهو صبرُهُ عن المحظوراتِ، وقُرِنَ بالطَّاعم الشُّكر، فيجبُ أن يكون هذا الشُّكر الَّذي يقوم بإزاء ذلك الصَّبر (٦) يقاربه (٧) ويشاركه وهو ترك المحظورات.

وقوله: «فيه عن أبي هريرة … » إلى آخره، ثابتٌ في رواية أبي ذرٍّ فقط، كما في الفرع وأصله.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَقْلُوبٌ مِنَ الْإِكْفَاءِ وَهُوَ الْقَلْبُ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَكْفِي الْإِنَاءَ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ. وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، عَنْ أَبِي مَنْصُورٍ الْجَوَالِيقِيِّ أَنَّ الصَّوَابَ غَيْرُ مُكَافَأٍ بِالْهَمْزَةِ، أَيْ إِنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُكَافَأُ. قُلْتُ: وَثَبَتَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ هَكَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، لَكِنَّ الَّذِي فِي حَدِيثِ الْبَابِ غَيْرُ مَكْفِيٍّ بِالْيَاءِ، وَلِكُلٍّ مَعْنًى.

قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى (كَفَانَا وَأَرْوَانَا) هَذَا يُؤَيِّدُ عَوْدَ الضَّمِيرِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْكَافِي لَا الْمُكَفِّي، وَكَفَانَا هُوَ مِنَ الْكِفَايَةِ، وَهِيَ أَعَمُّ مِنَ الشِّبَعِ وَالرِّيِّ وَغَيْرِهِمَا، فَأَرْوَانَا عَلَى هَذَا مِنَ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ وَآوَانَا بِالْمَدِّ مِنَ الْإِيوَاءِ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ وَلِأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَ وَسَقَى وَسَوَّغَهُ وَجَعَلَ لَهُ مَخْرَجًا وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي أُمَامَةَ وَزِيَادَةً فِي حَدِيثٍ مُطَوَّلٍ، وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ الْمِصْرِيِّ أَنَّهُ حَدَّثَهُ رَجُلٌ خَدَمَ النَّبِيَّ ثَمَانَ سِنِينَ أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ النَّبِيَّ إِذَا قُرِّبَ إِلَيْهِ طَعَامُهُ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ، فَإِذَا فَرَغَ قَالَ: اللَّهُمَّ أَطْعَمْتَ وَسَقَيْتَ وَأَغْنَيْتَ وَأَقْنَيْتَ وَهَدَيْتَ وَأَحْيَيْتَ، فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَعْطَيْتَ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ.

قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخَرَى (وَلَا مَكْفُورٌ) أَيْ مَجْحُودٌ فَضْلُهُ وَنِعْمَتُهُ، وَهَذَا مِمَّا يُقَوِّي أَنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ (وَلَا مُوَدَّعٌ) بِفَتْحِ الدَّالِ الثَّقِيلَةِ أَيْ غَيْرُ مَتْرُوكٍ، وَيُحْتَمَلُ كَسْرُهَا عَلَى أَنَّهُ حَالٌ مِنَ الْقَائِلِ أَيْ غَيْرُ تَارِكٍ.

قَوْلُهُ (وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ) بِفَتْحِ النُّونِ وَبِالتَّنْوِينِ.

قَوْلُهُ (رَبُّنَا) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ هُوَ رَبُّنَا، أَوْ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مُتَقَدِّمٌ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى الْمَدْحِ أَوْ الِاخْتِصَاصِ أَوْ إِضْمَارِ أَعني، قَالَ ابْنُ التِّينِ وَيَجُوزُ الْجَرُّ عَلَى أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الضَّمِيرِ فِي عَنْهُ، وَقَالَ غَيْرُهُ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الِاسْمِ فِي قَوْلِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ رَبَّنَا بِالنَّصْبِ عَلَى النِّدَاءِ مَعَ حَذْفِ أَدَاةِ النِّدَاءِ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: بِحَسَبِ رَفْعِ غَيْرِ أَيْ وَنَصْبِهِ وَرَفْعِ رَبِّنَا وَنَصْبِهِ، وَالِاخْتِلَافُ فِي مَرْجِعِ الضَّمِيرِ يُكْثِرُ التَّوْجِيهَاتِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ.

٥٥ - بَاب الْأَكْلِ مَعَ الْخَادِمِ

٥٤٦٠ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، هُوَ ابْنُ زِيَادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِلْهُ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ، أَوْ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ، فَإِنَّهُ وَلِيَ حَرَّهُ وَعِلَاجَهُ.

قَوْلُهُ (بَابُ الْأَكْلِ مَعَ الْخَادِمِ) أَيْ عَلَى قَصْدِ التَّوَاضُعِ، وَالْخَادِمُ يُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ رَقِيقًا أَوْ حُرًّا، مَحِلُّهُ فِيمَا إِذَا كَانَ السَّيِّدُ رَجُلًا أَنْ يَكُونَ الْخَادِمُ إِذَا كَانَ أُنْثَى مِلْكَهُ أَوْ مَحْرَمَهُ أَوْ مَا فِي حُكْمِهِ وَبِالْعَكْسِ.

قَوْلُهُ (مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ) هُوَ الْجُمَحِيُّ.

قَوْلُهُ (إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ) بِالنَّصْبِ (خَادِمُهُ) بِالرَّفْعِ.

قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَلْيُقْعِدْهُ مَعَهُ فَلْيَأْكُلْ وَفِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلِيِّ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ فَلْيُجْلِسْهُ مَعَهُ، فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِلْهُ وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ، عَنْ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَادْعُهُ فَإِنْ أَبَى فَأَطْعِمْهُ مِنْهُ وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلْيَدْعُهُ فَلْيَأْكُلْ مَعَهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَفَاعِلُ أَبَى وَكَذَا إِنْ لَمْ يَفْعَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ السَّيِّدَ، وَالْمَعْنَى إِذَا تَرَفَّعَ عَنْ مُؤَاكَلَةِ غُلَامِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْخَادِمَ إِذَا تَوَاضَعَ عَنْ مُؤَاكَلَةِ سَيِّدِهِ، وَيُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ جَابِرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ أُمِرْنَا أَنْ نَدْعُوَهُ، فَإِنْ كَرِهَ أَحَدُنَا

أَنْ يَطْعَمَ مَعَهُ فَلْيُطْعِمْهُ فِي يَدِهِ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.

قَوْلُهُ (فَلْيُنَاوِلْهُ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيِ اللُّقْمَةِ، وَأَوْ لِلتَّقْسِيمِ بِحَسَبِ حَالِ الطَّعَامِ وَحَالِ الْخَادِمِ، وَقَوْلُهُ أَوْ لُقْمَةٌ أَوْ لُقْمَتَيْنِ هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِلَفْظِ لُقْمَةٍ فَقَطْ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ تَقْيِيدُ ذَلِكَ بِمَا إِذَا كَانَ الطَّعَامُ قَلِيلًا وَلَفْظُهُ فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ مَشْفُوهًا قَلِيلًا وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ يَعْنِي قَلِيلًا فَلْيَضَعْ فِي يَدِهِ مِنْهُ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: يَعْنِي لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الطَّعَامَ إِذَا كَانَ كَثِيرًا فَإِمَّا أَنْ يُقْعِدَهُ مَعَهُ وَإِمَّا أَنْ يَجْعَلَ حَظَّهُ مِنْهُ كَثِيرًا.

قَوْلُهُ (فَإِنَّهُ وَلِيَ حَرَّهُ) أَيْ عِنْدَ الطَّبْخِ (وَعِلَاجَهُ) أَيْ عِنْدَ تَحْصِيلِ آلَاتِهِ، وَقَبْلَ وَضْعِ الْقِدْرِ عَلَى النَّارِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ فِي مَعْنَى الطَّبَّاخِ حَامِلَ الطَّعَامِ لِوُجُودِ الْمَعْنَى فِيهِ وَهُوَ تَعَلُّقُ نَفْسِهِ بِهِ، بَلْ يُؤْخَذُ مِنْهُ الِاسْتِحْبَابُ فِي مُطْلَقِ خَدَمِ الْمَرْءِ مِمَّنْ يُعَانِي ذَلِكَ، وَإِلَى ذَلِكَ يُومِئُ إِطْلَاقُ التَّرْجَمَةِ، وَفِي هَذَا تَعْلِيلُ الْأَمْرِ الْمَذْكُورِ، وَإِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ لِلْعَيْنِ حَظًّا فِي الْمَأْكُولِ فَيَنْبَغِي صَرْفُهَا بِإِطْعَامِ صَاحِبِهَا مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ لِتَسْكُنَ نَفْسُهُ فَيَكُونُ أَكَفَ لِشَرِّهِ. قَالَ الْمُهَلَّبُ: هَذَا الْحَدِيثُ يُفَسِّرُ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ فِي الْأَمْرِ بِالتَّسْوِيَةِ مَعَ الْخَادِمِ فِي الْمَطْعَمِ وَالْمَلْبَسِ، فَإِنَّهُ جَعَلَ الْخِيَارَ إِلَى السَّيِّدِ فِي إِجْلَاسِ الْخَادِمِ مَعَهُ وَتَرْكِهِ. قُلْتُ: وَلَيْسَ فِي الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَطْعَمُونَ إِلْزَامٌ بِمُؤَاكَلَةِ الْخَادِمِ، بَلْ فِيهِ أَنْ لَا يَسْتَأْثِرَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ بَلْ يُشْرِكَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لَكِنْ بِحَسَبِ مَا يَدْفَعُ بِهِ شَرَّ عَيْنِهِ.

وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْوَاجِبَ إِطْعَامُ الْخَادِمِ مِنْ غَالِبِ الْقُوتِ الَّذِي يَأْكُلُ مِنْهُ مِثْلَهُ فِي تِلْكَ الْبَلَدِ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْأُدْمِ وَالْكِسْوَةِ، وَأَنَّ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَسْتَأْثِرَ بِالنَّفِيسِ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ أَنْ يُشْرِكَ مَعَهُ الْخَادِمَ فِي ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاخْتَلَفَ حُكْمُ هَذَا الْأَمْرِ بِالْإِجْلَاسِ أَوِ الْمُنَاوَلَةِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْحَدِيثَ: هَذَا عِنْدَنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَوَّلُهُمَا بِمَعْنَاهُ أَنَّ إِجْلَاسَهُ مَعَهُ أَفْضَلُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، أَوْ يَكُونُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُجْلِسَهُ أَوْ يُنَاوِلَهُ، وَقَدْ يَكُونُ أَمْرُهُ اخْتِيَارًا غَيْرَ حَتْمٍ اهـ. وَرَجَّحَ الرَّافِعِيُّ الِاحْتِمَالَ الْأَخِيرَ، وَحَمَلَ الْأَوَّلَ عَلَى الْوُجُوبِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْإِجْلَاسَ لَا يَتَعَيَّنُ، لَكِنْ إِنْ فَعَلَهُ كَانَ أَفْضَلَ وَإِلَّا تَعَيَّنَتِ الْمُنَاوَلَةُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْوَاجِبَ أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ. وَالثَّانِي أَنَّ الْأَمْرَ لِلنَّدَبِ مُطْلَقًا.

تَنْبِيهٌ:

فِي قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَإِنْ كَانَ الطَّعَامَ مَشْفُوهًا بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ فَسَّرَهُ بِالْقَلِيلِ، وَأَصْلُهُ الْمَاءُ الَّذِي تَكْثُرُ عَلَيْهِ الشِّفَاهُ حَتَّى يَقِلَّ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَحِلَّ الْإِجْلَاسِ أَوِ الْمُنَاوَلَةِ مَا إِذَا كَانَ الطَّعَامُ قَلِيلًا وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ كَثِيرًا وَسِعَ السَّيِّدَ وَالْخَادِمَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَمْرِ بِذَلِكَ أَنْ تَسْكُنَ نَفْسُ الْخَادِمِ بِذَلِكَ، وَهُوَ حَاصِلٌ مَعَ الْكَثْرَةِ دُونَ الْقِلَّةِ، فَإِنَّ الْقِلَّةَ مَظِنَّةُ أَنْ لَا يَفْضُلَ مِنْهُ شَيْءٌ. وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ فَإِنْ كَانَ مَشْفُوهًا أَنَّ الْأَمْرَ الْوَارِدَ لِمَنْ طَبَخَ بِتَكْثِيرِ الْمَرَقِ لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٥٦ - بَاب: الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ مِثْلُ الصَّائِمِ الصَّابِرِ. فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ

قَوْلُهُ (بَابُ الطَّاعِمِ الشَّاكِرِ مِثْلُ الصَّائِمِ الصَّابِرِ. فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ هَذَا الْحَدِيثُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُعَلَّقَةِ الَّتِي لَمْ تَقَعْ فِي هَذَا الْكِتَابِ مَوْصُولَةً، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّارِيخِ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُرَّةَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ عَنْ عَمِّهِ حَكِيمِ بْنِ أَبِي حُرَّةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَفْظُهُ إِنَّ لِلطَّاعِمِ الشَّاكِرِ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلَ مَا لِلصَّائِمِ الصَّابِرِ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى مُحَمَّدٍ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْهُ عَنْ عَمِّهِ حَكِيمٍ، عَنْ سِنَانِ بْنِ سَنَةَ الْأَسْلَمِيِّ وَقِيلَ عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

مَرَّةً: إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ قَالَ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي كَفَانَا) من الكفاية الشَّاملة للشبعِ والرِّيِّ وغيرهما، وحينئذٍ فيكون قولهُ: (وَأَرْوَانَا) من عطف الخاصِّ على العامِّ. قال في «الفتح»: ووقعَ في رواية ابنِ السَّكن، عن الفَِرَبْريِّ: «وآوانا» بمدِّ الهمزة بعدها من الإيواء (غَيْرَ مَكْفِي وَلَا مَكْفُورٍ) أي: ولا مجحودٍ فضله ونعمته، وهذا كلُّه ممَّا يتأيَّد به القول بأنَّ (١) الضَّمير في الرِّواية الأولى راجعٌ إلى الله تعالى، واختلاف طرق الحديث يبيِّن بعضه بعضًا (وَقَالَ مَرَّةً: لَكَ الحَمْدُ) ولغير أبي ذرٍّ: «وقال مرَّة: الحمد لله» (رَبَّنَا، غَيْرَ مَكْفِي، وَلَا مُوَدَّعٍ، وَلَا مُسْتَغْنًى) عنه (رَبَّنَا).

وعند أبي داود من حديثِ أبي سعيد: «الحمد لله الَّذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين». وفي حديث أبي أيُّوب عند التِّرمذيِّ وأبي داود: «الحمد لله الَّذي أطعم وسقى وسوَّغه وجعل له مخرجًا».

(٥٥) (بابُ الأَكْلِ مَعَ الخَادِمِ) للتَّواضع ونفي الكبر سواء كان الخادم حرًّا أو رقيقًا ذكرًا أو أنثى إذا جاز له النَّظر إليه.

٥٤٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارث بنِ سَخْبرة الحَوْضيُّ النَّمريُّ الأزديُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مُحَمَّدٍ -هو: ابْنُ زِيَادٍ-) القرشيِّ الجُمَحِيِّ مَولاهم، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ) بنصب أحدكُم ورفع خادمه مفعولًا وفاعلًا (٢) (بِطَعَامِهِ) جار ومجرور في موضع نصبٍ. زاد أحمدُ والتِّرمذيُّ: «فليجلسه معه» (فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِلْهُ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ) بضم الهمزة فيهما، أي: لقمةً أو لُقمتين، وأما بالفتح فمعناه: المرَّة الواحدة مع الاستيفاء، وليس مرادًا هنا، وأو للتَّقسيم (أَوْ) قال: (لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ) بالشَّكِّ من الرَّاوي. وعند التِّرمذيِّ بلفظ: «لقمة» فقط. ولمسلم تقييدُ ذلك بما إذا كان الطَّعام قليلًا، ومقتضاهُ: أنَّه إذا كان كثيرًا فإمَّا أن يُقْعده معه، وإمَّا أن يجعلَ

حظَّه منه كثيرًا (فَإِنَّهُ وَلِيَ حَرَّهُ) عند الطَّبخ (وَعِلَاجَهُ) عند تحصيلِ الآنية (١) وتركيبه وإصلاحه. وفي رواية لأحمد: «فإنَّه ولي حرَّه ودخانه» والأمر هنا للنَّدب، وينبغِي أن يلحق بهذا الَّذي طبخ مَن حَمَلَه أو عايَنَه ولو هرًّا أو كلبًا لتعلُّق نفسه به، فربَّما وقع الضَّرر للآكل منه، فينبغِي إطعامه من ذلك لتسكن نفسُه ويتَّقي شرَّ عينه.

وقد قيل: إنَّه ينفصلُ من البصر سمومٌ تركبُ الطَّعام لا دواء لها إلَّا بشيءٍ يطعمه من ذلك الطَّعام للنَّاظر إليه.

(٥٦) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين: (الطَّاعِمُ) وهو كما في «القاموس» وغيره: الحسن الحال في المطعم (الشَّاكِرُ) لربِّه تعالى على ما أنعم به عليه من الثَّواب (مِثْلُ الصَّائِمِ الصَّابِرِ) على الجوع، والطَّاعم مبتدأ، ومثل الصَّائم خبره. فإن قلت: قد تقرَّر في علم البيان أنَّ التَّشبيه يستدعي الجهة الجامعة والشُّكر نتيجة النَّعماء كما أنَّ الصَّبر نتيجةَ البلاء، فكيف شبَّه الشَّاكر بالصَّابر؟ أجيب (٣) بأنَّ هذا تشبيه في أصلِ ما لكلِّ واحدٍ منهما من الأجرِ لا في المقدارِ، وهذا كما يقال: زيدٌ كعمرو إذ (٤) معناه: زيدٌ يشبه عمرًا في بعض الخصالِ ولا يلزم منه المماثلةُ في جميعها، فلا تلزم المماثلةُ في الأجر أيضًا.

وقال شارح (٥) «المشكاة»: قد ورد: الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصفٌ شكر، وربَّما يتوهَّم متوهِّمٌ أنَّ ثوابَ شُكر الطَّاعم يقصر عن ثواب صَبر الصَّائم (٦) فأزيلَ توهُّمه به يعني: هما سيان في الثَّواب.

قال: وفيه وجهٌ آخر وهو أنَّ الشَّاكر لمَّا رأى النِّعمة من الله وحبسَ نفسه على محبَّة المنعم بالقلبِ وأظهرها باللِّسان نالَ درجة الصَّابر قال:

وَقَيَّدْتُ نَفْسِي فِي ذَرَاكَ مَحَبَّةً … وَمَنْ وَجَدَ الإِحْسَانَ قَيْدًا تَقَيَّدًا

فيكون التَّشبيه واقعًا في حبس النَّفس بالمحبَّة، والجهة الجامعة حبس النَّفس مطلقًا فأينما وُجد الشُّكر وُجد الصَّبر ولا ينعكس. انتهى.

فالصَّابر يحبسُ نفسه على طاعة المنعم، والشَّاكر يحبسُ نفسه على محبَّته، وإذا تقرَّر أنَّ الأصل أنَّ المشبَّه به أعلى درجةً من المشبَّه اقتضى السِّياقُ المذكور هنا تفضيلَ الفقير الصَّابر على الغنيِّ الشَّاكر، وللنَّاس في هذه المسألة كلامٌ طويلٌ تأتي نبذةٌ منه إن شاء الله تعالى بعونه وقوَّته وكرمه في «الرِّقاق».

وما أحسن قول أحمد بنِ نصر الدَّاوديِّ: الفقرُ والغنى محنتان من اللهِ يختبرُ بهما عبادَه في الشُّكر والصَّبر كما قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] فالفقيرُ والغنيُّ متقابلان بما يعرضُ لكلٍّ منهما في فقرهِ وغِناه من العوارض فيُمدح أو يُذمُّ، وقد جمع الله تعالى لسيدنا محمَّد الحالات الثَّلاث: الفقرَ والغنى والكفافَ، فكان الأوَّل أوَّل حالاتهِ، فقامَ بواجبِ ذلك من (١) مجاهدة النَّفس، ثمَّ فُتحت عليه الفتوح فصار بذلك في حدِّ الأغنياء، فقام بواجبِ ذلك من بذلهِ لمستحقِّه والمواساة به والإيثارِ مع اقتصاره منه على ما يسدُّ ضرورةَ عيالهِ، وهي صورةُ الكفاف الَّتي مات عليها، وهي حالةٌ سليمةٌ من الغنى المُطغي، والفقرِ المؤلم.

وفي مسلم من حديثِ ابن عمر رفعه: «قد أفلحَ من هُدي إلى الإسلامِ ورُزق الكفافَ وقنعَ» والكفافُ: الكفاية بلا زيادة، فمن حصل له ما يكفيه واقتنعَ به أَمِنَ من (٢) آفات الغنى والفقر، وقد رجَّح قومٌ الغنى على الفقرِ لما يتضمَّنه من القُربِ المالية.

وهذا الَّذي ذكر إنَّما هو في فضلِ الوصفين الغنى والفقر (٣) لا في أحدٍ ممَّن اتَّصف بأحدهما، والاختلافُ إنَّما هو في الأخيرِ.

نعم، النَّظر في أيِّ الحالين أفضلُ عند الله للعبدِ حتَّى يتكسَّبه ويتخلَّق به، وهل التَّقلُّل (٤) من المالِ أفضل؛ ليتفرَّغ قلبه من الشَّواغل وينالَ لذَّة المناجاةِ، ولا ينهمِك في الاكتسابِ ليستريح

من طولِ الحساب، أو التَّشاغل باكتسابِ المال أفضل ليستكثرَ به من التَّقرُّب بالبرِّ والصِّلة والصَّدقة لما فيه من النَّفع المتعدِّي، وإذا كان الأمرُ كذلك فالأفضلُ ما اختاره وجمهورُ أصحابه من التَّقلُّل من الدُّنيا، ولكلٍّ من القولين أدلَّةٌ تأتي إن شاء الله تعالى بفضلِ الله وإحسانه.

والتَّحقيق أن لا يُجاب في هذه المسألة بجوابٍ كلِّيٍّ، بل يختلفُ باختلافِ الأحوال والأشخاصِ، لكن عند الاستواءِ من كلِّ جهةٍ وفرضِ رفع العوارض بأسرها، فالفقرُ أسلم عاقبةً في الدَّار الأخرى.

وقد أشار المؤلِّف لما ترجم له بقولهِ: (فِيهِ) أي: في الباب (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ ) وهذا وصله ابن ماجه في «الصَّوم» عن يعقوبَ بنِ حميدِ بنِ كاسبِ، عن محمد بنِ معن بنِ محمد الغفاريِّ، عن أبيه. وعن يعقوبَ بنِ حميدِ، عن عبد الله بنِ عبد الله، عن معن بنِ محمد (١)، عن (٢) حنظلةَ بن عليٍّ الأسلميِّ، عن أبي هريرة، به.

والتِّرمذيُّ في «الزهد» عن إسحاقِ بن موسى الأنصاريِّ، عن محمد بنِ معن، عن أبيه (٣)، عن سعيد المقبريِّ، عن أبي هريرة -بلفظ التَّرجمة- به (٤)، وقال: حسنٌ غريب.

وأخرجهُ البخاريُّ في «التاريخ» والحاكم في «المستدرك» من رواية سُليمان بن بلال، عن محمد بنِ عبد الله بنِ أبي حُرَّة، عن عمِّه حكيمِ بن أبي حُرَّة، عن سلمان الأغر (٥)، عن أبي هريرة بلفظ: «إنَّ للطَّاعم الشَّاكر من الأجرِ مثل ما للصَّائم الصَّابر».

وأخرجه ابنُ حبَّان وقال: معناه: أنْ يَطْعم ثمَّ لا يعصِي بارئهُ بقوَّته، ويتمَّ شُكرَه بإتيانِ طاعتهِ بجوارحهِ؛ لأنَّ الصَّائم قُرِنَ به الصَّبرُ وهو صبرُهُ عن المحظوراتِ، وقُرِنَ بالطَّاعم الشُّكر، فيجبُ أن يكون هذا الشُّكر الَّذي يقوم بإزاء ذلك الصَّبر (٦) يقاربه (٧) ويشاركه وهو ترك المحظورات.

وقوله: «فيه عن أبي هريرة … » إلى آخره، ثابتٌ في رواية أبي ذرٍّ فقط، كما في الفرع وأصله.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله