«غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ أَوْ سِتًّا كُنَّا نَأْكُلُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٤٩٥

الحديث رقم ٥٤٩٥ من كتاب «كتاب الذبائح والصيد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب أكل الجراد.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٤٩٥ في صحيح البخاري

«غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ سَبْعَ غَزَوَاتٍ أَوْ سِتًّا كُنَّا نَأْكُلُ مَعَهُ الْجَرَادَ» قَالَ سُفْيَانُ وَأَبُو عَوَانَةَ وَإِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى: سَبْعَ غَزَوَاتٍ.

بَابُ آنِيَةِ الْمَجُوسِ وَالْمَيْتَةِ

إسناد حديث رقم ٥٤٩٥ من صحيح البخاري

٥٤٩٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٤٩٥: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

كُلَّ يَوْمٍ فَكَانَ يَمُصُّهَا وَكُنَّا نَخْتَبِطُ بِقِسِيِّنَا وَنَأْكُلُ، وَسِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى نَزَلْنَا وَادِيًا أَفْيَحَ فَذَكَرَ قِصَّةَ الشَّجَرَتَيْنِ اللَّتَيْنِ الْتَقَتَا بِأَمْرِ النَّبِيِّ حَتَّى تَسَتَّرَ بِهِمَا عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَفِيهِ قِصَّةُ الْقَبْرَيْنِ اللَّذَيْنِ غَرَسَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا غُصْنًا، وَفِيهِ فَأَتَيْنَا الْعَسْكَرَ فَقَالَ: يَا جَابِرُ، نَادِ الْوُضُوءَ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ بِطُولِهَا فِي نَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَفِيهِ: وَشَكَا النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ الْجُوعَ، فَقَالَ: عَسَى اللَّهُ أَنْ يُطْعِمَكُمْ. فَأَتَيْنَا سِيفَ الْبَحْرِ، فزجر الْبَحْرُ زجرة فَأَلْقَى دَابَّةً فَأَوْرَيْنَا عَلَى شِقِّهَا النَّارَ فَاطَّبَخْنَا وَاشْتَوَيْنَا وَأَكَلْنَا وَشَبِعْنَا.

وَذَكَرَ أَنَّهُ دَخَلَ هُوَ وَجَمَاعَةٌ فِي عَيْنِهَا، وَذَكَرَ قِصَّةَ الَّذِي دَخَلَ تَحْتَ ضِلْعِهَا مَا يُطَأْطِئُ رَأْسَهُ وَهُوَ أَعْظَمُ رَجُلٍ فِي الرَّكْبِ عَلَى أَعْظَمِ جَمَلٍ، وَظَاهِرُ سِيَاقِ هَذِهِ الْقِصَّةِ يَقْتَضِي مُغَايَرَةَ الْقِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْبَابِ وَهِيَ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ أَيْضًا، حَتَّى قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ: هَذِهِ وَاقِعَةٌ أُخْرَى غَيْرُ تِلْكَ، فَإِنَّ هَذِهِ كَانَتْ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ . وَمَا ذَكَرَهُ لَيْسَ بِنَصٍّ فِي ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الْفَاءُ فِي قَوْلِ جَابِرٍ فَأَتَيْنَا سِيفَ الْبَحْرِ هِيَ الْفَصِيحَةُ وَهِيَ مُعَقِّبَةٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ فَأَرْسَلَنَا النَّبِيُّ مَعَ أَبِي عُبَيْدَةَ فَأَتَيْنَا سِيفَ الْبَحْرِ فَتَتَّحِدُ الْقِصَّتَانِ، وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ عِنْدِي، وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّعَدُّدِ.

وَمِمَّا نُنَبِّهُ عَلَيْهِ هُنَا أَيْضًا أَنَّ الْوَاقِدِيَّ زَعَمَ أَنَّ قِصَّةَ بَعْثِ أَبِي عُبَيْدَةَ كَانَتْ فِي رَجَبٍ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَهُوَ عِنْدِي خَطَأٌ لِأَنَّ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ الصَّحِيحِ أَنَّهُمْ خَرَجُوا يَتَرَصَّدُونَ عِيرَ قُرَيْشٍ وَقُرَيْشٌ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ فِي هُدْنَةٍ، وَقَدْ نَبَّهْتُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْمَغَازِي، وَجَوَّزْتُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ الْهُدْنَةِ فِي سَنَةِ سِتٍّ أَوْ قَبْلَهَا، ثُمَّ ظَهَرَ لِيَ الْآنَ تَقْوِيَةُ ذَلِكَ بِقَوْلِ جَابِرٍ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ هَذِهِ أَنَّهُمْ خَرَجُوا فِي غَزَاةِ بُوَاطٍ وَغَزَاةُ بُوَاطٍ كَانَتْ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ خَرَجَ فِي مِائَتَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ يَعْتَرِضُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ فِيهَا أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ فَبَلَغَ بُوَاطًا، وَهِيَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ جِبَالٌ لِجُهَيْنَةَ مِمَّا يَلِي الشَّامَ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ، فَلَمْ يَلْقَ أَحَدًا فَرَجَعَ، فَكَأَنَّهُ أَفْرَدَ أَبَا عُبَيْدَةَ فِيمَنْ مَعَهُ يَرْصُدُونَ الْعِيرَ الْمَذْكُورَةَ. وَيُؤَيِّدُ تَقَدُّمَ أَمْرِهَا مَا ذُكِرَ فِيهَا مِنَ الْقِلَّةِ وَالْجَهْدِ، وَالْوَاقِعُ أَنَّهُمْ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ كَانَ حَالُهُمُ اتَّسَعَ بِفَتْحِ خَيْبَرَ وَغَيْرِهَا، وَالْجَهْدُ الْمَذْكُورُ فِي الْقِصَّةِ يُنَاسِبُ ابْتِدَاءَ الْأَمْرِ فَيُرَجَّحُ مَا ذَكَرْتُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٣ - بَاب أَكْلِ الْجَرَادِ

٥٤٩٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ سَبْعَ غَزَوَاتٍ - أَوْ سِتًّا - كُنَّا نَأْكُلُ مَعَهُ الْجَرَادَ.

قَالَ سُفْيَانُ وَأَبُو عَوَانَةَ وَإِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى: سَبْعَ غَزَوَاتٍ.

قَوْلُهُ (بَابُ أَكْلِ الْجَرَادِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ مَعْرُوفٌ وَالْوَاحِدَةُ جَرَادَةٌ وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى سَوَاءٌ كَالْحَمَامَةِ وَيُقَالُ إِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْجَرْدِ لِأَنَّهُ لَا يَنْزِلُ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا جَرَّدَهُ، وَخِلْقَةُ الْجَرَادِ عَجِيبَةٌ فِيهَا عَشَرَةٌ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ ذَكَرَ بَعْضَهَا ابْنُ الشَّهْرُزُورِيِّ فِي قَوْلِهِ:

لَهَا فَخِذَا بَكْرٍ وَسَاقَا نَعَامَةٍ … وَقَادِمَتَا نَسْرٍ وَجُؤْجُؤُ ضَيْغَمٍ

حَبَتْهَا أَفَاعِي الرَّمَلِ بَطْنًا وَأَنْعَمَتْ … عَلَيْهَا جِيَادُ الْخَيْلِ بِالرَّأْسِ وَالْفَمِ

قِيلَ: وَفَاتَهُ عَيْنُ الْفِيلِ، وَعُنُقُ الثَّوْرِ، وَقَرْنُ الْأَيِّلِ، وَذَنَبُ الْحَيَّةِ.

وَهُوَ صِنْفَانِ: طَيَّارٌ وَوَثَّابٌ، وَيَبِيضُ فِي الصَّخْرِ

فَيَتْرُكُهُ حَتَّى يَيْبَسَ وَيَنْتَشِرَ فَلَا يَمُرُّ بِزَرْعٍ إِلَّا اجْتَاحَهُ، وَقِيلَ؛ (١) وَاخْتُلِفَ فِي أَصْلِهِ فَقِيلَ: إِنَّهُ نَثْرَةُ حُوتٍ فَلِذَلِكَ كَانَ أَكْلُهُ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ، وَهَذَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ ضَعِيفٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ أنَّ الْجَرَادَ نَثْرَةُ حُوتٍ مِنَ الْبَحْرِ وَمِنْ حَدِيثِ أَبَى هُرَيْرَةَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فِي حَجٍّ أَوْ عَمْرَةٍ فَاسْتَقْبَلَنَا رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ، فَجَعَلْنَا نَضْرِبُ بِنِعَالِنَا وَأَسْوَاطِنَا، فَقَالَ: كُلُوهُ فَإِنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ لَا جَزَاءَ فِيهِ إِذَا قَتَلَهُ الْمُحْرِمُ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى خِلَافِهِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَمْ يَقُلْ لَا جَزَاءَ فِيهِ غَيْرُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَاخْتُلِفَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَإِذَا ثَبَتَ فِيهِ الْجَزَاءُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ بَرِّيٌّ.

وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ أَكْلِهِ بِغَيْرِ تَذْكِيَةٍ إِلَّا أَنَّ الْمَشْهُورَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ اشْتِرَاطُ تَذْكِيَتِهِ. وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَتِهَا فَقِيلَ بِقَطْعِ رَأْسِهِ، وَقِيلَ إِنْ وَقَعَ فِي قِدْرٍ أَوْ نَارٍ حَلَّ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ أَخْذُهُ ذَكَاتُهُ، وَوَافَقَ مُطَرِّفٌ مِنْهُمُ الْجُمْهُورَ فِي أَنَّهُ لَا يُفْتَقَرُ إِلَى ذَكَاتِهِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ: السَّمَكُ وَالْجَرَادُ وَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مَرْفُوعًا، وَقَالَ: إِنَّ الْمَوْقُوفَ أَصَحُّ، وَرَجَّحَ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا الْمَوْقُوفَ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ إِنَّ لَهُ حُكْمَ الرَّفْعِ.

قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ) بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْفَاءِ هُوَ الْعَبْدِيِّ، وَاسْمُهُ وَقْدَانُ وَقِيلَ وَاقِدٌ، وَقَالَ مُسْلِمٌ اسْمُهُ وَاقِدٌ وَلَقَبُهُ وَقْدَانُ، وَهُوَ الْأَكْبَرُ، وَأَبُو يَعْفُورٍ الْأَصْغَرُ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُبَيْدٍ، وَكِلَاهُمَا ثِقَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَلَيْسَ لِلْأَكْبَرِ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرُ تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ فِي أَبْوَابِ الرُّكُوعِ مِنْ صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ كَلَامَ النَّوَوِيِّ فِيهِ وَجَزْمَهُ بِأَنَّهُ الْأَصْغَرُ وَأَنَّ الصَّوَابَ أَنَّهُ الْأَكْبَرُ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْكَلَابَاذِيُّ وَغَيْرُهُ وَالنَّوَوِيُّ تَبِعَ فِي ذَلِكَ ابْنَ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرَهُ وَالَّذِي يُرَجِّحُ كَلَامَ الْكَلَابَاذِيِّ جَزْمُ التِّرْمِذِيِّ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ بِأَنَّ رَاوِيَ حَدِيثِ الْجَرَادِ هُوَ الَّذِي اسْمُهُ وَاقِدٌ، وَيُقَالُ وَقْدَانُ، وَهَذَا هُوَ الْأَكْبَرُ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا أَنَّ ابْنَ أَبِي حَاتِمٍ جَزَمَ فِي تَرْجَمَةِ الْأَصْغَرِ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى.

قَوْلُهُ (سَبْعَ غَزَوَاتٍ أَوْ سِتًّا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ أَوْ سِتَّ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وَوَقَعَ فِي تَوْضِيحِ ابْنِ مَالِكٍ، سَبْعَ غَزَوَاتٍ أَوْ ثَمَانِيَ وَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ: الْأَجْوَدُ أَنْ يُقَالَ سَبْعُ غَزَوَاتٍ أَوْ ثَمَانِيَةً بِالتَّنْوِينِ لِأَنَّ لَفْظَ ثَمَانٍ وَإِنْ كَانَ كَلَفْظِ جَوَارٍ فِي أَنَّ ثَالِثَ حُرُوفِهِ أَلِفٌ بَعْدَهَا حَرْفَانِ ثَانِيهُمَا يَاءٌ فَهُوَ يُخَالِفُهُ فِي أَنَّ جَوَارِيَ جَمْعٌ وَثَمَانِيَةٌ لَيْسَ بِجَمْعٍ وَاللَّفْظُ بِهِمَا فِي الرَّفْعِ وَالْجَرِّ سَوَاءٌ، وَلَكِنَّ تَنْوِينَ ثَمَانٍ تَنْوِينُ صَرْفٍ وَتَنْوِينَ جَوَارٍ تَنْوِينُ عِوَضٍ، وَإِنَّمَا يَفْتَرِقَانِ بِالنَّصْبِ. وَاسْتَمَرَّ يَتَكَلَّمُ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ: وَفِي ذِكْرِهِ لَهُ بِلَا تَنْوِينٍ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَجْوَدُهَا أَنْ يَكُونَ حَذَفَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ وَأَبْقَى الْمُضَافَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْحَذْفِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

خَمْسُ ذُودٍ أَوْ سِتُّ عُوِّضَتْ مِنْهَا

الْبَيْتَ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَنْصُوبُ كُتِبَ بِغَيْرِ أَلِفٍ عَلَى لُغَةِ رَبِيعَةَ، وَذَكَرَ وَجْهًا آخَرَ يَخْتَصُّ. بِالثَّمَانِ، وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ لَا فِي الْبُخَارِيِّ وَلَا فِي غَيْرِهِ بِلَفْظِ ثَمَانٍ، فَمَا أَدْرِي كَيْفَ وَقَعَ هَذَا. وَهَذَا الشَّكُّ فِي عَدَدِ الْغَزَوَاتِ مِنْ شُعْبَةَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ بِالشَّكِّ أَيْضًا ; وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَتِهِ بِلَفْظِ السِّتِّ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ فَقَالَ غَزَوَاتٌ وَلَمْ يَذْكُرْ عَدَدًا.

قَوْلُهُ (وَكُنَّا نَأْكُلُ مَعَهُ الْجَرَادَ) يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْمَعِيَّةِ مُجَرَّدَ الْغَزْوِ دُونَ مَا تَبِعَهُ مِنْ أَكْلِ الْجَرَادِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ مَعَ أَكْلِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى الثَّانِي أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

مَرَّ الجَرَادُ عَلَى زَرْعِي فَقُلْتُ لَهُ … لَا تَأْكُلَنَّ وَلَا تُشْغَلْ بإِفْسَادِ

فَقَامَ مِنهُمْ (١) خَطِيبٌ فَوْقَ سُنبُلَةٍ … إنَّا عَلَى سَفَرٍ لَا بُدَّ مِنْ زَادِ

ولعابه سمٌّ على الأشجارِ لا يقعُ على شيءٍ إلَّا أحرقَه.

٥٤٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بنُ عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ) بفتح التحتية وسكون المهملة وضم الفاء وبعد الواو راء منصرفًا، اسمه: وَفْدَان -بفتح الواو وسكون الفاء بعدها دال مهملة فألف فنون- وقيل: وافد، وهو الأكبرُ لا الأصغر عبد الرَّحمن بن عبيد لأنَّ الأصغر -كما قال ابنُ أبي حاتم- لم يسمعْ من ابنِ أبي أوفى بخلاف الأكبرِ كما (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى) عبد الله ( (٢) قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ سَبْعَ غَزَوَاتٍ -أَوْ: سِتًّا-) بالشَّكِّ، قال في «الفتح»: من شعبة (كُنَّا نَأْكُلُ مَعَهُ) (الجَرَادَ) وزاد أبو نُعيم في «الطب»: «ويأكله (٣) معنا»، وقد نقل النَّوويُّ الإجماع على حلِّ أكل الجرادِ، وخصَّه ابن العربيِّ بغير جرادِ الأندلس لما فيه من الضَّرر المحضِ.

وفي حديث سلمان عندِ أبي داود: أنَّ النَّبيَّ سئل عن الجرادِ فقال: «لا آكلُهُ ولا أحرِّمه» لكن الصَّواب أنَّه مرسل.

وعن (٤) أحمد: إذا قتلَه البردُ لم يؤكل. وملخَّص مذهب مالك: إن قطعت رأسه حلَّ وإلَّا فلا. وعند البيهقيِّ من حديث أبي أمامة الباهليِّ : أنَّ النَّبيَّ قال: «إنَّ مريمَ ابنة عمران سألتْ ربَّها أن يُطْعمها لحمًا لا دمَ له فأطعمَهَا الجرادَ». وفي «الحلية» في ترجمة يزيد بن ميسرة:

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

كُلَّ يَوْمٍ فَكَانَ يَمُصُّهَا وَكُنَّا نَخْتَبِطُ بِقِسِيِّنَا وَنَأْكُلُ، وَسِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى نَزَلْنَا وَادِيًا أَفْيَحَ فَذَكَرَ قِصَّةَ الشَّجَرَتَيْنِ اللَّتَيْنِ الْتَقَتَا بِأَمْرِ النَّبِيِّ حَتَّى تَسَتَّرَ بِهِمَا عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَفِيهِ قِصَّةُ الْقَبْرَيْنِ اللَّذَيْنِ غَرَسَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا غُصْنًا، وَفِيهِ فَأَتَيْنَا الْعَسْكَرَ فَقَالَ: يَا جَابِرُ، نَادِ الْوُضُوءَ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ بِطُولِهَا فِي نَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَفِيهِ: وَشَكَا النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ الْجُوعَ، فَقَالَ: عَسَى اللَّهُ أَنْ يُطْعِمَكُمْ. فَأَتَيْنَا سِيفَ الْبَحْرِ، فزجر الْبَحْرُ زجرة فَأَلْقَى دَابَّةً فَأَوْرَيْنَا عَلَى شِقِّهَا النَّارَ فَاطَّبَخْنَا وَاشْتَوَيْنَا وَأَكَلْنَا وَشَبِعْنَا.

وَذَكَرَ أَنَّهُ دَخَلَ هُوَ وَجَمَاعَةٌ فِي عَيْنِهَا، وَذَكَرَ قِصَّةَ الَّذِي دَخَلَ تَحْتَ ضِلْعِهَا مَا يُطَأْطِئُ رَأْسَهُ وَهُوَ أَعْظَمُ رَجُلٍ فِي الرَّكْبِ عَلَى أَعْظَمِ جَمَلٍ، وَظَاهِرُ سِيَاقِ هَذِهِ الْقِصَّةِ يَقْتَضِي مُغَايَرَةَ الْقِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْبَابِ وَهِيَ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ أَيْضًا، حَتَّى قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ: هَذِهِ وَاقِعَةٌ أُخْرَى غَيْرُ تِلْكَ، فَإِنَّ هَذِهِ كَانَتْ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ . وَمَا ذَكَرَهُ لَيْسَ بِنَصٍّ فِي ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الْفَاءُ فِي قَوْلِ جَابِرٍ فَأَتَيْنَا سِيفَ الْبَحْرِ هِيَ الْفَصِيحَةُ وَهِيَ مُعَقِّبَةٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ فَأَرْسَلَنَا النَّبِيُّ مَعَ أَبِي عُبَيْدَةَ فَأَتَيْنَا سِيفَ الْبَحْرِ فَتَتَّحِدُ الْقِصَّتَانِ، وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ عِنْدِي، وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّعَدُّدِ.

وَمِمَّا نُنَبِّهُ عَلَيْهِ هُنَا أَيْضًا أَنَّ الْوَاقِدِيَّ زَعَمَ أَنَّ قِصَّةَ بَعْثِ أَبِي عُبَيْدَةَ كَانَتْ فِي رَجَبٍ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَهُوَ عِنْدِي خَطَأٌ لِأَنَّ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ الصَّحِيحِ أَنَّهُمْ خَرَجُوا يَتَرَصَّدُونَ عِيرَ قُرَيْشٍ وَقُرَيْشٌ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ فِي هُدْنَةٍ، وَقَدْ نَبَّهْتُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْمَغَازِي، وَجَوَّزْتُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ الْهُدْنَةِ فِي سَنَةِ سِتٍّ أَوْ قَبْلَهَا، ثُمَّ ظَهَرَ لِيَ الْآنَ تَقْوِيَةُ ذَلِكَ بِقَوْلِ جَابِرٍ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ هَذِهِ أَنَّهُمْ خَرَجُوا فِي غَزَاةِ بُوَاطٍ وَغَزَاةُ بُوَاطٍ كَانَتْ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ خَرَجَ فِي مِائَتَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ يَعْتَرِضُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ فِيهَا أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ فَبَلَغَ بُوَاطًا، وَهِيَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ جِبَالٌ لِجُهَيْنَةَ مِمَّا يَلِي الشَّامَ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ، فَلَمْ يَلْقَ أَحَدًا فَرَجَعَ، فَكَأَنَّهُ أَفْرَدَ أَبَا عُبَيْدَةَ فِيمَنْ مَعَهُ يَرْصُدُونَ الْعِيرَ الْمَذْكُورَةَ. وَيُؤَيِّدُ تَقَدُّمَ أَمْرِهَا مَا ذُكِرَ فِيهَا مِنَ الْقِلَّةِ وَالْجَهْدِ، وَالْوَاقِعُ أَنَّهُمْ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ كَانَ حَالُهُمُ اتَّسَعَ بِفَتْحِ خَيْبَرَ وَغَيْرِهَا، وَالْجَهْدُ الْمَذْكُورُ فِي الْقِصَّةِ يُنَاسِبُ ابْتِدَاءَ الْأَمْرِ فَيُرَجَّحُ مَا ذَكَرْتُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٣ - بَاب أَكْلِ الْجَرَادِ

٥٤٩٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ سَبْعَ غَزَوَاتٍ - أَوْ سِتًّا - كُنَّا نَأْكُلُ مَعَهُ الْجَرَادَ.

قَالَ سُفْيَانُ وَأَبُو عَوَانَةَ وَإِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى: سَبْعَ غَزَوَاتٍ.

قَوْلُهُ (بَابُ أَكْلِ الْجَرَادِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ مَعْرُوفٌ وَالْوَاحِدَةُ جَرَادَةٌ وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى سَوَاءٌ كَالْحَمَامَةِ وَيُقَالُ إِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْجَرْدِ لِأَنَّهُ لَا يَنْزِلُ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا جَرَّدَهُ، وَخِلْقَةُ الْجَرَادِ عَجِيبَةٌ فِيهَا عَشَرَةٌ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ ذَكَرَ بَعْضَهَا ابْنُ الشَّهْرُزُورِيِّ فِي قَوْلِهِ:

لَهَا فَخِذَا بَكْرٍ وَسَاقَا نَعَامَةٍ … وَقَادِمَتَا نَسْرٍ وَجُؤْجُؤُ ضَيْغَمٍ

حَبَتْهَا أَفَاعِي الرَّمَلِ بَطْنًا وَأَنْعَمَتْ … عَلَيْهَا جِيَادُ الْخَيْلِ بِالرَّأْسِ وَالْفَمِ

قِيلَ: وَفَاتَهُ عَيْنُ الْفِيلِ، وَعُنُقُ الثَّوْرِ، وَقَرْنُ الْأَيِّلِ، وَذَنَبُ الْحَيَّةِ.

وَهُوَ صِنْفَانِ: طَيَّارٌ وَوَثَّابٌ، وَيَبِيضُ فِي الصَّخْرِ

فَيَتْرُكُهُ حَتَّى يَيْبَسَ وَيَنْتَشِرَ فَلَا يَمُرُّ بِزَرْعٍ إِلَّا اجْتَاحَهُ، وَقِيلَ؛ (١) وَاخْتُلِفَ فِي أَصْلِهِ فَقِيلَ: إِنَّهُ نَثْرَةُ حُوتٍ فَلِذَلِكَ كَانَ أَكْلُهُ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ، وَهَذَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ ضَعِيفٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ أنَّ الْجَرَادَ نَثْرَةُ حُوتٍ مِنَ الْبَحْرِ وَمِنْ حَدِيثِ أَبَى هُرَيْرَةَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فِي حَجٍّ أَوْ عَمْرَةٍ فَاسْتَقْبَلَنَا رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ، فَجَعَلْنَا نَضْرِبُ بِنِعَالِنَا وَأَسْوَاطِنَا، فَقَالَ: كُلُوهُ فَإِنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ لَا جَزَاءَ فِيهِ إِذَا قَتَلَهُ الْمُحْرِمُ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى خِلَافِهِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَمْ يَقُلْ لَا جَزَاءَ فِيهِ غَيْرُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَاخْتُلِفَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَإِذَا ثَبَتَ فِيهِ الْجَزَاءُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ بَرِّيٌّ.

وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ أَكْلِهِ بِغَيْرِ تَذْكِيَةٍ إِلَّا أَنَّ الْمَشْهُورَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ اشْتِرَاطُ تَذْكِيَتِهِ. وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَتِهَا فَقِيلَ بِقَطْعِ رَأْسِهِ، وَقِيلَ إِنْ وَقَعَ فِي قِدْرٍ أَوْ نَارٍ حَلَّ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ أَخْذُهُ ذَكَاتُهُ، وَوَافَقَ مُطَرِّفٌ مِنْهُمُ الْجُمْهُورَ فِي أَنَّهُ لَا يُفْتَقَرُ إِلَى ذَكَاتِهِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ: السَّمَكُ وَالْجَرَادُ وَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مَرْفُوعًا، وَقَالَ: إِنَّ الْمَوْقُوفَ أَصَحُّ، وَرَجَّحَ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا الْمَوْقُوفَ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ إِنَّ لَهُ حُكْمَ الرَّفْعِ.

قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ) بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْفَاءِ هُوَ الْعَبْدِيِّ، وَاسْمُهُ وَقْدَانُ وَقِيلَ وَاقِدٌ، وَقَالَ مُسْلِمٌ اسْمُهُ وَاقِدٌ وَلَقَبُهُ وَقْدَانُ، وَهُوَ الْأَكْبَرُ، وَأَبُو يَعْفُورٍ الْأَصْغَرُ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُبَيْدٍ، وَكِلَاهُمَا ثِقَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَلَيْسَ لِلْأَكْبَرِ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرُ تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ فِي أَبْوَابِ الرُّكُوعِ مِنْ صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ كَلَامَ النَّوَوِيِّ فِيهِ وَجَزْمَهُ بِأَنَّهُ الْأَصْغَرُ وَأَنَّ الصَّوَابَ أَنَّهُ الْأَكْبَرُ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْكَلَابَاذِيُّ وَغَيْرُهُ وَالنَّوَوِيُّ تَبِعَ فِي ذَلِكَ ابْنَ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرَهُ وَالَّذِي يُرَجِّحُ كَلَامَ الْكَلَابَاذِيِّ جَزْمُ التِّرْمِذِيِّ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ بِأَنَّ رَاوِيَ حَدِيثِ الْجَرَادِ هُوَ الَّذِي اسْمُهُ وَاقِدٌ، وَيُقَالُ وَقْدَانُ، وَهَذَا هُوَ الْأَكْبَرُ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا أَنَّ ابْنَ أَبِي حَاتِمٍ جَزَمَ فِي تَرْجَمَةِ الْأَصْغَرِ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى.

قَوْلُهُ (سَبْعَ غَزَوَاتٍ أَوْ سِتًّا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ أَوْ سِتَّ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وَوَقَعَ فِي تَوْضِيحِ ابْنِ مَالِكٍ، سَبْعَ غَزَوَاتٍ أَوْ ثَمَانِيَ وَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ: الْأَجْوَدُ أَنْ يُقَالَ سَبْعُ غَزَوَاتٍ أَوْ ثَمَانِيَةً بِالتَّنْوِينِ لِأَنَّ لَفْظَ ثَمَانٍ وَإِنْ كَانَ كَلَفْظِ جَوَارٍ فِي أَنَّ ثَالِثَ حُرُوفِهِ أَلِفٌ بَعْدَهَا حَرْفَانِ ثَانِيهُمَا يَاءٌ فَهُوَ يُخَالِفُهُ فِي أَنَّ جَوَارِيَ جَمْعٌ وَثَمَانِيَةٌ لَيْسَ بِجَمْعٍ وَاللَّفْظُ بِهِمَا فِي الرَّفْعِ وَالْجَرِّ سَوَاءٌ، وَلَكِنَّ تَنْوِينَ ثَمَانٍ تَنْوِينُ صَرْفٍ وَتَنْوِينَ جَوَارٍ تَنْوِينُ عِوَضٍ، وَإِنَّمَا يَفْتَرِقَانِ بِالنَّصْبِ. وَاسْتَمَرَّ يَتَكَلَّمُ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ: وَفِي ذِكْرِهِ لَهُ بِلَا تَنْوِينٍ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَجْوَدُهَا أَنْ يَكُونَ حَذَفَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ وَأَبْقَى الْمُضَافَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْحَذْفِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

خَمْسُ ذُودٍ أَوْ سِتُّ عُوِّضَتْ مِنْهَا

الْبَيْتَ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَنْصُوبُ كُتِبَ بِغَيْرِ أَلِفٍ عَلَى لُغَةِ رَبِيعَةَ، وَذَكَرَ وَجْهًا آخَرَ يَخْتَصُّ. بِالثَّمَانِ، وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ لَا فِي الْبُخَارِيِّ وَلَا فِي غَيْرِهِ بِلَفْظِ ثَمَانٍ، فَمَا أَدْرِي كَيْفَ وَقَعَ هَذَا. وَهَذَا الشَّكُّ فِي عَدَدِ الْغَزَوَاتِ مِنْ شُعْبَةَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ بِالشَّكِّ أَيْضًا ; وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَتِهِ بِلَفْظِ السِّتِّ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ فَقَالَ غَزَوَاتٌ وَلَمْ يَذْكُرْ عَدَدًا.

قَوْلُهُ (وَكُنَّا نَأْكُلُ مَعَهُ الْجَرَادَ) يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْمَعِيَّةِ مُجَرَّدَ الْغَزْوِ دُونَ مَا تَبِعَهُ مِنْ أَكْلِ الْجَرَادِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ مَعَ أَكْلِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى الثَّانِي أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

مَرَّ الجَرَادُ عَلَى زَرْعِي فَقُلْتُ لَهُ … لَا تَأْكُلَنَّ وَلَا تُشْغَلْ بإِفْسَادِ

فَقَامَ مِنهُمْ (١) خَطِيبٌ فَوْقَ سُنبُلَةٍ … إنَّا عَلَى سَفَرٍ لَا بُدَّ مِنْ زَادِ

ولعابه سمٌّ على الأشجارِ لا يقعُ على شيءٍ إلَّا أحرقَه.

٥٤٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بنُ عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ) بفتح التحتية وسكون المهملة وضم الفاء وبعد الواو راء منصرفًا، اسمه: وَفْدَان -بفتح الواو وسكون الفاء بعدها دال مهملة فألف فنون- وقيل: وافد، وهو الأكبرُ لا الأصغر عبد الرَّحمن بن عبيد لأنَّ الأصغر -كما قال ابنُ أبي حاتم- لم يسمعْ من ابنِ أبي أوفى بخلاف الأكبرِ كما (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى) عبد الله ( (٢) قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ سَبْعَ غَزَوَاتٍ -أَوْ: سِتًّا-) بالشَّكِّ، قال في «الفتح»: من شعبة (كُنَّا نَأْكُلُ مَعَهُ) (الجَرَادَ) وزاد أبو نُعيم في «الطب»: «ويأكله (٣) معنا»، وقد نقل النَّوويُّ الإجماع على حلِّ أكل الجرادِ، وخصَّه ابن العربيِّ بغير جرادِ الأندلس لما فيه من الضَّرر المحضِ.

وفي حديث سلمان عندِ أبي داود: أنَّ النَّبيَّ سئل عن الجرادِ فقال: «لا آكلُهُ ولا أحرِّمه» لكن الصَّواب أنَّه مرسل.

وعن (٤) أحمد: إذا قتلَه البردُ لم يؤكل. وملخَّص مذهب مالك: إن قطعت رأسه حلَّ وإلَّا فلا. وعند البيهقيِّ من حديث أبي أمامة الباهليِّ : أنَّ النَّبيَّ قال: «إنَّ مريمَ ابنة عمران سألتْ ربَّها أن يُطْعمها لحمًا لا دمَ له فأطعمَهَا الجرادَ». وفي «الحلية» في ترجمة يزيد بن ميسرة:

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.6 / 29.5
الإضاءة 14%
البدر بعد 11 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله