«أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَيْتَ مَيْمُونَةَ فَأُتِيَ بِضَبٍّ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٥٣٧

الحديث رقم ٥٥٣٧ من كتاب «كتاب الذبائح والصيد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الضب.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٥٣٧ في صحيح البخاري

«أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللهِ بَيْتَ مَيْمُونَةَ فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ بِيَدِهِ، فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ: أَخْبِرُوا رَسُولَ اللهِ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ، فَقَالُوا: هُوَ ضَبٌّ يَا رَسُولَ اللهِ، فَرَفَعَ يَدَهُ، فَقُلْتُ: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ اللهِ يَنْظُرُ.»

بَابٌ: إِذَا وَقَعَتِ الْفَأْرَةُ فِي السَّمْنِ الْجَامِدِ أَوِ الذَّائِبِ

إسناد حديث رقم ٥٥٣٧ من صحيح البخاري

٥٥٣٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٥٣٧: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٥٥٣٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بَيْتَ مَيْمُونَةَ، فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ بِيَدِهِ، فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ: أَخْبِرُوا رَسُولَ اللَّهِ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ، فَقَالُوا: هُوَ ضَبٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَرَفَعَ يَدَهُ، فَقُلْتُ: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ. قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ يَنْظُرُ.

قَوْلُهُ (بَابُ الضَّبِّ) هُوَ دُوَيْبَةٌ تُشْبِهُ الْجِرْذَوْنَ، لَكِنَّهُ أَكْبَرُ مِنَ الْجِرْذَوْنِ، وَيُكَنَّى أَبَا حِسْلٍ بِمُهْمَلَتَيْنِ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ سَاكِنَةٍ، وَيُقَالُ لِلْأُنْثَى ضَبَّةٌ، وَبِهِ سُمِّيَتِ الْقَبِيلَةُ، وَبِالْخِيفِ مِنْ مِنًى جَبَلٌ يُقَالُ لَهُ ضَبٌّ، وَالضَّبُّ دَاءٌ فِي خُفِّ الْبَعِيرِ، وَيُقَالُ إِنَّ لِأَصْلِ ذَكَرِ الضَّبِّ فَرْعَيْنِ، وَلِهَذَا يُقَالُ: لَهُ ذَكَرَانِ. وَذَكَرَ ابْنُ خَالَوَيْهِ أَنَّ الضَّبَّ يَعِيشُ سَبْعَمِائَةِ سَنَةٍ، وَأَنَّهُ لَا يَشْرَبُ الْمَاءَ، وَيَبُولُ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا قَطْرَةً، وَلَا يَسْقُطُ لَهُ سِنٌّ، وَيُقَالُ بَلْ أَسْنَانُهُ قِطْعَةٌ وَاحِدَةٌ، وَحَكَى غَيْرُهُ أَنَّ أَكْلَ لَحْمِهِ يُذْهِبُ الْعَطَشَ، وَمِنَ الْأَمْثَالِ لَا أَفْعَلُ كَذَا حَتَّى يَرِدَ الضَّبُّ يَقُولُهُ مَنْ أَرَادَ أَنْ لَا يَفْعَلَ الشَّيْءَ لِأَنَّ الضَّبَّ لَا يَرِدُ بَلْ يَكْتَفِي بِالنَّسِيمِ وَبَرْدِ الْهَوَاءِ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْ جُحْرِهِ فِي الشِّتَاءِ. وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ: الْأَوَّلُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ.

قَوْلُهُ (الضَّبُّ لَسْتُ آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ) كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ بِلَفْظِ سُئِلَ النَّبِيُّ عَنِ الضَّبِّ، فَقَالَ: لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ وَمِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ زَادَ فِي رِوَايَةٍ عَنْ نَافِعٍ أَيْضًا وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهَذَا السَّائِلُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خُزَيْمَةَ بْنَ جَزْءٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِهِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَقُولُ؟ فَقَالَ: لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ، قَالَ: قُلْتُ فَإِنِّي آكُلُ مَا لَمْ تُحَرِّمْ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ. وَعِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا بِأَرْضٍ مُضِبَّةٍ، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: ذُكِرَ لِي أَنَّ أَمَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُسِخَتْ، فَلَمْ يَأْمُرْ وَلَمْ يَنْهَ وَقَوْلُهُ مُضِبَّةٌ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ كَثِيرَةُ الضِّبَابِ، وَهَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُفَسَّرَ بِثَابِتِ بْنِ وَدِيعَةَ، فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِهِ قَالَ: أَصَبْتُ ضِبَابًا فَشَوَيْتُ مِنْهَا ضَبًّا، فَأَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ فَأَخَذَ عُودًا فَعَدَّ بِهِ أَصَابِعَهُ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُسِخَتْ دَوَابَّ فِي الْأَرْضِ، وَإِنِّي لَا أَدْرِي أَيُّ الدَّوَابِّ هِيَ، فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَنْهَ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي.

قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ) أَيِ ابْنِ حُنَيْفٍ الْأَنْصَارِيِّ، لَهُ رُؤْيَةٌ وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ، وَتَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي أَوَائِلِ الْأَطْعِمَةِ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو أُمَامَةَ.

قَوْلُهُ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ سَيْفُ اللَّهِ أَخْبَرَهُ وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الزُّهْرِيِّ هَلْ هُوَ مِنْ مُسْنَدِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْ مِنْ مُسْنَدِ خَالِدٍ، وَكَذَا اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى مَالِكٍ فَقَالَ الْأَكْثَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ خَالِدٍ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ فِي الْمُوَطَّأِ وَطَائِفَةٌ عَنْ مَالِكٍ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَخَالِدٍ أَنَّهُمَا دَخَلَا، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَخَالِدٌ عَلَى النَّبِيِّ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْهُ وَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ وَنَحْنُ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ بِضَبَّيْنِ مَشْوِيَّيْنِ

وَقَالَ هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَعْمَرٍ كَالْجُمْهُورِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْأَطْعِمَةِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ حَاضِرًا لِلْقِصَّةِ فِي بَيْتِ خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ، وَكَأَنَّهُ اسْتَثْبَتَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فِي شَيْءٍ مِنْهُ لِكَوْنِهِ الَّذِي كَانَ بَاشَرَ السُّؤَالَ عَنْ حُكْمِ الضَّبِّ وَبَاشَرَ أَكْلَهُ أَيْضًا، فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ رُبَّمَا رَوَاهُ عَنْهُ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ حَدَّثَ بِهِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أُتِيَ النَّبِيُّ وَهُوَ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ وَعِنْدَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِلَحْمِ ضَبٍّ الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَكَذَا رَوَاهُ

سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ خَالِدًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْأَطْعِمَةِ.

قَوْلُهُ (إِنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بَيْتَ مَيْمُونَةَ) زَادَ يُونُسُ فِي رِوَايَتِهِ وَهِيَ خَالَتُهُ وَخَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ. قُلْتُ: وَاسْمُ أُمِّ خَالِدٍ لُبَابَةُ الصُّغْرَى، وَاسْمُ أُمِّ ابْنِ عَبَّاسٍ لُبَابَةُ الْكُبْرَى وَكَانَتْ تُكَنَّى أُمَّ الْفَضْلِ بِابْنِهَا الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَهُمَا أُخْتَا مَيْمُونَةَ وَالثَّلَاثُ بَنَاتُ الْحَارِثِ بْنِ حَزْنٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ الْهِلَالِيِّ.

قَوْلُهُ (فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ) بِمُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ وَنُونٍ مَضْمُومَةٍ وَآخِرُهُ ذَالٌ مُعْجَمَةٌ أَيْ مَشْوِيٌّ بِالْحِجَارَةِ الْمُحْمَاةِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ بِضَبٍّ مَشْوِيٍّ، وَالْمَحْنُوذُ أَخَصُّ وَالْحَنِيذُ بِمَعْنَاهُ، زَادَ يُونُسُ فِي رِوَايَتِهِ قَدِمَتْ بِهِ أُخْتُهَا حُفَيْدَةُ وَهِيَ بِمُهْمَلَةٍ وَفَاءٍ مُصَغَّرٌ وَمَضَى فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جَبْرٍ أَنَّ أُمَّ حُفَيْدَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ حَزْنٍ خَالَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَهْدَتْ لِلنَّبِيِّ سَمْنًا وَأَقِطًا وَأَضُبًّا وَفِي رِوَايَةِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ الطَّحَاوِيِّ جَاءَتْ أُمُّ حُفَيْدَةَ بِضَبٍّ وَقُنْفُذٍ وَذِكْرُ الْقُنْفُذِ فِيهِ غَرِيبٌ، وَقَدْ قِيلَ فِي اسْمِهَا هُزَيْلَةُ بِالتَّصْغِيرِ وَهِيَ رِوَايَةُ الْمُوَطَّأِ مِنْ مُرْسَلِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَعَلَّ لَهَا اسْمَيْنِ أَوِ اسْمٌ وَلَقَبٌ، وَحَكَى بَعْضُ شُرَّاحِ الْعُمْدَةِ فِي اسْمِهَا حُمَيْدَةُ بِمِيمٍ وَفِي كُنْيَتِهَا أُمُّ حُمَيْدٍ بِمِيمٍ بِغَيْرِ هَاءٍ، وَفِي رِوَايَةٍ بِهَاءٍ وَبِفَاءٍ وَلَكِنْ بِرَاءٍ بَدَلَ الدَّالِ وَبِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ بَدَلَ الْحَاءِ بِغَيْرِ هَاءٍ، وَكُلُّهَا تَصْحِيفَاتٌ.

قَوْلُهُ (فَأَهْوَى) زَادَ يُونُسُ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ قَلَّ مَا يُقَدِّمُ يَدَهُ لِطَعَامٍ حَتَّى يُسَمَّى لَهُ وَأَخْرَجَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ ابْنِ الْحَوْتَكِيَّةِ، عَنْ عُمَرَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ بِأَرْنَبٍ يُهْدِيهَا إِلَيْهِ، وَكَانَ النَّبِيُّ لَا يَأْكُلُ مِنَ الْهَدِيَّةِ حَتَّى يَأْمُرَ صَاحِبَهَا فَيَأْكُلَ مِنْهَا مِنْ أَجْلِ الشَّاةِ الَّتِي أُهْدِيَتْ إِلَيْهِ بِخَيْبَرَ الْحَدِيثَ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ.

قَوْلُهُ (فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ أَخْبِرُوا رَسُولَ اللَّهِ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ، فَقَالُوا: هُوَ ضَبٌّ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ النِّسْوَةِ الْحُضُورِ: أَخْبِرْنَ رَسُولَ اللَّهِ بِمَا قَدَّمْتُنَّ لَهُ، هُوَ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَأَنَّ الْمَرْأَةَ أَرَادَتْ أَنَّ غَيْرَهَا يُخْبِرُهُ، فَلَمَّا لَمْ يُخْبِرُوا بَادَرَتْ هِيَ فَأَخْبَرَتْ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ إِجَازَةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ كَانَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ فِيهِمْ سَعْدٌ يَعْنِي ابْنَ أَبِي وَقَّاصٍ فَذَهَبُوا يَأْكُلُونَ مِنْ لَحْمٍ فَنَادَتْهُمُ امْرَأَةٌ مِنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ وَعِنْدَهَا الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَامْرَأَةٌ أُخْرَى إِذْ قُرِّبَ إِلَيْهِمْ خِوَانٌ عَلَيْهِ لَحْمٌ، فَلَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَأْكُلَ قَالَتْ لَهُ مَيْمُونَةُ إِنَّهُ لَحْمُ ضَبٍّ، فَكَفَّ يَدَهُ، وَعُرِفَ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ اسْمُ الَّتِي أُبْهِمَتْ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ صَحِيحٍ فَقَالَتْ مَيْمُونَةُ أَخْبِرُوا رَسُولَ اللَّهِ مَا هُوَ.

قَوْلُهُ (فَرَفَعَ يَدَهُ) زَادَ يُونُسُ عَنِ الضَّبِّ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ أَكَلَ مِنْ غَيْرِ الضَّبِّ مِمَّا كَانَ قُدِّمَ لَهُ مِنْ غَيْرِ الضَّبِّ، كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ فِيهِ غَيْرُ الضَّبِّ، وَقَدْ جَاءَ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْأَطْعِمَةِ، قَالَ فَأَكَلَ الْأَقِطَ وَشَرِبَ اللَّبَنَ.

قَوْلُهُ (لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي) فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ هَذَا لَحْمٌ لَمْ آكُلْهُ قَطُّ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: اعْتَرَضَ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي بِأَنَّ الضِّبَابَ كَثِيرَةٌ بِأَرْضِ الْحِجَازِ،

قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فَإِنْ كَانَ أَرَادَ تَكْذِيبَ الْخَبَرِ فَقَدْ كَذَبَ هُوَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِأَرْضِ الْحِجَازِ مِنْهَا شَيْءٌ، أَوْ ذُكِرَتْ لَهُ بِغَيْرِ اسْمِهَا أَوْ حَدَثَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَذَا أَنْكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَمَنْ تَبِعَهُ أَنْ يَكُونَ بِبِلَادِ الْحِجَازِ شَيْءٌ مِنَ الضِّبَابِ. قُلْتُ: وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا بَلِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ بِأَرْضِ قَوْمِي قُرَيْشاً فَقَطْ فَيَخْتَصُّ النَّفْيُ بِمَكَّةَ وَمَا حَوْلَهَا، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً بِسَائِرِ بِلَادِ الْحِجَازِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ دَعَانَا عَرُوسٌ بِالْمَدِينَةِ فَقَرَّبَ إِلَيْنَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ ضَبًّا، فَآكِلٌ وَتَارِكٌ الْحَدِيثَ، فَبِهَذَا يُدَلُّ عَلَى كَثْرَةِ وِجْدَانِهَا بِتِلْكَ الدِّيَارِ.

قَوْلُهُ (فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ) بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَفَاءٍ خَفِيفَةٍ أَيْ أَتَكَرَّهُ أَكْلَهُ، يُقَالُ عِفْتُ الشَّيْءَ أَعَافُهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَتَرَكَهُنَّ النَّبِيُّ كَالْمُتَقَذِّرِ لَهُنَّ، وَلَوْ كُنَّ حَرَامًا لَمَا أُكِلْنَ عَلَى مَائِدَةِ النَّبِيِّ وَلَمَا أَمَرَ بِأَكْلِهِنَّ كَذَا أَطْلَقَ الْأَمْرَ وَكَأَنَّهُ تَلَقَّاهُ مِنَ الْإِذْنِ الْمُسْتَفَادِ مِنَ التَّقْرِيرِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ إِلَّا فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَإِنَّ فِيهَا فَقَالَ لَهُمْ كُلُوا، فَأَكَلَ الْفَضْلُ، وَخَالِدٌ وَالْمَرْأَةُ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ النَّبِيُّ كُلُوا وَأَطْعِمُوا فَإِنَّهُ حَلَالٌ - أَوْ قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ - وَلَكِنَّهُ لَيْسَ طَعَامِي، وَفِي هَذَا كُلِّهِ بَيَانُ سَبَبِ تَرْكِ النَّبِيِّ وَأَنَّهُ بِسَبَبِ أَنَّهُ مَا اعْتَادَهُ، وَقَدْ وَرَدَ لِذَلِكَ سَبَبٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ مَالِكٌ مِنْ مُرْسَلِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِي آخِرِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ : كُلَا - يَعْنِي لِخَالِدٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ - فَإِنَّنِي يَحْضُرُنِي مِنَ اللَّهِ حَاضِرَةٌ قَالَ الْمَازِرِيُّ: يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ، وَكَأَنَّ لِلحْمِ الضَّبِّ رِيحًا فَتَرَكَ أَكْلَهُ لِأَجْلِ رِيحِهِ، كَمَا تَرَكَ أَكْلَ الثُّومِ مَعَ كَوْنِهِ حَلَالًا. قُلْتُ: وَهَذَا إِنْ صَحَّ يُمْكِنُ ضَمُّهُ إِلَى الْأَوَّلِ وَيَكُونُ لِتَرْكِهِ الْأَكْلَ مِنَ الضَّبِّ سَبَبَانِ.

قَوْلُهُ (قَالَ خَالِدٌ فَاجْتَرَرْتُهُ) بِجِيمٍ وَرَائَيْنِ، هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ، وَضَبَطَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمُهَذَّبِ بِزَايٍ قَبْلَ الرَّاءِ وَقَدْ غَلَّطَهُ النَّوَوِيُّ.

قَوْلُهُ (يَنْظُرُ) زَادَ يُونُسُ فِي رِوَايَتِهِ إِلَى. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ جَوَازُ أَكْلِ الضَّبِّ، وَحَكَى عِيَاضٌ عَنْ قَوْمٍ تَحْرِيمَهُ وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ كَرَاهَتَهُ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ النَّوَوِيُّ وَقَالَ: لَا أَظُنُّهُ يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ، فَإِنْ صَحَّ فَهُوَ مَحْجُوجٌ بِالنُّصُوصِ وَبِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ. قُلْتُ: قَدْ نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ عَلِيٍّ، فَأَيُّ إِجْمَاعٍ يَكُونُ مَعَ مُخَالَفَتِهِ؟ وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ كَرَاهَتَهُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ ; وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ فِي مَعَانِي الْآثَارِ: كَرِهَ قَوْمٌ أَكْلَ الضَّبِّ، مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: وَاحْتَجَّ مُحَمَّدٌ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ أُهْدِيَ لَهُ ضَبٌّ فَلَمْ يَأْكُلْهُ، فَقَامَ عَلَيْهِمْ سَائِلٌ، فَأَرَادَتْ عَائِشَةُ أَنْ تُعْطِيَهُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ : أَتُعْطِينَهُ مَا لَا تَأْكُلِينَ؟ قَالَ الطَّحَاوِيُّ: مَا فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ عَافَتْهُ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ لَا يَكُونَ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ إِلَّا مِنْ خَيْرِ الطَّعَامِ، كَمَا نَهَى أَنْ يُتَصَدَّقَ بِالتَّمْرِ الرَّدِيءِ اهـ.

وَقَدْ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الضَّبِّ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ ضَمْضَمِ بْنِ زُرْعَةَ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي رَاشِدِ الْحَبْرَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَيَّاشٍ عَنِ الشَّامِيِّينَ قَوِيٌّ، وَهَؤُلَاءِ شَامِيُّونَ ثِقَاتٌ، وَلَا يُغْتَرُّ بِقَوْلِ الْخَطَّابِيِّ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَاكَ، وَقَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ: فِيهِ ضُعَفَاءُ وَمَجْهُولُونَ، وَقَوْلُ الْبَيْهَقِيِّ: تَفَرَّدَ بِهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَقَوْلُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ: لَا يَصِحُّ، فَفِي كُلِّ ذَلِكَ تَسَاهُلٌ لَا يَخْفَى، فَإِنَّ رِوَايَةَ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الشَّامِيِّينَ قَوِيَّةٌ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَقَدْ صَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ بَعْضَهَا، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنَةَ نَزَلْنَا أَرْضًا كَثِيرَةَ الضِّبَابِ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ أَنَّهُمْ طَبَخُوا مِنْهَا فَقَالَ النَّبِيُّ : إِنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُسِخَتْ دَوَابَّ فِي الْأَرْضِ فَأَخْشَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ فَأَكْفِئُوهَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالطَّحَاوِيُّ وَسَنَدُهُ عَلَى شَرْطِ

الشَّيْخَيْنِ إِلَّا الضَّحَّاكَ فَلَمْ يُخَرِّجَا لَهُ.

وَلِلطَّحَاوِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ وَوَافَقَهُ الْحَارِثُ بْنُ مَالِكٍ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، وَوَكِيعٌ فِي آخِرِهِ فَقِيلَ لَهُ إِنَّ النَّاسَ قَدِ اشْتَوَوْهَا أَكَلُوهَا، فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ وَالْأَحَادِيثُ الْمَاضِيَةُ وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى الْحِلِّ تَصْرِيحًا وَتَلْوِيحًا نَصًّا وَتَقْرِيرًا، فَالْجَمْعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ هَذَا حَمَلَ النَّهْيَ فِيهِ عَلَى أَوَّلِ الْحَالِ عِنْدَ تَجْوِيزِ أَنْ يَكُونَ مِمَّا مُسِخَ وَحِينَئِذٍ أَمَرَ بِإِكْفَاءِ الْقُدُورِ، ثُمَّ تَوَقَّفَ فَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ، وَحُمِلَ الْإِذْنُ فِيهِ عَلَى ثَانِي الْحَالِ لِمَا عُلِمَ أَنَّ الْمَمْسُوخَ لَا نَسْلَ لَهُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ يَسْتَقْذِرُهُ فَلَا يَأْكُلُهُ وَلَا يُحَرِّمُهُ، وَأَكَلَ عَلَى مَائِدَتِهِ فَدَلَّ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَتَكُونُ الْكَرَاهَةُ لِلتَّنْزِيهِ فِي حَقِّ مَنْ يَتَقَذَّرُهُ، وَتُحْمَلُ أَحَادِيثُ الْإِبَاحَةِ عَلَى مَنْ لَا يَتَقَذَّرُهُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يُكْرَهُ مُطْلَقًا. وَقَدْ أَفْهَمَ كَلَامُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ فِي حَقِّ مَنْ يَتَقَذَّرُهُ لِمَا يَتَوَقَّعُ فِي أَكْلِهِ مِنَ الضَّرَرِ وَهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِهَذَا، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ أَخْبَرْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ بِقِصَّةِ الضَّبِّ، فَأَكْثَرَ الْقَوْمُ حَوْلَهُ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَا آكُلُهُ وَلَا أَنْهَى عَنْهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِئْسَ مَا قُلْتُمْ، مَا بُعِثَ نَبِيُّ اللَّهِ إِلَّا مُحَرِّمًا أَوْ مُحَلِّلًا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: ظَنَّ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ الَّذِي أَخْبَرَ بِقَوْلِهِ لَا آكُلُهُ أَرَادَ لَا أُحِلُّهُ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ لِأَنَّ خُرُوجَهُ مِنْ قِسْمِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُحَالٌ.

وَتَعَقَّبَهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ بِأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا لَمْ يَتَّضِحْ إِلْح اقُهُ بِالْحَلَالِ أَوِ الْحَرَامِ يَكُونُ مِنَ الشُّبُهَاتِ فَيَكُونُ مِنْ حُكْمِ الشَّيْءِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، وَالْأَصَحُّ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهَا بِحِلٍّ وَلَا حُرْمَةٍ.

قُلْتُ: وَفِي كَوْنِ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ مِنْ هَذَا النَّوْعِ نَظَرٌ، لِأَنَّ هَذَا إِنَّمَا هُوَ إِذَا تَعَارَضَ الْحُكْمُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ، أَمَّا الشَّارِعُ إذَا سُئِلَ عَنْ وَاقِعَةٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَذْكُرَ فِيهَا الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَرَادَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَجَعَلَ مَحَطَّ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَيْهِ. ثُمَّ وَجَدْتُ فِي الْحَدِيثِ زِيَادَةَ لَفْظَةٍ سَقَطَتْ مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَبِهَا يَتَّجِهُ إِنْكَارُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَيُسْتَغْنَى عَنْ تَأْوِيلِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ لَا آكُلُهُ بِلَا أُحِلُّهُ وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي شَيْبَةَ وَهُوَ شَيْخُ مُسْلِمٍ فِيهِ أَخْرَجَهُ فِي مُسْنَدِهِ بِالسَّنَدِ الَّذِي سَاقَهُ بِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ لَا آكُلُهُ وَلَا أَنْهَى عَنْهُ وَلَا أُحِلُّهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ وَلَعَلَّ مُسْلِمًا حَذَفَهَا عَمْدًا لِشُذُوذِهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ لَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَأَشْهَرُ مَنْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ ابْنُ عُمَرَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِ لَا أُحِلُّهُ بَلْ جَاءَ التَّصْرِيحُ عَنْهُ بِأَنَّهُ حَلَالٌ فَلَمْ تَثْبُتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ وَهِيَ قَوْلُهُ لَا أُحِلُّهُ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ وَهُوَ ثِقَةٌ لَكِنَّهُ أَخْبَرَ بِهَا عَنْ قَوْمٍ كَانُوا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَكَانَتْ رِوَايَةً عَنْ مَجْهُولٍ، وَلَمْ يَقُلْ يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ إِنَّهُمْ صَحَابَةٌ حَتَّى يُغْتَفَرَ عَدَمُ تَسْمِيَتِهِمْ.

وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ مَنْ مَنَعَ أَكْلَهُ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: ذُكِرَ لِي أَنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُسِخَتْ وَقَدْ ذَكَرْتُهُ وَشَوَاهِدَهُ قَبْلُ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ الْجَزْمُ بِأَنَّ الضَّبَّ مِمَّا مُسِخَ، وَإِنَّمَا خَشِيَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ فَتَوَقَّفَ عَنْهُ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُعْلِمَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ أَنَّ الْمَمْسُوخَ لَا يَنْسِلُ، وَبِهَذَا أَجَابَ الطَّحَاوِيُّ ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ أَهِيَ مِمَّا مُسِخَ؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا - أَوْ يَمْسَخْ قَوْمًا - فَيَجْعَلْ لَهُمْ نَسْلًا وَلَا عَاقِبَةً وَأَصْلُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي مُسْلِمٍ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحْضِرْهُ مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَيَتَعَجَّبُ مِنِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ حَيْثُ قَالَ: قَوْلُهُ إِنَّ الْمَمْسُوخَ لَا يَنْسِلُ دَعْوَى، فَإِنَّهُ أَمْرٌ لَا يُعْرَفُ بِالْعَقْلِ وَإِنَّمَا طَرِيقُهُ النَّقْلُ، وَلَيْسَ فِيهِ أَمْرٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ.

كَذَا قَالَ ثُمَّ قَالَ الطَّحَاوِيُّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طُرُقٍ ثُمَّ أَخْرَجَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ: فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْآثَارِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الضَّبِّ، وَبِهِ أَقُولُ. قَالَ: وَقَدِ احْتَجَّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ لِأَصْحَابِهِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ، فَسَاقَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

عندنَا خلافًا لبعضِ أصحابِ أبي حنيفة، وحكى القاضي عياض تحريمَهُ عن (١) قومٍ، قال النَّوويُّ: ما أظنُّه يصحُّ عن أحدٍ (٢).

٥٥٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القَعْنَبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ) الأنصاريِّ. قال في «الفتح»: له رؤية ولأبيه صحبةٌ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ: أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللهِ بَيْتَ مَيْمُونَةَ) خالته أمِّ المؤمنين (فَأُتِيَ) بضم الهمزة، (بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ) بحاء مهملة ساكنة بعد فتحة ثمَّ نون مضمومة آخره ذال معجمة، مشوي بالحجارةِ المحمَّاة (فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ بِيَدِهِ) أي: أمالَ يدَه إليه ليأخذَهُ فيأكله (فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ) هي ميمونة، كما عند الطَّبرانيِّ، وبقيَّة النِّسوة لم يسمَّين (أَخْبِرُوا رَسُولَ اللهِ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ) منه (فَقَالُوا) وفي رواية: «فقلنَ» (هُوَ ضَبٌّ يَا رَسُولَ اللهِ، فَرَفَعَ يَدَهُ) الكريمة. قال خالدٌ: (فَقُلْتُ: أَحَرَامٌ هُوَ (٣) يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ) موجودًا (بِأَرْضِ قَوْمِي) مكَّة أصلًا، أو لم (٤) يكن مشهورًا كثيرًا فيها فلم يأكلوهُ، وفي رواية يزيد بن الأصمِّ عند مسلم: «هذا لحمٌ لم آكله قطُّ» (فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ) أكرهه، والفاء للسَّببيَّة (قَالَ خَالِدٌ) المذكور (فَاجْتَرَرْتُهُ) بالجيم الساكنة والراء المكررة، أي: جررتُه (فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ اللهِ) أي: والحالُ أنَّ رسول الله ( يَنْظُرُ) إليَّ وهو يدلُّ على حلِّه، وأصرح منه رواية: «كلوهُ فإنَّه حلالٌ».

وحديث الباب مرَّ في «الأطعمة» [خ¦٥٤٠٠].

(٣٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا وَقَعَتِ الفَأْرَةُ) بالهمز السَّاكن، واحد الفأر (فِي السَّمْنِ الجَامِدِ أَوِ الذَّائِبِ) أو غيره من الأدهانِ والأعسالِ ونحوهما (١)، هل يفترق الحكم أم لا؟ وفأرةُ البيوت: حيوانٌ مؤذٍ زائد في الفسادِ، وهي (٢) الفُويسِقةُ الَّتي أمر النَّبيُّ بقتلها في الحلِّ والحرمِ، وسمِّيت بذلك لخروجِهَا من جُحْرهَا على النَّاس، وأصل الفسقِ الجورُ والخروجُ عن الاستقامة، وسُمِّيت بعض الحيواناتِ فواسقُ على الاستعارةِ لخبثهنَّ، وقيل: لخروجهنَّ عن الحرمةِ في الحلِّ والحرم، ولأنَّ الفأرةَ أبدتْ جورها الخبيث في قطعِ حبالِ سفينةِ نوح، والفأرُ عظيمُ الحيل، كثيرُ الأذى، يقرضُ الثِّياب والكتب، ويأكلُ الحبوب والزَّرع والمائعات، ويرمِي فيها بعره ليفسدهَا وهي تعادِي العقرب، فإذا جعلت فأرةً وعقرباء في قارورةٍ، فإنَّه يقعُ بينهما قتالٌ عجيبٌ لأنَّ العقربَ تلدغُ الفأرةَ، والفأرةُ تحتالُ على أن تقبضَ إبرتها، والعقربُ لا تمكِّنها من ذلك وتضربها، فإن (٣) قبضتِ الفأرةُ على إبرتها غلبتْها وإن (٤) ضربتْها العقرب كثيرًا أهلكتها، ومن الفأر صنفٌ يحبُّ الدَّراهم والدَّنانير يسرقها ويلعبُ بها وكثيرًا ما يخرجها من بيتهِ ويلعبُ بها ويرقص عليها، ثمَّ يردُّها إلى بيتهِ واحدًا واحدًا، فإذا (٥) أقفر البيت من الأُدْم لم يألفْه الفأر، وقال أنسُ بن أبي إياس: وقفت عجوزٌ على قيس فقالت: أشكو إليك قلَّة الفأرِ، فقال: ما ألطفَ ما سألتِ! تذكر (٦) أنَّ بيتَها أقفر من الأُدْم فأكثرْ لها يا غلام. نقله الزَّين عبد الرَّحمن بن داود القادريُّ الحنبليُّ في كتابه «نزهة الأفكار في خواص الحيوان والنَّبات والأحجار».

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٥٥٣٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بَيْتَ مَيْمُونَةَ، فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ بِيَدِهِ، فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ: أَخْبِرُوا رَسُولَ اللَّهِ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ، فَقَالُوا: هُوَ ضَبٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَرَفَعَ يَدَهُ، فَقُلْتُ: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ. قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ يَنْظُرُ.

قَوْلُهُ (بَابُ الضَّبِّ) هُوَ دُوَيْبَةٌ تُشْبِهُ الْجِرْذَوْنَ، لَكِنَّهُ أَكْبَرُ مِنَ الْجِرْذَوْنِ، وَيُكَنَّى أَبَا حِسْلٍ بِمُهْمَلَتَيْنِ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ سَاكِنَةٍ، وَيُقَالُ لِلْأُنْثَى ضَبَّةٌ، وَبِهِ سُمِّيَتِ الْقَبِيلَةُ، وَبِالْخِيفِ مِنْ مِنًى جَبَلٌ يُقَالُ لَهُ ضَبٌّ، وَالضَّبُّ دَاءٌ فِي خُفِّ الْبَعِيرِ، وَيُقَالُ إِنَّ لِأَصْلِ ذَكَرِ الضَّبِّ فَرْعَيْنِ، وَلِهَذَا يُقَالُ: لَهُ ذَكَرَانِ. وَذَكَرَ ابْنُ خَالَوَيْهِ أَنَّ الضَّبَّ يَعِيشُ سَبْعَمِائَةِ سَنَةٍ، وَأَنَّهُ لَا يَشْرَبُ الْمَاءَ، وَيَبُولُ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا قَطْرَةً، وَلَا يَسْقُطُ لَهُ سِنٌّ، وَيُقَالُ بَلْ أَسْنَانُهُ قِطْعَةٌ وَاحِدَةٌ، وَحَكَى غَيْرُهُ أَنَّ أَكْلَ لَحْمِهِ يُذْهِبُ الْعَطَشَ، وَمِنَ الْأَمْثَالِ لَا أَفْعَلُ كَذَا حَتَّى يَرِدَ الضَّبُّ يَقُولُهُ مَنْ أَرَادَ أَنْ لَا يَفْعَلَ الشَّيْءَ لِأَنَّ الضَّبَّ لَا يَرِدُ بَلْ يَكْتَفِي بِالنَّسِيمِ وَبَرْدِ الْهَوَاءِ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْ جُحْرِهِ فِي الشِّتَاءِ. وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ: الْأَوَّلُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ.

قَوْلُهُ (الضَّبُّ لَسْتُ آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ) كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ بِلَفْظِ سُئِلَ النَّبِيُّ عَنِ الضَّبِّ، فَقَالَ: لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ وَمِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ زَادَ فِي رِوَايَةٍ عَنْ نَافِعٍ أَيْضًا وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهَذَا السَّائِلُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خُزَيْمَةَ بْنَ جَزْءٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِهِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَقُولُ؟ فَقَالَ: لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ، قَالَ: قُلْتُ فَإِنِّي آكُلُ مَا لَمْ تُحَرِّمْ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ. وَعِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا بِأَرْضٍ مُضِبَّةٍ، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: ذُكِرَ لِي أَنَّ أَمَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُسِخَتْ، فَلَمْ يَأْمُرْ وَلَمْ يَنْهَ وَقَوْلُهُ مُضِبَّةٌ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ كَثِيرَةُ الضِّبَابِ، وَهَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُفَسَّرَ بِثَابِتِ بْنِ وَدِيعَةَ، فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِهِ قَالَ: أَصَبْتُ ضِبَابًا فَشَوَيْتُ مِنْهَا ضَبًّا، فَأَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ فَأَخَذَ عُودًا فَعَدَّ بِهِ أَصَابِعَهُ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُسِخَتْ دَوَابَّ فِي الْأَرْضِ، وَإِنِّي لَا أَدْرِي أَيُّ الدَّوَابِّ هِيَ، فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَنْهَ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي.

قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ) أَيِ ابْنِ حُنَيْفٍ الْأَنْصَارِيِّ، لَهُ رُؤْيَةٌ وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ، وَتَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي أَوَائِلِ الْأَطْعِمَةِ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو أُمَامَةَ.

قَوْلُهُ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ سَيْفُ اللَّهِ أَخْبَرَهُ وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الزُّهْرِيِّ هَلْ هُوَ مِنْ مُسْنَدِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْ مِنْ مُسْنَدِ خَالِدٍ، وَكَذَا اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى مَالِكٍ فَقَالَ الْأَكْثَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ خَالِدٍ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ فِي الْمُوَطَّأِ وَطَائِفَةٌ عَنْ مَالِكٍ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَخَالِدٍ أَنَّهُمَا دَخَلَا، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَخَالِدٌ عَلَى النَّبِيِّ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْهُ وَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ وَنَحْنُ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ بِضَبَّيْنِ مَشْوِيَّيْنِ

وَقَالَ هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَعْمَرٍ كَالْجُمْهُورِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْأَطْعِمَةِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ حَاضِرًا لِلْقِصَّةِ فِي بَيْتِ خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ، وَكَأَنَّهُ اسْتَثْبَتَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فِي شَيْءٍ مِنْهُ لِكَوْنِهِ الَّذِي كَانَ بَاشَرَ السُّؤَالَ عَنْ حُكْمِ الضَّبِّ وَبَاشَرَ أَكْلَهُ أَيْضًا، فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ رُبَّمَا رَوَاهُ عَنْهُ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ حَدَّثَ بِهِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أُتِيَ النَّبِيُّ وَهُوَ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ وَعِنْدَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِلَحْمِ ضَبٍّ الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَكَذَا رَوَاهُ

سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ خَالِدًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْأَطْعِمَةِ.

قَوْلُهُ (إِنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بَيْتَ مَيْمُونَةَ) زَادَ يُونُسُ فِي رِوَايَتِهِ وَهِيَ خَالَتُهُ وَخَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ. قُلْتُ: وَاسْمُ أُمِّ خَالِدٍ لُبَابَةُ الصُّغْرَى، وَاسْمُ أُمِّ ابْنِ عَبَّاسٍ لُبَابَةُ الْكُبْرَى وَكَانَتْ تُكَنَّى أُمَّ الْفَضْلِ بِابْنِهَا الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَهُمَا أُخْتَا مَيْمُونَةَ وَالثَّلَاثُ بَنَاتُ الْحَارِثِ بْنِ حَزْنٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ الْهِلَالِيِّ.

قَوْلُهُ (فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ) بِمُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ وَنُونٍ مَضْمُومَةٍ وَآخِرُهُ ذَالٌ مُعْجَمَةٌ أَيْ مَشْوِيٌّ بِالْحِجَارَةِ الْمُحْمَاةِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ بِضَبٍّ مَشْوِيٍّ، وَالْمَحْنُوذُ أَخَصُّ وَالْحَنِيذُ بِمَعْنَاهُ، زَادَ يُونُسُ فِي رِوَايَتِهِ قَدِمَتْ بِهِ أُخْتُهَا حُفَيْدَةُ وَهِيَ بِمُهْمَلَةٍ وَفَاءٍ مُصَغَّرٌ وَمَضَى فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جَبْرٍ أَنَّ أُمَّ حُفَيْدَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ حَزْنٍ خَالَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَهْدَتْ لِلنَّبِيِّ سَمْنًا وَأَقِطًا وَأَضُبًّا وَفِي رِوَايَةِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ الطَّحَاوِيِّ جَاءَتْ أُمُّ حُفَيْدَةَ بِضَبٍّ وَقُنْفُذٍ وَذِكْرُ الْقُنْفُذِ فِيهِ غَرِيبٌ، وَقَدْ قِيلَ فِي اسْمِهَا هُزَيْلَةُ بِالتَّصْغِيرِ وَهِيَ رِوَايَةُ الْمُوَطَّأِ مِنْ مُرْسَلِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَعَلَّ لَهَا اسْمَيْنِ أَوِ اسْمٌ وَلَقَبٌ، وَحَكَى بَعْضُ شُرَّاحِ الْعُمْدَةِ فِي اسْمِهَا حُمَيْدَةُ بِمِيمٍ وَفِي كُنْيَتِهَا أُمُّ حُمَيْدٍ بِمِيمٍ بِغَيْرِ هَاءٍ، وَفِي رِوَايَةٍ بِهَاءٍ وَبِفَاءٍ وَلَكِنْ بِرَاءٍ بَدَلَ الدَّالِ وَبِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ بَدَلَ الْحَاءِ بِغَيْرِ هَاءٍ، وَكُلُّهَا تَصْحِيفَاتٌ.

قَوْلُهُ (فَأَهْوَى) زَادَ يُونُسُ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ قَلَّ مَا يُقَدِّمُ يَدَهُ لِطَعَامٍ حَتَّى يُسَمَّى لَهُ وَأَخْرَجَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ ابْنِ الْحَوْتَكِيَّةِ، عَنْ عُمَرَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ بِأَرْنَبٍ يُهْدِيهَا إِلَيْهِ، وَكَانَ النَّبِيُّ لَا يَأْكُلُ مِنَ الْهَدِيَّةِ حَتَّى يَأْمُرَ صَاحِبَهَا فَيَأْكُلَ مِنْهَا مِنْ أَجْلِ الشَّاةِ الَّتِي أُهْدِيَتْ إِلَيْهِ بِخَيْبَرَ الْحَدِيثَ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ.

قَوْلُهُ (فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ أَخْبِرُوا رَسُولَ اللَّهِ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ، فَقَالُوا: هُوَ ضَبٌّ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ النِّسْوَةِ الْحُضُورِ: أَخْبِرْنَ رَسُولَ اللَّهِ بِمَا قَدَّمْتُنَّ لَهُ، هُوَ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَأَنَّ الْمَرْأَةَ أَرَادَتْ أَنَّ غَيْرَهَا يُخْبِرُهُ، فَلَمَّا لَمْ يُخْبِرُوا بَادَرَتْ هِيَ فَأَخْبَرَتْ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ إِجَازَةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ كَانَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ فِيهِمْ سَعْدٌ يَعْنِي ابْنَ أَبِي وَقَّاصٍ فَذَهَبُوا يَأْكُلُونَ مِنْ لَحْمٍ فَنَادَتْهُمُ امْرَأَةٌ مِنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ وَعِنْدَهَا الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَامْرَأَةٌ أُخْرَى إِذْ قُرِّبَ إِلَيْهِمْ خِوَانٌ عَلَيْهِ لَحْمٌ، فَلَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَأْكُلَ قَالَتْ لَهُ مَيْمُونَةُ إِنَّهُ لَحْمُ ضَبٍّ، فَكَفَّ يَدَهُ، وَعُرِفَ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ اسْمُ الَّتِي أُبْهِمَتْ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ صَحِيحٍ فَقَالَتْ مَيْمُونَةُ أَخْبِرُوا رَسُولَ اللَّهِ مَا هُوَ.

قَوْلُهُ (فَرَفَعَ يَدَهُ) زَادَ يُونُسُ عَنِ الضَّبِّ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ أَكَلَ مِنْ غَيْرِ الضَّبِّ مِمَّا كَانَ قُدِّمَ لَهُ مِنْ غَيْرِ الضَّبِّ، كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ فِيهِ غَيْرُ الضَّبِّ، وَقَدْ جَاءَ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْأَطْعِمَةِ، قَالَ فَأَكَلَ الْأَقِطَ وَشَرِبَ اللَّبَنَ.

قَوْلُهُ (لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي) فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ هَذَا لَحْمٌ لَمْ آكُلْهُ قَطُّ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: اعْتَرَضَ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي بِأَنَّ الضِّبَابَ كَثِيرَةٌ بِأَرْضِ الْحِجَازِ،

قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فَإِنْ كَانَ أَرَادَ تَكْذِيبَ الْخَبَرِ فَقَدْ كَذَبَ هُوَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِأَرْضِ الْحِجَازِ مِنْهَا شَيْءٌ، أَوْ ذُكِرَتْ لَهُ بِغَيْرِ اسْمِهَا أَوْ حَدَثَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَذَا أَنْكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَمَنْ تَبِعَهُ أَنْ يَكُونَ بِبِلَادِ الْحِجَازِ شَيْءٌ مِنَ الضِّبَابِ. قُلْتُ: وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا بَلِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ بِأَرْضِ قَوْمِي قُرَيْشاً فَقَطْ فَيَخْتَصُّ النَّفْيُ بِمَكَّةَ وَمَا حَوْلَهَا، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً بِسَائِرِ بِلَادِ الْحِجَازِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ دَعَانَا عَرُوسٌ بِالْمَدِينَةِ فَقَرَّبَ إِلَيْنَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ ضَبًّا، فَآكِلٌ وَتَارِكٌ الْحَدِيثَ، فَبِهَذَا يُدَلُّ عَلَى كَثْرَةِ وِجْدَانِهَا بِتِلْكَ الدِّيَارِ.

قَوْلُهُ (فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ) بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَفَاءٍ خَفِيفَةٍ أَيْ أَتَكَرَّهُ أَكْلَهُ، يُقَالُ عِفْتُ الشَّيْءَ أَعَافُهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَتَرَكَهُنَّ النَّبِيُّ كَالْمُتَقَذِّرِ لَهُنَّ، وَلَوْ كُنَّ حَرَامًا لَمَا أُكِلْنَ عَلَى مَائِدَةِ النَّبِيِّ وَلَمَا أَمَرَ بِأَكْلِهِنَّ كَذَا أَطْلَقَ الْأَمْرَ وَكَأَنَّهُ تَلَقَّاهُ مِنَ الْإِذْنِ الْمُسْتَفَادِ مِنَ التَّقْرِيرِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ إِلَّا فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَإِنَّ فِيهَا فَقَالَ لَهُمْ كُلُوا، فَأَكَلَ الْفَضْلُ، وَخَالِدٌ وَالْمَرْأَةُ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ النَّبِيُّ كُلُوا وَأَطْعِمُوا فَإِنَّهُ حَلَالٌ - أَوْ قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ - وَلَكِنَّهُ لَيْسَ طَعَامِي، وَفِي هَذَا كُلِّهِ بَيَانُ سَبَبِ تَرْكِ النَّبِيِّ وَأَنَّهُ بِسَبَبِ أَنَّهُ مَا اعْتَادَهُ، وَقَدْ وَرَدَ لِذَلِكَ سَبَبٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ مَالِكٌ مِنْ مُرْسَلِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِي آخِرِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ : كُلَا - يَعْنِي لِخَالِدٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ - فَإِنَّنِي يَحْضُرُنِي مِنَ اللَّهِ حَاضِرَةٌ قَالَ الْمَازِرِيُّ: يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ، وَكَأَنَّ لِلحْمِ الضَّبِّ رِيحًا فَتَرَكَ أَكْلَهُ لِأَجْلِ رِيحِهِ، كَمَا تَرَكَ أَكْلَ الثُّومِ مَعَ كَوْنِهِ حَلَالًا. قُلْتُ: وَهَذَا إِنْ صَحَّ يُمْكِنُ ضَمُّهُ إِلَى الْأَوَّلِ وَيَكُونُ لِتَرْكِهِ الْأَكْلَ مِنَ الضَّبِّ سَبَبَانِ.

قَوْلُهُ (قَالَ خَالِدٌ فَاجْتَرَرْتُهُ) بِجِيمٍ وَرَائَيْنِ، هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ، وَضَبَطَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمُهَذَّبِ بِزَايٍ قَبْلَ الرَّاءِ وَقَدْ غَلَّطَهُ النَّوَوِيُّ.

قَوْلُهُ (يَنْظُرُ) زَادَ يُونُسُ فِي رِوَايَتِهِ إِلَى. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ جَوَازُ أَكْلِ الضَّبِّ، وَحَكَى عِيَاضٌ عَنْ قَوْمٍ تَحْرِيمَهُ وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ كَرَاهَتَهُ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ النَّوَوِيُّ وَقَالَ: لَا أَظُنُّهُ يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ، فَإِنْ صَحَّ فَهُوَ مَحْجُوجٌ بِالنُّصُوصِ وَبِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ. قُلْتُ: قَدْ نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ عَلِيٍّ، فَأَيُّ إِجْمَاعٍ يَكُونُ مَعَ مُخَالَفَتِهِ؟ وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ كَرَاهَتَهُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ ; وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ فِي مَعَانِي الْآثَارِ: كَرِهَ قَوْمٌ أَكْلَ الضَّبِّ، مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: وَاحْتَجَّ مُحَمَّدٌ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ أُهْدِيَ لَهُ ضَبٌّ فَلَمْ يَأْكُلْهُ، فَقَامَ عَلَيْهِمْ سَائِلٌ، فَأَرَادَتْ عَائِشَةُ أَنْ تُعْطِيَهُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ : أَتُعْطِينَهُ مَا لَا تَأْكُلِينَ؟ قَالَ الطَّحَاوِيُّ: مَا فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ عَافَتْهُ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ لَا يَكُونَ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ إِلَّا مِنْ خَيْرِ الطَّعَامِ، كَمَا نَهَى أَنْ يُتَصَدَّقَ بِالتَّمْرِ الرَّدِيءِ اهـ.

وَقَدْ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الضَّبِّ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ ضَمْضَمِ بْنِ زُرْعَةَ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي رَاشِدِ الْحَبْرَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَيَّاشٍ عَنِ الشَّامِيِّينَ قَوِيٌّ، وَهَؤُلَاءِ شَامِيُّونَ ثِقَاتٌ، وَلَا يُغْتَرُّ بِقَوْلِ الْخَطَّابِيِّ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَاكَ، وَقَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ: فِيهِ ضُعَفَاءُ وَمَجْهُولُونَ، وَقَوْلُ الْبَيْهَقِيِّ: تَفَرَّدَ بِهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَقَوْلُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ: لَا يَصِحُّ، فَفِي كُلِّ ذَلِكَ تَسَاهُلٌ لَا يَخْفَى، فَإِنَّ رِوَايَةَ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الشَّامِيِّينَ قَوِيَّةٌ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَقَدْ صَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ بَعْضَهَا، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنَةَ نَزَلْنَا أَرْضًا كَثِيرَةَ الضِّبَابِ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ أَنَّهُمْ طَبَخُوا مِنْهَا فَقَالَ النَّبِيُّ : إِنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُسِخَتْ دَوَابَّ فِي الْأَرْضِ فَأَخْشَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ فَأَكْفِئُوهَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالطَّحَاوِيُّ وَسَنَدُهُ عَلَى شَرْطِ

الشَّيْخَيْنِ إِلَّا الضَّحَّاكَ فَلَمْ يُخَرِّجَا لَهُ.

وَلِلطَّحَاوِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ وَوَافَقَهُ الْحَارِثُ بْنُ مَالِكٍ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، وَوَكِيعٌ فِي آخِرِهِ فَقِيلَ لَهُ إِنَّ النَّاسَ قَدِ اشْتَوَوْهَا أَكَلُوهَا، فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ وَالْأَحَادِيثُ الْمَاضِيَةُ وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى الْحِلِّ تَصْرِيحًا وَتَلْوِيحًا نَصًّا وَتَقْرِيرًا، فَالْجَمْعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ هَذَا حَمَلَ النَّهْيَ فِيهِ عَلَى أَوَّلِ الْحَالِ عِنْدَ تَجْوِيزِ أَنْ يَكُونَ مِمَّا مُسِخَ وَحِينَئِذٍ أَمَرَ بِإِكْفَاءِ الْقُدُورِ، ثُمَّ تَوَقَّفَ فَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ، وَحُمِلَ الْإِذْنُ فِيهِ عَلَى ثَانِي الْحَالِ لِمَا عُلِمَ أَنَّ الْمَمْسُوخَ لَا نَسْلَ لَهُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ يَسْتَقْذِرُهُ فَلَا يَأْكُلُهُ وَلَا يُحَرِّمُهُ، وَأَكَلَ عَلَى مَائِدَتِهِ فَدَلَّ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَتَكُونُ الْكَرَاهَةُ لِلتَّنْزِيهِ فِي حَقِّ مَنْ يَتَقَذَّرُهُ، وَتُحْمَلُ أَحَادِيثُ الْإِبَاحَةِ عَلَى مَنْ لَا يَتَقَذَّرُهُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يُكْرَهُ مُطْلَقًا. وَقَدْ أَفْهَمَ كَلَامُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ فِي حَقِّ مَنْ يَتَقَذَّرُهُ لِمَا يَتَوَقَّعُ فِي أَكْلِهِ مِنَ الضَّرَرِ وَهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِهَذَا، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ أَخْبَرْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ بِقِصَّةِ الضَّبِّ، فَأَكْثَرَ الْقَوْمُ حَوْلَهُ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَا آكُلُهُ وَلَا أَنْهَى عَنْهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِئْسَ مَا قُلْتُمْ، مَا بُعِثَ نَبِيُّ اللَّهِ إِلَّا مُحَرِّمًا أَوْ مُحَلِّلًا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: ظَنَّ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ الَّذِي أَخْبَرَ بِقَوْلِهِ لَا آكُلُهُ أَرَادَ لَا أُحِلُّهُ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ لِأَنَّ خُرُوجَهُ مِنْ قِسْمِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُحَالٌ.

وَتَعَقَّبَهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ بِأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا لَمْ يَتَّضِحْ إِلْح اقُهُ بِالْحَلَالِ أَوِ الْحَرَامِ يَكُونُ مِنَ الشُّبُهَاتِ فَيَكُونُ مِنْ حُكْمِ الشَّيْءِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، وَالْأَصَحُّ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهَا بِحِلٍّ وَلَا حُرْمَةٍ.

قُلْتُ: وَفِي كَوْنِ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ مِنْ هَذَا النَّوْعِ نَظَرٌ، لِأَنَّ هَذَا إِنَّمَا هُوَ إِذَا تَعَارَضَ الْحُكْمُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ، أَمَّا الشَّارِعُ إذَا سُئِلَ عَنْ وَاقِعَةٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَذْكُرَ فِيهَا الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَرَادَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَجَعَلَ مَحَطَّ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَيْهِ. ثُمَّ وَجَدْتُ فِي الْحَدِيثِ زِيَادَةَ لَفْظَةٍ سَقَطَتْ مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَبِهَا يَتَّجِهُ إِنْكَارُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَيُسْتَغْنَى عَنْ تَأْوِيلِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ لَا آكُلُهُ بِلَا أُحِلُّهُ وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي شَيْبَةَ وَهُوَ شَيْخُ مُسْلِمٍ فِيهِ أَخْرَجَهُ فِي مُسْنَدِهِ بِالسَّنَدِ الَّذِي سَاقَهُ بِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ لَا آكُلُهُ وَلَا أَنْهَى عَنْهُ وَلَا أُحِلُّهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ وَلَعَلَّ مُسْلِمًا حَذَفَهَا عَمْدًا لِشُذُوذِهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ لَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَأَشْهَرُ مَنْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ ابْنُ عُمَرَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِ لَا أُحِلُّهُ بَلْ جَاءَ التَّصْرِيحُ عَنْهُ بِأَنَّهُ حَلَالٌ فَلَمْ تَثْبُتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ وَهِيَ قَوْلُهُ لَا أُحِلُّهُ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ وَهُوَ ثِقَةٌ لَكِنَّهُ أَخْبَرَ بِهَا عَنْ قَوْمٍ كَانُوا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَكَانَتْ رِوَايَةً عَنْ مَجْهُولٍ، وَلَمْ يَقُلْ يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ إِنَّهُمْ صَحَابَةٌ حَتَّى يُغْتَفَرَ عَدَمُ تَسْمِيَتِهِمْ.

وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ مَنْ مَنَعَ أَكْلَهُ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: ذُكِرَ لِي أَنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُسِخَتْ وَقَدْ ذَكَرْتُهُ وَشَوَاهِدَهُ قَبْلُ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ الْجَزْمُ بِأَنَّ الضَّبَّ مِمَّا مُسِخَ، وَإِنَّمَا خَشِيَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ فَتَوَقَّفَ عَنْهُ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُعْلِمَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ أَنَّ الْمَمْسُوخَ لَا يَنْسِلُ، وَبِهَذَا أَجَابَ الطَّحَاوِيُّ ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ أَهِيَ مِمَّا مُسِخَ؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا - أَوْ يَمْسَخْ قَوْمًا - فَيَجْعَلْ لَهُمْ نَسْلًا وَلَا عَاقِبَةً وَأَصْلُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي مُسْلِمٍ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحْضِرْهُ مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَيَتَعَجَّبُ مِنِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ حَيْثُ قَالَ: قَوْلُهُ إِنَّ الْمَمْسُوخَ لَا يَنْسِلُ دَعْوَى، فَإِنَّهُ أَمْرٌ لَا يُعْرَفُ بِالْعَقْلِ وَإِنَّمَا طَرِيقُهُ النَّقْلُ، وَلَيْسَ فِيهِ أَمْرٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ.

كَذَا قَالَ ثُمَّ قَالَ الطَّحَاوِيُّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طُرُقٍ ثُمَّ أَخْرَجَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ: فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْآثَارِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الضَّبِّ، وَبِهِ أَقُولُ. قَالَ: وَقَدِ احْتَجَّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ لِأَصْحَابِهِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ، فَسَاقَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

عندنَا خلافًا لبعضِ أصحابِ أبي حنيفة، وحكى القاضي عياض تحريمَهُ عن (١) قومٍ، قال النَّوويُّ: ما أظنُّه يصحُّ عن أحدٍ (٢).

٥٥٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القَعْنَبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ) الأنصاريِّ. قال في «الفتح»: له رؤية ولأبيه صحبةٌ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ: أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللهِ بَيْتَ مَيْمُونَةَ) خالته أمِّ المؤمنين (فَأُتِيَ) بضم الهمزة، (بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ) بحاء مهملة ساكنة بعد فتحة ثمَّ نون مضمومة آخره ذال معجمة، مشوي بالحجارةِ المحمَّاة (فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ بِيَدِهِ) أي: أمالَ يدَه إليه ليأخذَهُ فيأكله (فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ) هي ميمونة، كما عند الطَّبرانيِّ، وبقيَّة النِّسوة لم يسمَّين (أَخْبِرُوا رَسُولَ اللهِ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ) منه (فَقَالُوا) وفي رواية: «فقلنَ» (هُوَ ضَبٌّ يَا رَسُولَ اللهِ، فَرَفَعَ يَدَهُ) الكريمة. قال خالدٌ: (فَقُلْتُ: أَحَرَامٌ هُوَ (٣) يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ) موجودًا (بِأَرْضِ قَوْمِي) مكَّة أصلًا، أو لم (٤) يكن مشهورًا كثيرًا فيها فلم يأكلوهُ، وفي رواية يزيد بن الأصمِّ عند مسلم: «هذا لحمٌ لم آكله قطُّ» (فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ) أكرهه، والفاء للسَّببيَّة (قَالَ خَالِدٌ) المذكور (فَاجْتَرَرْتُهُ) بالجيم الساكنة والراء المكررة، أي: جررتُه (فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ اللهِ) أي: والحالُ أنَّ رسول الله ( يَنْظُرُ) إليَّ وهو يدلُّ على حلِّه، وأصرح منه رواية: «كلوهُ فإنَّه حلالٌ».

وحديث الباب مرَّ في «الأطعمة» [خ¦٥٤٠٠].

(٣٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا وَقَعَتِ الفَأْرَةُ) بالهمز السَّاكن، واحد الفأر (فِي السَّمْنِ الجَامِدِ أَوِ الذَّائِبِ) أو غيره من الأدهانِ والأعسالِ ونحوهما (١)، هل يفترق الحكم أم لا؟ وفأرةُ البيوت: حيوانٌ مؤذٍ زائد في الفسادِ، وهي (٢) الفُويسِقةُ الَّتي أمر النَّبيُّ بقتلها في الحلِّ والحرمِ، وسمِّيت بذلك لخروجِهَا من جُحْرهَا على النَّاس، وأصل الفسقِ الجورُ والخروجُ عن الاستقامة، وسُمِّيت بعض الحيواناتِ فواسقُ على الاستعارةِ لخبثهنَّ، وقيل: لخروجهنَّ عن الحرمةِ في الحلِّ والحرم، ولأنَّ الفأرةَ أبدتْ جورها الخبيث في قطعِ حبالِ سفينةِ نوح، والفأرُ عظيمُ الحيل، كثيرُ الأذى، يقرضُ الثِّياب والكتب، ويأكلُ الحبوب والزَّرع والمائعات، ويرمِي فيها بعره ليفسدهَا وهي تعادِي العقرب، فإذا جعلت فأرةً وعقرباء في قارورةٍ، فإنَّه يقعُ بينهما قتالٌ عجيبٌ لأنَّ العقربَ تلدغُ الفأرةَ، والفأرةُ تحتالُ على أن تقبضَ إبرتها، والعقربُ لا تمكِّنها من ذلك وتضربها، فإن (٣) قبضتِ الفأرةُ على إبرتها غلبتْها وإن (٤) ضربتْها العقرب كثيرًا أهلكتها، ومن الفأر صنفٌ يحبُّ الدَّراهم والدَّنانير يسرقها ويلعبُ بها وكثيرًا ما يخرجها من بيتهِ ويلعبُ بها ويرقص عليها، ثمَّ يردُّها إلى بيتهِ واحدًا واحدًا، فإذا (٥) أقفر البيت من الأُدْم لم يألفْه الفأر، وقال أنسُ بن أبي إياس: وقفت عجوزٌ على قيس فقالت: أشكو إليك قلَّة الفأرِ، فقال: ما ألطفَ ما سألتِ! تذكر (٦) أنَّ بيتَها أقفر من الأُدْم فأكثرْ لها يا غلام. نقله الزَّين عبد الرَّحمن بن داود القادريُّ الحنبليُّ في كتابه «نزهة الأفكار في خواص الحيوان والنَّبات والأحجار».

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله