الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٥٤٤
الحديث رقم ٥٥٤٤ من كتاب «كتاب الذبائح والصيد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا ند بعير لقوم فرماه بعضهم بسهم فقتله.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ أَكْلِ الْمُضْطَرِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ وَقَالَ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾ وَقَوْلُِهُِ ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فُصِّلَ لَكُمْ مَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
⦗٩٩⦘
وَقَالَ ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﷽
كِتَابُ الْأَضَاحِيِّ
بَابُ سُنَّةِ الْأُضْحِيَّةِ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: هِيَ سُنَّةٌ وَمَعْرُوفٌ
٥٥٤٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لِخَبَرِ رَافِعٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ
٥٥٤٤ - حَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَنَدَّ بَعِيرٌ مِنْ الْإِبِلِ، قَالَ: فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ، قَالَ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ لَهَا أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا. قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَكُونُ فِي الْمَغَازِي وَالْأَسْفَارِ، فَنُرِيدُ أَنْ نَذْبَحَ فَلَا تَكُونُ مُدًى. قَالَ: أَرِنْ. مَا نَهَرَ - أَوْ أَنْهَرَ - الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُلْ، غَيْرَ السِّنِّ وَالظُّفُرِ، فَإِنَّ السِّنَّ عَظْمٌ، وَالظُّفُرَ مُدَى الْحَبَشَةِ.
قَوْلُهُ (بَابُ إِذَا نَدَّ بَعِيرٌ لِقَوْمٍ فَرَمَاهُ بَعْضُهُمْ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ فَأَرَادَ إِصْلَاحَهُمْ فَهُوَ جَائِزٌ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ إِصْلَاحَهُ وَلِكَرِيمَةَ صَلَاحَهُ بِغَيْرِ أَلِفٍ بِالْإِفْرَادِ أَيِ الْبَعِيرَ وَضَمِيرُ الْجَمْعِ لِلْقَوْمِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي الَّذِي قَبْلَهُ، وَمَضَى فِي بَابِ ذَبِيحَةِ الْمَرْأَةِ بَحْثٌ فِي خُصُوصِ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ أَوْ نَهَرَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي وَالصَّوَابُ أَنْهَرَ بِالْهَمْزِ، وَقَدْ أَلْزَمَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ التَّنَاقُضَ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ وَالَّتِي قَبْلَهَا. وَأَشَارَ إِلَى عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ، وَالْجَامِعُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُتَعَدٍّ بِالتَّذْكِيَةِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الَّذِينَ ذَبَحُوا فِي الْقِصَّةِ الْأُولَى ذَبَحُوا مَا لَمْ يُقْسَمْ لِيَخْتَصُّوا بِهِ فَعُوقِبُوا بِحِرْمَانِهِ إِذْ ذَاكَ حَتَّى يُقْسَمَ، وَالَّذِي رَمَى الْبَعِيرَ أَرَادَ إِبْقَاءَ مَنْفَعَتِهِ لِمَالِكِهِ فَافْتَرَقَا. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: نَبَّهَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ عَلَى أَنَّ ذَبْحَ غَيْرِ الْمَالِكِ إِذَا كَانَ بِطَرِيقِ التَّعَدِّي كَمَا فِي الْقِصَّةِ الْأُولَى فَاسِدٌ، وَأَنَّ ذَبْحَ غَيْرِ الْمَالِكِ إِذَا كَانَ بِطَرِيقِ الْإِصْلَاحِ لِلْمَالِكِ خَشْيَةَ أَنْ تَفُوتَ عَلَيْهِ الْمَنْفَعَةُ لَيْسَ بِفَاسِدٍ.
٣٨ - بَاب إِذَا أَكَلَ الْمُضْطَرُّ لِقَوْلِه تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ وَقَالَ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾ وَقَوْلِهِ ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ * وَمَا لَكُمْ أَلا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ وَقَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا ﴿لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وَقَالَ ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
قَوْلُهُ (بَابُ إِذَا أَكَلَ الْمُضْطَرُّ) أَيْ مِنَ الْمَيْتَةِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ فِي مَوْضِعَيْنِ:
أَحَدُهُمَا:
فِي الْحَالَةِ الَّتِي يَصِحُّ الْوَصْفُ بِالِاضْطِرَارِ فِيهَا لِيُبَاحَ الْأَكْلُ.
وَالثَّانِي: فِي مِقْدَارِ مَا يُؤْكَلُ.
فَأَمَّا الْأَوَّلُ: فَهُوَ أَنْ يَصِلَ بِهِ الْجُوعُ إِلَى حَدِّ الْهَلَاكِ أَوْ إِلَى مَرَضٍ يُفْضِي إِلَيْهِ، هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَعَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ تَحْدِيدُ ذَلِكَ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ فِي الْمَيْتَةَ سُمِّيَّةً شَدِيدَةً فَلَوْ أَكَلَهَا ابْتِدَاءً لَأَهْلَكَتْهُ، فَشُرِعَ لَهُ أَنْ يَجُوعَ لِيَصِيرَ فِي بَدَنِهِ بِالْجُوعِ سُمِّيَّةٌ أَشَدُّ مِنْ سُمِّيَّةِ الْمَيْتَةِ فَإِذَا أَكَلَ مِنْهَا حِينَئِذٍ لَا يَتَضَرَّرُ اهـ، وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ حَسَنٌ بَالِغٌ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَذَكَرَهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾ وَقَدْ فَسَّرَهُ قَتَادَةُ بِالْمُتَعَدِّي وَهُوَ تَفْسِيرُ مَعْنًى، وَقَالَ غَيْرُهُ الْإِثْمُ أَنْ يَأْكُلَ فَوْقَ سَدِّ الرَّمَقِ، وَقِيلَ فَوْقَ الْعَادَةِ وَهُوَ الرَّاجِحُ لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ. ثُمَّ مَحِلُّ جَوَازِ الشِّبَعِ أَنْ لَا يَتَوَقَّعَ غَيْرَ الْمَيْتَةِ عَنْ قُرْبٍ، فَإِنْ تَوَقَّعَ امْتَنَعَ إِنْ قَوِيَ عَلَى الْجُوعِ إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ، وَذَكَرَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشِّبَعِ مَا يَنْتَفِي الْجُوعُ لَا الِامْتِلَاءُ حَتَّى لَا يَبْقَى لِطَعَامٍ آخَرَ مَسَاغٌ فَإِنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ. وَاسْتَشْكَلَ بِمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ الْعَنْبَرِ حَيْثُ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ فَكُلُوا، قَالَ فَأَكَلْنَا حَتَّى سَمِنَّا وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ مَبْسُوطًا.
قَوْلُهُ (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ مَا حُذِفَ، وَقَوْلُهُ ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ أَيْ فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ، وَجَعَلَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْبَغْيِ الْعِصْيَانَ فَمَنَعُوا الْعَاصِيَ بِسَفَرِهِ أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ وَقَالُوا: طَرِيقُهُ أَنْ يَتُوبَ ثُمَّ يَأْكُلَ، وَجَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ (وَقَالَ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ أَيْ مَجَاعَةٍ ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ﴾ أَيْ مَائِلٍ.
قَوْلُهُ (وَقَوْلُهُ ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ زَادَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَةَ الَّتِي بَعْدَهَا إِلَى قَوْلِهِ ﴿مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ وَفِيهِ نُسْخَةٌ إلَى بِالْمُعْتَدِينَ وَبِهِ تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ ذِكْرِ ذَلِكَ هُنَا، وَإِطْلَاقُ الِاضْطِرَارِ هُنَا تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ أَجَازَ أَكْلَ الْمَيْتَةِ لِلْعَاصِي وَحَمَلَ الْجُمْهُورُ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي الْآيَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ.
قَوْلُهُ (وَقَوْلُهُ جَلَّ وَعَلَا: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ سَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وَبِذَلِكَ يَظْهَرُ أَيْضًا وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾.
قَوْلُهُ (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُهْرَاقًا) أَيْ فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْمَسْفُوحَ بِالْمُهْرَاقِ، وَهُوَ مَوْصُولٌ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ.
قَوْلُهُ (وَقَوْلُهُ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا﴾ كَذَا ثَبَتَ هُنَا لِكَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيِّ وَسَقَطَ لِلْبَاقِينَ، وَسَاقَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ إِلَى قَوْلِهِ ﴿خِنْزِيرٍ﴾ ثُمَّ قَالَ إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ وَغَيْرُهُ: عَقَدَ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ لِلتَّرْجَمَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا حَدِيثًا إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الَّذِي وَرَدَ فِيهَا لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ عَلَى شَرْطِهِ، فَاكْتَفَى بِمَا سَاقَ فِيهَا مِنَ الْآيَاتِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بُيِّضَ فَانْضَمَّ بَعْضُ ذَلِكَ إِلَى بَعْضٍ عِنْدَ تَبْيِيضِ الْكِتَابِ. قُلْتُ: وَالثَّانِي أَوْجَهُ، وَاللَّائِقُ بِهَذَا الْبَابِ عَلَى شَرْطِهِ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ الْعَنْبَرِ، فَلَعَلَّهُ قَصَدَ أَنْ يَذْكُرَ لَهُ طَرِيقًا أُخْرَى.
خَاتِمَةٌ:
اشْتَمَلَ كِتَابُ الذَّبَائِحِ وَالصَّيْدِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى ثَلَاثَةٍ وَتِسْعِينَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا أَحَدٌ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى تِسْعَةٌ وَسَبْعُونَ حَدِيثًا، وَالْخَالِصُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي النَّهْيِ عَنْ أَنْ تُصْبَرَ الْبَهِيمَةُ، وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ، وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فِي النَّهْيِ عَنِ الْمُثْلَةِ، وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو فِي الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي النَّهْيِ عَنْ ضَرْبِ الصُّورَةِ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ أَرْبَعَةٌ وَأَرْبَعُونَ أَثَرًا، وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
تَمَّ الْجُزْءُ التَّاسِعُ وَيَلِيهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ الْجُزْءُ الْعَاشِرُ وَأَوَّلُهُ (كِتَابُ الْأَضَاحِي) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَوَّلًا وَآخِرًا.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(أَوَابِدَ) بالهمزة المفتوحة والواو، وبعد الألف موحدة فدال مهملة (كَأَوَابِدِ الوَحْشِ) أي: نفارًا كنِفارِ الوحش (فَمَا فَعَلَ مِنْهَا هَذَا) الفعل، وهو النِّفار ولم تقدروا عليه (فَافْعَلُوا) به (مِثْلَ هَذَا) وكلوهُ، فإنَّه له ذَكاة.
(٣٧) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا نَدَّ) أي: نفر هاربًا (بَعِيرٌ) كائن (لِقَوْمٍ، فَرَمَاهُ بَعْضُهُمْ بِسَهْمٍ) ليحبسه (٢) (فَقَتَلَهُ، فَأَرَادَ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «وأراد» (صَلَاحَهُمْ) أي: صلاحَ القوم أصحاب البعير لا إفساده (٣) عليهم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «صلاحه» بالإفراد، أي: صلاحَ البعير، وكلاهما بغير همز (٤). وفي «الفتح»: «إصلاحهم» و «إصلاحهُ» بالهمزةِ فيهما، ونسب تركَها لكريمةَ، والَّذي في «اليونينيَّة»: «إصلاحهم» بالهمزة (فَهْوَ) أي: ذلك الفعل (جَائِزٌ) أكلًا ولا يلزمه بقتلهِ شيءٌ (لِخَبَرِ رَافِعٍ) الآتي (٥) (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ).
٥٥٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثَني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) وسقط لفظ «محمَّد» لغير أبي ذرٍّ قال: (أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ) بضم العين فيهما من غير إضافة الثَّاني (٦) (الطُّنَافِسِيُّ)
بضم الطاء المهملة، وبفتحها في «اليونينيَّة» وكسر الفاء، نسبةً إلى بيع الطَّنافس، أو (١) اتِّخاذها، بُسُطٌ لها خملٌ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ) والد سفيان الثَّوريِّ (عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ) ولابن عساكرَ: «ابن رافع» فنسبُه إلى جدِّه (٢) (عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁) سقط «بن خديج» لأبي ذرٍّ، أنَّه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ) بذي الحليفة من تهامة بالقرب من ذات عرق بين الطَّائف ومكَّة، كما مرَّ في «باب التَّسمية» [خ¦٥٤٩٨] (فَنَدَّ بَعِيرٌ مِنَ الإِبِلِ) لقوم (قَالَ: فَرَمَاهُ رَجُلٌ) لم أعرف اسمه (بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ) ﷺ: (إِنَّ لَهَا) أي: للإبل (٣) (أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الوَحْشِ) نفراتٍ كنفراتها (فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا) فإنَّه له ذكاة (قَالَ) رافع: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَكُونُ فِي المَغَازِي وَالأَسْفَارِ فَنُرِيدُ أَنْ نَذْبَحَ فَلَا يكُونُ) معنا (مُدًى) جمع مُدية، سكِّين نذبح (٤) بها (قَالَ) ﷺ: (أَرِنْ) بهمزة مفتوحة فراء مكسورة فنون ساكنة، أي: أهلك الَّذي تذبحه، ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «أرِني» بكسر الراء وإسكانها (٥) وبعد النون تحتية، أي: انظر (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ) بالهمزة (٦) (-أَوْ) قال: (نَهَرَ-) بغير همزٍ، والصَّواب بالهمز، والشَّكُّ من الرَّاوي، ولغير أبي ذرٍّ: «ما نهرَ أو ما أنهر الدَّم» (٧) (وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ) عليه (فَكُلْ، غَيْرَ السِّنِّ وَالظُّفُرِ، فَإِنَّ السِّنَّ عَظْمٌ، وَالظُّفُرَ مُدَى الحَبَشَةِ) فيه: أنَّ ذبحَ غير المالك إذا وقعَ بطريقِ الإصلاح للمالكِ خشيةَ أن تفوتَ عليه المنفعة ليس بفاسدٍ، قاله ابنُ المنيِّر.
والحديث قد مرَّ في «باب ما ندَّ من البهائم» [خ¦٥٥٠٩].
(٣٨) (بابُ) جوازِ (١) (أَكْلِ المُضْطَرِّ) من الميتة (لِقَوْلِهِ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: «إذا أكل المضْطَر لقول الله تعالى»: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ﴾) أمر إباحة (﴿مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾) من مستلذَّاته، أو من حلالاتهِ (﴿وَاشْكُرُواْ لِلّهِ﴾) الَّذي رزقكموها (﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾) إن صحَّ أنَّكم تخصُّونه بالعبادة وتقرُّون أنَّه مُولي النِّعم، ثمَّ بيَّن المحرم فقال: (﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾) وهي كلُّ ما فارقه الرُّوح من غير ذكاةٍ ممَّا يذبحُ، وإنَّما لإثباتِ المذكور، ونفي (٢) ما عداه، أي: ما حرَّم عليكم إلَّا الميتة (﴿وَالدَّمَ﴾) يعني: السَّائل، وقد حلَّت (٣) الميتتانِ والدَّمان بالحديث (﴿وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ﴾) يعني: الخنزير بجميع أجزائه، وخصَّ اللَّحم؛ لأنَّه مقصودٌ بالأكل (﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ﴾) أي: ذبح للأصنام (﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾) ألجئ (﴿غَيْرَ﴾) حال، أي: فأكل غير (﴿بَاغٍ﴾) للذَّةٍ وشهوةٍ (﴿وَلَا عَادٍ﴾) متعدٍّ مقدار الحاجة (﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٢ - ١٧٣]) أي: فيباح له قدر ما يقعُ به القوام، وتبقى معه الحياة دون ما فيه حصول الشِّبع لأنَّ الإباحة للاضطرارِ فيتقدَّرُ بقدرِ ما يندفعُ به الضَّرر، والأصحُّ أنَّه يلزمه الأكل، فإن توقَّع حلالًا على (٤) قربٍ لم يجزْ غير سدِّ الرَّمق، وإن لم يتوقَّع الحلال فقيل: يجوزُ له الشِّبع والأَظهر سدُّ الرَّمق فقط إلَّا أن يخافَ تلفًا إن اقتصرَ عليه، فيجبُ عليه أن يشبعَ، وله أكل آدميٍّ ميِّت، وقتل
مرتدٍّ وحربيٍّ بالغٍ وأكلهما لأنَّهما غير معصومين، وحدُّ الاضطرارِ أن يصلَ به الجوع إلى حدِّ الإهلاكِ، أو إلى مرضٍ يفضِي إليه، وهذا قولُ الجمهور. قال سيِّدي عبد الله بنُ أبي جمرة -نفعني الله ببركاته-: الحكمة في ذلك أنَّ في الميتة سُمِّية شديدة، فلو أكلها ابتداء لأهلكتْه فشرعَ له أن يجوعَ ليصير في بدنهِ بالجوعِ سُمِّية هي أشدُّ من سُمِّية الميتة (١)، فإذا أكل منها حينئذٍ لا يتضرَّر. قال في «الفتح»: وهذا إن ثبتَ حسنٌ بالغٌ في الحسن. وسقط (٢) قوله: «﴿وَاشْكُرُواْ﴾ … » إلى آخره، في رواية أبي ذرٍّ، وقال بعد: ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾: «إلى ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾».
(وَقَالَ) تعالى: (﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾) متَّصلٌ بذكر المحرَّمات المذكوراتِ قبل، أي: فمن اضْطُر إلى الميتة، أو إلى غيرها (﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾) مجاعةٍ (﴿غَيْرَ﴾) حال (﴿مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ﴾) مائل إلى إثم، أي: غير متجاوزٍ سدَّ (٣) الرَّمق (﴿فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ﴾) لا يؤاخذه (٤) بذلك (﴿رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣]) بإباحة المحظور للمعذورِ.
(وَقَوْلُِهُ) بالجرِّ عطفًا على المجرور السَّابق، أو بالرَّفع على الاستئناف: (﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ﴾) دون (٥) ما ذكر عليه اسم غيره من آلهتكم (﴿إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ. وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ﴾) «ما» استفهاميَّة في موضع رفع بالابتداءِ ولكم الخبر، أي: وأيُّ غرضٍ لكم في أن لا تأكلوا (﴿مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم﴾) بُيِّن لكم (﴿مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾) ممَّا لم يحرَّم بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] (﴿إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾) ممَّا حرِّم عليكم فإنَّه حلالٌ لكم في حال الضَّرورة، أي: شدَّة المجاعةِ إلى أكله (﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾) أي: يضلُّون فيحرِّمون ويحلِّلون
بأهوائهم وشَهَواتهم من غير تعلُّق بشريعةٍ (﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٨ - ١١٩]) بالمجاوزين من (١) الحقِّ إلى الباطلِ، وسقط من قوله: «﴿مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ﴾ … » إلى آخره لابنِ عساكرَ، وقال بعد قوله: ﴿تَأْكُلُواْ﴾: «الآية». وسقط لأبي ذرٍّ من قوله: «﴿وَمَا لَكُمْ﴾» إلى آخر «﴿بِالْمُعْتَدِينَ﴾».
(وَقَوْلُهُ (٢) جَلَّ وَعَلَا: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾) أي: آكل يأكلُه، ومحرَّمًا نصبُ صفةٍ لموصوفٍ محذوفٍ، حُذِفَ لدَلالة قوله: على طاعمٍ يطعمُه، أي: لا أجدُ طعامًا محرَّمًا. وعلى طاعِمٍ متعلِّقٌ بـ «محرَّمًا»، ويطعَمُه في موضع جرٍّ صفةً لطاعمٍ (﴿إِلاَّ أَن يَكُونَ﴾) ذلك المحرَّم، وقدَّره أبو البقاء ومكِّي وغيرهما: إلَّا أن يكون المأكولُ أو ذلك (﴿مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا﴾) صفة لدم، والسَّفح: الصَّبُّ، وهو ما خرج من الحيوانات وهي أحياءٌ، أو من الأوداجِ عند الذَّبح، فلا يدخلُ الكبد والطحال لأنَّهما جامدان، وقد جاء الشَّرع بإباحتهمَا، ولا ما اختلطَ باللَّحم من الدَّم لأنَّه غير سائلٍ (﴿أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾) نجسٌ حرامٌ، والهاء في ﴿فَإِنَّهُ﴾ الظَّاهر عودُها على لحم المضاف لخنزيرٍ. وقال ابنُ حزمٍ: على خنزير لأنَّه أقربُ مذكورٍ، ورُجِّحَ الأوَّل بأنَّ اللَّحم هو المحدث عنه، والخنزيرُ جاء بعرَضيَّة (٣) الإضافة إليه، ألا ترى أنَّك إذا قلت: رأيت غلامَ زيدٍ فأكرمته، أنَّ الهاء تعودُ على الغلام لأنَّه المحدث عنه المقصود بالإخبارِ عنه لا على زيدٍ لأنَّه غير مقصودٍ، ورُجِّحَ الثَّاني بأنَّ التَّحريم المضاف للخنزيرِ ليس مختصًّا بلحمهِ بل بشحمهِ (٤) وشعره وعظمه كذلك، فإذا أعدنا الضَّمير على خنزيرٍ كان وافيًا بهذا المقصود، وإذا أعدناهُ على لحمٍ لم يكنْ في الآية تعرُّضٌ لتحريمِ ما عدا اللَّحم ممَّا (٥) ذكر.
وأُجيب بأنَّه إنَّما ذكر اللَّحم دون غيره -وإن كان غيره مقصودًا بالتَّحريم- لأنَّه أهمُّ ما فيه وأكثرُ ما يقصد فيه اللَّحم كغيره من الحيوانات، وعلى هذا فلا مفهوم لتخصيصِ اللَّحم
بالذِّكر، ولو سلِّم فإنَّه يكون من باب مفهومِ اللَّقب وهو ضعيفٌ جدًّا، وقوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ إمَّا على المبالغةِ بأن جعل نفس الرِّجس، أو على حذف مضاف (﴿أَوْ فِسْقًا﴾) عطفٌ على المنصوب السَّابق، وقوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ اعتراضٌ بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه (﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ﴾) في موضعِ نصب صفة لفسقًا، أي: رفع الصَّوت على ذبحهِ باسم غيرِ اسم الله، وسُمِّي بالفسقِ لتوغُّله في باب الفسق (﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾) فمن دعته الضَّرورة إلى أكلِ شيءٍ من هذه المحرَّمات (﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾) على مضطرٍّ مثله تاركٍ لمواساته (﴿وَلَا عَادٍ﴾) متجاوزٍ قدرَ حاجتهِ من تناوله (﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]) لا يؤاخذه، وسقط لأبي ذرٍّ وابن عساكرَ من قوله: «﴿طَاعِمٍ﴾ … » إلى آخره، وقالا (١) بعد قوله: ﴿مُحَرَّمًا﴾: «إلى ﴿أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا﴾».
(قَالَ (٢) ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا وصله الطَّبريُّ في تفسير ﴿مَّسْفُوحًا﴾ أي: (مُهَرَاقًا. وَقَالَ) جلَّ وعلا: (﴿فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ﴾) على يدي (٣) محمَّدٍ ﷺ (﴿حَلالاً طَيِّبًا﴾) بدلًا عمَّا (٤) كنتُم تأكلونه حرامًا خبيثًا من الأموال المأخوذةِ بالغاراتِ والغصوبِ وخبائثِ الكسوب (﴿وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ. إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾) وهي: ما فارقه الرُّوح من غير ذكاة ممَّا يذبح (﴿وَالْدَّمَ﴾) السَّائل (﴿وَلَحْمَ الْخَنزِيرِ﴾) بجميعِ أجزائه (﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ﴾) ذبح للأصنامِ فذكرَ عليه غير اسمِ الله (﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٤ - ١١٥]) وسقط قوله: «﴿وَاشْكُرُواْ﴾» إلى آخر قولهِ: «﴿لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ﴾» (٥) وهذه آية النَّحل، وثبتتْ هنا لكريمة (٦)، ولم يذكر المؤلِّف في هذا الباب حديثًا اكتفاء بالنُّصوص القرآنيَّة، أو بيَّض له ليجد حديثًا على شرطهِ فيثبته فيه فلم يجدْه، والله ﷾ أعلم بالصَّواب.
((٧٣)) (بسم الله الرحمن الرحيم. كِتَابُ الأَضَاحِي) بفتح الهمزة، جمع أُضحية -بضمها وتكسر مع تخفيف الياء وتشديدها وتحذف فتفتح الضاد وتكسر- اسم لما يُذبح من النَّعم تقرُّبًا إلى الله تعالى من يوم العيد إلى آخر أيام التَّشريق. قال عياض: سمِّيت بذلك لأنَّها تفعل في الضُّحى وهو ارتفاع النَّهار (١) فسمِّيت بزمن فعلها.
(١) (بابُ سُنَّةِ الأُضْحِيَّةِ) من إضافة الصِّفة إلى الموصوفِ (٢)، ولابنِ عساكرَ في نسخة: «الأضحية سنَّة» (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄ فيما وصله حمَّاد بن سلمة في «مصنفه» بسند جيِّدٍ: (هِيَ سُنَّةٌ وَمَعْرُوفٌ) بين النَّاس إذا رأوهُ لا ينكرونه، والجمهورُ أنَّها سنَّةٌ مؤكَّدة على الكفايةِ، وفي وجهٍ للشَّافعيَّة أنَّها من فروض الكفاية، وقال صاحب «الهداية» من السَّادة الحنفيَّة: واجبةٌ على كلِّ مسلمٍ مقيمٍ موسرٍ في يوم الأضحى عن نفسهِ وعن ولدهِ الصِّغار، أمَّا الوجوب فقول أبي حنيفة ومحمَّد وزفر والحسن وإحدى الرِّوايتين عن أبي يوسف، وقال الشَّيخ خليل من المالكيَّة: المشهور أنَّها سنَّة، وقال المرداويُّ من الحنابلة: وتسنُّ التَّضحية لمسلمٍ ولو مكاتبًا بإذن سيِّده إلَّا النَّبي ﷺ فكانت واجبةً عليه. قال ابنُ حجر: وأقربُ ما يتمسَّك به للوجوب حديث أبي هريرة رفعه: «من وجد سعةً فلم يضحِّ فلا يقرَبَنَّ مصلَّانا» أخرجه ابن ماجه ورجاله ثقاتٌ، لكنه اختُلف في رفعهِ ووقفه، والموقوفُ أشبهُ بالصَّواب -قاله الطَّحاويُّ وغيره- ومع ذلك فليس صريحًا في الإيجاب.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لِخَبَرِ رَافِعٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ
٥٥٤٤ - حَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَنَدَّ بَعِيرٌ مِنْ الْإِبِلِ، قَالَ: فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ، قَالَ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ لَهَا أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا. قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَكُونُ فِي الْمَغَازِي وَالْأَسْفَارِ، فَنُرِيدُ أَنْ نَذْبَحَ فَلَا تَكُونُ مُدًى. قَالَ: أَرِنْ. مَا نَهَرَ - أَوْ أَنْهَرَ - الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُلْ، غَيْرَ السِّنِّ وَالظُّفُرِ، فَإِنَّ السِّنَّ عَظْمٌ، وَالظُّفُرَ مُدَى الْحَبَشَةِ.
قَوْلُهُ (بَابُ إِذَا نَدَّ بَعِيرٌ لِقَوْمٍ فَرَمَاهُ بَعْضُهُمْ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ فَأَرَادَ إِصْلَاحَهُمْ فَهُوَ جَائِزٌ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ إِصْلَاحَهُ وَلِكَرِيمَةَ صَلَاحَهُ بِغَيْرِ أَلِفٍ بِالْإِفْرَادِ أَيِ الْبَعِيرَ وَضَمِيرُ الْجَمْعِ لِلْقَوْمِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي الَّذِي قَبْلَهُ، وَمَضَى فِي بَابِ ذَبِيحَةِ الْمَرْأَةِ بَحْثٌ فِي خُصُوصِ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ أَوْ نَهَرَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي وَالصَّوَابُ أَنْهَرَ بِالْهَمْزِ، وَقَدْ أَلْزَمَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ التَّنَاقُضَ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ وَالَّتِي قَبْلَهَا. وَأَشَارَ إِلَى عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ، وَالْجَامِعُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُتَعَدٍّ بِالتَّذْكِيَةِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الَّذِينَ ذَبَحُوا فِي الْقِصَّةِ الْأُولَى ذَبَحُوا مَا لَمْ يُقْسَمْ لِيَخْتَصُّوا بِهِ فَعُوقِبُوا بِحِرْمَانِهِ إِذْ ذَاكَ حَتَّى يُقْسَمَ، وَالَّذِي رَمَى الْبَعِيرَ أَرَادَ إِبْقَاءَ مَنْفَعَتِهِ لِمَالِكِهِ فَافْتَرَقَا. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: نَبَّهَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ عَلَى أَنَّ ذَبْحَ غَيْرِ الْمَالِكِ إِذَا كَانَ بِطَرِيقِ التَّعَدِّي كَمَا فِي الْقِصَّةِ الْأُولَى فَاسِدٌ، وَأَنَّ ذَبْحَ غَيْرِ الْمَالِكِ إِذَا كَانَ بِطَرِيقِ الْإِصْلَاحِ لِلْمَالِكِ خَشْيَةَ أَنْ تَفُوتَ عَلَيْهِ الْمَنْفَعَةُ لَيْسَ بِفَاسِدٍ.
٣٨ - بَاب إِذَا أَكَلَ الْمُضْطَرُّ لِقَوْلِه تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ وَقَالَ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾ وَقَوْلِهِ ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ * وَمَا لَكُمْ أَلا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ وَقَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا ﴿لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وَقَالَ ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
قَوْلُهُ (بَابُ إِذَا أَكَلَ الْمُضْطَرُّ) أَيْ مِنَ الْمَيْتَةِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ فِي مَوْضِعَيْنِ:
أَحَدُهُمَا:
فِي الْحَالَةِ الَّتِي يَصِحُّ الْوَصْفُ بِالِاضْطِرَارِ فِيهَا لِيُبَاحَ الْأَكْلُ.
وَالثَّانِي: فِي مِقْدَارِ مَا يُؤْكَلُ.
فَأَمَّا الْأَوَّلُ: فَهُوَ أَنْ يَصِلَ بِهِ الْجُوعُ إِلَى حَدِّ الْهَلَاكِ أَوْ إِلَى مَرَضٍ يُفْضِي إِلَيْهِ، هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَعَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ تَحْدِيدُ ذَلِكَ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ فِي الْمَيْتَةَ سُمِّيَّةً شَدِيدَةً فَلَوْ أَكَلَهَا ابْتِدَاءً لَأَهْلَكَتْهُ، فَشُرِعَ لَهُ أَنْ يَجُوعَ لِيَصِيرَ فِي بَدَنِهِ بِالْجُوعِ سُمِّيَّةٌ أَشَدُّ مِنْ سُمِّيَّةِ الْمَيْتَةِ فَإِذَا أَكَلَ مِنْهَا حِينَئِذٍ لَا يَتَضَرَّرُ اهـ، وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ حَسَنٌ بَالِغٌ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَذَكَرَهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾ وَقَدْ فَسَّرَهُ قَتَادَةُ بِالْمُتَعَدِّي وَهُوَ تَفْسِيرُ مَعْنًى، وَقَالَ غَيْرُهُ الْإِثْمُ أَنْ يَأْكُلَ فَوْقَ سَدِّ الرَّمَقِ، وَقِيلَ فَوْقَ الْعَادَةِ وَهُوَ الرَّاجِحُ لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ. ثُمَّ مَحِلُّ جَوَازِ الشِّبَعِ أَنْ لَا يَتَوَقَّعَ غَيْرَ الْمَيْتَةِ عَنْ قُرْبٍ، فَإِنْ تَوَقَّعَ امْتَنَعَ إِنْ قَوِيَ عَلَى الْجُوعِ إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ، وَذَكَرَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشِّبَعِ مَا يَنْتَفِي الْجُوعُ لَا الِامْتِلَاءُ حَتَّى لَا يَبْقَى لِطَعَامٍ آخَرَ مَسَاغٌ فَإِنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ. وَاسْتَشْكَلَ بِمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ الْعَنْبَرِ حَيْثُ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ فَكُلُوا، قَالَ فَأَكَلْنَا حَتَّى سَمِنَّا وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ مَبْسُوطًا.
قَوْلُهُ (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ مَا حُذِفَ، وَقَوْلُهُ ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ أَيْ فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ، وَجَعَلَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْبَغْيِ الْعِصْيَانَ فَمَنَعُوا الْعَاصِيَ بِسَفَرِهِ أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ وَقَالُوا: طَرِيقُهُ أَنْ يَتُوبَ ثُمَّ يَأْكُلَ، وَجَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ (وَقَالَ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ أَيْ مَجَاعَةٍ ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ﴾ أَيْ مَائِلٍ.
قَوْلُهُ (وَقَوْلُهُ ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ زَادَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَةَ الَّتِي بَعْدَهَا إِلَى قَوْلِهِ ﴿مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ وَفِيهِ نُسْخَةٌ إلَى بِالْمُعْتَدِينَ وَبِهِ تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ ذِكْرِ ذَلِكَ هُنَا، وَإِطْلَاقُ الِاضْطِرَارِ هُنَا تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ أَجَازَ أَكْلَ الْمَيْتَةِ لِلْعَاصِي وَحَمَلَ الْجُمْهُورُ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي الْآيَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ.
قَوْلُهُ (وَقَوْلُهُ جَلَّ وَعَلَا: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ سَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وَبِذَلِكَ يَظْهَرُ أَيْضًا وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾.
قَوْلُهُ (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُهْرَاقًا) أَيْ فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْمَسْفُوحَ بِالْمُهْرَاقِ، وَهُوَ مَوْصُولٌ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ.
قَوْلُهُ (وَقَوْلُهُ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا﴾ كَذَا ثَبَتَ هُنَا لِكَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيِّ وَسَقَطَ لِلْبَاقِينَ، وَسَاقَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ إِلَى قَوْلِهِ ﴿خِنْزِيرٍ﴾ ثُمَّ قَالَ إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ وَغَيْرُهُ: عَقَدَ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ لِلتَّرْجَمَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا حَدِيثًا إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الَّذِي وَرَدَ فِيهَا لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ عَلَى شَرْطِهِ، فَاكْتَفَى بِمَا سَاقَ فِيهَا مِنَ الْآيَاتِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بُيِّضَ فَانْضَمَّ بَعْضُ ذَلِكَ إِلَى بَعْضٍ عِنْدَ تَبْيِيضِ الْكِتَابِ. قُلْتُ: وَالثَّانِي أَوْجَهُ، وَاللَّائِقُ بِهَذَا الْبَابِ عَلَى شَرْطِهِ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ الْعَنْبَرِ، فَلَعَلَّهُ قَصَدَ أَنْ يَذْكُرَ لَهُ طَرِيقًا أُخْرَى.
خَاتِمَةٌ:
اشْتَمَلَ كِتَابُ الذَّبَائِحِ وَالصَّيْدِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى ثَلَاثَةٍ وَتِسْعِينَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا أَحَدٌ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى تِسْعَةٌ وَسَبْعُونَ حَدِيثًا، وَالْخَالِصُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي النَّهْيِ عَنْ أَنْ تُصْبَرَ الْبَهِيمَةُ، وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ، وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فِي النَّهْيِ عَنِ الْمُثْلَةِ، وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو فِي الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي النَّهْيِ عَنْ ضَرْبِ الصُّورَةِ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ أَرْبَعَةٌ وَأَرْبَعُونَ أَثَرًا، وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
تَمَّ الْجُزْءُ التَّاسِعُ وَيَلِيهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ الْجُزْءُ الْعَاشِرُ وَأَوَّلُهُ (كِتَابُ الْأَضَاحِي) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَوَّلًا وَآخِرًا.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(أَوَابِدَ) بالهمزة المفتوحة والواو، وبعد الألف موحدة فدال مهملة (كَأَوَابِدِ الوَحْشِ) أي: نفارًا كنِفارِ الوحش (فَمَا فَعَلَ مِنْهَا هَذَا) الفعل، وهو النِّفار ولم تقدروا عليه (فَافْعَلُوا) به (مِثْلَ هَذَا) وكلوهُ، فإنَّه له ذَكاة.
(٣٧) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا نَدَّ) أي: نفر هاربًا (بَعِيرٌ) كائن (لِقَوْمٍ، فَرَمَاهُ بَعْضُهُمْ بِسَهْمٍ) ليحبسه (٢) (فَقَتَلَهُ، فَأَرَادَ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «وأراد» (صَلَاحَهُمْ) أي: صلاحَ القوم أصحاب البعير لا إفساده (٣) عليهم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «صلاحه» بالإفراد، أي: صلاحَ البعير، وكلاهما بغير همز (٤). وفي «الفتح»: «إصلاحهم» و «إصلاحهُ» بالهمزةِ فيهما، ونسب تركَها لكريمةَ، والَّذي في «اليونينيَّة»: «إصلاحهم» بالهمزة (فَهْوَ) أي: ذلك الفعل (جَائِزٌ) أكلًا ولا يلزمه بقتلهِ شيءٌ (لِخَبَرِ رَافِعٍ) الآتي (٥) (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ).
٥٥٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثَني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) وسقط لفظ «محمَّد» لغير أبي ذرٍّ قال: (أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ) بضم العين فيهما من غير إضافة الثَّاني (٦) (الطُّنَافِسِيُّ)
بضم الطاء المهملة، وبفتحها في «اليونينيَّة» وكسر الفاء، نسبةً إلى بيع الطَّنافس، أو (١) اتِّخاذها، بُسُطٌ لها خملٌ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ) والد سفيان الثَّوريِّ (عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ) ولابن عساكرَ: «ابن رافع» فنسبُه إلى جدِّه (٢) (عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁) سقط «بن خديج» لأبي ذرٍّ، أنَّه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ) بذي الحليفة من تهامة بالقرب من ذات عرق بين الطَّائف ومكَّة، كما مرَّ في «باب التَّسمية» [خ¦٥٤٩٨] (فَنَدَّ بَعِيرٌ مِنَ الإِبِلِ) لقوم (قَالَ: فَرَمَاهُ رَجُلٌ) لم أعرف اسمه (بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ) ﷺ: (إِنَّ لَهَا) أي: للإبل (٣) (أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الوَحْشِ) نفراتٍ كنفراتها (فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا) فإنَّه له ذكاة (قَالَ) رافع: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَكُونُ فِي المَغَازِي وَالأَسْفَارِ فَنُرِيدُ أَنْ نَذْبَحَ فَلَا يكُونُ) معنا (مُدًى) جمع مُدية، سكِّين نذبح (٤) بها (قَالَ) ﷺ: (أَرِنْ) بهمزة مفتوحة فراء مكسورة فنون ساكنة، أي: أهلك الَّذي تذبحه، ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «أرِني» بكسر الراء وإسكانها (٥) وبعد النون تحتية، أي: انظر (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ) بالهمزة (٦) (-أَوْ) قال: (نَهَرَ-) بغير همزٍ، والصَّواب بالهمز، والشَّكُّ من الرَّاوي، ولغير أبي ذرٍّ: «ما نهرَ أو ما أنهر الدَّم» (٧) (وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ) عليه (فَكُلْ، غَيْرَ السِّنِّ وَالظُّفُرِ، فَإِنَّ السِّنَّ عَظْمٌ، وَالظُّفُرَ مُدَى الحَبَشَةِ) فيه: أنَّ ذبحَ غير المالك إذا وقعَ بطريقِ الإصلاح للمالكِ خشيةَ أن تفوتَ عليه المنفعة ليس بفاسدٍ، قاله ابنُ المنيِّر.
والحديث قد مرَّ في «باب ما ندَّ من البهائم» [خ¦٥٥٠٩].
(٣٨) (بابُ) جوازِ (١) (أَكْلِ المُضْطَرِّ) من الميتة (لِقَوْلِهِ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: «إذا أكل المضْطَر لقول الله تعالى»: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ﴾) أمر إباحة (﴿مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾) من مستلذَّاته، أو من حلالاتهِ (﴿وَاشْكُرُواْ لِلّهِ﴾) الَّذي رزقكموها (﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾) إن صحَّ أنَّكم تخصُّونه بالعبادة وتقرُّون أنَّه مُولي النِّعم، ثمَّ بيَّن المحرم فقال: (﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾) وهي كلُّ ما فارقه الرُّوح من غير ذكاةٍ ممَّا يذبحُ، وإنَّما لإثباتِ المذكور، ونفي (٢) ما عداه، أي: ما حرَّم عليكم إلَّا الميتة (﴿وَالدَّمَ﴾) يعني: السَّائل، وقد حلَّت (٣) الميتتانِ والدَّمان بالحديث (﴿وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ﴾) يعني: الخنزير بجميع أجزائه، وخصَّ اللَّحم؛ لأنَّه مقصودٌ بالأكل (﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ﴾) أي: ذبح للأصنام (﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾) ألجئ (﴿غَيْرَ﴾) حال، أي: فأكل غير (﴿بَاغٍ﴾) للذَّةٍ وشهوةٍ (﴿وَلَا عَادٍ﴾) متعدٍّ مقدار الحاجة (﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٢ - ١٧٣]) أي: فيباح له قدر ما يقعُ به القوام، وتبقى معه الحياة دون ما فيه حصول الشِّبع لأنَّ الإباحة للاضطرارِ فيتقدَّرُ بقدرِ ما يندفعُ به الضَّرر، والأصحُّ أنَّه يلزمه الأكل، فإن توقَّع حلالًا على (٤) قربٍ لم يجزْ غير سدِّ الرَّمق، وإن لم يتوقَّع الحلال فقيل: يجوزُ له الشِّبع والأَظهر سدُّ الرَّمق فقط إلَّا أن يخافَ تلفًا إن اقتصرَ عليه، فيجبُ عليه أن يشبعَ، وله أكل آدميٍّ ميِّت، وقتل
مرتدٍّ وحربيٍّ بالغٍ وأكلهما لأنَّهما غير معصومين، وحدُّ الاضطرارِ أن يصلَ به الجوع إلى حدِّ الإهلاكِ، أو إلى مرضٍ يفضِي إليه، وهذا قولُ الجمهور. قال سيِّدي عبد الله بنُ أبي جمرة -نفعني الله ببركاته-: الحكمة في ذلك أنَّ في الميتة سُمِّية شديدة، فلو أكلها ابتداء لأهلكتْه فشرعَ له أن يجوعَ ليصير في بدنهِ بالجوعِ سُمِّية هي أشدُّ من سُمِّية الميتة (١)، فإذا أكل منها حينئذٍ لا يتضرَّر. قال في «الفتح»: وهذا إن ثبتَ حسنٌ بالغٌ في الحسن. وسقط (٢) قوله: «﴿وَاشْكُرُواْ﴾ … » إلى آخره، في رواية أبي ذرٍّ، وقال بعد: ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾: «إلى ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾».
(وَقَالَ) تعالى: (﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾) متَّصلٌ بذكر المحرَّمات المذكوراتِ قبل، أي: فمن اضْطُر إلى الميتة، أو إلى غيرها (﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾) مجاعةٍ (﴿غَيْرَ﴾) حال (﴿مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ﴾) مائل إلى إثم، أي: غير متجاوزٍ سدَّ (٣) الرَّمق (﴿فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ﴾) لا يؤاخذه (٤) بذلك (﴿رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣]) بإباحة المحظور للمعذورِ.
(وَقَوْلُِهُ) بالجرِّ عطفًا على المجرور السَّابق، أو بالرَّفع على الاستئناف: (﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ﴾) دون (٥) ما ذكر عليه اسم غيره من آلهتكم (﴿إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ. وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ﴾) «ما» استفهاميَّة في موضع رفع بالابتداءِ ولكم الخبر، أي: وأيُّ غرضٍ لكم في أن لا تأكلوا (﴿مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم﴾) بُيِّن لكم (﴿مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾) ممَّا لم يحرَّم بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] (﴿إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾) ممَّا حرِّم عليكم فإنَّه حلالٌ لكم في حال الضَّرورة، أي: شدَّة المجاعةِ إلى أكله (﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾) أي: يضلُّون فيحرِّمون ويحلِّلون
بأهوائهم وشَهَواتهم من غير تعلُّق بشريعةٍ (﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٨ - ١١٩]) بالمجاوزين من (١) الحقِّ إلى الباطلِ، وسقط من قوله: «﴿مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ﴾ … » إلى آخره لابنِ عساكرَ، وقال بعد قوله: ﴿تَأْكُلُواْ﴾: «الآية». وسقط لأبي ذرٍّ من قوله: «﴿وَمَا لَكُمْ﴾» إلى آخر «﴿بِالْمُعْتَدِينَ﴾».
(وَقَوْلُهُ (٢) جَلَّ وَعَلَا: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾) أي: آكل يأكلُه، ومحرَّمًا نصبُ صفةٍ لموصوفٍ محذوفٍ، حُذِفَ لدَلالة قوله: على طاعمٍ يطعمُه، أي: لا أجدُ طعامًا محرَّمًا. وعلى طاعِمٍ متعلِّقٌ بـ «محرَّمًا»، ويطعَمُه في موضع جرٍّ صفةً لطاعمٍ (﴿إِلاَّ أَن يَكُونَ﴾) ذلك المحرَّم، وقدَّره أبو البقاء ومكِّي وغيرهما: إلَّا أن يكون المأكولُ أو ذلك (﴿مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا﴾) صفة لدم، والسَّفح: الصَّبُّ، وهو ما خرج من الحيوانات وهي أحياءٌ، أو من الأوداجِ عند الذَّبح، فلا يدخلُ الكبد والطحال لأنَّهما جامدان، وقد جاء الشَّرع بإباحتهمَا، ولا ما اختلطَ باللَّحم من الدَّم لأنَّه غير سائلٍ (﴿أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾) نجسٌ حرامٌ، والهاء في ﴿فَإِنَّهُ﴾ الظَّاهر عودُها على لحم المضاف لخنزيرٍ. وقال ابنُ حزمٍ: على خنزير لأنَّه أقربُ مذكورٍ، ورُجِّحَ الأوَّل بأنَّ اللَّحم هو المحدث عنه، والخنزيرُ جاء بعرَضيَّة (٣) الإضافة إليه، ألا ترى أنَّك إذا قلت: رأيت غلامَ زيدٍ فأكرمته، أنَّ الهاء تعودُ على الغلام لأنَّه المحدث عنه المقصود بالإخبارِ عنه لا على زيدٍ لأنَّه غير مقصودٍ، ورُجِّحَ الثَّاني بأنَّ التَّحريم المضاف للخنزيرِ ليس مختصًّا بلحمهِ بل بشحمهِ (٤) وشعره وعظمه كذلك، فإذا أعدنا الضَّمير على خنزيرٍ كان وافيًا بهذا المقصود، وإذا أعدناهُ على لحمٍ لم يكنْ في الآية تعرُّضٌ لتحريمِ ما عدا اللَّحم ممَّا (٥) ذكر.
وأُجيب بأنَّه إنَّما ذكر اللَّحم دون غيره -وإن كان غيره مقصودًا بالتَّحريم- لأنَّه أهمُّ ما فيه وأكثرُ ما يقصد فيه اللَّحم كغيره من الحيوانات، وعلى هذا فلا مفهوم لتخصيصِ اللَّحم
بالذِّكر، ولو سلِّم فإنَّه يكون من باب مفهومِ اللَّقب وهو ضعيفٌ جدًّا، وقوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ إمَّا على المبالغةِ بأن جعل نفس الرِّجس، أو على حذف مضاف (﴿أَوْ فِسْقًا﴾) عطفٌ على المنصوب السَّابق، وقوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ اعتراضٌ بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه (﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ﴾) في موضعِ نصب صفة لفسقًا، أي: رفع الصَّوت على ذبحهِ باسم غيرِ اسم الله، وسُمِّي بالفسقِ لتوغُّله في باب الفسق (﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾) فمن دعته الضَّرورة إلى أكلِ شيءٍ من هذه المحرَّمات (﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾) على مضطرٍّ مثله تاركٍ لمواساته (﴿وَلَا عَادٍ﴾) متجاوزٍ قدرَ حاجتهِ من تناوله (﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]) لا يؤاخذه، وسقط لأبي ذرٍّ وابن عساكرَ من قوله: «﴿طَاعِمٍ﴾ … » إلى آخره، وقالا (١) بعد قوله: ﴿مُحَرَّمًا﴾: «إلى ﴿أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا﴾».
(قَالَ (٢) ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا وصله الطَّبريُّ في تفسير ﴿مَّسْفُوحًا﴾ أي: (مُهَرَاقًا. وَقَالَ) جلَّ وعلا: (﴿فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ﴾) على يدي (٣) محمَّدٍ ﷺ (﴿حَلالاً طَيِّبًا﴾) بدلًا عمَّا (٤) كنتُم تأكلونه حرامًا خبيثًا من الأموال المأخوذةِ بالغاراتِ والغصوبِ وخبائثِ الكسوب (﴿وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ. إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾) وهي: ما فارقه الرُّوح من غير ذكاة ممَّا يذبح (﴿وَالْدَّمَ﴾) السَّائل (﴿وَلَحْمَ الْخَنزِيرِ﴾) بجميعِ أجزائه (﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ﴾) ذبح للأصنامِ فذكرَ عليه غير اسمِ الله (﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٤ - ١١٥]) وسقط قوله: «﴿وَاشْكُرُواْ﴾» إلى آخر قولهِ: «﴿لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ﴾» (٥) وهذه آية النَّحل، وثبتتْ هنا لكريمة (٦)، ولم يذكر المؤلِّف في هذا الباب حديثًا اكتفاء بالنُّصوص القرآنيَّة، أو بيَّض له ليجد حديثًا على شرطهِ فيثبته فيه فلم يجدْه، والله ﷾ أعلم بالصَّواب.
((٧٣)) (بسم الله الرحمن الرحيم. كِتَابُ الأَضَاحِي) بفتح الهمزة، جمع أُضحية -بضمها وتكسر مع تخفيف الياء وتشديدها وتحذف فتفتح الضاد وتكسر- اسم لما يُذبح من النَّعم تقرُّبًا إلى الله تعالى من يوم العيد إلى آخر أيام التَّشريق. قال عياض: سمِّيت بذلك لأنَّها تفعل في الضُّحى وهو ارتفاع النَّهار (١) فسمِّيت بزمن فعلها.
(١) (بابُ سُنَّةِ الأُضْحِيَّةِ) من إضافة الصِّفة إلى الموصوفِ (٢)، ولابنِ عساكرَ في نسخة: «الأضحية سنَّة» (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄ فيما وصله حمَّاد بن سلمة في «مصنفه» بسند جيِّدٍ: (هِيَ سُنَّةٌ وَمَعْرُوفٌ) بين النَّاس إذا رأوهُ لا ينكرونه، والجمهورُ أنَّها سنَّةٌ مؤكَّدة على الكفايةِ، وفي وجهٍ للشَّافعيَّة أنَّها من فروض الكفاية، وقال صاحب «الهداية» من السَّادة الحنفيَّة: واجبةٌ على كلِّ مسلمٍ مقيمٍ موسرٍ في يوم الأضحى عن نفسهِ وعن ولدهِ الصِّغار، أمَّا الوجوب فقول أبي حنيفة ومحمَّد وزفر والحسن وإحدى الرِّوايتين عن أبي يوسف، وقال الشَّيخ خليل من المالكيَّة: المشهور أنَّها سنَّة، وقال المرداويُّ من الحنابلة: وتسنُّ التَّضحية لمسلمٍ ولو مكاتبًا بإذن سيِّده إلَّا النَّبي ﷺ فكانت واجبةً عليه. قال ابنُ حجر: وأقربُ ما يتمسَّك به للوجوب حديث أبي هريرة رفعه: «من وجد سعةً فلم يضحِّ فلا يقرَبَنَّ مصلَّانا» أخرجه ابن ماجه ورجاله ثقاتٌ، لكنه اختُلف في رفعهِ ووقفه، والموقوفُ أشبهُ بالصَّواب -قاله الطَّحاويُّ وغيره- ومع ذلك فليس صريحًا في الإيجاب.