الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٥٧
الحديث رقم ٥٥٧ من كتاب «كتاب مواقيت الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٥٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ.
[الحديث ٥٥٦ - طرفاه في: ٥٨٠، ٥٧٩]
٥٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأُوَيْسِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنْ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ ثُمَّ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا ثُمَّ أُوتِينَا الْقُرْآنَ فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ أَيْ رَبَّنَا أَعْطَيْتَ هَؤُلَاءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا قَالَ قَالَ اللَّهُ ﷿ هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَا قَالَ فَهُوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ"
[الحديث ٥٥٧ - أطرافه في: ٧٥٣٣، ٧٤٦٧، ٥٠٢١، ٣٤٥٩، ٢٢٦٩، ٢٢٦٨]
٥٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا إِلَى اللَّيْلِ، فَعَمِلُوا إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ، فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ، فَاسْتَأْجَرَ آخَرِينَ، فَقَالَ: أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ وَلَكُمْ الَّذِي شَرَطْتُ. فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا كَانَ حِينَ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَالُوا: لَكَ مَا عَمِلْنَا. فَاسْتَأْجَرَ قَوْمًا فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ، وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الْفَرِيقَيْنِ.
[الحديث ٥٥٨ - طرفه في: ٢٢٧١]
قَوْلُهُ (مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ الْغُرُوبِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ تَفْسِيرَ الْحَدِيثِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ فِيهِ سَجْدَةً أَيْ رَكْعَةً. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ شَيْبَانَ بِلَفْظِ: مَنْ أَدْرَكَ مِنْكُمْ رَكْعَةً فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْأَلْفَاظِ وَقَعَ مِنَ الرُّوَاةِ، وَسَتَأْتِي رِوَايَةُ مَالِكٍ فِي أَبْوَابِ وَقْتِ الصُّبْحِ بِلَفْظِ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى رَاوِيهَا فِي ذَلِكَ فَكَانَ عَلَيْهَا الِاعْتِمَادُ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُرَادُ بِالسَّجْدَةِ الرَّكْعَةُ بِرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا، وَالرَّكْعَةُ إِنَّمَا يَكُونُ تَمَامُهَا بِسُجُودِهَا فَسُمِّيَتْ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى سَجْدَةً. انْتَهَى.
وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْحُسَيْنِ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ وَهُوَ أَبُو نُعَيْمٍ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِلَفْظِ: إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ أَوَّلَ سَجْدَةٍ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَإِنَّمَا لَمْ يَأْتِ الْمُصَنِّفُ في التَّرْجَمَةِ بِجَوَابِ الشَّرْطِ لِمَا فِي لَفْظِ الْمَتْنِ الَّذِي أَوْرَدَهُ مِنَ الِاحْتِمَالِ وَهُوَ قَوْلُهُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِتْمَامِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَا يُتِمُّهُ أَدَاءً أَوْ قَضَاءً، فَحُذِفَ جَوَابُ الشَّرْطِ لِذَلِكَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَنْ فِي التَّرْجَمَةِ مَوْصُولَةٌ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: بَابُ حُكْمِ مَنْ أَدْرَكَ إِلَخْ، لَكِنْ سَيَأْتِي مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ بِلَفْظِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ أَدَاءً، وَسَتَأْتِي مَبَاحِثُهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ".
قَوْله:
(إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ) ظَاهِرُهُ أَنَّ بَقَاءَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَقَعَ فِي زَمَانِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ الْمُرَادُ قَطْعًا، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّ نِسْبَةَ مُدَّةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَى مُدَّةِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأُمَمِ مِثْلُ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَغُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى بَقِيَّةِ النَّهَارِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا سَلَفَ إِلَخْ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ فِي بِمَعْنَى إِلَى، وَحُذِفَ الْمُضَافُ وَهُوَ لَفْظُ نِسْبَةٌ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ وَكَذَا حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْآتِي بَعْدَهُ فِي أَبْوَابِ الْإِجَارَةِ، وَيَقَعُ اسْتِيفَاءُ الْكَلَامِ عَلَيْهِمَا هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْغَرَضُ هُنَا بَيَانُ مُطَابَقَتِهِمَا لِلتَّرْجَمَةِ وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَ مَا ظَاهِرُهُ الِاخْتِلَافُ مِنْهُمَا.
قَوْلُهُ: (أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ) ظَاهِرُهُ أَنَّ هَذَا كَالشَّرْحِ وَالْبَيَانِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَقْدِيرِ مُدَّةِ الزَّمَانَيْنِ، وَقَدْ زَادَ الْمُصَنِّفُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ هُنَا وَأَنَّ مَثَلَكُمْ وَمَثَلَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى إِلَخْ وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ.
قَوْله: (قِيرَاطًا قِيرَاطًا) كَرَّرَ قِيرَاطًا لِيَدُلَّ عَلَى تَقْسِيمِ الْقَرَارِيطِ عَلَى الْعُمَّالِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ إِذَا أَرَادَتْ تَقْسِيمَ الشَّيْءِ عَلَى مُتَعَدِّدٍ كَرَّرَتْهُ كَمَا يُقَالُ: اقْسِمْ هَذَا الْمَالَ عَلَى بَنِي فُلَانٍ دِرْهَمًا دِرْهَمًا، لِكُلِّ وَاحِدٍ دِرْهَمٌ.
قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ (عَجَزُوا) قَالَ الدَّاوُدِيُّ: هَذَا مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ مُسْلِمًا فَلَا يُوصَفُ بِالْعَجْزِ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ مَا أُمِرَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مَنْ مَاتَ بَعْدَ التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ فَكَيْفَ يُعْطَى الْقِيرَاطُ مَنْ حَبِطَ عَمَلُهُ بِكُفْرِهِ؟ وَأَوْرَدَهُ ابْنُ التِّينِ قَائِلًا: قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَمْ يَنْفَصِلْ عَنْهُ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ مُسْلِمًا قَبْلَ التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ، وَعَبَّرَ بِالْعَجْزِ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَسْتَوْفُوا عَمَلَ النَّهَارِ كُلِّهِ وَإِنْ كَانُوا قَدِ اسْتَوْفَوْا عَمَلَ مَا قُدِّرَ لَهُمْ، فَقَوْلُهُ: عَجَزُوا أَيْ عَنْ إِحْرَازِ الْأَجْرِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ، لَكِنْ مَنْ أَدْرَكَ مِنْهُمُ النَّبِيَّ ﷺ وَآمَنَ بِهِ أُعْطِيَ الْأَجْرَ مَرَّتَيْنِ كَمَا سَبَقَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ. قَالَ الْمُهَلَّبُ مَا مَعْنَاهُ: أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ وَحَدِيثَ أَبِي مُوسَى فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَسْتَحِقُّ بِعَمَلِ الْبَعْضِ أَجْرَ الْكُلِّ، مِثْلُ الَّذِي أُعْطِيَ مِنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ أَجْرَ النَّهَارِ كُلِّهِ، فَهُوَ نَظِيرُ مَنْ يُعْطَى أَجْرَ الصَّلَاةِ كُلِّهَا وَلَوْ لَمْ يُدْرِكْ إِلَّا رَكْعَةً، وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُطَابَقَةُ الْحَدِيثَيْنِ لِلتَّرْجَمَةِ.
قُلْتُ: وَتَكْمِلَةُ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ إِنَّ فَضْلَ اللَّهِ الَّذِي أَقَامَ بِهِ عَمَلُ رُبْعِ النَّهَارِ مُقَامَ عَمَلِ النَّهَارِ كُلِّهِ هُوَ الَّذِي اقْتَضَى أَنْ يَقُومَ إِدْرَاكُ الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ مِنَ الصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ الَّتِي هِيَ الْعَصْرُ مَقَامَ إِدْرَاكِ الْأَرْبَعِ فِي الْوَقْتِ، فَاشْتَرَكَا فِي كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا رُبْعَ الْعَمَلِ، وَحَصَلَ بِهَذَا التَّقْرِيرِ الْجَوَابُ عَمَّنِ اسْتَشْكَلَ وُقُوعَ الْجَمِيعِ أَدَاءً مَعَ أَنَّ الْأَكْثَرَ إِنَّمَا وَقَعَ خَارِجَ الْوَقْتِ، فَيُقَالُ فِي هَذَا مَا أُجِيبَ بِهِ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾
وَقَدِ اسْتَبْعَدَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ كَلَامَ الْمُهَلَّبِ ثُمَّ قَالَ: هُوَ مُنْفَكٌّ عَنْ مَحَلِّ الِاسْتِدْلَالِ، لِأَنَّ الْأُمَّةَ عَمِلَتْ آخِرَ النَّهَارِ فَكَانَ أَفْضَلَ مِنْ عَمَلِ الْمُتَقَدِّمِينَ قَبْلَهَا، وَلَا خِلَافَ أَنَّ تَقْدِيمَ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِنْ تَأْخِيرِهَا. ثُمَّ هُوَ مِنَ الْخُصُوصِيَّاتِ الَّتِي لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ صِيَامَ آخِرِ النَّهَارِ لَا يُجْزِئُ عَنْ جُمْلَتِهِ، فَكَذَلِكَ سَائِرُ الْعِبَادَاتِ. قُلْتُ: فَاسْتَبْعَدَ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْمُهَلَّبِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ إِيقَاعَ الْعِبَادَةِ فِي آخِرِ وَقْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ إِيقَاعِهَا فِي أَوَّلِهِ. وَأَمَّا إِجْزَاءُ عَمَلِ الْبَعْضِ عَنِ الْكُلِّ فَمِنْ قَبِيلِ الْفَضْلِ، فَهُوَ كَالْخُصُوصِيَّةِ سَوَاءٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: يُسْتَنْبَطُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ وَقْتَ الْعَمَلِ مُمْتَدٌّ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَأَقْرَبُ الْأَعْمَالِ الْمَشْهُورَةِ بِهَذَا الْوَقْتِ صَلَاةُ الْعَصْرِ، قَالَ: فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الْإِشَارَةِ لَا مِنْ صَرِيحِ الْعِبَارَةِ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ مِثَالٌ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْعَمَلُ الْخَاصُّ بِهَذَا الْوَقْتِ، بَلْ هُوَ شَامِلٌ لِسَائِرِ الْأَعْمَالِ مِنَ الطَّاعَاتِ فِي بَقِيَّةِ الْإِمْهَالِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ. وَقَدْ قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إِنَّ الْأَحْكَامَ لَا تُؤْخَذُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تَأْتِي لِضَرْبِ الْأَمْثَالِ.
قُلْتُ: وَمَا أَبْدَاهُ مُنَاسِبٌ لِإِدْخَالِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَبْوَابِ أَوْقَاتِ الْعَصْرِ لَا لِخُصُوصِ التَّرْجَمَةِ وَهِيَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
نظرًا للتَّحقيق (١)، وقِيلَ: لا، نظرًا إلى الظَّاهر المستند إلى الحديث، وقوله: «فليتمَّ» جواب معنى الشَّرط المتضمِّن لـ «إذا» ولذا دخلت «الفاء».
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٥٧٩]، وكذا النَّسائيُّ ومسلمٌ وابن ماجه.
٥٥٧ - وبه قال: (حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) وللأَصيليِّ: «ابن عبد الله الأويسيُّ» بضمِّ الهمزة نسبةً إلى أويسٍ (٢) أحد أجداده (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (إِبْرَاهِيمُ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «ابن سعْدٍ» بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريُّ القرشيُّ المدنيُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عمر (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب ﵄ (أنَّه أَخْبَرَهُ: أنَّه سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا) أي: إنَّما بقاؤكم بالنِّسبة إلى ما (سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ) أجزاء وقت (صَلَاةِ العَصْرِ) المنتهية (إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتِيَ) بضمِّ أوَّله وكسر ثالثه، أي: أُعطِي (أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا) زاد أبو ذَرٍّ: «بها» أي: بالتَّوراة (حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا) عن استيفاء
عمل النَّهار كلِّه، من غير أن يكون لهم صنيعٌ (١) في ذلك، بل ماتوا قبل النَّسخ، وللأَصيليِّ: «ثمَّ عجزوا» (فَأُعْطُوا) أي: أُعطِي (٢) كلٌّ منهم (٣) أجره (قِيرَاطًا قِيرَاطًا) فالأوَّل مفعول «أعطى» الثَّاني، و «قيراطًا» الثَّاني تأكيدٌ، أوِ المعنى: أُعطُوا أجرهم حال كونه قيراطًا قيراطًا، فهو حالٌ،
و (١) المعنى: أُعطُوا الأجر متساويين، وانتصاب الثَّاني على التَّأكيد عند الزَّجَّاج وغيره (٢)، وتعقَّبه ابن هشامٍ بأنَّه غير صالحٍ للسُّقوط فلا تأكيد، وقال (٣) أبو حيَّان: الأَوْلى (٤) انتصابه بالعامل في الأوَّل لأنَّ المجموع هو (٥) الحال، وعند أبي الفتح: انتصاب الثَّاني بالوصف، وتُعقِّب بأنَّ معناه ولفظه كالموصوف، فإنَّه جامدٌ، و «القيراط»: نصف دانقٍ، والمراد به (٦) النَّصيب (ثمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا) من نصف النَّهار (إِلَى صَلَاةِ العَصْرِ، ثمَّ عَجَزُوا) عن العمل، أي: انقطعوا (فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثمَّ أُوتِينَا القُرْآنَ فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَقَالَ أَهْلُ الكِتَابَيْنِ) أي (٧): اليهود والنَّصارى، ولابن عساكر: «أهل الكتاب» بالإفراد على إرادة الجنس: (أَيْ) من حروف النِّداء، أي: يا (رَبَّنَا، أَعْطَيْتَ هَؤُلَاءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا) لأنَّ الوقت من الصُّبح إلى الظُّهر أكثر من وقت العصر إلى الغروب، لكنَّ قول النَّصارى لا يصحُّ إلَّا على مذهب أبي حنيفة: لأنَّ (٨) وقت العصر بصيرورة الظِّلِّ مثليه، أمَّا على (٩) مذهب صاحبيه والشَّافعيِّ بمصير الظِّلِّ مثله فمشكلٌ، ويمكن أن يُجابَ بأنَّ مجموع عمل الطَّائفتين أكثر وإن لم يكن عمل
أحدهما أكثر، أو إنَّه لا يلزم من كونهم أكثر عملًا أن يكون زمان عملهم أكثر لاحتمال كون العمل أكثر في الزَّمان الأقلِّ (قَالَ (١): قَالَ اللهُ ﷿: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ) أي: نقصتكم (مِنْ أَجْرِكُمْ) أي: الَّذي شرطته لكم (مِنْ شَيْءٍ؟ قَالُوا: لَا) لم تنقصنا من أجرنا شيئًا (قَالَ: فَهْوَ) أي: كلُّ ما أعطيته (٢) من الثَّواب (فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ) فإن قلت: ما وجهُ مطابَقة الحديث للتَّرجمة؟ أُجيب: من قوله: «إلى غروب الشَّمس» فإنَّه يدلُّ على أنَّ وقت العصر إلى غروب الشَّمس، وأنَّ من أدرك ركعةً من العصر قبل الغروب فقد أدرك العصر في وقتها فليتمَّ، ولا يخفى ما فيه من التَّعسُّف.
ورواة هذا الحديث الخمسة مدنيُّون (٣)، وفيه: التَّحديث والعنعنة والإخبار والقول والسَّماع، وتابعيٌّ عن تابعيٍّ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الإجارة إلى نصف النهار» [خ¦٢٢٦٨] وفي «باب فضل القرآن» [خ¦٥٠٢١] وفي «التَّوحيد» [خ¦٧٤٦٧] وفي «باب ذكر بني إسرائيل» [خ¦٣٤٥٩]، ومسلمٌ والتِّرمذيُّ.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ.
[الحديث ٥٥٦ - طرفاه في: ٥٨٠، ٥٧٩]
٥٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأُوَيْسِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنْ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ ثُمَّ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا ثُمَّ أُوتِينَا الْقُرْآنَ فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ أَيْ رَبَّنَا أَعْطَيْتَ هَؤُلَاءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا قَالَ قَالَ اللَّهُ ﷿ هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَا قَالَ فَهُوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ"
[الحديث ٥٥٧ - أطرافه في: ٧٥٣٣، ٧٤٦٧، ٥٠٢١، ٣٤٥٩، ٢٢٦٩، ٢٢٦٨]
٥٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا إِلَى اللَّيْلِ، فَعَمِلُوا إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ، فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ، فَاسْتَأْجَرَ آخَرِينَ، فَقَالَ: أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ وَلَكُمْ الَّذِي شَرَطْتُ. فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا كَانَ حِينَ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَالُوا: لَكَ مَا عَمِلْنَا. فَاسْتَأْجَرَ قَوْمًا فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ، وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الْفَرِيقَيْنِ.
[الحديث ٥٥٨ - طرفه في: ٢٢٧١]
قَوْلُهُ (مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ الْغُرُوبِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ تَفْسِيرَ الْحَدِيثِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ فِيهِ سَجْدَةً أَيْ رَكْعَةً. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ شَيْبَانَ بِلَفْظِ: مَنْ أَدْرَكَ مِنْكُمْ رَكْعَةً فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْأَلْفَاظِ وَقَعَ مِنَ الرُّوَاةِ، وَسَتَأْتِي رِوَايَةُ مَالِكٍ فِي أَبْوَابِ وَقْتِ الصُّبْحِ بِلَفْظِ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى رَاوِيهَا فِي ذَلِكَ فَكَانَ عَلَيْهَا الِاعْتِمَادُ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُرَادُ بِالسَّجْدَةِ الرَّكْعَةُ بِرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا، وَالرَّكْعَةُ إِنَّمَا يَكُونُ تَمَامُهَا بِسُجُودِهَا فَسُمِّيَتْ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى سَجْدَةً. انْتَهَى.
وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْحُسَيْنِ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ وَهُوَ أَبُو نُعَيْمٍ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِلَفْظِ: إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ أَوَّلَ سَجْدَةٍ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَإِنَّمَا لَمْ يَأْتِ الْمُصَنِّفُ في التَّرْجَمَةِ بِجَوَابِ الشَّرْطِ لِمَا فِي لَفْظِ الْمَتْنِ الَّذِي أَوْرَدَهُ مِنَ الِاحْتِمَالِ وَهُوَ قَوْلُهُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِتْمَامِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَا يُتِمُّهُ أَدَاءً أَوْ قَضَاءً، فَحُذِفَ جَوَابُ الشَّرْطِ لِذَلِكَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَنْ فِي التَّرْجَمَةِ مَوْصُولَةٌ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: بَابُ حُكْمِ مَنْ أَدْرَكَ إِلَخْ، لَكِنْ سَيَأْتِي مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ بِلَفْظِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ أَدَاءً، وَسَتَأْتِي مَبَاحِثُهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ".
قَوْله:
(إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ) ظَاهِرُهُ أَنَّ بَقَاءَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَقَعَ فِي زَمَانِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ الْمُرَادُ قَطْعًا، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّ نِسْبَةَ مُدَّةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَى مُدَّةِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأُمَمِ مِثْلُ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَغُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى بَقِيَّةِ النَّهَارِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا سَلَفَ إِلَخْ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ فِي بِمَعْنَى إِلَى، وَحُذِفَ الْمُضَافُ وَهُوَ لَفْظُ نِسْبَةٌ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ وَكَذَا حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْآتِي بَعْدَهُ فِي أَبْوَابِ الْإِجَارَةِ، وَيَقَعُ اسْتِيفَاءُ الْكَلَامِ عَلَيْهِمَا هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْغَرَضُ هُنَا بَيَانُ مُطَابَقَتِهِمَا لِلتَّرْجَمَةِ وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَ مَا ظَاهِرُهُ الِاخْتِلَافُ مِنْهُمَا.
قَوْلُهُ: (أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ) ظَاهِرُهُ أَنَّ هَذَا كَالشَّرْحِ وَالْبَيَانِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَقْدِيرِ مُدَّةِ الزَّمَانَيْنِ، وَقَدْ زَادَ الْمُصَنِّفُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ هُنَا وَأَنَّ مَثَلَكُمْ وَمَثَلَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى إِلَخْ وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ.
قَوْله: (قِيرَاطًا قِيرَاطًا) كَرَّرَ قِيرَاطًا لِيَدُلَّ عَلَى تَقْسِيمِ الْقَرَارِيطِ عَلَى الْعُمَّالِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ إِذَا أَرَادَتْ تَقْسِيمَ الشَّيْءِ عَلَى مُتَعَدِّدٍ كَرَّرَتْهُ كَمَا يُقَالُ: اقْسِمْ هَذَا الْمَالَ عَلَى بَنِي فُلَانٍ دِرْهَمًا دِرْهَمًا، لِكُلِّ وَاحِدٍ دِرْهَمٌ.
قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ (عَجَزُوا) قَالَ الدَّاوُدِيُّ: هَذَا مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ مُسْلِمًا فَلَا يُوصَفُ بِالْعَجْزِ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ مَا أُمِرَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مَنْ مَاتَ بَعْدَ التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ فَكَيْفَ يُعْطَى الْقِيرَاطُ مَنْ حَبِطَ عَمَلُهُ بِكُفْرِهِ؟ وَأَوْرَدَهُ ابْنُ التِّينِ قَائِلًا: قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَمْ يَنْفَصِلْ عَنْهُ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ مُسْلِمًا قَبْلَ التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ، وَعَبَّرَ بِالْعَجْزِ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَسْتَوْفُوا عَمَلَ النَّهَارِ كُلِّهِ وَإِنْ كَانُوا قَدِ اسْتَوْفَوْا عَمَلَ مَا قُدِّرَ لَهُمْ، فَقَوْلُهُ: عَجَزُوا أَيْ عَنْ إِحْرَازِ الْأَجْرِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ، لَكِنْ مَنْ أَدْرَكَ مِنْهُمُ النَّبِيَّ ﷺ وَآمَنَ بِهِ أُعْطِيَ الْأَجْرَ مَرَّتَيْنِ كَمَا سَبَقَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ. قَالَ الْمُهَلَّبُ مَا مَعْنَاهُ: أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ وَحَدِيثَ أَبِي مُوسَى فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَسْتَحِقُّ بِعَمَلِ الْبَعْضِ أَجْرَ الْكُلِّ، مِثْلُ الَّذِي أُعْطِيَ مِنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ أَجْرَ النَّهَارِ كُلِّهِ، فَهُوَ نَظِيرُ مَنْ يُعْطَى أَجْرَ الصَّلَاةِ كُلِّهَا وَلَوْ لَمْ يُدْرِكْ إِلَّا رَكْعَةً، وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُطَابَقَةُ الْحَدِيثَيْنِ لِلتَّرْجَمَةِ.
قُلْتُ: وَتَكْمِلَةُ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ إِنَّ فَضْلَ اللَّهِ الَّذِي أَقَامَ بِهِ عَمَلُ رُبْعِ النَّهَارِ مُقَامَ عَمَلِ النَّهَارِ كُلِّهِ هُوَ الَّذِي اقْتَضَى أَنْ يَقُومَ إِدْرَاكُ الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ مِنَ الصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ الَّتِي هِيَ الْعَصْرُ مَقَامَ إِدْرَاكِ الْأَرْبَعِ فِي الْوَقْتِ، فَاشْتَرَكَا فِي كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا رُبْعَ الْعَمَلِ، وَحَصَلَ بِهَذَا التَّقْرِيرِ الْجَوَابُ عَمَّنِ اسْتَشْكَلَ وُقُوعَ الْجَمِيعِ أَدَاءً مَعَ أَنَّ الْأَكْثَرَ إِنَّمَا وَقَعَ خَارِجَ الْوَقْتِ، فَيُقَالُ فِي هَذَا مَا أُجِيبَ بِهِ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾
وَقَدِ اسْتَبْعَدَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ كَلَامَ الْمُهَلَّبِ ثُمَّ قَالَ: هُوَ مُنْفَكٌّ عَنْ مَحَلِّ الِاسْتِدْلَالِ، لِأَنَّ الْأُمَّةَ عَمِلَتْ آخِرَ النَّهَارِ فَكَانَ أَفْضَلَ مِنْ عَمَلِ الْمُتَقَدِّمِينَ قَبْلَهَا، وَلَا خِلَافَ أَنَّ تَقْدِيمَ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِنْ تَأْخِيرِهَا. ثُمَّ هُوَ مِنَ الْخُصُوصِيَّاتِ الَّتِي لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ صِيَامَ آخِرِ النَّهَارِ لَا يُجْزِئُ عَنْ جُمْلَتِهِ، فَكَذَلِكَ سَائِرُ الْعِبَادَاتِ. قُلْتُ: فَاسْتَبْعَدَ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْمُهَلَّبِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ إِيقَاعَ الْعِبَادَةِ فِي آخِرِ وَقْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ إِيقَاعِهَا فِي أَوَّلِهِ. وَأَمَّا إِجْزَاءُ عَمَلِ الْبَعْضِ عَنِ الْكُلِّ فَمِنْ قَبِيلِ الْفَضْلِ، فَهُوَ كَالْخُصُوصِيَّةِ سَوَاءٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: يُسْتَنْبَطُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ وَقْتَ الْعَمَلِ مُمْتَدٌّ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَأَقْرَبُ الْأَعْمَالِ الْمَشْهُورَةِ بِهَذَا الْوَقْتِ صَلَاةُ الْعَصْرِ، قَالَ: فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الْإِشَارَةِ لَا مِنْ صَرِيحِ الْعِبَارَةِ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ مِثَالٌ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْعَمَلُ الْخَاصُّ بِهَذَا الْوَقْتِ، بَلْ هُوَ شَامِلٌ لِسَائِرِ الْأَعْمَالِ مِنَ الطَّاعَاتِ فِي بَقِيَّةِ الْإِمْهَالِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ. وَقَدْ قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إِنَّ الْأَحْكَامَ لَا تُؤْخَذُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تَأْتِي لِضَرْبِ الْأَمْثَالِ.
قُلْتُ: وَمَا أَبْدَاهُ مُنَاسِبٌ لِإِدْخَالِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَبْوَابِ أَوْقَاتِ الْعَصْرِ لَا لِخُصُوصِ التَّرْجَمَةِ وَهِيَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
نظرًا للتَّحقيق (١)، وقِيلَ: لا، نظرًا إلى الظَّاهر المستند إلى الحديث، وقوله: «فليتمَّ» جواب معنى الشَّرط المتضمِّن لـ «إذا» ولذا دخلت «الفاء».
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٥٧٩]، وكذا النَّسائيُّ ومسلمٌ وابن ماجه.
٥٥٧ - وبه قال: (حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) وللأَصيليِّ: «ابن عبد الله الأويسيُّ» بضمِّ الهمزة نسبةً إلى أويسٍ (٢) أحد أجداده (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (إِبْرَاهِيمُ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «ابن سعْدٍ» بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريُّ القرشيُّ المدنيُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عمر (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب ﵄ (أنَّه أَخْبَرَهُ: أنَّه سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا) أي: إنَّما بقاؤكم بالنِّسبة إلى ما (سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ) أجزاء وقت (صَلَاةِ العَصْرِ) المنتهية (إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتِيَ) بضمِّ أوَّله وكسر ثالثه، أي: أُعطِي (أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا) زاد أبو ذَرٍّ: «بها» أي: بالتَّوراة (حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا) عن استيفاء
عمل النَّهار كلِّه، من غير أن يكون لهم صنيعٌ (١) في ذلك، بل ماتوا قبل النَّسخ، وللأَصيليِّ: «ثمَّ عجزوا» (فَأُعْطُوا) أي: أُعطِي (٢) كلٌّ منهم (٣) أجره (قِيرَاطًا قِيرَاطًا) فالأوَّل مفعول «أعطى» الثَّاني، و «قيراطًا» الثَّاني تأكيدٌ، أوِ المعنى: أُعطُوا أجرهم حال كونه قيراطًا قيراطًا، فهو حالٌ،
و (١) المعنى: أُعطُوا الأجر متساويين، وانتصاب الثَّاني على التَّأكيد عند الزَّجَّاج وغيره (٢)، وتعقَّبه ابن هشامٍ بأنَّه غير صالحٍ للسُّقوط فلا تأكيد، وقال (٣) أبو حيَّان: الأَوْلى (٤) انتصابه بالعامل في الأوَّل لأنَّ المجموع هو (٥) الحال، وعند أبي الفتح: انتصاب الثَّاني بالوصف، وتُعقِّب بأنَّ معناه ولفظه كالموصوف، فإنَّه جامدٌ، و «القيراط»: نصف دانقٍ، والمراد به (٦) النَّصيب (ثمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا) من نصف النَّهار (إِلَى صَلَاةِ العَصْرِ، ثمَّ عَجَزُوا) عن العمل، أي: انقطعوا (فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثمَّ أُوتِينَا القُرْآنَ فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَقَالَ أَهْلُ الكِتَابَيْنِ) أي (٧): اليهود والنَّصارى، ولابن عساكر: «أهل الكتاب» بالإفراد على إرادة الجنس: (أَيْ) من حروف النِّداء، أي: يا (رَبَّنَا، أَعْطَيْتَ هَؤُلَاءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا) لأنَّ الوقت من الصُّبح إلى الظُّهر أكثر من وقت العصر إلى الغروب، لكنَّ قول النَّصارى لا يصحُّ إلَّا على مذهب أبي حنيفة: لأنَّ (٨) وقت العصر بصيرورة الظِّلِّ مثليه، أمَّا على (٩) مذهب صاحبيه والشَّافعيِّ بمصير الظِّلِّ مثله فمشكلٌ، ويمكن أن يُجابَ بأنَّ مجموع عمل الطَّائفتين أكثر وإن لم يكن عمل
أحدهما أكثر، أو إنَّه لا يلزم من كونهم أكثر عملًا أن يكون زمان عملهم أكثر لاحتمال كون العمل أكثر في الزَّمان الأقلِّ (قَالَ (١): قَالَ اللهُ ﷿: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ) أي: نقصتكم (مِنْ أَجْرِكُمْ) أي: الَّذي شرطته لكم (مِنْ شَيْءٍ؟ قَالُوا: لَا) لم تنقصنا من أجرنا شيئًا (قَالَ: فَهْوَ) أي: كلُّ ما أعطيته (٢) من الثَّواب (فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ) فإن قلت: ما وجهُ مطابَقة الحديث للتَّرجمة؟ أُجيب: من قوله: «إلى غروب الشَّمس» فإنَّه يدلُّ على أنَّ وقت العصر إلى غروب الشَّمس، وأنَّ من أدرك ركعةً من العصر قبل الغروب فقد أدرك العصر في وقتها فليتمَّ، ولا يخفى ما فيه من التَّعسُّف.
ورواة هذا الحديث الخمسة مدنيُّون (٣)، وفيه: التَّحديث والعنعنة والإخبار والقول والسَّماع، وتابعيٌّ عن تابعيٍّ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الإجارة إلى نصف النهار» [خ¦٢٢٦٨] وفي «باب فضل القرآن» [خ¦٥٠٢١] وفي «التَّوحيد» [خ¦٧٤٦٧] وفي «باب ذكر بني إسرائيل» [خ¦٣٤٥٩]، ومسلمٌ والتِّرمذيُّ.