«لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمُ الْمَغْرِبِ. قَالَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 563

الحديث رقم 563 من كتاب «كتاب مواقيت الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من كره أن يقال للمغرب العشاء.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب…

«لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمُ الْمَغْرِبِ. قَالَ: الْأَعْرَابُ، وَتَقُولُ: هِيَ الْعِشَاءُ».

بَابُ ذِكْرِ الْعِشَاءِ وَالْعَتَمَةِ وَمَنْ رَآهُ وَاسِعًا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ الْعِشَاءُ وَالْفَجْرُ وَقَالَ لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالْفَجْرِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ وَالِاخْتِيَارُ أَنْ يَقُولَ الْعِشَاءُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ﴾ وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ كُنَّا نَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ فَأَعْتَمَ بِهَا وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْعِشَاءِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَنْ عَائِشَةَ أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْعَتَمَةِ وَقَالَ جَابِرٌ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الْعِشَاءَ وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُؤَخِّرُ الْعِشَاءَ وَقَالَ أَنَسٌ أَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو أَيُّوبَ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ

سند حديث: ٥٦٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، هُوَ عَبْدُ…

٥٦٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ الْمُزَنِيُّ : أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلِهِ كَانُوا يُصَلُّونَهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ، وَلَا مِنْ قَوْلِهِ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ وَحْدَهُ، بَلِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ كَانُوا يُصَلُّونَهَا أَيِ النَّبِيُّ ﷺ بِأَصْحَابِهِ، وَهَكَذَا قَوْلُهُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّيهَا أَيْ بِأَصْحَابِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْله: (عَنْ سَلَمَةَ) هُوَ ابْنُ الْأَكْوَعِ، وَهَذَا مِنْ ثُلَاثِيَّاتِ الْبُخَارِيِّ.

قَوْله: (إِذَا تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) أَيِ اسْتَتَرَتْ، وَالْمُرَادُ الشَّمْسُ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَمْ يَذْكُرْهَا اعْتِمَادًا عَلَى أَفْهَامِ السَّامِعِينَ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ فِي الْقُرْآنِ: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ انْتَهَى. وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ بِلَفْظِ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَتَوَارَتْ بِالْحِجَابِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِاخْتِصَارَ فِي الْمَتْنِ مِنْ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ صَحَّ بِذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَرَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عِيسَى، وَأَبُو عَوَانَةَ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ صَفْوَانَ أَيْضًا عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ بِلَفْظِ: كَانَ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ سَاعَةَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ حِينَ يَغِيبُ حَاجِبُهَا، وَالْمُرَادُ حَاجِبُهَا الَّذِي يَبْقَى بَعْدَ أَنْ يَغِيبَ أَكْثَرُهَا، وَالرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا تَوَارَتْ أَصْرَحُ فِي الْمُرَادِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى ضَعْفِ حَدِيثِ أَبِي بَصْرَةَ بِالْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ الْمُهْمَلَةِ رَفَعَهُ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثِ: وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا حَتَّى يُرَى الشَّاهِدُ. وَالشَّاهِدُ النَّجْمُ.

١٩ - بَاب مَنْ كَرِهَ أَنْ يُقَالَ لِلْمَغْرِبِ الْعِشَاءُ

٥٦٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ الْحُسَيْنِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا تَغْلِبَنَّكُمْ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ الْمَغْرِبِ، قَالَ الْأَعْرَابُ وَتَقُولُ هِيَ الْعِشَاءُ.

قَوْله: (بَابُ مَنْ كَرِهَ أَنْ يُقَالَ لِلْمَغْرِبِ الْعِشَاءُ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: عَدَلَ الْمُصَنِّفُ عَنِ الْجَزْمِ كَأَنْ يَقُولَ بَابُ كَرَاهِيَةِ كَذَا لِأَنَّ لَفْظَ الْخَبَرِ لَا يَقْتَضِي نَهْيًا مُطْلَقًا، لَكِنْ فِيهِ النَّهْيُ عَنْ غَلَبَةِ الْأَعْرَابِ عَلَى ذَلِكَ، فَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ رَأَى أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ لَا يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ إِطْلَاقِ الْعِشَاءِ عَلَيْهِ أَحْيَانًا، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَى وَجْهٍ لَا يُتْرَكُ لَهُ التَّسْمِيَةُ الْأُخْرَى كَمَا تَرَكَ ذَلِكَ الْأَعْرَابُ وُقُوفًا مَعَ عَادَتِهِمْ، قَالَ: وَإِنَّمَا شُرِعَ لَهَا التَّسْمِيَةُ بِالْمَغْرِبِ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ يُشْعِرُ بِمُسَمَّاهَا أَوْ بِابْتِدَاءِ وَقْتِهَا، وَكُرِهَ إِطْلَاقُ اسْمِ الْعِشَاءِ عَلَيْهَا لِئَلَّا يَقَعَ الِالْتِبَاسُ بِالصَّلَاةِ الْأُخْرَى، وَعَلَى هَذَا لَا يُكْرَهُ أَيْضًا أَنْ تُسَمَّى الْعِشَاءَ بِقَيْدٍ كَأَنْ يَقُولَ الْعِشَاءُ الْأُولَى، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُمُ الْعِشَاءُ الْآخِرَةُ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ، وَسَيَأْتِي مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يُقَالُ لِلْمَغْرِبِ الْعِشَاءُ الْأُولَى وَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ، أَمَّا مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ فَلَا حُجَّةَ لَهُ.

قَوْله: (عَبْدُ الْوَارِثِ) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ التَّنُّورِيُّ، وَقَوْله: (عَنِ الْحُسَيْنِ) هُوَ الْمُعَلِّمُ.

قَوْله: (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ أَبِيهِ، زَادَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ هُوَ ابْنُ مُغَفَّلٍ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ مَنْسُوبًا بِذِكْرِ أَبِيهِ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَغَيْرِهِ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ.

قَوْله: (لَا تَغْلِبكُمْ) قَالَ الطِّيبِيُّ: يُقَالُ غَلَبَهُ عَلَى كَذَا غَصَبَهُ مِنْهُ أَوْ أَخَذَهُ مِنْهُ قَهْرًا، وَالْمَعْنَى لَا تَتَعَرَّضُوا لِمَا هُوَ مِنْ عَادَتِهِمْ مِنْ تَسْمِيَةِ الْمَغْرِبِ بِالْعِشَاءِ وَالْعِشَاءِ بِالْعَتَمَةِ فَيَغْصِبُ مِن كُمُ الْأَعْرَابُ اسْمَ الْعِشَاءِ الَّتِي سَمَّاهَا اللَّهُ بِهَا. قَالَ: فَالنَّهْيُ عَلَى الظَّاهِرِ لِلْأَعْرَابِ وَعَلَى الْحَقِيقَةِ لَهُمْ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مَعْنَى الْغَلَبَةِ أَنَّكُمْ تُسَمُّونَهَا اسْمًا

وَهُمْ يُسَمُّونَهَا اسْمًا، فَإِنْ سَمَّيْتُمُوهَا بِالِاسْمِ الَّذِي يُسَمُّونَهَا بِهِ وَافَقْتُمُوهُمْ، وَإِذَا وَافَقَ الْخَصْمُ خَصْمَهُ صَارَ كَأَنَّهُ انْقَطَعَ لَهُ حَتَّى غَلَبَهُ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرِ غَصَبَ وَلَا أَخَذَ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْمَعْنَى لَا تُطْلِقُوا هَذَا الِاسْمَ عَلَى مَا هُوَ مُتَدَاوَلٌ بَيْنَهُمْ فَيَغْلِبُ مُصْطَلَحُهُمْ عَلَى الِاسْمِ الَّذِي شَرَعْتُهُ لَكُمْ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْأَعْرَابُ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَرَبِيًّا، وَالْعَرَبِيُّ مَنْ يَنْتَسِبُ إِلَى الْعَرَبِ وَلَوْ لَمْ يَسْكُنِ الْبَادِيَةَ.

قَوْله: (عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ) التَّعْبِيرُ بِالِاسْمِ يُبْعِدُ قَوْلَ الْأَزْهَرِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ أَنْ لَا تُؤَخَّرَ صَلَاتُهَا عَنْ وَقْتِ الْغُرُوبِ، وَكَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمُنِيرِ: السِّرُّ فِي النَّهْيِ سَدُّ الذَّرِيعَةِ لِئَلَّا تُسَمَّى عِشَاءً فَيُظَنَّ امْتِدَادُ وَقْتِهَا عَنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ أَخْذًا مِنْ لَفْظِ الْعِشَاءِ اهـ. وَكَأَنَّهُ أَرَادَ تَقْوِيَةَ مَذْهَبِهِ فِي أَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ مُضَيَّقٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَسْمِيَتِهَا الْمَغْرِبَ أَنْ يَكُونَ وَقْتُهَا مُضَيَّقًا، فَإِنَّ الظُّهْرَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ وَقْتِهَا عِنْدَ الظَّهِيرَةِ وَلَيْسَ وَقْتُهَا مُضَيَّقًا بِلَا خِلَافٍ.

قَوْله: (قَالَ: وَتَقُولُ الْأَعْرَابُ: هِيَ الْعِشَاءُ) سِرُّ النَّهْي عَنْ مُوَافَقَتِهِمْ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ الْعِشَاءِ لُغَةً هُوَ أَوَّلُ ظَلَامِ اللَّيْلِ، وَذَلِكَ مِنْ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ، فَلَوْ قِيلَ لِلْمَغْرِبِ عِشَاءٌ لَأَدَّى إِلَى أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِهَا غَيْبُوبَةُ الشَّفَقِ، وَقَدْ جَزَمَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ فَاعِلَ قَالَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ رَاوِي الْحَدِيثِ، وَيَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ خَاصٍّ لِذَلِكَ وَإِلَّا فَظَاهِرُ إِيرَادِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَنَّهُ مِنْ تَتِمَّةِ الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ أَوْرَدَهُ بِلَفْظِ فَإِنَّ الْأَعْرَابَ تُسَمِّيهَا وَالْأَصْلُ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يَكُونَ كَلَامًا وَاحِدًا حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى إِدْرَاجِهِ.

(فَائِدَةٌ): لَا يَتَنَاوَلُ النَّهْيُ تَسْمِيَةَ الْمَغْرِبِ عِشَاءً عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ كَمَنْ قَالَ مَثَلًا: صَلَّيْتُ الْعِشَاءَيْنِ، إِذَا قُلْنَا: إِنَّ حِكْمَةَ النَّهْي عَنْ تَسْمِيَتِهَا عِشَاءً خَوْفُ اللَّبْسِ لِزَوَالِ اللَّبْسِ فِي الصِّيغَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(تَنْبِيهٌ): أَوْرَدَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ حَدِيثَ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ أَبِيهِ، وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي لَفْظِ الْمَتْنِ، فَقَالَ هَارُونُ الْحَمَّالُ عَنْهُ كَرِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ.

قُلْتُ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِهِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ عَنْ أَبِيهِ اهـ. وَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ الرَّازِيُّ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ: لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ؛ فَإِنَّ الْأَعْرَابَ تُسَمِّيهَا عَتَمَةً. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِهِ عَنِ الطَّبَرَانِيِّ كَذَلِكَ، وَجَنَحَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إِلَى تَرْجِيحِ رِوَايَةِ أَبِي مَسْعُودٍ لِمُوَافَقَتِهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ - يَعْنِي الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ - كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي صَدْرِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ. وَالَّذِي يَتَبَيَّنُ لِي أَنَّهُمَا حَدِيثَانِ: أَحَدُهُمَا فِي الْمَغْرِبِ، وَالْآخَرُ فِي الْعِشَاءِ، كَانَا جَمِيعًا عِنْدَ عَبْدِ الْوَارِثِ بِسَنَدٍ وَاحِدٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

٢٠ - بَاب ذِكْرِ الْعِشَاءِ وَالْعَتَمَةِ، وَمَنْ رَآهُ وَاسِعًا

قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ الْعِشَاءُ وَالْفَجْرُ. وَقَالَ: لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالْفَجْرِ. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: وَالِاخْتِيَارُ أَنْ يَقُولَ الْعِشَاءُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ﴾ وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كُنَّا نَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، فَأَعْتَمَ بِهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةُ: أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْعِشَاءِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ، عَنْ عَائِشَةَ: أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْعَتَمَةِ. وَقَالَ جَابِرٌ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الْعِشَاءَ. وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُؤَخِّرُ الْعِشَاءَ. وَقَالَ أَنَسٌ: أَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ. وَقَالَ ابْنُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٦٣ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين (-هُوَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو-) بفتح العين وسكون الميم، المنقريُّ البصريُّ (١)، وسقط لفظ «هو» للأَصيليِّ (٢) (قَالَ: حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ) ابن سعيد بن ذكوان العنبريُّ مولاهم، التَّنُّوريُّ -بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وتشديد النُّون- البصريُّ (عَنِ الحُسَيْنِ) بن ذكوان المعلِّم المُكْتِب العَوْذِيِّ -بفتح المُهمَلة وسكون الواو بعدها مُعجمَةٌ- البصريِّ (قَالَ: حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الرَّاء، قاضي مرو (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ) بن مُغَفَّلٍ بالغين المُعجَمَة المفتوحة والفاء المُشدَّدة (المُزَنِيُّ: أَنَّ النَّبِيَّ) وللأَصيليِّ: «أنَّ رسول الله» (ﷺ قَالَ: لَا تَغْلِبَنَّكُمُ) بالمُثنَّاة الفوقيَّة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «لا يغلبنَّكم» بالمُثنَّاة التَّحتيَّة (٣) (الأَعْرَابُ) سكَّان البوادي (عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمُ المَغْرِبِ) بالجرِّ صفةٌ لـ «صلاةٍ»، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «المغربُ» بالرَّفع، أي: لا تتَّبعوا الأعراب في تسميتهم لأنَّ الله تعالى سمَّاها مغربًا ولم يسمِّها عشاءً، وتسمية الله تعالى أَوْلى من تسميتهم، والسِّرُّ في النَّهي خوف الاشتباه على غيرهم من المسلمين، لكنَّ حديث: «لو تعلمون ما في العتمة» يوضِّح أنَّ النَّهي ليس للتَّحريم، أوِ المعنى:

لا تغصب (١) منكم الأعراب، فالنَّهي في الظَّاهر للأعراب، وفي الحقيقة للعموم. (قَالَ: وَيَقُولُ) بالمُثنَّاة التَّحتيَّة، وثبتت الواو في (٢): «ويقول» للأَصيليِّ، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «وتقول» (الأَعْرَابُ هِيَ) أي: المغرب (العِشَاءُ) بكسر العين والمدِّ، وفي روايةٍ وهي الَّتي في «اليونينيَّة»: «قال: الأعراب تقول» لكنَّه رُقِمَ عليها علامة التَّقديم والتَّأخير، وجعل الكِرمانيُّ فاعل «قال» عبد الله المزنيَّ راوي الحديث، ونُوزِع فيه بأنَّه يحتاج إلى نقلٍ خاصٍّ لذلك، وإِلَّا فظاهر إيراد الإسماعيليِّ أَنَّه من تتمَّة الحديث، فإنَّه أورده بلفظ: «فإنَّ (٣) الأعراب تسمِّيها»، والأصل عدم الإدراج.

ورواة الحديث الخمسة بصريُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وهو من أفراد المؤلِّف.

(٢٠) (بابُ ذِكْرِ العِشَاءِ وَالعَتَمَةِ) بفتحاتٍ والعين مُهمَلةٌ، وللأَصيليِّ: «أو العتمة» (وَمَنْ رَآهُ وَاسِعًا) أي: جائزًا.

(قَالَ) وللهرويِّ: «وقال» (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ فيما وصله المؤلِّف في «باب فضل العشاء جماعةً» [خ¦٦٥٧]: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَثْقَلُ الصَّلاة عَلَى المُنَافِقِينَ العِشَاءُ وَالفَجْرُ) لأنَّه وقت راحة البدن (وَقَالَ) النَّبيُّ ﷺ لأبي (١) هريرة ممَّا (٢) وصله في «باب الاستهام (٣) في الأذان» [خ¦٦١٥]: (لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالفَجْرِ) أي: لأتَوْهما ولو حَبْوًا، فسمَّاها ﵊ تارةً (٤) عشاءً وتارةً عتمةً (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: البخاريُّ، وسقط للأَصيليِّ: (وَالاِخْتِيَارُ أَنْ يَقُولَ: العِشَاءُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: «لقول الله تعالى»: (﴿وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء﴾ [النور: ٥٨] وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله (عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريِّ (قَالَ: كُنَّا نَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ ﷺ) أي: نأتي نوبةً بعد نوبةٍ (عِنْدَ صَلَاةِ العِشَاءِ، فَأَعْتَمَ بِهَا) أي: أخَّرها حتَّى اشتدَّت ظلمة اللَّيل، وعن الخليل: «العتمة» اسمٌ لثلث اللَّيل الأوَّل بعد غروب الشَّفق، وإنَّما ساقه بصيغة التَّمريض لكونه رواه بالمعنى، قال البدر الدَّمامينيُّ كالزَّركشيِّ: وهذا أحد ما يُرَدُّ به (٥) على ابن الصَّلاح في (٦) دعواه أنَّ تعليقات البخاريِّ الَّتي يذكرها (٧) بصيغة التَّمريض لا تكون صحيحةً عنده. انتهى. وتعقَّبه البرماويُّ فقال: إنَّما قال: «لا تدلُّ على الصِّحَّة» ولم يقل: أنَّها تدلُّ على الضَّعف، وبينهما فرقٌ (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ ممَّا وصله في «باب النَّوم قبل العشاء» [خ¦٥٧١] (وَ) قالت (عَائِشَةُ) ﵂ ممَّا وصله أيضًا في «باب فضل العشاء» [خ¦٥٦٦]: (أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِالعِشَاءِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَنْ عَائِشَةَ) ممَّا وصله المؤلِّف في «باب خروج النِّساء إلى المساجد باللَّيل» [خ¦٨٦٤]:

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

بن إِبْرَاهِيم ابْن بشير بن فرقد الْبَلْخِي، وَيزِيد بن أبي عبيد مولى سَلمَة هَذَا. وَهُوَ سَلمَة بن الْأَكْوَع الصَّحَابِيّ.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن هَذَا من ثلاثيات البُخَارِيّ. وَفِيه: أَن اسْم شيخ البُخَارِيّ على صُورَة الْمَنْسُوب، وَرُبمَا يتَوَهَّم أَنه شخص مَنْسُوب إِلَى مَكَّة وَلَيْسَ كَذَلِك.

ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه أَيْضا مُسلم فِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة، وَأَبُو دَاوُد عَن عَمْرو بن عَليّ وَالتِّرْمِذِيّ عَن قُتَيْبَة وَابْن مَاجَه عَن يَعْقُوب بن حميد.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (الْمغرب) أَي: صَلَاة الْمغرب. قَوْله: (إِذا تَوَارَتْ) أَي: الشَّمْس، وَلَا يُقَال: إِن الضَّمِير فِيهِ مُبْهَم لَا يعلم مرجعه، لِأَن قَوْله: (الْمغرب) قرينَة تدل على أَن الضَّمِير الَّذِي فِيهِ يرجع إِلَى الشَّمْس كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {حَتَّى تَوَارَتْ بالحجاب} (ص: ٣٢) . وَالظَّاهِر أَن طي ذكر الْفَاعِل فِيهِ من شيخ البُخَارِيّ، لِأَن عبد بن حميد رَوَاهُ عَن صَفْوَان بن عِيسَى، والإسماعيلي كَذَلِك عَن يزِيد بن أبي عبيد بِلَفْظ: (كَانَ يُصَلِّي الْمغرب سَاعَة تغرب الشَّمْس حِين يغيب حاجبها) . وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن سَلمَة: (كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي الْمغرب سَاعَة مغرب الشَّمْس إِذا غَابَ حاجبها) . قَوْله: (سَاعَة) نصب على الظّرْف ومضاف إِلَى الْجُمْلَة. قَوْله: (إِذا غَابَ حاجبها) ، بدل من قَوْله: سَاعَة تغرب الشَّمْس) وحاجب الشَّمْس، طرفها الْأَعْلَى من قرصها، وحواجبها نَوَاحِيهَا. وَقيل: سمي بذلك لِأَنَّهُ أول مَا يَبْدُو مِنْهَا كحاجب الْإِنْسَان، فعلى هَذَا يخْتَص الْحَاجِب بالحرف الْأَعْلَى البادي أَولا، وَلَا يُسمى جَمِيع جوانبها حواجب.

وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: أَن أول وَقت صَلَاة الْمغرب حِين تغرب الشَّمْس، وَفِي خُرُوج وقته اخْتِلَاف، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب.

١٩ - (بابُ مَنْ كَرِهَ أنْ يُقَالَ لِلْمَغْرِبِ العِشَاءُ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول من كره أَن يُقَال للمغرب: الْعشَاء، وَإِنَّمَا لم يجْزم بقوله: بَاب، كَرَاهِيَة كَذَا، لِأَن لفظ الحَدِيث لَا يَقْتَضِي نهيا مُطلقًا، لِأَن النَّهْي فِيهِ عَن غَلَبَة الْإِعْرَاب على ذَلِك، فَكَأَنَّهُ رأى جَوَاز إِطْلَاقه بالعشاء على وَجه لَا يتْرك التَّسْمِيَة الْأُخْرَى، كَمَا ترك الْإِعْرَاب. والمشروع أَن يُقَال لَهَا: الْمغرب، لِأَنَّهُ اسْم يشْعر بمسماها وبابتداء وَقتهَا. وَوجه كَرَاهَة إِطْلَاق الْعشَاء عَلَيْهَا لأجل الالتباس بِالصَّلَاةِ الْأُخْرَى، فعلى هَذَا لَا يكره أَن يُقَال للمغرب: الْعشَاء الأولى، وَيُؤَيِّدهُ قَوْلهم الْعشَاء الْآخِرَة كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح وَنقل ابْن بطال عَن بَعضهم انه لَا يُقَال للمغرب الْعشَاء الأولى وَيحْتَاج إِلَى دَلِيل خَاص لِأَنَّهُ لَا حجَّة لَهُ من حَدِيث الْبَاب. وَقَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا كره أَن يُقَال للمغرب: الْعشَاء، لِأَن التَّسْمِيَة من الله تَعَالَى وَرَسُوله، قَالَ تَعَالَى: {وَعلم آدم الْأَسْمَاء كلهَا} (الْبَقَرَة: ٣١) .

٥٦٣ - حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ هُوَ عَبْدُ الله بنُ عَمْرٍ وَقَالَ حدَّثنا عَبْد الوَارِثِ عَنِ الحُسَيْنِ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ عَبْدُ الله بنُ بُرَيْدَةَ قَالَ حدَّثني عَبْدُ الله المُزَنِيُّ أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَا تَغْلِبَنَّكُمْ الأَعْرَابُ عَلَى إسْمِ صَلَاتِكُمْ المَغْرِبِ قالَ وتَقُولُ الأَعْرَابُ هِيَ العِشَاءُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَهَاهُم أَن يسموا الْمغرب بِالِاسْمِ الَّذِي تسميه الْأَعْرَاب وَهُوَ: الْعشَاء.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو معمر، بِفَتْح الميمين: واسْمه عبد الله بن عَمْرو بن أبي الْحجَّاج الْمنْقري المقعد الْبَصْرِيّ. الثَّانِي: عبد الْوَارِث بن سعيد التنوري الثالثص الْحُسَيْن الْمعلم. الرَّابِع: عبد الله بن بُرَيْدَة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال الْمُهْملَة: قَاضِي مرو، مَاتَ بهَا سنة خمس عشرَة وَمِائَة. الْخَامِس: عبد الله بن مُغفل، بِضَم الْمِيم وَفتح

الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْفَاء: الْمُزنِيّ من أَصْحَاب الشَّجَرَة، قَالَ: (كنت أرفع أَغْصَانهَا عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، رُوِيَ لَهُ ثَلَاثَة وَأَرْبَعُونَ حَدِيثا للْبُخَارِيّ مِنْهَا خَمْسَة، وَهُوَ أول من دخل تستر وَقت الْفَتْح، مَاتَ سنة سِتِّينَ.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد من الْمَاضِي فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم بصريون، وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لَا يغلبنكم الْأَعْرَاب) ، قَالَ الْأَزْهَرِي: مَعْنَاهُ: لَا يَغُرنكُمْ فعلهم هَذَا عَن صَلَاتكُمْ فتؤخروها، وَلَكِن صلوها إِذا كَانَ وَقتهَا، وَالْعشَاء أول ظلام اللَّيْل، وَذَلِكَ من حِين يكون غيبوبة الشَّفق. فَلَو قيل فِي الْمغرب: عشَاء، لَأَدَّى إِلَى اللّبْس بالعشاء الْآخِرَة، وَالْكَرَاهَة فِي ذَلِك أَن لَا تتبع الْأَعْرَاب فِي هَذِه التَّسْمِيَة. وَقيل: إِن الْأَعْرَاب يسمونها: الْعَتَمَة لكَوْنهم يؤخرون الْحَلب إِلَى شدَّة الظلام. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لِئَلَّا يعدل بهَا عَمَّا سَمَّاهَا الله تَعَالَى، فَهُوَ إرشاد إِلَى مَا هُوَ الأولى لَا على التَّحْرِيم وَلَا على أَنه لَا يجوز. أَلَا ترَاهُ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد قَالَ: (وَلَو يعلمُونَ مَا فِي الْعَتَمَة وَالصُّبْح) . وَقد أَبَاحَ تَسْمِيَتهَا بذلك أَبُو بكر وَابْن عَبَّاس فِيمَا ذكره ابْن أبي شيبَة. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: يُقَال: غَلبه على كَذَا: غصبه مِنْهُ، أَو أَخذه مِنْهُ قهرا، وَالْمعْنَى: لَا تتعرضوا لما هُوَ من عَادَتهم من تَسْمِيَة الْمغرب بالعشاء، وَالْعشَاء بالعتمة، فيغصب مِنْكُم الْأَعْرَاب اسْم الْعشَاء الَّتِي سَمَّاهَا الله تَعَالَى بهَا، قَالَ: فالنهي على الظَّاهِر للأعراب، وعَلى الْحَقِيقَة لَهُم. وَقَالَ غَيره: معنى الْغَلَبَة أَنكُمْ تسمونها إسما وهم يسمونها إسما، فَإِن سميتموها بِالِاسْمِ الَّذِي يسمونها بِهِ وافقتموهم، وَإِذا وَافق الْخصم خَصمه صَار كَأَنَّهُ انْقَطع لَهُ حَتَّى غَلبه، وَلَا يحْتَاج إِلَى تَقْدِير غصب وَلَا أَخذ. قلت: لما فسر الطَّيِّبِيّ الْغَلَبَة: بِالْغَصْبِ، يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّقْدِير ليتضح الْمَعْنى، وَقَالَ التوربشتي شَارِح (المصابيح) : الْمَعْنى: لَا تطلقوا هَذَا الِاسْم على مَا هُوَ متداول بَينهم فيغلب مصطلحهم على الِاسْم الَّذِي شرعته لكم. قَوْله: (الْأَعْرَاب) قَالَ الْقُرْطُبِيّ: الْأَعْرَاب من كَانَ من أهل الْبَادِيَة وَإِن لم يكن عَرَبيا، والعربي من ينْسب إِلَى الْعَرَب وَلَو لم يسكن الْبَادِيَة. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْأَعْرَاب ساكنو الْبَادِيَة من الْعَرَب الَّذين لَا يُقِيمُونَ فِي الْأَمْصَار وَلَا يدْخلُونَهَا إلَاّ لحَاجَة، وَالْعرب اسْم لهَذَا الجيل من النَّاس، وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه، وَسَوَاء أَقَامَ بالبادية أَو المدن. وَالنِّسْبَة إِلَيْهِمَا أَعْرَابِي وعربي. قَوْله: (على اسْم صَلَاتكُمْ الْمغرب) ، كلمة: على، مُتَعَلقَة بقوله: (لَا يغلبنكم) . و (الْمغرب) ، بِالْجَرِّ صفة: للصَّلَاة، وَهَذِه اللَّفْظَة ترد تَفْسِير الْأَزْهَرِي: لَا يغلبنكم الْأَعْرَاب، وَهُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ عَنهُ عَن قريب. قَوْله: (قَالَ: وَتقول الْأَعْرَاب) ، قَالَ الْكرْمَانِي: أَي: قَالَ عبد الله الْمُزنِيّ: وَكَانَ الْأَعْرَاب يَقُولُونَ، ويريدون بِهِ الْمغرب، فَكَانَ يشْتَبه ذَلِك على الْمُسلمين بالعشاء الْآخِرَة فَنهى عَن إِطْلَاق الْعشَاء على الْمغرب دفعا للالتباس. وَقَالَ بَعضهم: وَقد جزم الْكرْمَانِي بِأَنَّهُ فَاعل: قَالَ، هُوَ عبد الله الْمُزنِيّ رَاوِي الحَدِيث، وَيحْتَاج إِلَى نقل خَاص لذَلِك، وإلَاّ فَظَاهر إِيرَاد الْإِسْمَاعِيلِيّ: أَنه من تَتِمَّة الحَدِيث، فَإِنَّهُ أورد بِلَفْظ: فَإِن الْأَعْرَاب تسميها، وَالْأَصْل فِي مثل هَذَا أَن يكون كلَاما وَاحِدًا حَتَّى يقوم دَلِيل على إدراجه. قلت: لم يجْزم الْكرْمَانِي بذلك، وَإِنَّمَا قَالَ: قَالَ عبد الله الْمُزنِيّ، بِنَاء على ظَاهر الْكَلَام، فَإِنَّهُ فصل بَين الْكَلَامَيْنِ بِلَفْظ: قَالَ: وَالظَّاهِر أَنه الرَّاوِي، على أَنه يحْتَمل أَن تكون هَذِه اللَّفْظَة مطوية فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ. قَوْله: (هِيَ الْعشَاء) ، بِكَسْر الْعين وبالمد، وَهُوَ من الْمغرب إِلَى الْعَتَمَة. وَقيل: من الزَّوَال إِلَى طُلُوع الْفجْر. وَاعْلَم أَنه اخْتلف فِي لفظ الْمَتْن الْمَذْكُور، فَرَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) وَأَبُو نعيم فِي (مستخرجه) وَابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) كَرِوَايَة البُخَارِيّ، وَرَوَاهُ ابو مَسْعُود الرَّازِيّ عَن عبد الصَّمد: (لَا يغلبنكم على اسْم صَلَاتكُمْ، فَإِن الْأَعْرَاب تسميها عتمة) . وَكَذَا رَوَاهُ عَليّ بن عبد الْعَزِيز الْبَغَوِيّ عَن أبي معمر شيخ البُخَارِيّ. وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ كَذَلِك، وَرجح الْإِسْمَاعِيلِيّ رِوَايَة أبي مَسْعُود الرَّازِيّ لموافقته حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، الَّذِي رَوَاهُ مُسلم من طَرِيق أبي سَلمَة ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، عَن ابْن عمر بِلَفْظ: (لَا يغلبنكم الْأَعْرَاب على اسْم صَلَاتكُمْ، فَإِنَّهَا فِي كتاب الله الْعشَاء، وَإِنَّهُم يعتمون بحلاب ازبل) . وَلابْن مَاجَه نَحوه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِإِسْنَاد حسن، وَلأبي يعلى وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَوْف كَذَلِك.

٢٠ - (بابُ ذِكْرِ العِشَاءِ والعَتْمَةِ ومَنْ رَآهُ واسِعا)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ذكر الْعشَاء وَالْعَتَمَة فِي الْآثَار، وَمن رأى إِطْلَاق إسم الْعَتَمَة على الْعشَاء وَاسِعًا، أَي: جَائِزا وَالْعَتَمَة

بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: وَقت صَلَاة الْعشَاء الْآخِرَة، وَقَالَ الْخَلِيل: هِيَ بعد غيبوبة الشَّفق. وأعتم: إِذا دخل فِي الْعَتَمَة، وَالْعَتَمَة الإبطاء. يُقَال: أعتم الشَّيْء وعتمه إِذا أَخّرهُ، وعتمت الْحَاجة واعتمت إِذا تَأَخَّرت. فَإِن قلت: سِيَاق الحَدِيث الَّذِي فِي هَذَا الْبَاب، والْحَدِيث الَّذِي فِي الْبَاب الَّذِي قبله وَاحِد، فَمَا وَجه مُغَايرَة الترجمتين؟ قلت: لِأَنَّهُ لم يثبت عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِطْلَاق إسم الْعشَاء على الْمغرب، وَثَبت عَنهُ إِطْلَاق اسْم الْعَتَمَة على الْعشَاء، فغاير البُخَارِيّ بَين الترجمتين بِحَسب ذَلِك.

وقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى المُنَافِقِينَ العِشَاءُ والفَجْرُ وَقَالَ لَوْ يَعْلَمُون مَا فِي العَتَمَةِ والفَجْرِ

اللَّفْظ الأول، أسْندهُ البُخَارِيّ فِي فضل الْعشَاء فِي جمَاعَة، وَالثَّانِي أسْندهُ فِي بَاب الْأَذَان والشهادات، وَأَشَارَ البُخَارِيّ بإيراد هَذَا الحَدِيث، وَالْأَحَادِيث الَّتِي بعده محذوفة الْأَسَانِيد، إِلَى جَوَاز تَسْمِيَة الْعشَاء بالعتمة، وَقد أَبَاحَ تَسْمِيَتهَا بالعتمة أَيْضا أَبُو بكر وَابْن عَبَّاس، ذكره ابْن أبي شيبَة

قالَ أبُو عَبْدِ الله والاخْتِيَارُ أنْ يَقُولَ العِشَاءُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ومِن بَعْدِ صَلَاةِ العِشَاءِ

أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، وَكَأَنَّهُ اقتبس مِمَّا ثَبت أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لَا يغلبنكم الْأَعْرَاب على اسْم صَلَاتكُمْ الْعشَاء، فَإِنَّهَا فِي كتاب الله تَعَالَى: الْعشَاء. قَالَ تَعَالَى: {وَمن بعد صَلَاة الْعشَاء} (النُّور: ٥٨) . وَقَالَ ابْن الْمُنِير: هَذَا لَا يتَنَاوَلهُ لفظ التَّرْجَمَة، فَإِن لَفظهَا يفهم التَّسْوِيَة، وَهَذَا ظَاهر فِي التَّرْجِيح، وَأجِيب عَنهُ بِأَنَّهُ: لَا مُنَافَاة بَين الْجَوَاز والأولوية، فالشيئان إِذا كَانَا جائزي الْفِعْل قد يكون أَحدهمَا أولى من الآخر، وَإِنَّمَا صَار أولى مِنْهُ لموافقته لفظ الْقُرْآن. قلت: لَا نسلم أَن لفظ التَّرْجَمَة يفهم بالتسوية، غَايَة مَا فِي الْبَاب إِنَّمَا تفهم الْجَوَاز عِنْد من رَآهُ وَالْجَوَاز لَا يسْتَلْزم التَّسْوِيَة.

ويُذْكَرُ عنْ أبي مُوسَى قَالَ كُنَّا نَتَنَاوَبُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْدَ صَلاةِ العِشَاءِ فأَعْتَمَ بِهَا

هَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي بَاب فضل الْعشَاء مطولا، وَهُوَ الْبَاب الَّذِي يَلِي الْبَاب الَّذِي بعده، وَلَفظه فِيهِ: (فَكَانَ يتناوب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْد صَلَاة الْعشَاء كل لَيْلَة نفر مِنْهُم، فَوَافَقنَا النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَنا وأصحابي، وَله بعض الشّغل فِي بعض أمره، فاعتم بِالصَّلَاةِ) ، الحَدِيث. فَإِن قلت: هَذَا صَحِيح عِنْده، فَكيف ذكره بِصِيغَة التمريض قلت غَرَضه بَيَان اطلاقهم الْعَتَمَة وَالْعشَاء عَلَيْهِمَا عَلَيْهِ سَوَاء كَانَ بِصِيغَة التمريض لنَحْو: يذكر، أَو بِصِيغَة التَّصْحِيح نَحْو: قَالَ، كَمَا قَالَ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة، فِيمَا مضى الْآن.

وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ وعَائِشَةُ أعْتَمَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالعَتْمَةِ بِالعِشَاءِ

هَذَا التَّعْلِيق ذكر بِصِيغَة التَّصْحِيح، وَحَدِيث ابْن عَبَّاس وَصله فِي بَاب النّوم قبل الْعشَاء، وَهُوَ الْبَاب الرَّابِع بعد هَذَا الْبَاب، وَلَفظه فِيهِ: قلت: لعطاء، فَقَالَ: سَمِعت ابْن عَبَّاس يَقُول: (اعتم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْلَة بالعشاء حَتَّى رقد النَّاس) الحَدِيث، وَأما حَدِيث عَائِشَة فوصله فِي بَاب فضل الْعشَاء وَلَفظه: عَن عُرْوَة أَن عَائِشَة أخْبرته، قَالَ: (اعتم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْلَة بالعشاء) الحَدِيث، وَكَذَا وَصله فِي بَاب النّوم قبل الْعشَاء عَن عُرْوَة أَن عَائِشَة قَالَت: (اعتم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالعشاء) الحَدِيث. قَوْله: (اعتم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بالعتمة) أَي: أخر صَلَاة الْعَتَمَة أَو أَبْطَأَ بهَا. قَوْله: (بالعشاء) ، بدل اشْتِمَال من قَوْله: (بالعتمة) .

وقالَ بَعْضُهُمْ عنْ عَائِشَةَ أعْتَمَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالعَتْمَةِ

هَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي بَاب خُرُوج النِّسَاء إِلَى الْمَسَاجِد بِاللَّيْلِ من طَرِيق شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَنْهَا. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا من هَذَا الطَّرِيق قَوْله: (اعتم بالعتمة) ، أَي: دخل فِي وَقت الْعَتَمَة.

وَقَالَ جابرٌ كانَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي العِشَاءَ

لما ذكر ثَلَاث تعليقات عَن ثَلَاثَة من الصَّحَابَة وهم: أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ، رَضِي الله تَعَالَى

عَنْهُم، وفيهَا ذكر الْعَتَمَة وأعتم، شرع يذكر عَن خَمْسَة من الصَّحَابَة بِالتَّعْلِيقِ فِيهَا ذكر الْعشَاء: الأول عَن جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ، وَهَذَا التَّعْلِيق طرف من حَدِيث وَصله البُخَارِيّ فِي بَاب وَقت الْمغرب عَن مُحَمَّد بن بشار عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن شُعْبَة عَن سعد بن إِبْرَاهِيم إِلَى آخِره. وَفِيه: (وَالْعشَاء أَحْيَانًا وَأَحْيَانا) الحَدِيث، وَوَصله أَيْضا فِي بَاب وَقت الْعشَاء الَّذِي يَلِي الْبَاب الَّذِي نَحن فِيهِ.

وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ كانَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُؤَخِّرُ العِشَاءَ

هَذَا التَّعْلِيق طرف من حَدِيث وَصله البُخَارِيّ فِي بَاب وَقت الْعَصْر الَّذِي مضى قبل هَذَا الْبَاب بِسِتَّة أَبْوَاب من حَدِيث سيار بن سَلامَة، قَالَ: (دخلت أَنا وَأبي على أبي بَرزَة) الحَدِيث وَفِيه: (وَكَانَ يسْتَحبّ أَن يُؤَخر الْعشَاء.

وَقَالَ أنَسٌ أخَّرَّ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم العِشَاءَ الآخِرَةَ

وَهَذَا التَّعْلِيق طرف من حَدِيث وَصله البُخَارِيّ فِي بَاب وَقت الْعشَاء إِلَى نصف اللَّيْل، وَهُوَ بعد الْبَاب الَّذِي نَحن فِيهِ بأَرْبعَة أَبْوَاب، من حَدِيث حميد الطَّوِيل عَن أنس، قَالَ: (أخر النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، صَلَاة الْعشَاء إِلَى نصف اللَّيْل)

وقالَ ابنُ عُمَرَ وأبُو أيُّوبَ وابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم صلى النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَغْرِبَ والعِشَاءَ

وَهَذَا التَّعْلِيق فِيهِ ثَلَاثَة من الصَّحَابَة: عبد الله بن عمر، وَأَبُو أَيُّوب خَالِد بن زيد الخزرجي، وَعبد الله بن عَبَّاس. أما حَدِيث ابْن عمر فوصله البُخَارِيّ فِي الْحَج بِلَفْظ: (صلى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمغرب وَالْعشَاء بِالْمُزْدَلِفَةِ) . وَأما حَدِيث أبي أَيُّوب فوصله أَيْضا بِلَفْظ: (جمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حجَّة الْوَدَاع بَين الْمغرب وَالْعشَاء) . وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس فوصله فِي بَاب تَأْخِير الظّهْر إِلَى الْعَصْر، وَكَذَا أسْندهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه.

٥٦٤ - حدَّثنا عَبْدَانُ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ سالِمٌ أَخْبرنِي عَبْد الله قَالَ صلَّى لَنَا رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْلَةً صَلَاةَ العِشَاءِ وَهْيَ الَّتِي يَدْعُو النَّاسُ العَتْمَةَ ثُمَّ انْصَرَفَ فأقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ أرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ فَإنَّ رَأْسَ مَائَةِ سنَةٍ مِنْهَا لَايَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أحَدٌ. . (انْظُر الحَدِيث ١١٦ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، فَإِن فِيهِ ذكر الْعشَاء وَالْعَتَمَة.

ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: عَبْدَانِ، بِفَتْح العيم الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: وَهُوَ لقب عبد الله بن عُثْمَان الْمروزِي. الثَّانِي: عبد الله بن الْمُبَارك. الثَّالِث: يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: سَالم بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب. السَّادِس: أَبوهُ عبد الله بن عمر.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد من الْمَاضِي فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: رِوَايَة الإبن عَن أَبِيه بِذكر إسمه وَهُوَ قَوْله: قَالَ سَالم: أَخْبرنِي: عبد الله، فَإِن سالما هُوَ ابْن عبد الله بن عمر، وَشَيْخه هُنَا هُوَ أَبوهُ عبد الله بن عمر. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين مروزي ومدني وأيلي. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: قد ذكرنَا فِي كتاب الْعلم فِي بَاب السمر بِالْعلمِ أَن البُخَارِيّ أخرج هَذَا الحَدِيث فِيهِ عَن سعيد بن عفير عَن اللَّيْث عَن عبد الرَّحْمَن بن خَالِد عَن ابْن شهَاب هُوَ الزُّهْرِيّ عَن سَالم وَأبي بكر بن سُلَيْمَان بن أبي خَيْثَمَة أَن عبد الله بن عمر، قَالَ: (صلى لنا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي آخر حَيَاته، فَلَمَّا سلم قَالَ: أَرَأَيْتكُم) الحَدِيث، وَأخرجه أَيْضا عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب الزُّهْرِيّ. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن عَن شُعَيْب بِهِ، وَعَن أبي رَافع وَعبد بن حميد عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (صلى لنا) ، ويروى: (صلى بِنَا) ، وَمعنى: اللَّام، صلى إِمَامًا لنا، وإلَاّ فَالصَّلَاة لله لَا لَهُم. قَوْله: (لَيْلَة) أَي: فِي لَيْلَة من اللَّيَالِي. قَوْله: (وَهِي الَّتِي يَدْعُو النَّاس الْعَتَمَة) وَقد مر نَظِيره فِي حَدِيث أبي بَرزَة فِي قَوْله: (وَكَانَ يسْتَحبّ أَن يُؤَخر الْعشَاء الَّتِي تدعونها الْعَتَمَة) ، وَهَذَا يدل على غَلَبَة استعمالهم لَهَا بِهَذَا الإسم مِمَّن لم يبلغهم النَّهْي، وَأما من عرف النَّهْي

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلِهِ كَانُوا يُصَلُّونَهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ، وَلَا مِنْ قَوْلِهِ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ وَحْدَهُ، بَلِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ كَانُوا يُصَلُّونَهَا أَيِ النَّبِيُّ ﷺ بِأَصْحَابِهِ، وَهَكَذَا قَوْلُهُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّيهَا أَيْ بِأَصْحَابِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْله: (عَنْ سَلَمَةَ) هُوَ ابْنُ الْأَكْوَعِ، وَهَذَا مِنْ ثُلَاثِيَّاتِ الْبُخَارِيِّ.

قَوْله: (إِذَا تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) أَيِ اسْتَتَرَتْ، وَالْمُرَادُ الشَّمْسُ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَمْ يَذْكُرْهَا اعْتِمَادًا عَلَى أَفْهَامِ السَّامِعِينَ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ فِي الْقُرْآنِ: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ انْتَهَى. وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ بِلَفْظِ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَتَوَارَتْ بِالْحِجَابِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِاخْتِصَارَ فِي الْمَتْنِ مِنْ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ صَحَّ بِذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَرَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عِيسَى، وَأَبُو عَوَانَةَ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ صَفْوَانَ أَيْضًا عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ بِلَفْظِ: كَانَ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ سَاعَةَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ حِينَ يَغِيبُ حَاجِبُهَا، وَالْمُرَادُ حَاجِبُهَا الَّذِي يَبْقَى بَعْدَ أَنْ يَغِيبَ أَكْثَرُهَا، وَالرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا تَوَارَتْ أَصْرَحُ فِي الْمُرَادِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى ضَعْفِ حَدِيثِ أَبِي بَصْرَةَ بِالْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ الْمُهْمَلَةِ رَفَعَهُ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثِ: وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا حَتَّى يُرَى الشَّاهِدُ. وَالشَّاهِدُ النَّجْمُ.

١٩ - بَاب مَنْ كَرِهَ أَنْ يُقَالَ لِلْمَغْرِبِ الْعِشَاءُ

٥٦٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ الْحُسَيْنِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا تَغْلِبَنَّكُمْ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ الْمَغْرِبِ، قَالَ الْأَعْرَابُ وَتَقُولُ هِيَ الْعِشَاءُ.

قَوْله: (بَابُ مَنْ كَرِهَ أَنْ يُقَالَ لِلْمَغْرِبِ الْعِشَاءُ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: عَدَلَ الْمُصَنِّفُ عَنِ الْجَزْمِ كَأَنْ يَقُولَ بَابُ كَرَاهِيَةِ كَذَا لِأَنَّ لَفْظَ الْخَبَرِ لَا يَقْتَضِي نَهْيًا مُطْلَقًا، لَكِنْ فِيهِ النَّهْيُ عَنْ غَلَبَةِ الْأَعْرَابِ عَلَى ذَلِكَ، فَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ رَأَى أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ لَا يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ إِطْلَاقِ الْعِشَاءِ عَلَيْهِ أَحْيَانًا، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَى وَجْهٍ لَا يُتْرَكُ لَهُ التَّسْمِيَةُ الْأُخْرَى كَمَا تَرَكَ ذَلِكَ الْأَعْرَابُ وُقُوفًا مَعَ عَادَتِهِمْ، قَالَ: وَإِنَّمَا شُرِعَ لَهَا التَّسْمِيَةُ بِالْمَغْرِبِ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ يُشْعِرُ بِمُسَمَّاهَا أَوْ بِابْتِدَاءِ وَقْتِهَا، وَكُرِهَ إِطْلَاقُ اسْمِ الْعِشَاءِ عَلَيْهَا لِئَلَّا يَقَعَ الِالْتِبَاسُ بِالصَّلَاةِ الْأُخْرَى، وَعَلَى هَذَا لَا يُكْرَهُ أَيْضًا أَنْ تُسَمَّى الْعِشَاءَ بِقَيْدٍ كَأَنْ يَقُولَ الْعِشَاءُ الْأُولَى، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُمُ الْعِشَاءُ الْآخِرَةُ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ، وَسَيَأْتِي مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يُقَالُ لِلْمَغْرِبِ الْعِشَاءُ الْأُولَى وَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ، أَمَّا مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ فَلَا حُجَّةَ لَهُ.

قَوْله: (عَبْدُ الْوَارِثِ) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ التَّنُّورِيُّ، وَقَوْله: (عَنِ الْحُسَيْنِ) هُوَ الْمُعَلِّمُ.

قَوْله: (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ أَبِيهِ، زَادَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ هُوَ ابْنُ مُغَفَّلٍ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ مَنْسُوبًا بِذِكْرِ أَبِيهِ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَغَيْرِهِ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ.

قَوْله: (لَا تَغْلِبكُمْ) قَالَ الطِّيبِيُّ: يُقَالُ غَلَبَهُ عَلَى كَذَا غَصَبَهُ مِنْهُ أَوْ أَخَذَهُ مِنْهُ قَهْرًا، وَالْمَعْنَى لَا تَتَعَرَّضُوا لِمَا هُوَ مِنْ عَادَتِهِمْ مِنْ تَسْمِيَةِ الْمَغْرِبِ بِالْعِشَاءِ وَالْعِشَاءِ بِالْعَتَمَةِ فَيَغْصِبُ مِن كُمُ الْأَعْرَابُ اسْمَ الْعِشَاءِ الَّتِي سَمَّاهَا اللَّهُ بِهَا. قَالَ: فَالنَّهْيُ عَلَى الظَّاهِرِ لِلْأَعْرَابِ وَعَلَى الْحَقِيقَةِ لَهُمْ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مَعْنَى الْغَلَبَةِ أَنَّكُمْ تُسَمُّونَهَا اسْمًا

وَهُمْ يُسَمُّونَهَا اسْمًا، فَإِنْ سَمَّيْتُمُوهَا بِالِاسْمِ الَّذِي يُسَمُّونَهَا بِهِ وَافَقْتُمُوهُمْ، وَإِذَا وَافَقَ الْخَصْمُ خَصْمَهُ صَارَ كَأَنَّهُ انْقَطَعَ لَهُ حَتَّى غَلَبَهُ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرِ غَصَبَ وَلَا أَخَذَ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْمَعْنَى لَا تُطْلِقُوا هَذَا الِاسْمَ عَلَى مَا هُوَ مُتَدَاوَلٌ بَيْنَهُمْ فَيَغْلِبُ مُصْطَلَحُهُمْ عَلَى الِاسْمِ الَّذِي شَرَعْتُهُ لَكُمْ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْأَعْرَابُ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَرَبِيًّا، وَالْعَرَبِيُّ مَنْ يَنْتَسِبُ إِلَى الْعَرَبِ وَلَوْ لَمْ يَسْكُنِ الْبَادِيَةَ.

قَوْله: (عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ) التَّعْبِيرُ بِالِاسْمِ يُبْعِدُ قَوْلَ الْأَزْهَرِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ أَنْ لَا تُؤَخَّرَ صَلَاتُهَا عَنْ وَقْتِ الْغُرُوبِ، وَكَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمُنِيرِ: السِّرُّ فِي النَّهْيِ سَدُّ الذَّرِيعَةِ لِئَلَّا تُسَمَّى عِشَاءً فَيُظَنَّ امْتِدَادُ وَقْتِهَا عَنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ أَخْذًا مِنْ لَفْظِ الْعِشَاءِ اهـ. وَكَأَنَّهُ أَرَادَ تَقْوِيَةَ مَذْهَبِهِ فِي أَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ مُضَيَّقٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَسْمِيَتِهَا الْمَغْرِبَ أَنْ يَكُونَ وَقْتُهَا مُضَيَّقًا، فَإِنَّ الظُّهْرَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ وَقْتِهَا عِنْدَ الظَّهِيرَةِ وَلَيْسَ وَقْتُهَا مُضَيَّقًا بِلَا خِلَافٍ.

قَوْله: (قَالَ: وَتَقُولُ الْأَعْرَابُ: هِيَ الْعِشَاءُ) سِرُّ النَّهْي عَنْ مُوَافَقَتِهِمْ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ الْعِشَاءِ لُغَةً هُوَ أَوَّلُ ظَلَامِ اللَّيْلِ، وَذَلِكَ مِنْ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ، فَلَوْ قِيلَ لِلْمَغْرِبِ عِشَاءٌ لَأَدَّى إِلَى أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِهَا غَيْبُوبَةُ الشَّفَقِ، وَقَدْ جَزَمَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ فَاعِلَ قَالَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ رَاوِي الْحَدِيثِ، وَيَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ خَاصٍّ لِذَلِكَ وَإِلَّا فَظَاهِرُ إِيرَادِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَنَّهُ مِنْ تَتِمَّةِ الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ أَوْرَدَهُ بِلَفْظِ فَإِنَّ الْأَعْرَابَ تُسَمِّيهَا وَالْأَصْلُ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يَكُونَ كَلَامًا وَاحِدًا حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى إِدْرَاجِهِ.

(فَائِدَةٌ): لَا يَتَنَاوَلُ النَّهْيُ تَسْمِيَةَ الْمَغْرِبِ عِشَاءً عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ كَمَنْ قَالَ مَثَلًا: صَلَّيْتُ الْعِشَاءَيْنِ، إِذَا قُلْنَا: إِنَّ حِكْمَةَ النَّهْي عَنْ تَسْمِيَتِهَا عِشَاءً خَوْفُ اللَّبْسِ لِزَوَالِ اللَّبْسِ فِي الصِّيغَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(تَنْبِيهٌ): أَوْرَدَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ حَدِيثَ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ أَبِيهِ، وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي لَفْظِ الْمَتْنِ، فَقَالَ هَارُونُ الْحَمَّالُ عَنْهُ كَرِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ.

قُلْتُ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِهِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ عَنْ أَبِيهِ اهـ. وَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ الرَّازِيُّ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ: لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ؛ فَإِنَّ الْأَعْرَابَ تُسَمِّيهَا عَتَمَةً. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِهِ عَنِ الطَّبَرَانِيِّ كَذَلِكَ، وَجَنَحَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إِلَى تَرْجِيحِ رِوَايَةِ أَبِي مَسْعُودٍ لِمُوَافَقَتِهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ - يَعْنِي الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ - كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي صَدْرِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ. وَالَّذِي يَتَبَيَّنُ لِي أَنَّهُمَا حَدِيثَانِ: أَحَدُهُمَا فِي الْمَغْرِبِ، وَالْآخَرُ فِي الْعِشَاءِ، كَانَا جَمِيعًا عِنْدَ عَبْدِ الْوَارِثِ بِسَنَدٍ وَاحِدٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

٢٠ - بَاب ذِكْرِ الْعِشَاءِ وَالْعَتَمَةِ، وَمَنْ رَآهُ وَاسِعًا

قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ الْعِشَاءُ وَالْفَجْرُ. وَقَالَ: لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالْفَجْرِ. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: وَالِاخْتِيَارُ أَنْ يَقُولَ الْعِشَاءُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ﴾ وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كُنَّا نَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، فَأَعْتَمَ بِهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةُ: أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْعِشَاءِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ، عَنْ عَائِشَةَ: أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْعَتَمَةِ. وَقَالَ جَابِرٌ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الْعِشَاءَ. وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُؤَخِّرُ الْعِشَاءَ. وَقَالَ أَنَسٌ: أَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ. وَقَالَ ابْنُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٦٣ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين (-هُوَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو-) بفتح العين وسكون الميم، المنقريُّ البصريُّ (١)، وسقط لفظ «هو» للأَصيليِّ (٢) (قَالَ: حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ) ابن سعيد بن ذكوان العنبريُّ مولاهم، التَّنُّوريُّ -بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وتشديد النُّون- البصريُّ (عَنِ الحُسَيْنِ) بن ذكوان المعلِّم المُكْتِب العَوْذِيِّ -بفتح المُهمَلة وسكون الواو بعدها مُعجمَةٌ- البصريِّ (قَالَ: حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الرَّاء، قاضي مرو (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ) بن مُغَفَّلٍ بالغين المُعجَمَة المفتوحة والفاء المُشدَّدة (المُزَنِيُّ: أَنَّ النَّبِيَّ) وللأَصيليِّ: «أنَّ رسول الله» (ﷺ قَالَ: لَا تَغْلِبَنَّكُمُ) بالمُثنَّاة الفوقيَّة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «لا يغلبنَّكم» بالمُثنَّاة التَّحتيَّة (٣) (الأَعْرَابُ) سكَّان البوادي (عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمُ المَغْرِبِ) بالجرِّ صفةٌ لـ «صلاةٍ»، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «المغربُ» بالرَّفع، أي: لا تتَّبعوا الأعراب في تسميتهم لأنَّ الله تعالى سمَّاها مغربًا ولم يسمِّها عشاءً، وتسمية الله تعالى أَوْلى من تسميتهم، والسِّرُّ في النَّهي خوف الاشتباه على غيرهم من المسلمين، لكنَّ حديث: «لو تعلمون ما في العتمة» يوضِّح أنَّ النَّهي ليس للتَّحريم، أوِ المعنى:

لا تغصب (١) منكم الأعراب، فالنَّهي في الظَّاهر للأعراب، وفي الحقيقة للعموم. (قَالَ: وَيَقُولُ) بالمُثنَّاة التَّحتيَّة، وثبتت الواو في (٢): «ويقول» للأَصيليِّ، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «وتقول» (الأَعْرَابُ هِيَ) أي: المغرب (العِشَاءُ) بكسر العين والمدِّ، وفي روايةٍ وهي الَّتي في «اليونينيَّة»: «قال: الأعراب تقول» لكنَّه رُقِمَ عليها علامة التَّقديم والتَّأخير، وجعل الكِرمانيُّ فاعل «قال» عبد الله المزنيَّ راوي الحديث، ونُوزِع فيه بأنَّه يحتاج إلى نقلٍ خاصٍّ لذلك، وإِلَّا فظاهر إيراد الإسماعيليِّ أَنَّه من تتمَّة الحديث، فإنَّه أورده بلفظ: «فإنَّ (٣) الأعراب تسمِّيها»، والأصل عدم الإدراج.

ورواة الحديث الخمسة بصريُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وهو من أفراد المؤلِّف.

(٢٠) (بابُ ذِكْرِ العِشَاءِ وَالعَتَمَةِ) بفتحاتٍ والعين مُهمَلةٌ، وللأَصيليِّ: «أو العتمة» (وَمَنْ رَآهُ وَاسِعًا) أي: جائزًا.

(قَالَ) وللهرويِّ: «وقال» (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ فيما وصله المؤلِّف في «باب فضل العشاء جماعةً» [خ¦٦٥٧]: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَثْقَلُ الصَّلاة عَلَى المُنَافِقِينَ العِشَاءُ وَالفَجْرُ) لأنَّه وقت راحة البدن (وَقَالَ) النَّبيُّ ﷺ لأبي (١) هريرة ممَّا (٢) وصله في «باب الاستهام (٣) في الأذان» [خ¦٦١٥]: (لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالفَجْرِ) أي: لأتَوْهما ولو حَبْوًا، فسمَّاها ﵊ تارةً (٤) عشاءً وتارةً عتمةً (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: البخاريُّ، وسقط للأَصيليِّ: (وَالاِخْتِيَارُ أَنْ يَقُولَ: العِشَاءُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: «لقول الله تعالى»: (﴿وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء﴾ [النور: ٥٨] وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله (عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريِّ (قَالَ: كُنَّا نَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ ﷺ) أي: نأتي نوبةً بعد نوبةٍ (عِنْدَ صَلَاةِ العِشَاءِ، فَأَعْتَمَ بِهَا) أي: أخَّرها حتَّى اشتدَّت ظلمة اللَّيل، وعن الخليل: «العتمة» اسمٌ لثلث اللَّيل الأوَّل بعد غروب الشَّفق، وإنَّما ساقه بصيغة التَّمريض لكونه رواه بالمعنى، قال البدر الدَّمامينيُّ كالزَّركشيِّ: وهذا أحد ما يُرَدُّ به (٥) على ابن الصَّلاح في (٦) دعواه أنَّ تعليقات البخاريِّ الَّتي يذكرها (٧) بصيغة التَّمريض لا تكون صحيحةً عنده. انتهى. وتعقَّبه البرماويُّ فقال: إنَّما قال: «لا تدلُّ على الصِّحَّة» ولم يقل: أنَّها تدلُّ على الضَّعف، وبينهما فرقٌ (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ ممَّا وصله في «باب النَّوم قبل العشاء» [خ¦٥٧١] (وَ) قالت (عَائِشَةُ) ﵂ ممَّا وصله أيضًا في «باب فضل العشاء» [خ¦٥٦٦]: (أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِالعِشَاءِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَنْ عَائِشَةَ) ممَّا وصله المؤلِّف في «باب خروج النِّساء إلى المساجد باللَّيل» [خ¦٨٦٤]:

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

بن إِبْرَاهِيم ابْن بشير بن فرقد الْبَلْخِي، وَيزِيد بن أبي عبيد مولى سَلمَة هَذَا. وَهُوَ سَلمَة بن الْأَكْوَع الصَّحَابِيّ.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن هَذَا من ثلاثيات البُخَارِيّ. وَفِيه: أَن اسْم شيخ البُخَارِيّ على صُورَة الْمَنْسُوب، وَرُبمَا يتَوَهَّم أَنه شخص مَنْسُوب إِلَى مَكَّة وَلَيْسَ كَذَلِك.

ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه أَيْضا مُسلم فِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة، وَأَبُو دَاوُد عَن عَمْرو بن عَليّ وَالتِّرْمِذِيّ عَن قُتَيْبَة وَابْن مَاجَه عَن يَعْقُوب بن حميد.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (الْمغرب) أَي: صَلَاة الْمغرب. قَوْله: (إِذا تَوَارَتْ) أَي: الشَّمْس، وَلَا يُقَال: إِن الضَّمِير فِيهِ مُبْهَم لَا يعلم مرجعه، لِأَن قَوْله: (الْمغرب) قرينَة تدل على أَن الضَّمِير الَّذِي فِيهِ يرجع إِلَى الشَّمْس كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {حَتَّى تَوَارَتْ بالحجاب} (ص: ٣٢) . وَالظَّاهِر أَن طي ذكر الْفَاعِل فِيهِ من شيخ البُخَارِيّ، لِأَن عبد بن حميد رَوَاهُ عَن صَفْوَان بن عِيسَى، والإسماعيلي كَذَلِك عَن يزِيد بن أبي عبيد بِلَفْظ: (كَانَ يُصَلِّي الْمغرب سَاعَة تغرب الشَّمْس حِين يغيب حاجبها) . وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن سَلمَة: (كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي الْمغرب سَاعَة مغرب الشَّمْس إِذا غَابَ حاجبها) . قَوْله: (سَاعَة) نصب على الظّرْف ومضاف إِلَى الْجُمْلَة. قَوْله: (إِذا غَابَ حاجبها) ، بدل من قَوْله: سَاعَة تغرب الشَّمْس) وحاجب الشَّمْس، طرفها الْأَعْلَى من قرصها، وحواجبها نَوَاحِيهَا. وَقيل: سمي بذلك لِأَنَّهُ أول مَا يَبْدُو مِنْهَا كحاجب الْإِنْسَان، فعلى هَذَا يخْتَص الْحَاجِب بالحرف الْأَعْلَى البادي أَولا، وَلَا يُسمى جَمِيع جوانبها حواجب.

وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: أَن أول وَقت صَلَاة الْمغرب حِين تغرب الشَّمْس، وَفِي خُرُوج وقته اخْتِلَاف، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب.

١٩ - (بابُ مَنْ كَرِهَ أنْ يُقَالَ لِلْمَغْرِبِ العِشَاءُ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول من كره أَن يُقَال للمغرب: الْعشَاء، وَإِنَّمَا لم يجْزم بقوله: بَاب، كَرَاهِيَة كَذَا، لِأَن لفظ الحَدِيث لَا يَقْتَضِي نهيا مُطلقًا، لِأَن النَّهْي فِيهِ عَن غَلَبَة الْإِعْرَاب على ذَلِك، فَكَأَنَّهُ رأى جَوَاز إِطْلَاقه بالعشاء على وَجه لَا يتْرك التَّسْمِيَة الْأُخْرَى، كَمَا ترك الْإِعْرَاب. والمشروع أَن يُقَال لَهَا: الْمغرب، لِأَنَّهُ اسْم يشْعر بمسماها وبابتداء وَقتهَا. وَوجه كَرَاهَة إِطْلَاق الْعشَاء عَلَيْهَا لأجل الالتباس بِالصَّلَاةِ الْأُخْرَى، فعلى هَذَا لَا يكره أَن يُقَال للمغرب: الْعشَاء الأولى، وَيُؤَيِّدهُ قَوْلهم الْعشَاء الْآخِرَة كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح وَنقل ابْن بطال عَن بَعضهم انه لَا يُقَال للمغرب الْعشَاء الأولى وَيحْتَاج إِلَى دَلِيل خَاص لِأَنَّهُ لَا حجَّة لَهُ من حَدِيث الْبَاب. وَقَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا كره أَن يُقَال للمغرب: الْعشَاء، لِأَن التَّسْمِيَة من الله تَعَالَى وَرَسُوله، قَالَ تَعَالَى: {وَعلم آدم الْأَسْمَاء كلهَا} (الْبَقَرَة: ٣١) .

٥٦٣ - حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ هُوَ عَبْدُ الله بنُ عَمْرٍ وَقَالَ حدَّثنا عَبْد الوَارِثِ عَنِ الحُسَيْنِ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ عَبْدُ الله بنُ بُرَيْدَةَ قَالَ حدَّثني عَبْدُ الله المُزَنِيُّ أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَا تَغْلِبَنَّكُمْ الأَعْرَابُ عَلَى إسْمِ صَلَاتِكُمْ المَغْرِبِ قالَ وتَقُولُ الأَعْرَابُ هِيَ العِشَاءُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَهَاهُم أَن يسموا الْمغرب بِالِاسْمِ الَّذِي تسميه الْأَعْرَاب وَهُوَ: الْعشَاء.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو معمر، بِفَتْح الميمين: واسْمه عبد الله بن عَمْرو بن أبي الْحجَّاج الْمنْقري المقعد الْبَصْرِيّ. الثَّانِي: عبد الْوَارِث بن سعيد التنوري الثالثص الْحُسَيْن الْمعلم. الرَّابِع: عبد الله بن بُرَيْدَة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال الْمُهْملَة: قَاضِي مرو، مَاتَ بهَا سنة خمس عشرَة وَمِائَة. الْخَامِس: عبد الله بن مُغفل، بِضَم الْمِيم وَفتح

الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْفَاء: الْمُزنِيّ من أَصْحَاب الشَّجَرَة، قَالَ: (كنت أرفع أَغْصَانهَا عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، رُوِيَ لَهُ ثَلَاثَة وَأَرْبَعُونَ حَدِيثا للْبُخَارِيّ مِنْهَا خَمْسَة، وَهُوَ أول من دخل تستر وَقت الْفَتْح، مَاتَ سنة سِتِّينَ.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد من الْمَاضِي فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم بصريون، وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لَا يغلبنكم الْأَعْرَاب) ، قَالَ الْأَزْهَرِي: مَعْنَاهُ: لَا يَغُرنكُمْ فعلهم هَذَا عَن صَلَاتكُمْ فتؤخروها، وَلَكِن صلوها إِذا كَانَ وَقتهَا، وَالْعشَاء أول ظلام اللَّيْل، وَذَلِكَ من حِين يكون غيبوبة الشَّفق. فَلَو قيل فِي الْمغرب: عشَاء، لَأَدَّى إِلَى اللّبْس بالعشاء الْآخِرَة، وَالْكَرَاهَة فِي ذَلِك أَن لَا تتبع الْأَعْرَاب فِي هَذِه التَّسْمِيَة. وَقيل: إِن الْأَعْرَاب يسمونها: الْعَتَمَة لكَوْنهم يؤخرون الْحَلب إِلَى شدَّة الظلام. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لِئَلَّا يعدل بهَا عَمَّا سَمَّاهَا الله تَعَالَى، فَهُوَ إرشاد إِلَى مَا هُوَ الأولى لَا على التَّحْرِيم وَلَا على أَنه لَا يجوز. أَلَا ترَاهُ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد قَالَ: (وَلَو يعلمُونَ مَا فِي الْعَتَمَة وَالصُّبْح) . وَقد أَبَاحَ تَسْمِيَتهَا بذلك أَبُو بكر وَابْن عَبَّاس فِيمَا ذكره ابْن أبي شيبَة. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: يُقَال: غَلبه على كَذَا: غصبه مِنْهُ، أَو أَخذه مِنْهُ قهرا، وَالْمعْنَى: لَا تتعرضوا لما هُوَ من عَادَتهم من تَسْمِيَة الْمغرب بالعشاء، وَالْعشَاء بالعتمة، فيغصب مِنْكُم الْأَعْرَاب اسْم الْعشَاء الَّتِي سَمَّاهَا الله تَعَالَى بهَا، قَالَ: فالنهي على الظَّاهِر للأعراب، وعَلى الْحَقِيقَة لَهُم. وَقَالَ غَيره: معنى الْغَلَبَة أَنكُمْ تسمونها إسما وهم يسمونها إسما، فَإِن سميتموها بِالِاسْمِ الَّذِي يسمونها بِهِ وافقتموهم، وَإِذا وَافق الْخصم خَصمه صَار كَأَنَّهُ انْقَطع لَهُ حَتَّى غَلبه، وَلَا يحْتَاج إِلَى تَقْدِير غصب وَلَا أَخذ. قلت: لما فسر الطَّيِّبِيّ الْغَلَبَة: بِالْغَصْبِ، يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّقْدِير ليتضح الْمَعْنى، وَقَالَ التوربشتي شَارِح (المصابيح) : الْمَعْنى: لَا تطلقوا هَذَا الِاسْم على مَا هُوَ متداول بَينهم فيغلب مصطلحهم على الِاسْم الَّذِي شرعته لكم. قَوْله: (الْأَعْرَاب) قَالَ الْقُرْطُبِيّ: الْأَعْرَاب من كَانَ من أهل الْبَادِيَة وَإِن لم يكن عَرَبيا، والعربي من ينْسب إِلَى الْعَرَب وَلَو لم يسكن الْبَادِيَة. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْأَعْرَاب ساكنو الْبَادِيَة من الْعَرَب الَّذين لَا يُقِيمُونَ فِي الْأَمْصَار وَلَا يدْخلُونَهَا إلَاّ لحَاجَة، وَالْعرب اسْم لهَذَا الجيل من النَّاس، وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه، وَسَوَاء أَقَامَ بالبادية أَو المدن. وَالنِّسْبَة إِلَيْهِمَا أَعْرَابِي وعربي. قَوْله: (على اسْم صَلَاتكُمْ الْمغرب) ، كلمة: على، مُتَعَلقَة بقوله: (لَا يغلبنكم) . و (الْمغرب) ، بِالْجَرِّ صفة: للصَّلَاة، وَهَذِه اللَّفْظَة ترد تَفْسِير الْأَزْهَرِي: لَا يغلبنكم الْأَعْرَاب، وَهُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ عَنهُ عَن قريب. قَوْله: (قَالَ: وَتقول الْأَعْرَاب) ، قَالَ الْكرْمَانِي: أَي: قَالَ عبد الله الْمُزنِيّ: وَكَانَ الْأَعْرَاب يَقُولُونَ، ويريدون بِهِ الْمغرب، فَكَانَ يشْتَبه ذَلِك على الْمُسلمين بالعشاء الْآخِرَة فَنهى عَن إِطْلَاق الْعشَاء على الْمغرب دفعا للالتباس. وَقَالَ بَعضهم: وَقد جزم الْكرْمَانِي بِأَنَّهُ فَاعل: قَالَ، هُوَ عبد الله الْمُزنِيّ رَاوِي الحَدِيث، وَيحْتَاج إِلَى نقل خَاص لذَلِك، وإلَاّ فَظَاهر إِيرَاد الْإِسْمَاعِيلِيّ: أَنه من تَتِمَّة الحَدِيث، فَإِنَّهُ أورد بِلَفْظ: فَإِن الْأَعْرَاب تسميها، وَالْأَصْل فِي مثل هَذَا أَن يكون كلَاما وَاحِدًا حَتَّى يقوم دَلِيل على إدراجه. قلت: لم يجْزم الْكرْمَانِي بذلك، وَإِنَّمَا قَالَ: قَالَ عبد الله الْمُزنِيّ، بِنَاء على ظَاهر الْكَلَام، فَإِنَّهُ فصل بَين الْكَلَامَيْنِ بِلَفْظ: قَالَ: وَالظَّاهِر أَنه الرَّاوِي، على أَنه يحْتَمل أَن تكون هَذِه اللَّفْظَة مطوية فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ. قَوْله: (هِيَ الْعشَاء) ، بِكَسْر الْعين وبالمد، وَهُوَ من الْمغرب إِلَى الْعَتَمَة. وَقيل: من الزَّوَال إِلَى طُلُوع الْفجْر. وَاعْلَم أَنه اخْتلف فِي لفظ الْمَتْن الْمَذْكُور، فَرَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) وَأَبُو نعيم فِي (مستخرجه) وَابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) كَرِوَايَة البُخَارِيّ، وَرَوَاهُ ابو مَسْعُود الرَّازِيّ عَن عبد الصَّمد: (لَا يغلبنكم على اسْم صَلَاتكُمْ، فَإِن الْأَعْرَاب تسميها عتمة) . وَكَذَا رَوَاهُ عَليّ بن عبد الْعَزِيز الْبَغَوِيّ عَن أبي معمر شيخ البُخَارِيّ. وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ كَذَلِك، وَرجح الْإِسْمَاعِيلِيّ رِوَايَة أبي مَسْعُود الرَّازِيّ لموافقته حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، الَّذِي رَوَاهُ مُسلم من طَرِيق أبي سَلمَة ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، عَن ابْن عمر بِلَفْظ: (لَا يغلبنكم الْأَعْرَاب على اسْم صَلَاتكُمْ، فَإِنَّهَا فِي كتاب الله الْعشَاء، وَإِنَّهُم يعتمون بحلاب ازبل) . وَلابْن مَاجَه نَحوه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِإِسْنَاد حسن، وَلأبي يعلى وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَوْف كَذَلِك.

٢٠ - (بابُ ذِكْرِ العِشَاءِ والعَتْمَةِ ومَنْ رَآهُ واسِعا)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ذكر الْعشَاء وَالْعَتَمَة فِي الْآثَار، وَمن رأى إِطْلَاق إسم الْعَتَمَة على الْعشَاء وَاسِعًا، أَي: جَائِزا وَالْعَتَمَة

بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: وَقت صَلَاة الْعشَاء الْآخِرَة، وَقَالَ الْخَلِيل: هِيَ بعد غيبوبة الشَّفق. وأعتم: إِذا دخل فِي الْعَتَمَة، وَالْعَتَمَة الإبطاء. يُقَال: أعتم الشَّيْء وعتمه إِذا أَخّرهُ، وعتمت الْحَاجة واعتمت إِذا تَأَخَّرت. فَإِن قلت: سِيَاق الحَدِيث الَّذِي فِي هَذَا الْبَاب، والْحَدِيث الَّذِي فِي الْبَاب الَّذِي قبله وَاحِد، فَمَا وَجه مُغَايرَة الترجمتين؟ قلت: لِأَنَّهُ لم يثبت عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِطْلَاق إسم الْعشَاء على الْمغرب، وَثَبت عَنهُ إِطْلَاق اسْم الْعَتَمَة على الْعشَاء، فغاير البُخَارِيّ بَين الترجمتين بِحَسب ذَلِك.

وقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى المُنَافِقِينَ العِشَاءُ والفَجْرُ وَقَالَ لَوْ يَعْلَمُون مَا فِي العَتَمَةِ والفَجْرِ

اللَّفْظ الأول، أسْندهُ البُخَارِيّ فِي فضل الْعشَاء فِي جمَاعَة، وَالثَّانِي أسْندهُ فِي بَاب الْأَذَان والشهادات، وَأَشَارَ البُخَارِيّ بإيراد هَذَا الحَدِيث، وَالْأَحَادِيث الَّتِي بعده محذوفة الْأَسَانِيد، إِلَى جَوَاز تَسْمِيَة الْعشَاء بالعتمة، وَقد أَبَاحَ تَسْمِيَتهَا بالعتمة أَيْضا أَبُو بكر وَابْن عَبَّاس، ذكره ابْن أبي شيبَة

قالَ أبُو عَبْدِ الله والاخْتِيَارُ أنْ يَقُولَ العِشَاءُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ومِن بَعْدِ صَلَاةِ العِشَاءِ

أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، وَكَأَنَّهُ اقتبس مِمَّا ثَبت أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لَا يغلبنكم الْأَعْرَاب على اسْم صَلَاتكُمْ الْعشَاء، فَإِنَّهَا فِي كتاب الله تَعَالَى: الْعشَاء. قَالَ تَعَالَى: {وَمن بعد صَلَاة الْعشَاء} (النُّور: ٥٨) . وَقَالَ ابْن الْمُنِير: هَذَا لَا يتَنَاوَلهُ لفظ التَّرْجَمَة، فَإِن لَفظهَا يفهم التَّسْوِيَة، وَهَذَا ظَاهر فِي التَّرْجِيح، وَأجِيب عَنهُ بِأَنَّهُ: لَا مُنَافَاة بَين الْجَوَاز والأولوية، فالشيئان إِذا كَانَا جائزي الْفِعْل قد يكون أَحدهمَا أولى من الآخر، وَإِنَّمَا صَار أولى مِنْهُ لموافقته لفظ الْقُرْآن. قلت: لَا نسلم أَن لفظ التَّرْجَمَة يفهم بالتسوية، غَايَة مَا فِي الْبَاب إِنَّمَا تفهم الْجَوَاز عِنْد من رَآهُ وَالْجَوَاز لَا يسْتَلْزم التَّسْوِيَة.

ويُذْكَرُ عنْ أبي مُوسَى قَالَ كُنَّا نَتَنَاوَبُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْدَ صَلاةِ العِشَاءِ فأَعْتَمَ بِهَا

هَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي بَاب فضل الْعشَاء مطولا، وَهُوَ الْبَاب الَّذِي يَلِي الْبَاب الَّذِي بعده، وَلَفظه فِيهِ: (فَكَانَ يتناوب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْد صَلَاة الْعشَاء كل لَيْلَة نفر مِنْهُم، فَوَافَقنَا النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَنا وأصحابي، وَله بعض الشّغل فِي بعض أمره، فاعتم بِالصَّلَاةِ) ، الحَدِيث. فَإِن قلت: هَذَا صَحِيح عِنْده، فَكيف ذكره بِصِيغَة التمريض قلت غَرَضه بَيَان اطلاقهم الْعَتَمَة وَالْعشَاء عَلَيْهِمَا عَلَيْهِ سَوَاء كَانَ بِصِيغَة التمريض لنَحْو: يذكر، أَو بِصِيغَة التَّصْحِيح نَحْو: قَالَ، كَمَا قَالَ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة، فِيمَا مضى الْآن.

وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ وعَائِشَةُ أعْتَمَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالعَتْمَةِ بِالعِشَاءِ

هَذَا التَّعْلِيق ذكر بِصِيغَة التَّصْحِيح، وَحَدِيث ابْن عَبَّاس وَصله فِي بَاب النّوم قبل الْعشَاء، وَهُوَ الْبَاب الرَّابِع بعد هَذَا الْبَاب، وَلَفظه فِيهِ: قلت: لعطاء، فَقَالَ: سَمِعت ابْن عَبَّاس يَقُول: (اعتم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْلَة بالعشاء حَتَّى رقد النَّاس) الحَدِيث، وَأما حَدِيث عَائِشَة فوصله فِي بَاب فضل الْعشَاء وَلَفظه: عَن عُرْوَة أَن عَائِشَة أخْبرته، قَالَ: (اعتم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْلَة بالعشاء) الحَدِيث، وَكَذَا وَصله فِي بَاب النّوم قبل الْعشَاء عَن عُرْوَة أَن عَائِشَة قَالَت: (اعتم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالعشاء) الحَدِيث. قَوْله: (اعتم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بالعتمة) أَي: أخر صَلَاة الْعَتَمَة أَو أَبْطَأَ بهَا. قَوْله: (بالعشاء) ، بدل اشْتِمَال من قَوْله: (بالعتمة) .

وقالَ بَعْضُهُمْ عنْ عَائِشَةَ أعْتَمَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالعَتْمَةِ

هَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي بَاب خُرُوج النِّسَاء إِلَى الْمَسَاجِد بِاللَّيْلِ من طَرِيق شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَنْهَا. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا من هَذَا الطَّرِيق قَوْله: (اعتم بالعتمة) ، أَي: دخل فِي وَقت الْعَتَمَة.

وَقَالَ جابرٌ كانَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي العِشَاءَ

لما ذكر ثَلَاث تعليقات عَن ثَلَاثَة من الصَّحَابَة وهم: أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ، رَضِي الله تَعَالَى

عَنْهُم، وفيهَا ذكر الْعَتَمَة وأعتم، شرع يذكر عَن خَمْسَة من الصَّحَابَة بِالتَّعْلِيقِ فِيهَا ذكر الْعشَاء: الأول عَن جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ، وَهَذَا التَّعْلِيق طرف من حَدِيث وَصله البُخَارِيّ فِي بَاب وَقت الْمغرب عَن مُحَمَّد بن بشار عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن شُعْبَة عَن سعد بن إِبْرَاهِيم إِلَى آخِره. وَفِيه: (وَالْعشَاء أَحْيَانًا وَأَحْيَانا) الحَدِيث، وَوَصله أَيْضا فِي بَاب وَقت الْعشَاء الَّذِي يَلِي الْبَاب الَّذِي نَحن فِيهِ.

وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ كانَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُؤَخِّرُ العِشَاءَ

هَذَا التَّعْلِيق طرف من حَدِيث وَصله البُخَارِيّ فِي بَاب وَقت الْعَصْر الَّذِي مضى قبل هَذَا الْبَاب بِسِتَّة أَبْوَاب من حَدِيث سيار بن سَلامَة، قَالَ: (دخلت أَنا وَأبي على أبي بَرزَة) الحَدِيث وَفِيه: (وَكَانَ يسْتَحبّ أَن يُؤَخر الْعشَاء.

وَقَالَ أنَسٌ أخَّرَّ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم العِشَاءَ الآخِرَةَ

وَهَذَا التَّعْلِيق طرف من حَدِيث وَصله البُخَارِيّ فِي بَاب وَقت الْعشَاء إِلَى نصف اللَّيْل، وَهُوَ بعد الْبَاب الَّذِي نَحن فِيهِ بأَرْبعَة أَبْوَاب، من حَدِيث حميد الطَّوِيل عَن أنس، قَالَ: (أخر النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، صَلَاة الْعشَاء إِلَى نصف اللَّيْل)

وقالَ ابنُ عُمَرَ وأبُو أيُّوبَ وابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم صلى النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَغْرِبَ والعِشَاءَ

وَهَذَا التَّعْلِيق فِيهِ ثَلَاثَة من الصَّحَابَة: عبد الله بن عمر، وَأَبُو أَيُّوب خَالِد بن زيد الخزرجي، وَعبد الله بن عَبَّاس. أما حَدِيث ابْن عمر فوصله البُخَارِيّ فِي الْحَج بِلَفْظ: (صلى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمغرب وَالْعشَاء بِالْمُزْدَلِفَةِ) . وَأما حَدِيث أبي أَيُّوب فوصله أَيْضا بِلَفْظ: (جمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حجَّة الْوَدَاع بَين الْمغرب وَالْعشَاء) . وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس فوصله فِي بَاب تَأْخِير الظّهْر إِلَى الْعَصْر، وَكَذَا أسْندهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه.

٥٦٤ - حدَّثنا عَبْدَانُ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ سالِمٌ أَخْبرنِي عَبْد الله قَالَ صلَّى لَنَا رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْلَةً صَلَاةَ العِشَاءِ وَهْيَ الَّتِي يَدْعُو النَّاسُ العَتْمَةَ ثُمَّ انْصَرَفَ فأقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ أرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ فَإنَّ رَأْسَ مَائَةِ سنَةٍ مِنْهَا لَايَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أحَدٌ. . (انْظُر الحَدِيث ١١٦ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، فَإِن فِيهِ ذكر الْعشَاء وَالْعَتَمَة.

ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: عَبْدَانِ، بِفَتْح العيم الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: وَهُوَ لقب عبد الله بن عُثْمَان الْمروزِي. الثَّانِي: عبد الله بن الْمُبَارك. الثَّالِث: يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: سَالم بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب. السَّادِس: أَبوهُ عبد الله بن عمر.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد من الْمَاضِي فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: رِوَايَة الإبن عَن أَبِيه بِذكر إسمه وَهُوَ قَوْله: قَالَ سَالم: أَخْبرنِي: عبد الله، فَإِن سالما هُوَ ابْن عبد الله بن عمر، وَشَيْخه هُنَا هُوَ أَبوهُ عبد الله بن عمر. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين مروزي ومدني وأيلي. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: قد ذكرنَا فِي كتاب الْعلم فِي بَاب السمر بِالْعلمِ أَن البُخَارِيّ أخرج هَذَا الحَدِيث فِيهِ عَن سعيد بن عفير عَن اللَّيْث عَن عبد الرَّحْمَن بن خَالِد عَن ابْن شهَاب هُوَ الزُّهْرِيّ عَن سَالم وَأبي بكر بن سُلَيْمَان بن أبي خَيْثَمَة أَن عبد الله بن عمر، قَالَ: (صلى لنا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي آخر حَيَاته، فَلَمَّا سلم قَالَ: أَرَأَيْتكُم) الحَدِيث، وَأخرجه أَيْضا عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب الزُّهْرِيّ. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن عَن شُعَيْب بِهِ، وَعَن أبي رَافع وَعبد بن حميد عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (صلى لنا) ، ويروى: (صلى بِنَا) ، وَمعنى: اللَّام، صلى إِمَامًا لنا، وإلَاّ فَالصَّلَاة لله لَا لَهُم. قَوْله: (لَيْلَة) أَي: فِي لَيْلَة من اللَّيَالِي. قَوْله: (وَهِي الَّتِي يَدْعُو النَّاس الْعَتَمَة) وَقد مر نَظِيره فِي حَدِيث أبي بَرزَة فِي قَوْله: (وَكَانَ يسْتَحبّ أَن يُؤَخر الْعشَاء الَّتِي تدعونها الْعَتَمَة) ، وَهَذَا يدل على غَلَبَة استعمالهم لَهَا بِهَذَا الإسم مِمَّن لم يبلغهم النَّهْي، وَأما من عرف النَّهْي

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 24 جمادى الأولى
هلال متناقص اليوم 24.8 / 29.5
الإضاءة 23%
الهلال الجديد بعد 5 يوم
لا إله إلا الله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56