«احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ صَائِمٌ.» بَابُ الْحَجْمِ فِي السَّفَرِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٦٩٤

الحديث رقم ٥٦٩٤ من كتاب «كتاب الطب» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب أي ساعة يحتجم.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٦٩٤ في صحيح البخاري

«احْتَجَمَ النَّبِيُّ وَهُوَ صَائِمٌ.»

بَابُ الْحَجْمِ فِي السَّفَرِ وَالْإِحْرَامِ قَالَهُ ابْنُ بُحَيْنَةَ عَنِ النَّبِيِّ

إسناد حديث البخاري رقم ٥٦٩٤

٥٦٩٤ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ:

⦗١٢٥⦘

حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٦٩٤: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِالتَّجْرِبَةِ، فَاقْتَصَرَ عَلَى مَا هُوَ بِالْوَحْيِ لِتَحَقُّقِهِ. وَقِيلَ: ذَكَرَ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ بِتَفَاصِيلِ ذَلِكَ. قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ السَّبْعَةُ أُصُولٍ صِفَةَ التَّدَاوِي بِهَا ; لِأَنَّهَا إِمَّا طِلَاءٌ أَوْ شُرْبٌ أَوْ تَكْمِيدٌ أَوْ تَنْطِيلٌ أَوْ تَبْخِيرٌ أَوْ سَعُوطٌ أَوْ لَدُودٌ ; فَالطِّلَاءُ يَدْخُلُ فِي الْمَرَاهِمِ وَيُحَلَّى بِالزَّيْتِ وَيُلَطَّخُ، وَكَذَا التَّكْمِيدُ، وَالشُّرْبُ يُسْحَقُ وَيُجْعَلُ فِي عَسَلٍ أَوْ مَاءٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَكَذَا التَّنْطِيلُ، وَالسَّعُوطُ يُسْحَقُ فِي زَيْتٍ وَيُقْطَرُ فِي الْأَنْفِ، وَكَذَا الدُّهْنُ، وَالتَّبْخِيرُ وَاضِحٌ، وَتَحْتَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ السَّبْعَةِ مَنَافِعُ لِأَدْوَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَلَا يُسْتَغْرَبُ ذَلِكَ مِمَّنْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ.

وَأَمَّا الْعُذْرَةُ فَهِيَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَجَعٌ فِي الْحَلْقِ يَعْتَرِي الصِّبْيَانَ غَالِبًا، وَقِيلَ: هِيَ قُرْحَةٌ تَخْرُجُ بَيْنَ الْأُذُنِ وَالْحَلْقِ أَوْ فِي الْخُرْمِ الَّذِي بَيْنَ الْأَنْفِ وَالْحَلْقِ، قِيلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَخْرُجُ غَالِبًا عِنْدَ طُلُوعِ الْعُذْرَةِ ; وَهِيَ خَمْسَةُ كَوَاكِبَ تَحْتَ الشِّعْرَى الْعَبُورِ، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: الْعَذَارَى، وَطُلُوعُهَا يَقَعُ وَسَطَ الْحَرِّ. وَقَدِ اسْتَشْكَلَ مُعَالَجَتُهَا بِالْقُسْطِ مَعَ كَوْنِهِ حَارًّا، وَالْعُذْرَةُ إِنَّمَا تَعْرِضُ فِي زَمَنِ الْحَرِّ بِالصِّبْيَانِ وَأَمْزِجَتُهُمْ حَارَّةٌ، وَلَا سِيَّمَا وَقُطْرُ الْحِجَازِ حَارٌّ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَادَّةَ الْعُذْرَةِ دَمٌ يَغْلِبُ عَلَيْهِ الْبَلْغَمُ، وَفِي الْقُسْطِ تَخْفِيفٌ لِلرُّطُوبَةِ. وَقَدْ يَكُونُ نَفْعُهُ فِي هَذَا الدَّوَاءِ بِالْخَاصِّيَّةِ، وَأَيْضًا فَالْأَدْوِيَةُ الْحَارَّةُ قَدْ تَنْفَعُ فِي الْأَمْرَاضِ الْحَارَّةِ بِالْعَرَضِ كَثِيرًا، بَلْ وَبِالذَّاتِ أَيْضًا. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ سِينَا فِي مُعَالَجَةِ سُعُوطِ اللَّهَاةِ الْقُسْطَ مَعَ الشَّبِّ الْيَمَانِيِّ وَغَيْرِهِ. عَلَى أَنَّنَا لَوْ لَمْ نَجِدْ شَيْئًا مِنَ التَّوْجِيهَاتِ لَكَانَ أَمْرُ الْمُعْجِزَةِ خَارِجًا عَنِ الْقَوَاعِدِ الطِّبِّيَّةِ. وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَاتِ الْجَنْبِ فِي بَابِ اللَّدُودِ، وَفِيهِ شَرْحُ بَقِيَّةِ حَدِيثِ أُمِّ قَيْسٍ هَذَا.

وَقَوْلُهَا: وَدَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ بِابْنٍ لِي تَقَدَّمَ مُطَوَّلًا فِي الطَّهَارَةِ، وَهُوَ حَدِيثٌ آخَرُ لِأُمِّ قَيْسٍ وَقَعَ ذِكْرُهُ هُنَا اسْتِطْرَادًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١١ - بَاب أَيَّ سَاعَةٍ يَحْتَجِمُ، وَاحْتَجَمَ أَبُو مُوسَى لَيْلًا

٥٦٩٤ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ وَهُوَ صَائِمٌ.

قَوْلُهُ: (بَابُ أَيَّةَ سَاعَةٍ يَحْتَجِمُ)، فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: أَيَّ سَاعَةٍ بِلَا هَاءٍ، وَالْمُرَادُ بِالسَّاعَةِ فِي التَّرْجَمَةِ مُطْلَقُ الزَّمَانِ، ولَا خُصُوصُ السَّاعَةِ الْمُتَعَارَفَةِ.

قَوْلُهُ: (وَاحْتَجَمَ أَبُو مُوسَى لَيْلًا) تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي كِتَابِ الصِّيَامِ، وَفِيهِ أَنَّ امْتِنَاعَهُ مِنَ الْحِجَامَةِ نَهَارًا كَانَ بِسَبَبِ الصِّيَامِ لِئَلَّا يَدْخُلَهُ خَلَلٌ، وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ مَالِكٌ فَكَرِهَ الْحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ لِئَلَّا يُغَرِّرَ بِصَوْمِهِ، لَا لِكَوْنِ الْحِجَامَةِ تُفْطِرُ الصَّائِمَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي حَدِيثِ: أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ هُنَاكَ، وَوَرَدَ فِي الْأَوْقَاتِ اللَّائِقَةِ بِالْحِجَامَةِ أَحَادِيثُ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ عَلَى شَرْطِهِ، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّهَا تُصْنَعُ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ وَلَا تَتَقَيَّدُ بِوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، لِأَنَّهُ ذَكَرَ الِاحْتِجَامَ لَيْلًا.

وذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ وَهُوَ يَقْتَضِي كَوْنَ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْهُ نَهَارًا، وَعِنْدَ الْأَطِبَّاءِ أَنَّ أَنْفَعَ الْحِجَامَةِ مَا يَقَعُ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ أَوِ الثَّالِثَةِ، وَأَنْ لَا يَقَعَ عَقِبَ اسْتِفْرَاغٍ عَنْ جِمَاعٍ أَوْ حَمَّامٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَلَا عَقِبَ شِبَعٍ وَلَا جُوعٍ. وَقَدْ وَرَدَ فِي تَعْيِينِ الْأَيَّامِ لِلْحِجَامَةِ، حَدِيثٌ لِابْنِ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، رَفَعَهُ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ، وَفِيهِ: فَاحْتَجِمُوا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَاحْتَجِمُوا يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالثُّلَاثَاءِ ; وَاجْتَنِبُوا الْحِجَامَةَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ وَالْجُمْعَةِ وَالسَّبْتِ وَالْأَحَدِ. أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ ضَعِيفَيْنِ، وَلَهُ طَرِيقٌ ثَالِثَةٌ ضَعِيفَةٌ أَيْضًا عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْأَفْرَادِ، وَأَخْرَجَهُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا، وَنَقَلَ الْخَلَّالُ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَرِهَ الْحِجَامَةَ فِي الْأَيَّامِ الْمَذْكُورَةِ، وَإنَّ كان الْحَدِيثَ لَمْ يَثْبُتْ، وَحَكَى أَنَّ رَجُلًا احْتَجَمَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، فَأَصَابَهُ بَرَصٌ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٦٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) عبدُ الله بن عَمرو المُقْعَد البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) ابنُ سعيد بنِ ذكوان التَّيميُّ، مولاهمُ البصريُّ التَّنُّوريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ، أنَّه (قَالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ وَهْوَ صَائِمٌ) ومقتضاهُ أنَّه احتجم نهارًا، والحاصلُ من هذا الحديثِ وسابقه المعلَّقِ أنَّ الحجامةَ لا تتعيَّنُ في وقتٍ بل تكون عندَ الاحتياجِ. نعم، وردت أحاديثُ فيها التَّعيينُ، ففي حديثِ أبي هُريرة مرفوعًا: «من احتجمَ لسبع عشرة، وتسع عشرة، وإحدى وعشرينَ، كان شفاءً من كلِّ داءٍ» رواهُ أبو داود، لكنَّه من روايةِ سعيد بن عبدِ الرَّحمن الجُمَحِيِّ، وقد وثَّقه الأكثر، وليَّنهُ بعضهم من قبل حفظهِ، وله شاهدٌ من حديث ابن عبَّاس عند أحمدَ والتِّرمذيِّ، ورجالُه ثقاتٌ لكنَّه معلولٌ، وشاهدٌ آخر من حديث أنسٍ عند ابن ماجه وسندهُ ضعيفٌ، وعند ابن ماجه من حديثِ ابن عُمر رفعه في أثنائه «فاحتجِمُوا على بركةِ الله يومَ الخميس، واحتجِمُوا يوم الاثنينِ والثُّلاثاء، واجتنبُوا (١) يوم الأربعاءِ والجمعةِ والسَّبتِ والأحدِ» ورواهُ الدَّارقطنيُّ في «الأفراد» من وجه آخر ضعيف.

وحكي أنَّ رجلًا احتجم يومَ الأربعاءِ فأصابهُ مرضٌ لكونه تهاون بالحديثِ، وفي حديث أبي بَكْرةَ (٢) عندَ أبي داود أنَّه (٣) كان يكرهُ الحجامة يوم الثُّلاثاء، وقال: إنَّ رسولَ الله قال: «يوم الثُّلاثاء يوم الدَّم، وفيه ساعةٌ لا يرقأ فيها (٤)». وعند الأطبَّاء أنَّ أنفعَ الحجامةِ ما يقعُ في السَّاعة الثَّانية أو الثَّالثة، وأن لا يقع عقبَ استفراغٍ من حمَّام أو جماعٍ (٥)، ولا (٦) عقبَ شبعٍ ولا جوعٍ، وأنَّها تُفْعَلُ في النِّصف الثَّاني من الشَّهر، ثمَّ في الرُّبع الثَّالث من أرباعه أنفعُ من أوَّله وآخره؛ لأنَّ الأخلاط في أوَّل الشَّهر تهيج، وفي آخره تسكنُ، فأولى ما يكونُ الاستفراغُ في أثنائهِ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِالتَّجْرِبَةِ، فَاقْتَصَرَ عَلَى مَا هُوَ بِالْوَحْيِ لِتَحَقُّقِهِ. وَقِيلَ: ذَكَرَ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ بِتَفَاصِيلِ ذَلِكَ. قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ السَّبْعَةُ أُصُولٍ صِفَةَ التَّدَاوِي بِهَا ; لِأَنَّهَا إِمَّا طِلَاءٌ أَوْ شُرْبٌ أَوْ تَكْمِيدٌ أَوْ تَنْطِيلٌ أَوْ تَبْخِيرٌ أَوْ سَعُوطٌ أَوْ لَدُودٌ ; فَالطِّلَاءُ يَدْخُلُ فِي الْمَرَاهِمِ وَيُحَلَّى بِالزَّيْتِ وَيُلَطَّخُ، وَكَذَا التَّكْمِيدُ، وَالشُّرْبُ يُسْحَقُ وَيُجْعَلُ فِي عَسَلٍ أَوْ مَاءٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَكَذَا التَّنْطِيلُ، وَالسَّعُوطُ يُسْحَقُ فِي زَيْتٍ وَيُقْطَرُ فِي الْأَنْفِ، وَكَذَا الدُّهْنُ، وَالتَّبْخِيرُ وَاضِحٌ، وَتَحْتَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ السَّبْعَةِ مَنَافِعُ لِأَدْوَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَلَا يُسْتَغْرَبُ ذَلِكَ مِمَّنْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ.

وَأَمَّا الْعُذْرَةُ فَهِيَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَجَعٌ فِي الْحَلْقِ يَعْتَرِي الصِّبْيَانَ غَالِبًا، وَقِيلَ: هِيَ قُرْحَةٌ تَخْرُجُ بَيْنَ الْأُذُنِ وَالْحَلْقِ أَوْ فِي الْخُرْمِ الَّذِي بَيْنَ الْأَنْفِ وَالْحَلْقِ، قِيلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَخْرُجُ غَالِبًا عِنْدَ طُلُوعِ الْعُذْرَةِ ; وَهِيَ خَمْسَةُ كَوَاكِبَ تَحْتَ الشِّعْرَى الْعَبُورِ، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: الْعَذَارَى، وَطُلُوعُهَا يَقَعُ وَسَطَ الْحَرِّ. وَقَدِ اسْتَشْكَلَ مُعَالَجَتُهَا بِالْقُسْطِ مَعَ كَوْنِهِ حَارًّا، وَالْعُذْرَةُ إِنَّمَا تَعْرِضُ فِي زَمَنِ الْحَرِّ بِالصِّبْيَانِ وَأَمْزِجَتُهُمْ حَارَّةٌ، وَلَا سِيَّمَا وَقُطْرُ الْحِجَازِ حَارٌّ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَادَّةَ الْعُذْرَةِ دَمٌ يَغْلِبُ عَلَيْهِ الْبَلْغَمُ، وَفِي الْقُسْطِ تَخْفِيفٌ لِلرُّطُوبَةِ. وَقَدْ يَكُونُ نَفْعُهُ فِي هَذَا الدَّوَاءِ بِالْخَاصِّيَّةِ، وَأَيْضًا فَالْأَدْوِيَةُ الْحَارَّةُ قَدْ تَنْفَعُ فِي الْأَمْرَاضِ الْحَارَّةِ بِالْعَرَضِ كَثِيرًا، بَلْ وَبِالذَّاتِ أَيْضًا. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ سِينَا فِي مُعَالَجَةِ سُعُوطِ اللَّهَاةِ الْقُسْطَ مَعَ الشَّبِّ الْيَمَانِيِّ وَغَيْرِهِ. عَلَى أَنَّنَا لَوْ لَمْ نَجِدْ شَيْئًا مِنَ التَّوْجِيهَاتِ لَكَانَ أَمْرُ الْمُعْجِزَةِ خَارِجًا عَنِ الْقَوَاعِدِ الطِّبِّيَّةِ. وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَاتِ الْجَنْبِ فِي بَابِ اللَّدُودِ، وَفِيهِ شَرْحُ بَقِيَّةِ حَدِيثِ أُمِّ قَيْسٍ هَذَا.

وَقَوْلُهَا: وَدَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ بِابْنٍ لِي تَقَدَّمَ مُطَوَّلًا فِي الطَّهَارَةِ، وَهُوَ حَدِيثٌ آخَرُ لِأُمِّ قَيْسٍ وَقَعَ ذِكْرُهُ هُنَا اسْتِطْرَادًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١١ - بَاب أَيَّ سَاعَةٍ يَحْتَجِمُ، وَاحْتَجَمَ أَبُو مُوسَى لَيْلًا

٥٦٩٤ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ وَهُوَ صَائِمٌ.

قَوْلُهُ: (بَابُ أَيَّةَ سَاعَةٍ يَحْتَجِمُ)، فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: أَيَّ سَاعَةٍ بِلَا هَاءٍ، وَالْمُرَادُ بِالسَّاعَةِ فِي التَّرْجَمَةِ مُطْلَقُ الزَّمَانِ، ولَا خُصُوصُ السَّاعَةِ الْمُتَعَارَفَةِ.

قَوْلُهُ: (وَاحْتَجَمَ أَبُو مُوسَى لَيْلًا) تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي كِتَابِ الصِّيَامِ، وَفِيهِ أَنَّ امْتِنَاعَهُ مِنَ الْحِجَامَةِ نَهَارًا كَانَ بِسَبَبِ الصِّيَامِ لِئَلَّا يَدْخُلَهُ خَلَلٌ، وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ مَالِكٌ فَكَرِهَ الْحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ لِئَلَّا يُغَرِّرَ بِصَوْمِهِ، لَا لِكَوْنِ الْحِجَامَةِ تُفْطِرُ الصَّائِمَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي حَدِيثِ: أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ هُنَاكَ، وَوَرَدَ فِي الْأَوْقَاتِ اللَّائِقَةِ بِالْحِجَامَةِ أَحَادِيثُ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ عَلَى شَرْطِهِ، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّهَا تُصْنَعُ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ وَلَا تَتَقَيَّدُ بِوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، لِأَنَّهُ ذَكَرَ الِاحْتِجَامَ لَيْلًا.

وذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ وَهُوَ يَقْتَضِي كَوْنَ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْهُ نَهَارًا، وَعِنْدَ الْأَطِبَّاءِ أَنَّ أَنْفَعَ الْحِجَامَةِ مَا يَقَعُ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ أَوِ الثَّالِثَةِ، وَأَنْ لَا يَقَعَ عَقِبَ اسْتِفْرَاغٍ عَنْ جِمَاعٍ أَوْ حَمَّامٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَلَا عَقِبَ شِبَعٍ وَلَا جُوعٍ. وَقَدْ وَرَدَ فِي تَعْيِينِ الْأَيَّامِ لِلْحِجَامَةِ، حَدِيثٌ لِابْنِ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، رَفَعَهُ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ، وَفِيهِ: فَاحْتَجِمُوا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَاحْتَجِمُوا يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالثُّلَاثَاءِ ; وَاجْتَنِبُوا الْحِجَامَةَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ وَالْجُمْعَةِ وَالسَّبْتِ وَالْأَحَدِ. أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ ضَعِيفَيْنِ، وَلَهُ طَرِيقٌ ثَالِثَةٌ ضَعِيفَةٌ أَيْضًا عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْأَفْرَادِ، وَأَخْرَجَهُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا، وَنَقَلَ الْخَلَّالُ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَرِهَ الْحِجَامَةَ فِي الْأَيَّامِ الْمَذْكُورَةِ، وَإنَّ كان الْحَدِيثَ لَمْ يَثْبُتْ، وَحَكَى أَنَّ رَجُلًا احْتَجَمَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، فَأَصَابَهُ بَرَصٌ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٦٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) عبدُ الله بن عَمرو المُقْعَد البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) ابنُ سعيد بنِ ذكوان التَّيميُّ، مولاهمُ البصريُّ التَّنُّوريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ، أنَّه (قَالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ وَهْوَ صَائِمٌ) ومقتضاهُ أنَّه احتجم نهارًا، والحاصلُ من هذا الحديثِ وسابقه المعلَّقِ أنَّ الحجامةَ لا تتعيَّنُ في وقتٍ بل تكون عندَ الاحتياجِ. نعم، وردت أحاديثُ فيها التَّعيينُ، ففي حديثِ أبي هُريرة مرفوعًا: «من احتجمَ لسبع عشرة، وتسع عشرة، وإحدى وعشرينَ، كان شفاءً من كلِّ داءٍ» رواهُ أبو داود، لكنَّه من روايةِ سعيد بن عبدِ الرَّحمن الجُمَحِيِّ، وقد وثَّقه الأكثر، وليَّنهُ بعضهم من قبل حفظهِ، وله شاهدٌ من حديث ابن عبَّاس عند أحمدَ والتِّرمذيِّ، ورجالُه ثقاتٌ لكنَّه معلولٌ، وشاهدٌ آخر من حديث أنسٍ عند ابن ماجه وسندهُ ضعيفٌ، وعند ابن ماجه من حديثِ ابن عُمر رفعه في أثنائه «فاحتجِمُوا على بركةِ الله يومَ الخميس، واحتجِمُوا يوم الاثنينِ والثُّلاثاء، واجتنبُوا (١) يوم الأربعاءِ والجمعةِ والسَّبتِ والأحدِ» ورواهُ الدَّارقطنيُّ في «الأفراد» من وجه آخر ضعيف.

وحكي أنَّ رجلًا احتجم يومَ الأربعاءِ فأصابهُ مرضٌ لكونه تهاون بالحديثِ، وفي حديث أبي بَكْرةَ (٢) عندَ أبي داود أنَّه (٣) كان يكرهُ الحجامة يوم الثُّلاثاء، وقال: إنَّ رسولَ الله قال: «يوم الثُّلاثاء يوم الدَّم، وفيه ساعةٌ لا يرقأ فيها (٤)». وعند الأطبَّاء أنَّ أنفعَ الحجامةِ ما يقعُ في السَّاعة الثَّانية أو الثَّالثة، وأن لا يقع عقبَ استفراغٍ من حمَّام أو جماعٍ (٥)، ولا (٦) عقبَ شبعٍ ولا جوعٍ، وأنَّها تُفْعَلُ في النِّصف الثَّاني من الشَّهر، ثمَّ في الرُّبع الثَّالث من أرباعه أنفعُ من أوَّله وآخره؛ لأنَّ الأخلاط في أوَّل الشَّهر تهيج، وفي آخره تسكنُ، فأولى ما يكونُ الاستفراغُ في أثنائهِ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله