الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٧٣٦
الحديث رقم ٥٧٣٦ من كتاب «كتاب الطب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الرقى بفاتحة الكتاب.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ الشَّرْطِ فِي الرُّقْيَةِ بِقَطِيعٍ مِنَ الْغَنَمِ
٥٧٣٦ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مَعْمَرٌ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَفِي الْحَدِيثِ التَّبَرُّكُ بِالرَّجُلِ الصَّالِحِ وَسَائِرِ أَعْضَائِهِ وَخُصُوصًا الْيَدَ الْيُمْنَى.
٣٣ - بَاب الرُّقَى بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ. وَيُذْكَرُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ
٥٧٣٦ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَتَوْا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَلَمْ يَقْرُوهُمْ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ لُدِغَ سَيِّدُ أُولَئِكَ، فَقَالُوا: هَلْ مَعَكُمْ مِنْ دَوَاءٍ أَوْ رَاقٍ؟ فَقَالُوا: إِنَّكُمْ لَمْ تَقْرُونَا، وَلَا نَفْعَلُ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا، فَجَعَلُوا لَهُمْ قَطِيعًا مِنْ الشَّاءِ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ ويتنفل، فَبَرَأَ فَأَتَوْا بِالشَّاءِ، فَقَالُوا: لَا تأْخُذْهُ حَتَّى نَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ، فَسَأَلُوهُ، فَضَحِكَ، وَقَالَ: وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ خُذُوهَا وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الرُّقَى بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) هَكَذَا ذَكَرَهُ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ، وَهُوَ يُعَكِّرُ عَلَى مَا تَقَرَّرَ بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّ الَّذِي يُورِدُهُ الْبُخَارِيُّ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ لَا يَكُونُ عَلَى شَرْطِهِ، مَعَ أَنَّهُ أَخْرَجَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الرُّقْيَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَقِبَ هَذَا الْبَابِ. وَأَجَابَ شَيْخُنَا فِي كَلَامِهِ عَلَى عُلُومِ الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ قَدْ يَصْنَعُ ذَلِكَ إِذَا ذَكَرَ الْخَبَرَ بِالْمَعْنَى، وَلَا شَكَّ أَنَّ خَبَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ لَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيحُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِالرُّقْيَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَإِنَّمَا فِيهِ تَقْرِيرُهُ عَلَى ذَلِكَ فَنِسْبَةُ ذَلِكَ إِلَيْهِ صَرِيحًا تَكُونُ نِسْبَةً مَعْنَوِيَّةً، وَقَدْ عَلَّقَ الْبُخَارِيُّ بَعْضَ هَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظِهِ، فَأَتَى بِهِ مَجْزُومًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْإِجَارَةِ فِي بَابِ مَا يُعْطَى فِي الرُّقْيَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ شَيْخُنَا: لَعَلَّ لِابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثًا آخَرَ صَرِيحًا فِي الرُّقْيَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ لَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ، فَلِذَلِكَ أَتَى بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ. قُلْتُ: وَلَمْ يَقَعْ لِي ذَلِكَ بَعْدَ التَّتَبُّعِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: إِذَا ثَبَتَ أَنَّ لِبَعْضِ الْكَلَامِ خَوَاصَّ وَمَنَافِعَ فَمَا الظَّنُّ بِكَلَامِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ثُمَّ بِالْفَاتِحَةِ الَّتِي لَمْ يَنْزِلْ فِي الْقُرْآنِ وَلَا غَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ مِثْلُهَا لِتَضَمُّنِهَا جَمِيعَ مَعَانِي الْكِتَابِ؛ فَقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَى ذِكْرِ أُصُولِ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَمَجَامِعِهَا وَإِثْبَاتِ الْمَعَادِ وَذِكْرِ التَّوْحِيدِ وَالِافْتِقَارِ إِلَى الرَّبِّ فِي طَلَبِ الْإِعَانَةِ بِهِ وَالْهِدَايَةِ مِنْهُ، وَذِكْرِ أَفْضَلِ الدُّعَاءِ وَهُوَ طَلَبُ الْهِدَايَةِ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ الْمُتَضَمِّنِ كَمَالَ مَعْرِفَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ وَعِبَادَتِهِ بِفِعْلِ مَا أَمَرَ بِهِ وَاجْتِنَابِ مَا نَهَى عَنْهُ وَالِاسْتِقَامَةِ عَلَيْهِ، وَلِتَضَمُّنِهَا ذِكْرَ أَصْنَافِ الْخَلَائِقِ وَقِسْمَتِهِمُ إِلَى مُنْعَمٍ عَلَيْهِ لِمَعْرِفَتِهِ بِالْحَقِّ وَالْعَمَلِ بِهِ، وَمَغْضُوبٍ عَلَيْهِ لِعُدُولِهِ عَنِ الْحَقِّ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ، وَضَالٌّ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ لَهُ، مَعَ مَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ إِثْبَاتِ الْقَدَرِ وَالشَّرْعِ وَالْأَسْمَاءِ وَالْمَعَادِ وَالتَّوْبَةِ وَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ وَإِصْلَاحِ الْقَلْبِ وَالرَّدِّ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَحَقِيقٌ بِسُورَةٍ هَذَا بَعْضُ شَأْنِهَا أَنْ يُسْتَشْفَى بِهَا مِنْ كُلِّ دَاءٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ فِي قِصَّةِ الَّذِينَ أَتَوْا عَلَى الْحَيِّ فَلَمْ يَقْرُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُ الْحَيِّ فَرَقَاهُ أَبُو سَعِيدٍ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ مُسْتَوْفًى.
٣٤ - بَاب الشُّروطِ فِي الرُّقْيَةِ بفاتحة الكتاب.
٥٧٣٧ - حَدَّثَنا سِيدَانُ بْنُ مُضَارِبٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ الْبَصْرِيُّ - هُوَ صَدُوقٌ - يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَخْنَسِ أَبُو مَالِكٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٣٣) (بابُ الرُّقَى بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ. وَيُذْكَرُ) بضم التحتية وسكون المعجمة وفتح الكاف (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه أقرَّ الَّذي رقى بالفاتحة على رُقيتهِ، فنسبةُ ذلك إليه ﷺ نسبةٌ معنويةٌ لا صريحةٌ، فلذلك أورده المؤلِّفُ بصيغة التَّمريضِ.
٥٧٣٦ - وبه قالَ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والمعجمة المثقلة، بُنْدار قالَ: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) ولأبي ذرٍّ: «محمَّد بن جعفرٍ» قالَ: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، جعفرُ بن أبي وَحشيَّةَ، واسمُه إياس (عَنْ أَبِي المُتَوَكِّلِ) عليِّ بن داودَ (١) النَّاجيِّ -بالنون والجيم- السَّاميِّ -بالمهملة- نسبة لسام (٢) بن لؤيٍّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ (الخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ) كانوا في سريَّة وكانوا ثلاثين رجلًا (أَتَوْا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ) لم يعيَّن، فاستقْرُوهم (فَلَمْ يَقْرُوهُمْ) بفتح التحتية وسكون القاف من غير همز، فلم يُضيِّفوهُم (فَبَيْنَمَا) بالميم، ولأبي ذرٍّ: «فبينَا» (هُمْ كَذَلِكَ إِذْ لُدِغَ) بضم اللام وكسر الدال المهملة بعدها غين معجمة، لُسع (سَيِّدُ أُولَئِكَ) الحيِّ، أي: ضربتهُ العقربُ بذنبها، ولم يسمَّ السَّيِّد (فَقَالُوا) للصَّحابة: (هَلْ مَعَكُمْ مِنْ دَوَاءٍ) ولأبي ذرٍّ: «معكُم دواءٌ» (أَوْ رَاقٍ؟ فَقَالُوا) لهم: (إِنَّكُمْ لَمْ تَقْرُونَا) لم تضيِّفونا (وَلَا نَفْعَلُ) الرُّقية (حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا) بضم الجيم وسكون العين المهملة، أجرًا على ذلك (فَجَعَلُوا لَهُمْ قَطِيعًا) طائفةً (مِنَ الشَّاءِ (٣)) جمعُ شاةٍ،
وكانت ثلاثين رأسًا (فَجَعَلَ) الرَّاقي، وهو أبو سعيدٍ الخدريُّ، أبهم نفسهُ في هذه الرِّواية (يَقْرَأُ بِأُمِّ القُرْآنِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «بالقرآنِ» (وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ) بالزَّاي، في فيه (وَيَتْفِلُ) بكسر الفاء، ولأبي ذرٍّ بضمها (فَبَرَأَ) سيِّد أولئك (فَأَتَوْا) أهل الحيِّ (١) (بِالشَّاءِ) الثَّلاثين (فَقَالُوا) أي: الصَّحابة للرَّاقي: (لَا نَأْخُذُهُ) أي: القطيع (حَتَّى نَسْأَلَ النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ: «رسول اللهِ» (ﷺ) عن حُكمه. قال في «المصابيح»: قد يقال: إنَّهم امتنعوا عن الرُّقية إلَّا بجُعْلٍ، فلا يخلو إمَّا أن يكونُوا عالمينَ بجواز ذلك أو لا، فإن كانُوا عالمينَ بالجوازِ فما وجه وقفهِم (٢) أخذ الجُعْلِ على تعرُّف حُكمه بالسُّؤال، وإن كانوا غير عالمين فكيف أقدموا مع أنَّه لا يجوزُ الإقدامُ على فعل شيءٍ حتَّى يُعْلَمَ حكمُ الله فيه، وبعضهم ينقلُ (٣) الإجماعَ عليه. فتأمَّلهُ. انتهى.
(فَسَأَلُوهُ) بضمير النَّصب، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فسألُوا» بحذفه (فَضَحِكَ) ﷺ (وَقَالَ) لأبي سعيدٍ الَّذي رقى: (وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا) أي: الفَاتحة (رُقْيَةٌ؟! خُذُوهَا) أي: الشَّاء، فاقتَسِمُوها (٤) (وَاضْرِبُوا لِي) معكُم (بِسَهْمٍ).
وهذا الحديثُ قد مرَّ في «باب ما يُعطى في الرُّقيةِ بفاتحة الكتابِ» في «الإجارةِ» [خ¦٢٢٧٦].
(٣٤) (بابُ الشَّرطِ) بلفظ الإفراد، ولأبي ذرٍّ: «الشُّروط» (فِي الرُّقْيَةِ بِقَطِيعٍ مِنَ الغَنَمِ).
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مَعْمَرٌ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَفِي الْحَدِيثِ التَّبَرُّكُ بِالرَّجُلِ الصَّالِحِ وَسَائِرِ أَعْضَائِهِ وَخُصُوصًا الْيَدَ الْيُمْنَى.
٣٣ - بَاب الرُّقَى بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ. وَيُذْكَرُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ
٥٧٣٦ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَتَوْا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَلَمْ يَقْرُوهُمْ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ لُدِغَ سَيِّدُ أُولَئِكَ، فَقَالُوا: هَلْ مَعَكُمْ مِنْ دَوَاءٍ أَوْ رَاقٍ؟ فَقَالُوا: إِنَّكُمْ لَمْ تَقْرُونَا، وَلَا نَفْعَلُ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا، فَجَعَلُوا لَهُمْ قَطِيعًا مِنْ الشَّاءِ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ ويتنفل، فَبَرَأَ فَأَتَوْا بِالشَّاءِ، فَقَالُوا: لَا تأْخُذْهُ حَتَّى نَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ، فَسَأَلُوهُ، فَضَحِكَ، وَقَالَ: وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ خُذُوهَا وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الرُّقَى بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) هَكَذَا ذَكَرَهُ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ، وَهُوَ يُعَكِّرُ عَلَى مَا تَقَرَّرَ بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّ الَّذِي يُورِدُهُ الْبُخَارِيُّ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ لَا يَكُونُ عَلَى شَرْطِهِ، مَعَ أَنَّهُ أَخْرَجَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الرُّقْيَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَقِبَ هَذَا الْبَابِ. وَأَجَابَ شَيْخُنَا فِي كَلَامِهِ عَلَى عُلُومِ الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ قَدْ يَصْنَعُ ذَلِكَ إِذَا ذَكَرَ الْخَبَرَ بِالْمَعْنَى، وَلَا شَكَّ أَنَّ خَبَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ لَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيحُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِالرُّقْيَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَإِنَّمَا فِيهِ تَقْرِيرُهُ عَلَى ذَلِكَ فَنِسْبَةُ ذَلِكَ إِلَيْهِ صَرِيحًا تَكُونُ نِسْبَةً مَعْنَوِيَّةً، وَقَدْ عَلَّقَ الْبُخَارِيُّ بَعْضَ هَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظِهِ، فَأَتَى بِهِ مَجْزُومًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْإِجَارَةِ فِي بَابِ مَا يُعْطَى فِي الرُّقْيَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ شَيْخُنَا: لَعَلَّ لِابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثًا آخَرَ صَرِيحًا فِي الرُّقْيَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ لَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ، فَلِذَلِكَ أَتَى بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ. قُلْتُ: وَلَمْ يَقَعْ لِي ذَلِكَ بَعْدَ التَّتَبُّعِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: إِذَا ثَبَتَ أَنَّ لِبَعْضِ الْكَلَامِ خَوَاصَّ وَمَنَافِعَ فَمَا الظَّنُّ بِكَلَامِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ثُمَّ بِالْفَاتِحَةِ الَّتِي لَمْ يَنْزِلْ فِي الْقُرْآنِ وَلَا غَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ مِثْلُهَا لِتَضَمُّنِهَا جَمِيعَ مَعَانِي الْكِتَابِ؛ فَقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَى ذِكْرِ أُصُولِ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَمَجَامِعِهَا وَإِثْبَاتِ الْمَعَادِ وَذِكْرِ التَّوْحِيدِ وَالِافْتِقَارِ إِلَى الرَّبِّ فِي طَلَبِ الْإِعَانَةِ بِهِ وَالْهِدَايَةِ مِنْهُ، وَذِكْرِ أَفْضَلِ الدُّعَاءِ وَهُوَ طَلَبُ الْهِدَايَةِ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ الْمُتَضَمِّنِ كَمَالَ مَعْرِفَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ وَعِبَادَتِهِ بِفِعْلِ مَا أَمَرَ بِهِ وَاجْتِنَابِ مَا نَهَى عَنْهُ وَالِاسْتِقَامَةِ عَلَيْهِ، وَلِتَضَمُّنِهَا ذِكْرَ أَصْنَافِ الْخَلَائِقِ وَقِسْمَتِهِمُ إِلَى مُنْعَمٍ عَلَيْهِ لِمَعْرِفَتِهِ بِالْحَقِّ وَالْعَمَلِ بِهِ، وَمَغْضُوبٍ عَلَيْهِ لِعُدُولِهِ عَنِ الْحَقِّ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ، وَضَالٌّ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ لَهُ، مَعَ مَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ إِثْبَاتِ الْقَدَرِ وَالشَّرْعِ وَالْأَسْمَاءِ وَالْمَعَادِ وَالتَّوْبَةِ وَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ وَإِصْلَاحِ الْقَلْبِ وَالرَّدِّ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَحَقِيقٌ بِسُورَةٍ هَذَا بَعْضُ شَأْنِهَا أَنْ يُسْتَشْفَى بِهَا مِنْ كُلِّ دَاءٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ فِي قِصَّةِ الَّذِينَ أَتَوْا عَلَى الْحَيِّ فَلَمْ يَقْرُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُ الْحَيِّ فَرَقَاهُ أَبُو سَعِيدٍ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ مُسْتَوْفًى.
٣٤ - بَاب الشُّروطِ فِي الرُّقْيَةِ بفاتحة الكتاب.
٥٧٣٧ - حَدَّثَنا سِيدَانُ بْنُ مُضَارِبٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ الْبَصْرِيُّ - هُوَ صَدُوقٌ - يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَخْنَسِ أَبُو مَالِكٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٣٣) (بابُ الرُّقَى بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ. وَيُذْكَرُ) بضم التحتية وسكون المعجمة وفتح الكاف (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه أقرَّ الَّذي رقى بالفاتحة على رُقيتهِ، فنسبةُ ذلك إليه ﷺ نسبةٌ معنويةٌ لا صريحةٌ، فلذلك أورده المؤلِّفُ بصيغة التَّمريضِ.
٥٧٣٦ - وبه قالَ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والمعجمة المثقلة، بُنْدار قالَ: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) ولأبي ذرٍّ: «محمَّد بن جعفرٍ» قالَ: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، جعفرُ بن أبي وَحشيَّةَ، واسمُه إياس (عَنْ أَبِي المُتَوَكِّلِ) عليِّ بن داودَ (١) النَّاجيِّ -بالنون والجيم- السَّاميِّ -بالمهملة- نسبة لسام (٢) بن لؤيٍّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ (الخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ) كانوا في سريَّة وكانوا ثلاثين رجلًا (أَتَوْا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ) لم يعيَّن، فاستقْرُوهم (فَلَمْ يَقْرُوهُمْ) بفتح التحتية وسكون القاف من غير همز، فلم يُضيِّفوهُم (فَبَيْنَمَا) بالميم، ولأبي ذرٍّ: «فبينَا» (هُمْ كَذَلِكَ إِذْ لُدِغَ) بضم اللام وكسر الدال المهملة بعدها غين معجمة، لُسع (سَيِّدُ أُولَئِكَ) الحيِّ، أي: ضربتهُ العقربُ بذنبها، ولم يسمَّ السَّيِّد (فَقَالُوا) للصَّحابة: (هَلْ مَعَكُمْ مِنْ دَوَاءٍ) ولأبي ذرٍّ: «معكُم دواءٌ» (أَوْ رَاقٍ؟ فَقَالُوا) لهم: (إِنَّكُمْ لَمْ تَقْرُونَا) لم تضيِّفونا (وَلَا نَفْعَلُ) الرُّقية (حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا) بضم الجيم وسكون العين المهملة، أجرًا على ذلك (فَجَعَلُوا لَهُمْ قَطِيعًا) طائفةً (مِنَ الشَّاءِ (٣)) جمعُ شاةٍ،
وكانت ثلاثين رأسًا (فَجَعَلَ) الرَّاقي، وهو أبو سعيدٍ الخدريُّ، أبهم نفسهُ في هذه الرِّواية (يَقْرَأُ بِأُمِّ القُرْآنِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «بالقرآنِ» (وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ) بالزَّاي، في فيه (وَيَتْفِلُ) بكسر الفاء، ولأبي ذرٍّ بضمها (فَبَرَأَ) سيِّد أولئك (فَأَتَوْا) أهل الحيِّ (١) (بِالشَّاءِ) الثَّلاثين (فَقَالُوا) أي: الصَّحابة للرَّاقي: (لَا نَأْخُذُهُ) أي: القطيع (حَتَّى نَسْأَلَ النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ: «رسول اللهِ» (ﷺ) عن حُكمه. قال في «المصابيح»: قد يقال: إنَّهم امتنعوا عن الرُّقية إلَّا بجُعْلٍ، فلا يخلو إمَّا أن يكونُوا عالمينَ بجواز ذلك أو لا، فإن كانُوا عالمينَ بالجوازِ فما وجه وقفهِم (٢) أخذ الجُعْلِ على تعرُّف حُكمه بالسُّؤال، وإن كانوا غير عالمين فكيف أقدموا مع أنَّه لا يجوزُ الإقدامُ على فعل شيءٍ حتَّى يُعْلَمَ حكمُ الله فيه، وبعضهم ينقلُ (٣) الإجماعَ عليه. فتأمَّلهُ. انتهى.
(فَسَأَلُوهُ) بضمير النَّصب، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فسألُوا» بحذفه (فَضَحِكَ) ﷺ (وَقَالَ) لأبي سعيدٍ الَّذي رقى: (وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا) أي: الفَاتحة (رُقْيَةٌ؟! خُذُوهَا) أي: الشَّاء، فاقتَسِمُوها (٤) (وَاضْرِبُوا لِي) معكُم (بِسَهْمٍ).
وهذا الحديثُ قد مرَّ في «باب ما يُعطى في الرُّقيةِ بفاتحة الكتابِ» في «الإجارةِ» [خ¦٢٢٧٦].
(٣٤) (بابُ الشَّرطِ) بلفظ الإفراد، ولأبي ذرٍّ: «الشُّروط» (فِي الرُّقْيَةِ بِقَطِيعٍ مِنَ الغَنَمِ).