«الْعَيْنُ حَقٌّ. وَنَهَى عَنِ الْوَشْمِ.» بَابُ رُقْيَةِ الْحَيَّةِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٧٤٠

الحديث رقم ٥٧٤٠ من كتاب «كتاب الطب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب العين حق.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٧٤٠ في صحيح البخاري

«الْعَيْنُ حَقٌّ. وَنَهَى عَنِ الْوَشْمِ.»

بَابُ رُقْيَةِ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ

إسناد حديث رقم ٥٧٤٠ من صحيح البخاري

٥٧٤٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٧٤٠: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

تَمَسَّكَ بِهَذَا مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْعُمْدَةَ لِمَنْ وَصَلَ عَلَى مَنْ أَرْسَلَ لِاتِّفَاقِ الشَّيْخَيْنِ عَلَى تَصْحِيحِ الْمَوْصُولِ هُنَا عَلَى الْمُرْسَلِ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُمَا لَيْسَ لَهُمَا فِي تَقْدِيمِ الْوَصْلِ عَمَلٌ مُطَّرِدٌ بَلْ هُوَ دَائِرٌ مَعَ الْقَرِينَةِ، فَمَهْمَا تَرَجَّحَ بِهَا اعْتَمَدَاهُ، وَإِلَّا فَكَمْ حَدِيثٍ أَعْرَضَا عَنْ تَصْحِيحِهِ لِلِاخْتِلَافِ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ، وَقَدْ جَاءَ حَدِيثُ عُرْوَةَ هَذَا مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، فَسَقَطَ مِنْ رِوَايَتِهِ ذِكْرُ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: رَوَاهُ مَالِكٌ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَسَمَّى جَمَاعَةً كُلَّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، فَلَمْ يُجَاوِزَا بِهِ عُرْوَةَ، وَتَفَرَّدَ أَبُو مُعَاوِيَةَ بِذِكْرِ أُمِّ سَلَمَةَ فِيهِ وَلَا يَصِحُّ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِهَذِهِ الطَّرِيقِ لِانْفِرَادِ الْوَاحِدِ عَنِ الْعَدَدِ الْجَمِّ، وَإِذَا انْضَمَّتْ هَذِهِ الطَّرِيقُ إِلَى رِوَايَةِ الزُّبَيْدِيِّ قَوِيَتْ جِدًّا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣٦ - باب الْعَيْنُ حَقٌّ

٥٧٤٠ - حَدَّثَني إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: الْعَيْنُ حَقٌّ وَنَهَى عَنْ الْوَشْمِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْعَيْنِ حَقٌّ) أَيِ الْإِصَابَةُ بِالْعَيْنِ شَيْءٌ ثَابِتٌ مَوْجُودٌ، أَوْ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَا تَحَقَّقَ كَوْنُهُ. قَالَ الْمَازِرِيُّ: أَخَذَ الْجُمْهُورُ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَأَنْكَرَهُ طَوَائِفُ الْمُبْتَدِعَةِ لِغَيْرِ مَعْنًى؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ لَيْسَ مُحَالًا فِي نَفْسِهِ وَلَا يُؤَدِّي إِلَى قَلْبِ حَقِيقَةٍ وَلَا إِفْسَادِ دَلِيلٍ، فَهُوَ مِنْ مُتَجَاوِزَاتِ الْعُقُولِ، فَإِذَا أَخْبَرَ الشَّرْعُ بِوُقُوعِهِ لَمْ يَكُنْ لِإِنْكَارِهِ مَعْنًى، وَهَلْ مِنْ فَرْقٍ بَيْنَ إِنْكَارِهِمْ هَذَا وَإِنْكَارِهِمْ مَا يُخْبِرُ بِهِ مِنْ أُمُورِالْأَخِرَةِ.

قَوْلُهُ: (الْعَيْنُ حَقٌّ، وَنَهَى عَنِ الْوَشْمِ) لَمْ تَظْهَرِ الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْجُمْلَتَيْنِ، فَكَأَنَّهُمَا حَدِيثَانِ مُسْتَقِلَّانِ، وَلِهَذَا حَذَفَ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ الْجُمْلَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ رِوَايَتِهِمَا مَعَ أَنَّهُمَا أَخْرَجَاهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ جِهَتِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَهُمَا اشْتِرَاكُهُمَا فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُحْدِثُ فِي الْعُضْوِ لَوْنًا غَيْرَ لَوْنِهِ الْأَصْلِيِّ، وَالْوَشْمُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ أَنْ يَغْرِزَ إِبْرَةً أَوْ نَحْوَهَا فِي مَوْضِعٍ مِنَ الْبَدَنِ حَتَّى يَسِيلَ الدَّمُ ثُمَّ يُحْشَى ذَلِكَ الْمَوْضِعُ بِالْكُحْلِ أَوْ نَحْوِهِ فَيَخْضَرُّ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ حُكْمِهِ فِي بَابِ الْمُسْتَوْشِمَةِ مِنْ أَوَاخِرِ كِتَابِ اللِّبَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -.

وَقَدْ ظَهَرَتْ لِي مُنَاسَبَةٌ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْجُمْلَتَيْنِ لَمْ أَرَ مَنْ سَبَقَ إِلَيْهَا، وَهِيَ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ الْبَاعِثِ عَلَى عَمَلِ الْوَشْمِ تَغَيُّرُ صِفَةِ الْمَوْشُومِ لِئَلَّا تُصِيبَهُ الْعَيْنُ، فَنَهَى عَنِ الْوَشْمِ مَعَ إِثْبَاتِ الْعَيْنِ، وَأَنَّ التَّحَيُّلَ بِالْوَشْمِ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَا يَسْتَنِدُ إِلَى تَعْلِيمِ الشَّارِعِ لَا يُفِيدُ شَيْئًا، وَأَنَّ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ سَيَقَعُ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ: الْعَيْنُ حَقٌّ وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابِقٌ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا، فَأَمَّا الزِّيَادَةُ الْأُولَى فَفِيهَا تَأْكِيدٌ وَتَنْبِيهٌ عَلَى سُرْعَةِ نُفُوذِهَا وَتَأْثِيرِهِ فِي الذَّاتِ، وَفِيهَا إِشَارَةٌ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ مِنَ الْمُتَصَوِّفَةِ أَنَّ قَوْلَهُ: الْعَيْنُ حَقٌّ يُرِيدُ بِهِ الْقَدَرَ، أَيِ: الْعَيْنَ الَّتِي تَجْرِي مِنْهَا الْأَحْكَامُ، فَإِنَّ عَيْنَ الشَّيْءِ حَقِيقَتُهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الَّذِي يُصِيبُ مِنَ الضَّرَرِ بِالْعَادَةِ عِنْدَ نَظَرِ النَّاظِرِ إِنَّمَا هُوَ بِقَدَرِ اللَّهِ السَّابِقِ لَا بِشَيْءٍ يُحْدِثُهُ النَّاظِرُ فِي الْمَنْظُورِ. وَوَجْهُ الرَّدِّ أَنَّ الْحَدِيثَ ظَاهِرٌ فِي الْمُغَايَرَةِ بَيْنَ الْقَدَرِ وَبَيْنَ الْعَيْنِ، وَإِنْ كُنَّا نَعْتَقِدُ أَنَّ الْعَيْنَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَقْدُورِ، لَكِنْ ظَاهِرُهُ إِثْبَاتُ الْعَيْنِ الَّتِي تُصِيبُ إِمَّا بِمَا جَعَلَ اللَّهُ - تَعَالَى - فِيهَا مِنْ ذَلِكَ وَأَوْدَعَهُ فِيهَا، وَإِمَّا بِإِجْرَاءِ الْعَادَةِ بِحُدُوثِ الضَّرَرِ عِنْدَ تَحْدِيدِ النَّظَرِ، وَإِنَّمَا جَرَى الْحَدِيثُ مَجْرَى الْمُبَالَغَةِ فِي إِثْبَاتِ الْعَيْنِ، لَا أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَرُدَّ الْقَدَرَ شَيْءٌ

إِذِ الْقَدَرُ عِبَارَةٌ عَنْ سَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ، وَهُوَ لَا رَادَّ لِأَمْرِهِ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْقُرْطُبِيُّ.

وَحَاصِلُهُ لَوْ فُرِضَ أَنَّ شَيْئًا لَهُ قُوَّةٌ بِحَيْثُ يَسْبِقُ الْقَدَرَ لَكَانَ الْعَيْنُ. لَكِنَّهَا لَا تُسْبَقُ، فَكَيْفَ غَيْرُهَا؟ وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: أَكْثَرُ مَنْ يَمُوتُ مِنْ أُمَّتِي بَعْدَ قَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ بِالْأَنْفُسِ قَالَ الرَّاوِي: يَعْنِي بِالْعَيْنِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: فِي الْحَدِيثِ إِثْبَاتُ الْقَدَرِ وَصِحَّةُ أَمْرِ الْعَيْنِ وَأَنَّهَا قَوِيَّةُ الضَّرَرِ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ أَمْرُ الْعَايِنِ بِالِاغْتِسَالِ عِنْدَ طَلَبِ الْمَعْيُونِ مِنْهُ ذَلِكَ فَفِيهَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الِاغْتِسَالَ لِذَلِكَ كَانَ مَعْلُومًا بَيْنَهُمْ، فَأَمَرَهُمُ إِنْ لَا يَمْتَنِعُوا مِنْهُ إِذَا أُرِيدَ مِنْهُمْ، وَأَدْنَى مَا فِي ذَلِكَ رَفْعُ الْوَهْمِ الْحَاصِلِ فِي ذَلِكَ، وَظَاهِرُ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ.

وَحَكَى الْمَازِرِيُّ فِيهِ خِلَافًا وَصَحَّحَ الْوُجُوبَ وَقَالَ: مَتَى خَشِيَ الْهَلَاكَ وَكَانَ اغْتِسَالُ الْعَائِنِ مِمَّا جَرَتِ الْعَادَةُ بِالشِّفَاءِ بِهِ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى بَذْلِ الطَّعَامِ لِلْمُضْطَرِّ وَهَذَا أَوْلَى، وَلَمْ يُبَيِّنْ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ صِفَةَ الِاغْتِسَالِ، وَقَدْ وَقَعَتْ فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ خَرَجَ وَسَارُوا مَعَهُ نَحْوَ مَاءٍ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِشِعْبِ الْخَزَّارِ مِنَ الْجُحْفَةِ اغْتَسَلَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ - وَكَانَ أَبْيَضَ حَسَنَ الْجِسْمِ وَالْجِلْدِ - فَنَظَرَ إِلَيْهِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدٍ مُخَبَّأَةٍ، فَلُبِطَ - أَيْ صُرِعَ وَزْنًا وَمَعْنًى - سَهْلٌ. فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: هَلْ تَتَّهِمُونَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا: عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةٍ. فَدَعَا عَامِرًا فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ فَقَالَ: عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟ هَلَّا إِذَا رَأَيْتَ مَا يُعْجِبُكَ بَرَّكْتَ.

ثُمَّ قَالَ: اغْتَسِلْ لَهُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ وَدَاخِلَةِ إِزَارِهِ فِي قَدَحٍ، ثُمَّ يَصُبُّ ذَلِكَ الْمَاءَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِهِ عَلَى رَأْسِهِ وَظَهْرِهِ ثُمَّ يُكْفَأُ الْقَدَحُ، ; فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ، فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ النَّاسِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، لَفْظُ أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَلَفْظِ النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا السَّنَدِ أَنَّهُ يَصُبُّ صَبَّةً عَلَى وَجْهِهِ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَعْضَائِهِ صَبَّةً صَبَّةً فِي الْقَدَحِ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: ثُمَّ يُكْفَأُ الْقَدَحُ وَرَاءَهُ عَلَى الْأَرْضِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: أَنَّ عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ مَرَّ بِسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ وَهُوَ يَغْتَسِلُ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَلْيَدْعُ بِالْبَرَكَةِ. ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَأَمَرَ عَامِرًا أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيَغْسِلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَرُكْبَتَيْهِ وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَصُبَّ عَلَيْهِ، قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: وَأَمَرَ أَنْ يُكْفَأَ الْإِنَاءُ مِنْ خَلْفِهِ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: الْمُرَادُ بِدَاخِلَةِ الْإِزَارِ الطَّرَفُ الْمُتَدَلِّي الَّذِي يَلِي حَقْوَهُ الْأَيْمَنَ، قَالَ: فَظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنِ الْفَرْجِ انْتَهَى. وَزَادَ عِيَاضٌ أَنَّ الْمُرَادَ مَا يَلِي جَسَدَهُ مِنَ الْإِزَارِ، وَقِيلَ: أَرَادَ مَوْضِعَ الْإِزَارِ مِنَ الْجَسَدِ، وَقِيلَ: أَرَادَ وَرِكَهُ لِأَنَّهُ مَعْقِدٌ الْإِزَارَ.

وَالْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ وَفِيهِ عَنْ مَالِكٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ: اغْتَسَلَ سَهْلٌ - فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَفِيهِ: فَنَزَعَ جُبَّةً كَانَتْ عَلَيْهِ وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ يَنْظُرُ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدِ عَذْرَاءَ، فَوُعِكَ سَهْلٌ مَكَانَهُ وَاشْتَدَّ وَعَكُهُ - وَفِيهِ - أَلَا بَرَّكْتَ؟ إِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ، تَوَضَّأَ لَهُ، فَتَوَضَّأَ لَهُ عَامِرٌ فَرَاحَ سَهْلٌ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ.

(تَنْبِيهَاتٌ):

الْأَوَّلُ: اقْتَصَرَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ عَلَى قَوْلِهِ: الِاسْتِغْسَالُ أَنْ يُقَالَ لِلْعَائِنِ: اغْسِلْ دَاخِلَةَ إِزَارِكَ مِمَّا يَلِي الْجِلْدَ، فَإِذَا فَعَلَ صَبَّهُ عَلَى الْمَنْظُورِ إِلَيْهِ. وَهَذَا يُوهِمُ الِاقْتِصَارَ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ عَجِيبٌ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ نُقِلَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ كَلَامُ عِيَاضٍ بِطُولِهِ. الثَّانِي: قَالَ الْمَازِرِيُّ: هَذَا الْمَعْنَى مِمَّا لَا يُمْكِنُ تَعْلِيلُهُ وَمَعْرِفَةُ وَجْهِهِ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ، فَلَا يُرَدُّ لِكَوْنِهِ لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنْ تَوَقَّفَ فِيهِ مُتَشَرِّعٌ قُلْنَا لَهُ: قُلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ عَضَّدَتْهُ التَّجْرِبَةُ وَصَدَّقَتْهُ الْمُعَايَنَةُ. أَوْ مُتَفَلْسِفٌ فَالرَّدُّ عَلَيْهِ أَظْهَرُ لِأَنَّ عِنْدَهُ أَنَّ الْأَدْوِيَةَ تُفْعَلُ بِقُوَاهَا، وَقَدْ تُفْعَلُ بِمَعْنًى لَا يُدْرَكُ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الجنِّ، أو أنَّ الشَّيطان أصابها. قال الخطَّابيُّ: عيون الجنِّ أنفذ من الأسِنَّة (١) (وَقَالَ عُقَيْلٌ) بضم العين وفتح القاف، ابنُ خالدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بنُ الزُّبير (عَنِ النَّبِيِّ ) قالَ في «المقدِّمة»: وروايةُ عُقَيْلٍ مع إرسالها وقعت لنا في «جزءٍ» من رواية أبي الفضل بن طاهرٍ الحافظ، وأخرجها الحاكم في «المستدركِ» موصولة (تَابَعَهُ) أي: تابع محمَّد بن حربٍ، فيما وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات» (عَبْدُ اللهِ) بفتح (٢) العين (بْنُ سَالِمٍ) الحمصيُّ (عَنِ الزُّبَيْدِيِّ) محمَّد بن الوليد المذكور، على وصل الحديثِ ومتنهِ.

(٣٦) هذا (٣) (بابٌ) بالتَّنوين: (العَيْنُ حَقٌّ) أي: الإصابةُ بها من جملةِ ما تحقَّقَ من كونه لها تأثيرٌ في النُّفوسِ.

٥٧٤٠ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَي) بالإفراد، ولغير أبي ذرٍّ بالجمع (إِسْحَاقُ ابْنُ نَصْرٍ) هو إسحاقُ بن إبراهيم بن نصرٍ السَّعديُّ (٤) قالَ: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبَرنا» (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بنُ همَّام (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابنُ راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابنُ منبِّه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: العَيْنُ حَقٌّ) أي: الإصابةُ بها ثابتة موجودة (٥)، وزاد مسلمٌ من حديث ابن عبَّاس «ولو كان شيءٌ سابقَ القدر لسبقتْهُ العينُ» وهي كالمؤكِّدة لقوله: «العينُ حقٌّ» وفيها تنبيهٌ على سرعةِ نفوذها وتأثيرِهَا في الذَّات، والمعنى لو فرض أنَّ شيئًا له قوَّة بحيثُ يسبق القدر كان العين، لكنَّها لا تسبقُ فكيف غيرها، وفي الحديث ردٌّ على طائفةٍ من المبتدعةِ حيثُ أنكروا إصابة العينِ، والدَّليلُ على فسادِ قولهم أنَّ كلَّ معنى لا يؤدِّي إلى قلب حقيقةٍ ولا فساد دليلٍ فإنَّه من مجوَّزات العقولِ، فإذا أخبر

الشَّارع بوقوعهِ وجبَ اعتقادهُ ولا يجوزُ تكذيبه، واختلفَ في القصاصِ، فقال القرطبيُّ: لو أتلف العائنُ شيئًا ضمنه، ولو قتلَ فعليه القصاصُ أو الدِّية إذا تكرَّر ذلك منه بحيثُ يصيرُ عادةً كالسَّاحر عند من لا يقتله كفرًا. وقال الشَّافعيُّ: لا قصاص ولا دِية ولا كفَّارة لأنَّه لا يقتلُ غالبًا ولا يعدُّ مهلكًا، ولأنَّ الحُكم إنَّما يترتَّب على مُنضبط عامٍّ دون ما يختصُّ ببعض النَّاس وبعض الأحوال ممَّا لا ضبط فيه، كيف ولم يقع منه فعل أصلًا. انتهى.

وفي حديث أنسٍ رفعهُ: «من رأَى شيئًا فأعجبَهُ، فقالَ: ما شاءَ اللهُ لا قوَّةَ إلَّا باللهِ لم يضرَّهُ». رواهُ البزَّارُ وابن السُّنيِّ.

(ونَهَى) نهي تحريمٍ (عَنِ الوَشْمِ) بفتح الواو وسكون المعجمة، وهو أن يغرزَ إبرةً أو نحوها في موضعٍ من البدنِ حتَّى يسيلَ الدَّمُ، ثمَّ يحشى ذلك الموضع بالكُحلِ ونحوه فيخضرُّ. وقال العينيُّ: الظَّاهر أنَّ قومًا سألوه عن العينِ وقومًا عن الوشمِ في مجلسٍ واحدٍ، فأجابهما لذلك (١). ويأتي إن شاء اللهُ تعالى حُكم الوشمِ في أواخر «كتاب اللِّباسِ» [خ¦٥٩٤٤] بعون الله وقوَّته.

وهذا الحديثُ أخرجهُ أيضًا في «اللِّباس» [خ¦٥٩٤٤]، ومسلمٌ في «الأدبِ» (٢)، وأبو داود في «الطِّبِّ».

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

تَمَسَّكَ بِهَذَا مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْعُمْدَةَ لِمَنْ وَصَلَ عَلَى مَنْ أَرْسَلَ لِاتِّفَاقِ الشَّيْخَيْنِ عَلَى تَصْحِيحِ الْمَوْصُولِ هُنَا عَلَى الْمُرْسَلِ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُمَا لَيْسَ لَهُمَا فِي تَقْدِيمِ الْوَصْلِ عَمَلٌ مُطَّرِدٌ بَلْ هُوَ دَائِرٌ مَعَ الْقَرِينَةِ، فَمَهْمَا تَرَجَّحَ بِهَا اعْتَمَدَاهُ، وَإِلَّا فَكَمْ حَدِيثٍ أَعْرَضَا عَنْ تَصْحِيحِهِ لِلِاخْتِلَافِ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ، وَقَدْ جَاءَ حَدِيثُ عُرْوَةَ هَذَا مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، فَسَقَطَ مِنْ رِوَايَتِهِ ذِكْرُ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: رَوَاهُ مَالِكٌ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَسَمَّى جَمَاعَةً كُلَّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، فَلَمْ يُجَاوِزَا بِهِ عُرْوَةَ، وَتَفَرَّدَ أَبُو مُعَاوِيَةَ بِذِكْرِ أُمِّ سَلَمَةَ فِيهِ وَلَا يَصِحُّ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِهَذِهِ الطَّرِيقِ لِانْفِرَادِ الْوَاحِدِ عَنِ الْعَدَدِ الْجَمِّ، وَإِذَا انْضَمَّتْ هَذِهِ الطَّرِيقُ إِلَى رِوَايَةِ الزُّبَيْدِيِّ قَوِيَتْ جِدًّا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣٦ - باب الْعَيْنُ حَقٌّ

٥٧٤٠ - حَدَّثَني إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: الْعَيْنُ حَقٌّ وَنَهَى عَنْ الْوَشْمِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْعَيْنِ حَقٌّ) أَيِ الْإِصَابَةُ بِالْعَيْنِ شَيْءٌ ثَابِتٌ مَوْجُودٌ، أَوْ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَا تَحَقَّقَ كَوْنُهُ. قَالَ الْمَازِرِيُّ: أَخَذَ الْجُمْهُورُ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَأَنْكَرَهُ طَوَائِفُ الْمُبْتَدِعَةِ لِغَيْرِ مَعْنًى؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ لَيْسَ مُحَالًا فِي نَفْسِهِ وَلَا يُؤَدِّي إِلَى قَلْبِ حَقِيقَةٍ وَلَا إِفْسَادِ دَلِيلٍ، فَهُوَ مِنْ مُتَجَاوِزَاتِ الْعُقُولِ، فَإِذَا أَخْبَرَ الشَّرْعُ بِوُقُوعِهِ لَمْ يَكُنْ لِإِنْكَارِهِ مَعْنًى، وَهَلْ مِنْ فَرْقٍ بَيْنَ إِنْكَارِهِمْ هَذَا وَإِنْكَارِهِمْ مَا يُخْبِرُ بِهِ مِنْ أُمُورِالْأَخِرَةِ.

قَوْلُهُ: (الْعَيْنُ حَقٌّ، وَنَهَى عَنِ الْوَشْمِ) لَمْ تَظْهَرِ الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْجُمْلَتَيْنِ، فَكَأَنَّهُمَا حَدِيثَانِ مُسْتَقِلَّانِ، وَلِهَذَا حَذَفَ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ الْجُمْلَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ رِوَايَتِهِمَا مَعَ أَنَّهُمَا أَخْرَجَاهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ جِهَتِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَهُمَا اشْتِرَاكُهُمَا فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُحْدِثُ فِي الْعُضْوِ لَوْنًا غَيْرَ لَوْنِهِ الْأَصْلِيِّ، وَالْوَشْمُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ أَنْ يَغْرِزَ إِبْرَةً أَوْ نَحْوَهَا فِي مَوْضِعٍ مِنَ الْبَدَنِ حَتَّى يَسِيلَ الدَّمُ ثُمَّ يُحْشَى ذَلِكَ الْمَوْضِعُ بِالْكُحْلِ أَوْ نَحْوِهِ فَيَخْضَرُّ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ حُكْمِهِ فِي بَابِ الْمُسْتَوْشِمَةِ مِنْ أَوَاخِرِ كِتَابِ اللِّبَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -.

وَقَدْ ظَهَرَتْ لِي مُنَاسَبَةٌ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْجُمْلَتَيْنِ لَمْ أَرَ مَنْ سَبَقَ إِلَيْهَا، وَهِيَ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ الْبَاعِثِ عَلَى عَمَلِ الْوَشْمِ تَغَيُّرُ صِفَةِ الْمَوْشُومِ لِئَلَّا تُصِيبَهُ الْعَيْنُ، فَنَهَى عَنِ الْوَشْمِ مَعَ إِثْبَاتِ الْعَيْنِ، وَأَنَّ التَّحَيُّلَ بِالْوَشْمِ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَا يَسْتَنِدُ إِلَى تَعْلِيمِ الشَّارِعِ لَا يُفِيدُ شَيْئًا، وَأَنَّ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ سَيَقَعُ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ: الْعَيْنُ حَقٌّ وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابِقٌ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا، فَأَمَّا الزِّيَادَةُ الْأُولَى فَفِيهَا تَأْكِيدٌ وَتَنْبِيهٌ عَلَى سُرْعَةِ نُفُوذِهَا وَتَأْثِيرِهِ فِي الذَّاتِ، وَفِيهَا إِشَارَةٌ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ مِنَ الْمُتَصَوِّفَةِ أَنَّ قَوْلَهُ: الْعَيْنُ حَقٌّ يُرِيدُ بِهِ الْقَدَرَ، أَيِ: الْعَيْنَ الَّتِي تَجْرِي مِنْهَا الْأَحْكَامُ، فَإِنَّ عَيْنَ الشَّيْءِ حَقِيقَتُهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الَّذِي يُصِيبُ مِنَ الضَّرَرِ بِالْعَادَةِ عِنْدَ نَظَرِ النَّاظِرِ إِنَّمَا هُوَ بِقَدَرِ اللَّهِ السَّابِقِ لَا بِشَيْءٍ يُحْدِثُهُ النَّاظِرُ فِي الْمَنْظُورِ. وَوَجْهُ الرَّدِّ أَنَّ الْحَدِيثَ ظَاهِرٌ فِي الْمُغَايَرَةِ بَيْنَ الْقَدَرِ وَبَيْنَ الْعَيْنِ، وَإِنْ كُنَّا نَعْتَقِدُ أَنَّ الْعَيْنَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَقْدُورِ، لَكِنْ ظَاهِرُهُ إِثْبَاتُ الْعَيْنِ الَّتِي تُصِيبُ إِمَّا بِمَا جَعَلَ اللَّهُ - تَعَالَى - فِيهَا مِنْ ذَلِكَ وَأَوْدَعَهُ فِيهَا، وَإِمَّا بِإِجْرَاءِ الْعَادَةِ بِحُدُوثِ الضَّرَرِ عِنْدَ تَحْدِيدِ النَّظَرِ، وَإِنَّمَا جَرَى الْحَدِيثُ مَجْرَى الْمُبَالَغَةِ فِي إِثْبَاتِ الْعَيْنِ، لَا أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَرُدَّ الْقَدَرَ شَيْءٌ

إِذِ الْقَدَرُ عِبَارَةٌ عَنْ سَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ، وَهُوَ لَا رَادَّ لِأَمْرِهِ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْقُرْطُبِيُّ.

وَحَاصِلُهُ لَوْ فُرِضَ أَنَّ شَيْئًا لَهُ قُوَّةٌ بِحَيْثُ يَسْبِقُ الْقَدَرَ لَكَانَ الْعَيْنُ. لَكِنَّهَا لَا تُسْبَقُ، فَكَيْفَ غَيْرُهَا؟ وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: أَكْثَرُ مَنْ يَمُوتُ مِنْ أُمَّتِي بَعْدَ قَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ بِالْأَنْفُسِ قَالَ الرَّاوِي: يَعْنِي بِالْعَيْنِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: فِي الْحَدِيثِ إِثْبَاتُ الْقَدَرِ وَصِحَّةُ أَمْرِ الْعَيْنِ وَأَنَّهَا قَوِيَّةُ الضَّرَرِ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ أَمْرُ الْعَايِنِ بِالِاغْتِسَالِ عِنْدَ طَلَبِ الْمَعْيُونِ مِنْهُ ذَلِكَ فَفِيهَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الِاغْتِسَالَ لِذَلِكَ كَانَ مَعْلُومًا بَيْنَهُمْ، فَأَمَرَهُمُ إِنْ لَا يَمْتَنِعُوا مِنْهُ إِذَا أُرِيدَ مِنْهُمْ، وَأَدْنَى مَا فِي ذَلِكَ رَفْعُ الْوَهْمِ الْحَاصِلِ فِي ذَلِكَ، وَظَاهِرُ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ.

وَحَكَى الْمَازِرِيُّ فِيهِ خِلَافًا وَصَحَّحَ الْوُجُوبَ وَقَالَ: مَتَى خَشِيَ الْهَلَاكَ وَكَانَ اغْتِسَالُ الْعَائِنِ مِمَّا جَرَتِ الْعَادَةُ بِالشِّفَاءِ بِهِ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى بَذْلِ الطَّعَامِ لِلْمُضْطَرِّ وَهَذَا أَوْلَى، وَلَمْ يُبَيِّنْ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ صِفَةَ الِاغْتِسَالِ، وَقَدْ وَقَعَتْ فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ خَرَجَ وَسَارُوا مَعَهُ نَحْوَ مَاءٍ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِشِعْبِ الْخَزَّارِ مِنَ الْجُحْفَةِ اغْتَسَلَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ - وَكَانَ أَبْيَضَ حَسَنَ الْجِسْمِ وَالْجِلْدِ - فَنَظَرَ إِلَيْهِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدٍ مُخَبَّأَةٍ، فَلُبِطَ - أَيْ صُرِعَ وَزْنًا وَمَعْنًى - سَهْلٌ. فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: هَلْ تَتَّهِمُونَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا: عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةٍ. فَدَعَا عَامِرًا فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ فَقَالَ: عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟ هَلَّا إِذَا رَأَيْتَ مَا يُعْجِبُكَ بَرَّكْتَ.

ثُمَّ قَالَ: اغْتَسِلْ لَهُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ وَدَاخِلَةِ إِزَارِهِ فِي قَدَحٍ، ثُمَّ يَصُبُّ ذَلِكَ الْمَاءَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِهِ عَلَى رَأْسِهِ وَظَهْرِهِ ثُمَّ يُكْفَأُ الْقَدَحُ، ; فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ، فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ النَّاسِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، لَفْظُ أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَلَفْظِ النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا السَّنَدِ أَنَّهُ يَصُبُّ صَبَّةً عَلَى وَجْهِهِ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَعْضَائِهِ صَبَّةً صَبَّةً فِي الْقَدَحِ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: ثُمَّ يُكْفَأُ الْقَدَحُ وَرَاءَهُ عَلَى الْأَرْضِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: أَنَّ عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ مَرَّ بِسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ وَهُوَ يَغْتَسِلُ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَلْيَدْعُ بِالْبَرَكَةِ. ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَأَمَرَ عَامِرًا أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيَغْسِلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَرُكْبَتَيْهِ وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَصُبَّ عَلَيْهِ، قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: وَأَمَرَ أَنْ يُكْفَأَ الْإِنَاءُ مِنْ خَلْفِهِ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: الْمُرَادُ بِدَاخِلَةِ الْإِزَارِ الطَّرَفُ الْمُتَدَلِّي الَّذِي يَلِي حَقْوَهُ الْأَيْمَنَ، قَالَ: فَظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنِ الْفَرْجِ انْتَهَى. وَزَادَ عِيَاضٌ أَنَّ الْمُرَادَ مَا يَلِي جَسَدَهُ مِنَ الْإِزَارِ، وَقِيلَ: أَرَادَ مَوْضِعَ الْإِزَارِ مِنَ الْجَسَدِ، وَقِيلَ: أَرَادَ وَرِكَهُ لِأَنَّهُ مَعْقِدٌ الْإِزَارَ.

وَالْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ وَفِيهِ عَنْ مَالِكٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ: اغْتَسَلَ سَهْلٌ - فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَفِيهِ: فَنَزَعَ جُبَّةً كَانَتْ عَلَيْهِ وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ يَنْظُرُ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدِ عَذْرَاءَ، فَوُعِكَ سَهْلٌ مَكَانَهُ وَاشْتَدَّ وَعَكُهُ - وَفِيهِ - أَلَا بَرَّكْتَ؟ إِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ، تَوَضَّأَ لَهُ، فَتَوَضَّأَ لَهُ عَامِرٌ فَرَاحَ سَهْلٌ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ.

(تَنْبِيهَاتٌ):

الْأَوَّلُ: اقْتَصَرَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ عَلَى قَوْلِهِ: الِاسْتِغْسَالُ أَنْ يُقَالَ لِلْعَائِنِ: اغْسِلْ دَاخِلَةَ إِزَارِكَ مِمَّا يَلِي الْجِلْدَ، فَإِذَا فَعَلَ صَبَّهُ عَلَى الْمَنْظُورِ إِلَيْهِ. وَهَذَا يُوهِمُ الِاقْتِصَارَ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ عَجِيبٌ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ نُقِلَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ كَلَامُ عِيَاضٍ بِطُولِهِ. الثَّانِي: قَالَ الْمَازِرِيُّ: هَذَا الْمَعْنَى مِمَّا لَا يُمْكِنُ تَعْلِيلُهُ وَمَعْرِفَةُ وَجْهِهِ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ، فَلَا يُرَدُّ لِكَوْنِهِ لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنْ تَوَقَّفَ فِيهِ مُتَشَرِّعٌ قُلْنَا لَهُ: قُلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ عَضَّدَتْهُ التَّجْرِبَةُ وَصَدَّقَتْهُ الْمُعَايَنَةُ. أَوْ مُتَفَلْسِفٌ فَالرَّدُّ عَلَيْهِ أَظْهَرُ لِأَنَّ عِنْدَهُ أَنَّ الْأَدْوِيَةَ تُفْعَلُ بِقُوَاهَا، وَقَدْ تُفْعَلُ بِمَعْنًى لَا يُدْرَكُ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الجنِّ، أو أنَّ الشَّيطان أصابها. قال الخطَّابيُّ: عيون الجنِّ أنفذ من الأسِنَّة (١) (وَقَالَ عُقَيْلٌ) بضم العين وفتح القاف، ابنُ خالدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بنُ الزُّبير (عَنِ النَّبِيِّ ) قالَ في «المقدِّمة»: وروايةُ عُقَيْلٍ مع إرسالها وقعت لنا في «جزءٍ» من رواية أبي الفضل بن طاهرٍ الحافظ، وأخرجها الحاكم في «المستدركِ» موصولة (تَابَعَهُ) أي: تابع محمَّد بن حربٍ، فيما وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات» (عَبْدُ اللهِ) بفتح (٢) العين (بْنُ سَالِمٍ) الحمصيُّ (عَنِ الزُّبَيْدِيِّ) محمَّد بن الوليد المذكور، على وصل الحديثِ ومتنهِ.

(٣٦) هذا (٣) (بابٌ) بالتَّنوين: (العَيْنُ حَقٌّ) أي: الإصابةُ بها من جملةِ ما تحقَّقَ من كونه لها تأثيرٌ في النُّفوسِ.

٥٧٤٠ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَي) بالإفراد، ولغير أبي ذرٍّ بالجمع (إِسْحَاقُ ابْنُ نَصْرٍ) هو إسحاقُ بن إبراهيم بن نصرٍ السَّعديُّ (٤) قالَ: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبَرنا» (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بنُ همَّام (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابنُ راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابنُ منبِّه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: العَيْنُ حَقٌّ) أي: الإصابةُ بها ثابتة موجودة (٥)، وزاد مسلمٌ من حديث ابن عبَّاس «ولو كان شيءٌ سابقَ القدر لسبقتْهُ العينُ» وهي كالمؤكِّدة لقوله: «العينُ حقٌّ» وفيها تنبيهٌ على سرعةِ نفوذها وتأثيرِهَا في الذَّات، والمعنى لو فرض أنَّ شيئًا له قوَّة بحيثُ يسبق القدر كان العين، لكنَّها لا تسبقُ فكيف غيرها، وفي الحديث ردٌّ على طائفةٍ من المبتدعةِ حيثُ أنكروا إصابة العينِ، والدَّليلُ على فسادِ قولهم أنَّ كلَّ معنى لا يؤدِّي إلى قلب حقيقةٍ ولا فساد دليلٍ فإنَّه من مجوَّزات العقولِ، فإذا أخبر

الشَّارع بوقوعهِ وجبَ اعتقادهُ ولا يجوزُ تكذيبه، واختلفَ في القصاصِ، فقال القرطبيُّ: لو أتلف العائنُ شيئًا ضمنه، ولو قتلَ فعليه القصاصُ أو الدِّية إذا تكرَّر ذلك منه بحيثُ يصيرُ عادةً كالسَّاحر عند من لا يقتله كفرًا. وقال الشَّافعيُّ: لا قصاص ولا دِية ولا كفَّارة لأنَّه لا يقتلُ غالبًا ولا يعدُّ مهلكًا، ولأنَّ الحُكم إنَّما يترتَّب على مُنضبط عامٍّ دون ما يختصُّ ببعض النَّاس وبعض الأحوال ممَّا لا ضبط فيه، كيف ولم يقع منه فعل أصلًا. انتهى.

وفي حديث أنسٍ رفعهُ: «من رأَى شيئًا فأعجبَهُ، فقالَ: ما شاءَ اللهُ لا قوَّةَ إلَّا باللهِ لم يضرَّهُ». رواهُ البزَّارُ وابن السُّنيِّ.

(ونَهَى) نهي تحريمٍ (عَنِ الوَشْمِ) بفتح الواو وسكون المعجمة، وهو أن يغرزَ إبرةً أو نحوها في موضعٍ من البدنِ حتَّى يسيلَ الدَّمُ، ثمَّ يحشى ذلك الموضع بالكُحلِ ونحوه فيخضرُّ. وقال العينيُّ: الظَّاهر أنَّ قومًا سألوه عن العينِ وقومًا عن الوشمِ في مجلسٍ واحدٍ، فأجابهما لذلك (١). ويأتي إن شاء اللهُ تعالى حُكم الوشمِ في أواخر «كتاب اللِّباسِ» [خ¦٥٩٤٤] بعون الله وقوَّته.

وهذا الحديثُ أخرجهُ أيضًا في «اللِّباس» [خ¦٥٩٤٤]، ومسلمٌ في «الأدبِ» (٢)، وأبو داود في «الطِّبِّ».

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله