«أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ تَسَحَّرَا، فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 576

الحديث رقم 576 من كتاب «كتاب مواقيت الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب وقت الفجر.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن نبي الله ﷺ وزيد بن ثابت تسحرا، فلما فرغا…

«أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ تَسَحَّرَا، فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا، قَامَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى، قُلْنَا لِأَنَسٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً».

سند حديث: ٥٧٦ - حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ…

٥٧٦ - حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ:

⦗١٢٠⦘

سَمِعَ رَوْحًا، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ:

رواة الحديث

شرح حديث: «أن نبي الله ﷺ وزيد بن ثابت تسحرا، فلما فرغا…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ أَوْ سِتِّينَ يَعْنِي آيَةً.

[الحديث ٥٧٥ - طرفه في ١٩٢١]

٥٧٦ - حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ سَمِعَ رَوْحَ بْنَ عُبَادَةَ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ تَسَحَّرَا فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا قَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى قُلْنَا لِأَنَسٍ كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلَاةِ قَالَ قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً

[الحديث ٥٧٦ - طرفه في: ١١٣٤]

٥٧٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ أَخِيهِ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ كُنْتُ أَتَسَحَّرُ فِي أَهْلِي ثُمَّ يَكُونُ سُرْعَةٌ بِي أَنْ أُدْرِكَ صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ

٥٧٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ كُنَّ نِسَاءُ الْمُؤْمِنَاتِ يَشْهَدْنَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْفَجْرِ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ ثُمَّ يَنْقَلِبْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ حِينَ يَقْضِينَ الصَّلَاةَ لَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الْغَلَسِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ وَقْتِ الْفَجْرِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ تَسَحَّرَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ أَنَسٍ، فَأَمَّا رِوَايَةُ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ فَهِيَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ حَدَّثَهُ، فَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَوَافَقَهُ هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الصِّيَامِ. وَأَمَّا رِوَايَةُ سَعِيدٍ - وَهُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ - عَنْ قَتَادَةَ فَهِيَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ تَسَحَّرَا، وَفِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي تَسَحَّرُوا فَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ أَنَسٍ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَسَحَّرُوا بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فَشَاذَّةٌ، وَتَرَجَّحَ عِنْدَ مُسْلِمٍ رِوَايَةُ هَمَّامٍ فَإِنَّهُ أَخْرَجَهَا وَأَعْرَضَ عَنْ رِوَايَةِ سَعِيدٍ، وَيَدُلُّ عَلَى رُجْحَانِهَا أَيْضًا أَنَّ الْإِسْمَاعِيلِيَّ أَخْرَجَ رِوَايَةَ سَعِيدٍ مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدٍ فَقَالَ عَنْ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّ أَنَسًا حَضَرَ ذَلِكَ لَكِنَّهُ لَمْ يَتَسَحَّرْ مَعَهُمَا، وَلِأَجْلِ هَذَا سَأَلَ زَيْدًا عَنْ مِقْدَارِ وَقْتِ السُّحُورِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدُ، ثُمَّ وَجَدْتُ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ وَلَفْظُهُمَا عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا أَنَسُ إِنِّي أُرِيدُ الصِّيَامَ، أَطْعِمْنِي شَيْئًا.

فَجِئْتُهُ بِتَمْرٍ وَإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ، وَذَلِكَ بَعْدَمَا أَذَّنَ بِلَالٌ. قَالَ: يَا أَنَسُ انْظُرْ رَجُلًا يَأْكُلُ مَعِي، فَدَعَوْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَجَاءَ فَتَسَحَّرَ مَعَهُ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ. فَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ كَمْ كَانَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالسُّحُورِ أَيْ أَذَانِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، لِأَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ قَبْلَ الْفَجْرِ. وَالْآخَرُ يُؤَذِّنُ إِذَا طَلَعَ.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟) سَقَطَ لَفْظُ كَانَ مِنْ رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي، وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ عَفَّانَ، عَنْ هَمَّامٍ قُلْنَا لِزَيْدٍ، وَمِنْ رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدٍ قَالَ خَالِدٌ: أَنَسٌ الْقَائِلُ كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا. وَوَقَعَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ مِنْ رِوَايَةِ رَوْحٍ، عَنْ سَعِيدٍ: قُلْتُ لِأَنَسٍ، فَهُوَ مَقُولُ قَتَادَةَ. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: وَالرِّوَايَتَانِ صَحِيحَتَانِ بِأَنْ يَكُونَ أَنَسٌ سَأَلَ زَيْدًا، وَقَتَادَةُ سَأَلَ أَنَسًا.

وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (قَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّيَا) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ، وَلِغَيْرِهِ فَصَلَّيْنَا بِصِيغَةِ الْجَمْعِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ بِهِ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الصُّبْحِ طُلُوعُ الْفَجْرِ لِأَنَّهُ الْوَقْتُ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ، وَالْمُدَّةُ الَّتِي بَيْنَ الْفَرَاغِ مِنَ السُّحُورِ وَالدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ - وَهِيَ قِرَاءَةُ الْخَمْسِينَ آيَةً أَوْ نَحْوِهَا - قَدْرُ ثُلُثِ خُمُسِ سَاعَةٍ، وَلَعَلَّهَا مِقْدَارُ مَا يَتَوَضَّأُ. فَأَشْعَرَ ذَلِكَ بِأَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الصُّبْحِ أَوَّلُ مَا يَطْلُعُ الْفَجْرُ.

وَفِيهِ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَدْخُلُ فِيهَا بِغَلَسٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَخِيهِ) هُوَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْحَمِيدِ، وَسُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي الصِّيَامِ. وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا الْإِشَارَةُ إِلَى مُبَادَرَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَلَفْظُهُ أَصْرَحُ فِي مُرَادِهِ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ جِهَةِ التَّغْلِيسِ بِالصُّبْحِ، وَأَنَّ سِيَاقَهُ يَقْتَضِي الْمُوَاظَبَةَ عَلَى ذَلِكَ، وَأَصْرَحُ مِنْهُ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ ﷺ أَسْفَرَ بِالصُّبْحِ مَرَّةً ثُمَّ كَانَتْ صَلَاتُهُ بَعْدُ بِالْغَلَسِ حَتَّى مَاتَ لَمْ يَعُدْ إِلَى أَنْ يُسْفِرَ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ فَقَدْ حَمَلَهُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ تَحَقُّقُ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَحَمَلَهُ الطَّحَاوِيُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْأَمْرُ بِتَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الصَّلَاةِ مُسْفِرًا، وَأَبْعَدَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ نَاسِخٌ لِلصَّلَاةِ فِي الْغَلَسِ. وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ قَالَ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صلى صلاة فِي غَيْرِ وَقْتِهَا ذَلِكَ الْيَوْمِ يَعْنِي فِي الْفَجْرِ يَوْمَ الْمُزْدَلِفَةِ، فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ دَخَلَ فِيهَا مَعَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ، فَإِنَّ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مَا يُشْعِرُ بِتَأْخِيرٍ يَسِيرٍ، لَا أَنَّهُ صَلَّاهَا، قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ.

وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ (كُنَّ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: هُوَ مِثْلُ أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ لِأَنَّ قِيَاسَهُ الْإِفْرَادُ وَقَدْ جُمِعَ.

قَوْلُهُ: (نِسَاءُ الْمُؤْمِنَاتِ) تَقْدِيرُهُ نِسَاءُ الْأَنْفُسِ الْمُؤْمِنَاتِ أَوْ نَحْوِهَا ذَلِكَ حَتَّى لَا يَكُونَ مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ، وَقِيلَ: إِنَّ نِسَاءَ هُنَا بِمَعْنَى الْفَاضِلَاتِ أَيْ فَاضِلَاتُ الْمُؤْمِنَاتِ كَمَا يُقَالُ رِجَالُ الْقَوْمِ أَيْ فُضَلَاؤُهُمْ.

قَوْلُهُ: (يَشْهَدْنَ) أَيْ يَحْضُرْنَ، وَقَوْلُهُ: (لَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ) قَالَ الدَّاوُدِيُّ: مَعْنَاهُ لَا يُعْرَفْنَ أَنِسَاءٌ أَمْ رِجَالٌ، أَيْ لَا يَظْهَرُ لِلرَّائِي إِلَّا الْأَشْبَاحُ خَاصَّةً، وَقِيلَ لَا يُعْرَفُ أَعْيَانُهُنَّ فَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ خَدِيجَةَ وَزَيْنَبَ، وَضَعَّفَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ الْمُتَلَفِّعَةَ فِي النَّهَارِ لَا تُعْرَفُ عَيْنُهَا فَلَا يَبْقَى فِي الْكَلَامِ فَائِدَةٌ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ إِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْأَعْيَانِ، فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْأَوَّلُ لَعَبَّرَ بِنَفْيِ الْعِلْمِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْمُتَلَفِّعَةَ بِالنَّهَارِ لَا تُعْرَفُ عَيْنُهَا فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ لِكُلِّ امْرَأَةٍ هَيْئَةٌ غَيْرُ هَيْئَةِ الْأُخْرَى فِي الْغَالِبِ وَلَوْ كَانَ بَدَنُهَا مُغَطًّى. وَقَالَ الْبَاجِيُّ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُنَّ كُنَّ سَافِرَاتٍ إِذْ لَوْ كُنَّ مُتَنَقِّبَاتٍ لَمَنَعَ تَغْطِيَةُ الْوَجْهِ مِنْ مَعْرِفَتِهِنَّ لَا الْغَلَسُ.

قُلْتُ: وَفِيهِ مَا فِيهِ، لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاشْتِبَاهِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ النَّوَوِيُّ، وَأَمَّا إِذَا قُلْنَا: إِنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ هَيْئَةً غَالِبًا فَلَا يَلْزَمُ مَا ذُكِرَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (مُتَلَفِّعَاتٍ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ، (وَالْمُرُوطُ) جَمْعُ مِرْطٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَهُوَ كِسَاءٌ مُعَلَّمٌ مِنْ خَزٍّ أَوْ صُوفٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَقِيلَ لَا يُسَمَّى مِرْطًا إِلَّا إِذَا كَانَ أَخْضَرَ وَلَا يَلْبَسُهُ إِلَّا النِّسَاءُ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ مِرْطٌ مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ.

قَوْلُهُ: (يَنْقَلِبْنَ) أَيْ يَرْجِعْنَ.

قَوْلُهُ: (مِنَ الْغَلَسِ) مِنِ ابْتِدَائِيَّةٌ أَوْ تَعْلِيلِيَّةٌ، وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ حَدِيثِ أبي بَرْزَةَ السَّابِقِ أَنَّهُ كَانَ يَنْصَرِفُ مِنَ الصَّلَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ، لِأَنَّ هَذَا إِخْبَارٌ عَنْ رُؤْيَةِ الْمُتَلَفِّعَةِ عَلَى بُعْدٍ، وَذَاكَ إِخْبَارٌ عَنْ رُؤْيَةِ الْجَلِيسِ.

وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ الْمُبَادَرَةِ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَجَوَازُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ لِشُهُودِ الصَّلَاةِ فِي اللَّيْلِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

لزيد: (كَمْ بَيْنَهُمَا؟) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «كم كان بينهما؟» أي: بين السَّحور (١) والقيام إلى الصَّلاة (٢) (قَالَ) زيد: (قَدْرُ) قراءة (خَمْسِينَ أَوْ سِتِّينَ -يَعْنِي: آيَةً-).

ورواة هذا الحديث الخمسة بصريُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، ورواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ، وأخرجه المؤلِّف في «الصَّوم» [خ¦١٩٢١]، وكذا مسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.

٥٧٦ - وبه قال: (حدَّثنا) وفي الفرع وأصله (٣): «ح» للتَّحويل «وحدَّثنا (٤)» (حَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ) بتشديد المُوحَّدة، البزَّار بالزَّاي ثمَّ الرَّاء، وللأربعة: «الحسن بن الصَّبَّاح» حال كونه قد (سَمِعَ رَوْحًا) بفتح الرَّاء، ولأبي الوقت والهرويِّ: «رَوْح بن عُبَادة» بضمِّ العين وتخفيف المُوحَّدة قال: (حدَّثنا سَعِيدٌ) هو ابن أبي عروبة (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁، وسقط عند ابن عساكر «ابن مالكٍ» (أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ تَسَحَّرَا) بالتَّثنية، وللمُستملي والسَّرخسيِّ: «تسحروا» بالجمع، أي: النَّبيُّ وأصحابه (فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا) بفتح السِّين (قَامَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ إِلَى الصَّلاة فَصَلَّى) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فصلَّيا» أي: النَّبيُّ ﷺ وزيدٌ،

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وروى أَبُو الْقَاسِم بن الْجَوْزِيّ من حَدِيث ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَوْقُوفا (يُنَادي مُنَاد عِنْد صَلَاة الصُّبْح يَا بني آدم قومُوا فاطفئوا مَا أوقدتم على أَنفسكُم، وينادي عِنْد الْعَصْر كَذَلِك، فيتطهرون وَيصلونَ وينامون وَلَا ذَنْب لَهُم) . وَوجه الْعُدُول عَن الأَصْل وَهُوَ أَن يَقُول: يدْخل الْجنَّة، بِصِيغَة الْمُضَارع لإِرَادَة التَّأْكِيد فِي وُقُوعه بِجعْل مَا هُوَ للوقوع كالواقع، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ( {ونادى أَصْحَاب الْجنَّة} (الْأَعْرَاف: ٤٤) .

وَقَالَ ابنُ رجاءٍ حدَّثنا هُمَّامٌ عنْ أبي جَمْرَةَ أنَّ أَبَا بَكْرٍ بنَ عَبْدِ الله بنِ قَيْسٍ أخْبَرَه بِهذَا

أورد البُخَارِيّ هَذَا التَّعْلِيق عَن شَيْخه عبد الله بن رَجَاء، بِفَتْح الرَّاء وَالْجِيم وبالمد: الغداني الْبَصْرِيّ ليُفِيد بذلك أَن نِسْبَة أبي بكر إِلَى أَبِيه أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، لِأَن النَّاس اخْتلفُوا فِيهِ، كَمَا ذكرنَا عَن قريب، وَقد وَصله الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه) فَقَالَ: حَدثنَا عُثْمَان بن عمر الضَّبِّيّ، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن رَجَاء، فَذكره. قَوْله: (أخبر بِهَذَا) أَي: بِهَذَا الحَدِيث، وَهُوَ مُرْسل لِأَنَّهُ لم يقل: عَن أَبِيه، إلَاّ أَن يُقَال: المُرَاد بِالْمُشَارِ إِلَيْهِ الحَدِيث وَبَقِيَّة الأسناد كِلَاهُمَا.

حدَّثنا إسْحَاقُ عنْ حَبَّانَ قَالَ حدَّثنا هَمَّامٌ قَالَ حدَّثنا أبُو جمرَةَ عنْ أبي بَكْرِ بنِ عَبْدِ الله عنْ أبِيهِ عنِ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِثْلُهُ.

أَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذَا أَيْضا بِأَن شيخ أبي جَمْرَة هُوَ أَبُو بكر بن عبد الله بن قيس، وَهُوَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، ردا على من زعم أَنه ابْن عمَارَة بن رؤيبة. وَقد ذكرنَا أَن حَدِيث عمَارَة أخرجه مُسلم وَغَيره فَظهر من هَذَا أَنَّهُمَا حديثان: أَحدهمَا عَن أبي مُوسَى، وَالْآخر عَن عمَارَة بن رؤيبة. قَوْله: (حَدثنَا إِسْحَاق) قَالَ الغساني فِي كِتَابه (التَّقْيِيد) : لَعَلَّه إِسْحَاق بن مَنْصُور الكوسج، وَقَالَ فِي مَوضِع آخر مِنْهُ: قَالَ ابْن السكن: كل مَا فِي كتاب البُخَارِيّ عَن إِسْحَاق غير مَنْسُوب فَهُوَ ابْن رَاهَوَيْه، وَاسْتدلَّ الغساني على أَنه مَنْصُور بِأَن مُسلما روى عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن حبَان بن هِلَال حَدِيثا غير هَذَا. قلت: الْأَصَح أَنه إِسْحَاق بن مَنْصُور، لِأَنَّهُ روى عَن الْفربرِي فِي بَاب البيعان بِالْخِيَارِ: حَدثنَا إِسْحَاق بن مَنْصُور حَدثنَا جَعْفَر ابْن هِلَال، فَذكر حَدِيثا. وحبان هَذَا، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن هِلَال الْبَاهِلِيّ، مَاتَ سنة سِتّ عشرَة وَمِائَتَيْنِ. قَوْله: (مثله) ، أَي: مثل هَذَا الحَدِيث الْمَذْكُور، ويروى (بِمثلِهِ) بِزِيَادَة الْبَاء.

٢٧ - (بابُ وقتِ الفَجْرِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وَقت صَلَاة الْفجْر.

٥٧٥ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عاصمٍ قَالَ حدَّثنا هَمَّامٌ عنْ قَتَادَةَ عَنْ أنَسٍ أنَّ زَيْدَ بنَ ثَابِتٍ حَدَّثَهُ أنَّهُمْ تَسَحَّرُوا مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثُمَّ قامُوا إِلَى الصَّلاة قُلْتُ كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا قَالَ قَدْرُ خَمْسِينَ أوْ سِتِّينَ يَعْنِي آيَةً. (الحَدِيث ٥٧٥ طرفه فِي: ١٩٢١) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من خيث إِنَّهُم قَامُوا إِلَى الصَّلَاة بعد أَن تسحرُوا بِمِقْدَار قِرَاءَة خمسين آيَة أَو نَحْوهَا، وَذَلِكَ أول مَا يطلع الْفجْر، وَهُوَ أول وَقت الصُّبْح. وَاسْتدلَّ البُخَارِيّ بِهَذَا أَن أول وَقت الصُّبْح هُوَ طُلُوع الْفجْر، فَحصل التطابق بَين الحَدِيث والترجمة.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عَمْرو بن عَاصِم، بِالْوَاو، الْحَافِظ الْبَصْرِيّ، مَاتَ سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: همام بن يحيى. الثَّالِث: قَتَادَة بن دعامة. الرَّابِع: أنس بن مَالك. الْخَامِس: زيد بن ثَابت الْأنْصَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد من الْمَاضِي فِي مَوضِع وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: أَن رُوَاته بصريون.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّوْم، عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن هِشَام الدستوَائي عَن قَتَادَة. وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن وَكِيع عَن هِشَام بِهِ. وَعَمْرو النَّاقِد عَن يزِيد بن هَارُون عَن همام بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن سَالم بن نوح عَن عَمْرو بن عَامر عَن قَتَادَة بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن يحيى بن مُوسَى عَن

أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ، وَعَن هناد عَن وَكِيع عَن همام بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن وَكِيع بِهِ، وَعَن إِسْمَاعِيل ابْن مَسْعُود عَن خَالِد بن الْحَارِث عَن همام بِهِ وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن عَليّ بن مُحَمَّد الطنافسي عَن وَكِيع بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَنهم) أَي: أَنه وَأَصْحَابه تسحرُوا. أَي: أكلُوا السّحُور، وَهُوَ بِفَتْح السِّين، اسْم مَا يتسحر بِهِ من الطَّعَام وَالشرَاب، وبالضم الْمصدر، وَالْفِعْل نَفسه. وَأكْثر مَا يروي بِالْفَتْح، وَقيل: إِن الصَّوَاب بِالضَّمِّ، لِأَنَّهُ بِالْفَتْح الطَّعَام وَالْبركَة وَالْأَجْر وَالثَّوَاب فِي الْفِعْل لَا فِي الطَّعَام. قَوْله: (إِلَى الصَّلَاة) أَي: صَلَاة الْفجْر. قَوْله: (كم كَانَ بَينهمَا) ، سقط لفظ: كَانَ، من رِوَايَة السَّرخسِيّ وَالْمُسْتَمْلِي، وفاعل قلت هُوَ: أنس، وَالضَّمِير فِي بَينهمَا يرجع إِلَى التسحر، وَالْقِيَام إِلَى الصَّلَاة من قبيل: {اعدلوا هُوَ أقرب للتقوى} (الْمَائِدَة: ٨) . قَوْله: (قَالَ) أَي: زيد بن ثَابت. قَوْله: (قدر خمسين) مَرْفُوع على الِابْتِدَاء وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره: قدر خمسين آيَة بَينهمَا، والتمييز مَحْذُوف أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: (يَعْنِي آيَة) .

وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: اسْتِحْبَاب التسحر وتأخيره إِلَى قريب طُلُوع الْفجْر.

٥٧٦ - حدَّثنا حَسَنُ بنُ صَبَّاحٍ سَمِعَ رَوْحا قَالَ حدَّثنا سَعِيدٌ عنْ قَتَادَةَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ أنَّ نَبِيَّ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وزَيْدَ بنَ ثَابتٍ تَسَحَّرَا فلمَّا فَرَغَا منْ سَحُورِهِمَا قامَ نَبِيُّ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّيْنَا قُلْتُ لأِنَسٍ كَمْ كانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا منْ سَحُورِهِمَا ودُخُولِهِمَا فِي الصَّلَاةِ قَالَ قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً. (الحَدِيث ٥٧٦ طرفه فِي: ١١٣٤) .

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: الْحسن بن صباح، بتَشْديد الْبَاء الْبَزَّار بالزاي. ثمَّ الرَّاء أحد الْأَعْلَام وَقد تقدم. الثَّانِي: روح، بِفَتْح الرَّاء: بن عبَادَة، بِضَم الْعين وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة، تقدم. الثَّالِث: سعيد بن أبي عرُوبَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة، تقدم الرَّابِع: قَتَادَة بن دعامة. الْخَامِس: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: السماع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين، وَالْفرق بَين سَنَد هَذَا الحَدِيث وَسَنَد الحَدِيث السَّابِق أَن هَذَا الحَدِيث من مسانيد أنس، وَذَاكَ من مسانيد زيد بن ثَابت، وَرجح مُسلم رِوَايَة همام عَن قَتَادَة فأخرجها وَلم يخرج رِوَايَة سعيد. قَالَ بَعضهم: وَيدل على رُجْحَانهَا أَيْضا أَن الْإِسْمَاعِيلِيّ أخرج رِوَايَة سعيد من طَرِيق خَالِد بن الْحَارِث عَن سعيد فَقَالَ: عَن أنس عَن زيد بن ثَابت، وَالَّذِي يظْهر لي فِي الْجمع بَين الرِّوَايَتَيْنِ أَن أنسا حضر ذَلِك لكنه لم يتسحر مَعَهُمَا، وَلأَجل ذَلِك سَأَلَ زيدا عَن مِقْدَار وَقت السّحُور. انْتهى. قلت: خرج الطَّحَاوِيّ من حَدِيث هِشَام الدستوَائي عَن قَتَادَة عَن أنس وَزيد بن ثَابت قَالَا: تسحرنا. . الحَدِيث، فَكيف يَقُول هَذَا الْقَائِل: إِن أنسا حضر ذَلِك لكنه لم يتسحر مَعَهُمَا؟

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (سمع روح بن عبَادَة) جملَة وَقعت حَالا، وَكلمَة: قد، مقدرَة فِيهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {أَو جاؤكم حصرت صُدُورهمْ} (النِّسَاء: ٩٠) . أَي: قد حصرت. قَوْله: (تسحرا) ، بالتثنية، وَفِي رِوَايَة السَّرخسِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: (تسحرُوا) بِالْجمعِ. قَوْله: (فصلينا) ، بِصِيغَة الْجمع عِنْد الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني بِصِيغَة التَّثْنِيَة، ويروى: (فصلى) بِالْإِفْرَادِ. قَوْله: (قلت لأنس) الْقَائِل قَتَادَة، ويروى: (قُلْنَا) ، بِصِيغَة الْجمع.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: بَيَان أول وَقت الصُّبْح، وَهُوَ طُلُوع الْفجْر لِأَنَّهُ الْوَقْت الَّذِي يحرم فِيهِ الطَّعَام وَالشرَاب على الصَّائِم، والمدة الَّتِي بَين الْفَرَاغ والسحور وَالدُّخُول فِي الصَّلَاة هِيَ قِرَاءَة الْخمسين آيَة أَو نَحْوهَا، وَهِي قدر ثلث خمس سَاعَة، وَاخْتلفُوا فِي آخر وَقت الْفجْر، فَذهب الْجُمْهُور إِلَى آخِره أول طُلُوع جرم الشَّمْس، وَهُوَ مَشْهُور مَذْهَب مَالك، وروى عَنهُ ابْن الْقَاسِم وَابْن عبد الحكم: أَن آخر وَقتهَا الْإِسْفَار الْأَعْلَى؛ وَعَن الاصطخري: من صلاهَا بعد الْإِسْفَار الشَّديد يكون قَاضِيا مُؤديا وَإِن لم تطلع الشَّمْس.

٥٧٧ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ أبي أُوَيْسٍ عنْ أخِيهِ عنْ سُلَيْمَانَ عنْ أبي حازمٍ أنَّهُ سمِعَ سَهْلَ بنَ سعْدٍ يَقُولُ كنْت أتَسَحَّرُ فِي أَهْلِي ثمَّ تَكُونُ سُرْعَةٌ بِي أنْ أُدْرِكَ صَلَاةَ الفَجْرِ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. (الحَدِيث ٥٧٧ طرفه فِي: ١٩٢٠) .

مطابقته للتَّرْجَمَة بطرِيق الْإِشَارَة أَن أول وَقت صَلَاة الْفجْر طُلُوع الْفجْر. وَقَالَ بَعضهم: الْغَرَض مِنْهُ هَهُنَا الْإِشَارَة إِلَى مبادرة النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِلَى صَلَاة الصُّبْح فِي أول الْوَقْت. قلت: التَّرْجَمَة فِي بَيَان وَقت الْفجْر لَا فِيمَا قَالَه، فَلَا تطابق حِينَئِذٍ بَين التَّرْجَمَة والْحَدِيث، وَأَيْضًا لَا يسْتَلْزم سرعَة سهل لإدراك الصَّلَاة مبادرة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بهَا.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: إِسْمَاعِيل بن أبي أويس. وَاسم أبي أويس: عبد الله الأصبحي الْمدنِي، ابْن أُخْت مَالك ابْن أنس، رَحمَه الله. الثَّانِي: أَخُوهُ عبد الحميد بن أبي أويس، يكنى أَبَا بكر. الثَّالِث: سُلَيْمَان بن بِلَال أَبُو أَيُّوب، وَقد تقدم. الرَّابِع: أَبُو حَازِم سَلمَة بن دِينَار الْأَعْرَج، من عبَّاد أهل الْمَدِينَة. الْخَامِس: سهل بن سعد بن مَالك الْأنْصَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَفِيه: رِوَايَة الْأَخ عَن الْأَخ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ثمَّ تكون سرعَة) ، يجوز فِي: سرعَة، الرّفْع وَالنّصب؛ أما الرّفْع فعلى أَن: كَانَ، تَامَّة بِمَعْنى: تُوجد سرعَة، وَلَفْظَة: بِي، تتَعَلَّق بِهِ، وَأما النصب فعلى أَن تكون: كَانَ، نَاقِصَة وَيكون اسْم: كَانَ، مضمرا فِيهِ، وَسُرْعَة، خَبره، وَالتَّقْدِير: تكون السرعة سرعَة حَاصِلَة بِي. وَهَكَذَا قدره الْكرْمَانِي، وَقَالَ: وَالِاسْم ضمير يرجع إِلَى مَا يدل عَلَيْهِ لَفْظَة السرعة. قلت: فِيهِ تعسف، الْأَوْجه أَن يُقَال: إِن: كَانَ، نَاقِصَة: وَسُرْعَة، بِالرَّفْع اسْمهَا، وَقَوله: بِي، فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا صفة سرعَة، وَقَوله: (أَن أدْرك) خبر: كَانَ، وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة، وَالتَّقْدِير: وَتَكون سرعَة حَاصِلَة بِي لإدراك صَلَاة الْفجْر مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأما نصب: سرعَة، فقد ذكر الْكرْمَانِي فِيهِ وَجْهَيْن: أَحدهمَا مَا ذَكرْنَاهُ، وَالْآخر: أَنه نصب على الِاخْتِصَاص، فَالْأول فِيهِ التعسف، كَمَا ذكرنَا، وَالثَّانِي لَا وَجه لَهُ يظْهر بِالتَّأَمُّلِ.

٥٧٨ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ أخبرنَا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبرنِي عُرْوَةَ ابنُ الزبَيْرِ أنَّ عائِشَةَ أخْبَرَتْهُ قالَتْ كُنَّ نِساءُ المُؤْمِنَاتِ يَشْهَدْنَ مَعَ رَسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَلَاةَ الفَجْرِ مُتَلَفعاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ ثُمَّ يَنْقَلِبْنَ إلَى بُيُوتِهِنَّ حِينَ يَقْضِينَ الصَّلَاةَ لَا يَعْرِفُهُنَّ أحَدٌ مِنَ الغَلَسِ

هَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي بَاب كم تصلي الْمَرْأَة من الثِّيَاب؟ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ وَهُوَ ابْن شهَاب، وتكلمنا هُنَاكَ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة فِي جَمِيع متعلقات الحَدِيث، ولنتكلم هُنَا بِبَعْض شَيْء زِيَادَة الْإِيضَاح، وَذكر هَذَا الحَدِيث هَهُنَا لَا يُطَابق التَّرْجَمَة. فَإِن قلت: فِيهِ دلَالَة على اسْتِحْبَاب الْمُبَادرَة بِصَلَاة الصُّبْح فِي أول الْوَقْت. قلت: سلمنَا هَذَا، وَلَكِن لَا يدل هَذَا على أَن وَقت الْفجْر عِنْد طُلُوع الْفجْر، لِأَن الْمُبَادرَة تحصل مَا دَامَ الْغَلَس بَاقِيا. قَوْله: (اللَّيْث عَن عقيل) ، اللَّيْث هُوَ ابْن سعد الْمصْرِيّ، وَعقيل بِالضَّمِّ ابْن خَالِد الْأَيْلِي، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.

وَفِي الْإِسْنَاد: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، والعنعنة فِي موضِعين، والإخبار بِصِيغَة الْإِفْرَاد من الْمَاضِي الْمُذكر فِي مَوضِع، وَمثله فِي مَوضِع وَلَكِن بالتأنيث.

قَوْله: (كن) ، أَي: النِّسَاء، وَالْقِيَاس أَن يُقَال: كَانَت النِّسَاء الْمُؤْمِنَات، وَلَكِن هُوَ من قبيل: أكلوني البراغيث، فِي أَن البراغيث إِمَّا بدل أَو بَيَان، وَإِضَافَة النِّسَاء إِلَى الْمُؤْمِنَات مؤولة، لِأَن إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه لَا تجوز، وَالتَّقْدِير نسَاء الْأَنْفس الْمُؤْمِنَات، أَو الْجَمَاعَة الْمُؤْمِنَات. وَقيل: إِن النِّسَاء هَهُنَا بِمَعْنى: الفاضلات، أَي: فاضلات الْمُؤْمِنَات، كَمَا يُقَال: رجال الْقَوْم أَي فضلاؤهم ومتقدموهم. قَوْله: (يشهدن) أَي: يحضرن. قَوْله: (صَلَاة الْفجْر) ، بِالنّصب إِمَّا مفعول بِهِ أَو مفعول فِيهِ، وَكِلَاهُمَا جائزان لِأَنَّهَا مَشْهُودَة ومشهود فِيهَا. قَوْله: (متلفعات) ، حَال أَي: متلحفات، من التلفع وَهُوَ: شدّ اللفاع وَهُوَ مَا يُغطي الْوَجْه ويتلحف بِهِ. قَوْله: (بمروطهن) ، يتَعَلَّق: بمتلفعات، وَهُوَ جمع مرط: بِكَسْر الْمِيم وَهُوَ: كسَاء من صوف أَو خَز يؤتزر بِهِ. قَوْله: (ثمَّ يَنْقَلِبْنَ) ، أَي: يرجعن إِلَى بُيُوتهنَّ. قَوْله: (لَا يعرفهن أحد) قَالَ الدَّاودِيّ: مَعْنَاهُ لَا يعرفن أنساء أم رجال، يَعْنِي: لَا يظْهر للرائي إِلَّا الأشباح خَاصَّة. وَقيل: لَا يعرف أعيانهن، فَلَا يفرق بَين فَاطِمَة وَعَائِشَة. وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِيهِ نظر لِأَن المتلفعة بِالنَّهَارِ لَا تعرف عينهَا، فَلَا يبْقى فِي الْكَلَام فَائِدَة، ورد بِأَن الْمعرفَة إِنَّمَا تتَعَلَّق بالأعيان، فَلَو كَانَ المُرَاد غَيرهَا لنفى الرُّؤْيَة بِالْعلمِ. وَقَالَ بَعضهم: وَمَا ذكره من أَن المتلفعة بِالنَّهَارِ لَا يعرف عينهَا فِيهِ نظر، لِأَن لكل امْرَأَة هَيْئَة غير هَيْئَة

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ أَوْ سِتِّينَ يَعْنِي آيَةً.

[الحديث ٥٧٥ - طرفه في ١٩٢١]

٥٧٦ - حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ سَمِعَ رَوْحَ بْنَ عُبَادَةَ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ تَسَحَّرَا فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا قَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى قُلْنَا لِأَنَسٍ كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلَاةِ قَالَ قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً

[الحديث ٥٧٦ - طرفه في: ١١٣٤]

٥٧٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ أَخِيهِ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ كُنْتُ أَتَسَحَّرُ فِي أَهْلِي ثُمَّ يَكُونُ سُرْعَةٌ بِي أَنْ أُدْرِكَ صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ

٥٧٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ كُنَّ نِسَاءُ الْمُؤْمِنَاتِ يَشْهَدْنَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْفَجْرِ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ ثُمَّ يَنْقَلِبْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ حِينَ يَقْضِينَ الصَّلَاةَ لَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الْغَلَسِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ وَقْتِ الْفَجْرِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ تَسَحَّرَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ أَنَسٍ، فَأَمَّا رِوَايَةُ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ فَهِيَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ حَدَّثَهُ، فَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَوَافَقَهُ هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الصِّيَامِ. وَأَمَّا رِوَايَةُ سَعِيدٍ - وَهُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ - عَنْ قَتَادَةَ فَهِيَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ تَسَحَّرَا، وَفِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي تَسَحَّرُوا فَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ أَنَسٍ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَسَحَّرُوا بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فَشَاذَّةٌ، وَتَرَجَّحَ عِنْدَ مُسْلِمٍ رِوَايَةُ هَمَّامٍ فَإِنَّهُ أَخْرَجَهَا وَأَعْرَضَ عَنْ رِوَايَةِ سَعِيدٍ، وَيَدُلُّ عَلَى رُجْحَانِهَا أَيْضًا أَنَّ الْإِسْمَاعِيلِيَّ أَخْرَجَ رِوَايَةَ سَعِيدٍ مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدٍ فَقَالَ عَنْ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّ أَنَسًا حَضَرَ ذَلِكَ لَكِنَّهُ لَمْ يَتَسَحَّرْ مَعَهُمَا، وَلِأَجْلِ هَذَا سَأَلَ زَيْدًا عَنْ مِقْدَارِ وَقْتِ السُّحُورِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدُ، ثُمَّ وَجَدْتُ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ وَلَفْظُهُمَا عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا أَنَسُ إِنِّي أُرِيدُ الصِّيَامَ، أَطْعِمْنِي شَيْئًا.

فَجِئْتُهُ بِتَمْرٍ وَإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ، وَذَلِكَ بَعْدَمَا أَذَّنَ بِلَالٌ. قَالَ: يَا أَنَسُ انْظُرْ رَجُلًا يَأْكُلُ مَعِي، فَدَعَوْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَجَاءَ فَتَسَحَّرَ مَعَهُ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ. فَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ كَمْ كَانَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالسُّحُورِ أَيْ أَذَانِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، لِأَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ قَبْلَ الْفَجْرِ. وَالْآخَرُ يُؤَذِّنُ إِذَا طَلَعَ.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟) سَقَطَ لَفْظُ كَانَ مِنْ رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي، وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ عَفَّانَ، عَنْ هَمَّامٍ قُلْنَا لِزَيْدٍ، وَمِنْ رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدٍ قَالَ خَالِدٌ: أَنَسٌ الْقَائِلُ كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا. وَوَقَعَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ مِنْ رِوَايَةِ رَوْحٍ، عَنْ سَعِيدٍ: قُلْتُ لِأَنَسٍ، فَهُوَ مَقُولُ قَتَادَةَ. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: وَالرِّوَايَتَانِ صَحِيحَتَانِ بِأَنْ يَكُونَ أَنَسٌ سَأَلَ زَيْدًا، وَقَتَادَةُ سَأَلَ أَنَسًا.

وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (قَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّيَا) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ، وَلِغَيْرِهِ فَصَلَّيْنَا بِصِيغَةِ الْجَمْعِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ بِهِ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الصُّبْحِ طُلُوعُ الْفَجْرِ لِأَنَّهُ الْوَقْتُ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ، وَالْمُدَّةُ الَّتِي بَيْنَ الْفَرَاغِ مِنَ السُّحُورِ وَالدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ - وَهِيَ قِرَاءَةُ الْخَمْسِينَ آيَةً أَوْ نَحْوِهَا - قَدْرُ ثُلُثِ خُمُسِ سَاعَةٍ، وَلَعَلَّهَا مِقْدَارُ مَا يَتَوَضَّأُ. فَأَشْعَرَ ذَلِكَ بِأَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الصُّبْحِ أَوَّلُ مَا يَطْلُعُ الْفَجْرُ.

وَفِيهِ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَدْخُلُ فِيهَا بِغَلَسٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَخِيهِ) هُوَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْحَمِيدِ، وَسُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي الصِّيَامِ. وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا الْإِشَارَةُ إِلَى مُبَادَرَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَلَفْظُهُ أَصْرَحُ فِي مُرَادِهِ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ جِهَةِ التَّغْلِيسِ بِالصُّبْحِ، وَأَنَّ سِيَاقَهُ يَقْتَضِي الْمُوَاظَبَةَ عَلَى ذَلِكَ، وَأَصْرَحُ مِنْهُ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ ﷺ أَسْفَرَ بِالصُّبْحِ مَرَّةً ثُمَّ كَانَتْ صَلَاتُهُ بَعْدُ بِالْغَلَسِ حَتَّى مَاتَ لَمْ يَعُدْ إِلَى أَنْ يُسْفِرَ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ فَقَدْ حَمَلَهُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ تَحَقُّقُ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَحَمَلَهُ الطَّحَاوِيُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْأَمْرُ بِتَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الصَّلَاةِ مُسْفِرًا، وَأَبْعَدَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ نَاسِخٌ لِلصَّلَاةِ فِي الْغَلَسِ. وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ قَالَ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صلى صلاة فِي غَيْرِ وَقْتِهَا ذَلِكَ الْيَوْمِ يَعْنِي فِي الْفَجْرِ يَوْمَ الْمُزْدَلِفَةِ، فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ دَخَلَ فِيهَا مَعَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ، فَإِنَّ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مَا يُشْعِرُ بِتَأْخِيرٍ يَسِيرٍ، لَا أَنَّهُ صَلَّاهَا، قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ.

وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ (كُنَّ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: هُوَ مِثْلُ أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ لِأَنَّ قِيَاسَهُ الْإِفْرَادُ وَقَدْ جُمِعَ.

قَوْلُهُ: (نِسَاءُ الْمُؤْمِنَاتِ) تَقْدِيرُهُ نِسَاءُ الْأَنْفُسِ الْمُؤْمِنَاتِ أَوْ نَحْوِهَا ذَلِكَ حَتَّى لَا يَكُونَ مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ، وَقِيلَ: إِنَّ نِسَاءَ هُنَا بِمَعْنَى الْفَاضِلَاتِ أَيْ فَاضِلَاتُ الْمُؤْمِنَاتِ كَمَا يُقَالُ رِجَالُ الْقَوْمِ أَيْ فُضَلَاؤُهُمْ.

قَوْلُهُ: (يَشْهَدْنَ) أَيْ يَحْضُرْنَ، وَقَوْلُهُ: (لَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ) قَالَ الدَّاوُدِيُّ: مَعْنَاهُ لَا يُعْرَفْنَ أَنِسَاءٌ أَمْ رِجَالٌ، أَيْ لَا يَظْهَرُ لِلرَّائِي إِلَّا الْأَشْبَاحُ خَاصَّةً، وَقِيلَ لَا يُعْرَفُ أَعْيَانُهُنَّ فَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ خَدِيجَةَ وَزَيْنَبَ، وَضَعَّفَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ الْمُتَلَفِّعَةَ فِي النَّهَارِ لَا تُعْرَفُ عَيْنُهَا فَلَا يَبْقَى فِي الْكَلَامِ فَائِدَةٌ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ إِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْأَعْيَانِ، فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْأَوَّلُ لَعَبَّرَ بِنَفْيِ الْعِلْمِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْمُتَلَفِّعَةَ بِالنَّهَارِ لَا تُعْرَفُ عَيْنُهَا فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ لِكُلِّ امْرَأَةٍ هَيْئَةٌ غَيْرُ هَيْئَةِ الْأُخْرَى فِي الْغَالِبِ وَلَوْ كَانَ بَدَنُهَا مُغَطًّى. وَقَالَ الْبَاجِيُّ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُنَّ كُنَّ سَافِرَاتٍ إِذْ لَوْ كُنَّ مُتَنَقِّبَاتٍ لَمَنَعَ تَغْطِيَةُ الْوَجْهِ مِنْ مَعْرِفَتِهِنَّ لَا الْغَلَسُ.

قُلْتُ: وَفِيهِ مَا فِيهِ، لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاشْتِبَاهِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ النَّوَوِيُّ، وَأَمَّا إِذَا قُلْنَا: إِنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ هَيْئَةً غَالِبًا فَلَا يَلْزَمُ مَا ذُكِرَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (مُتَلَفِّعَاتٍ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ، (وَالْمُرُوطُ) جَمْعُ مِرْطٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَهُوَ كِسَاءٌ مُعَلَّمٌ مِنْ خَزٍّ أَوْ صُوفٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَقِيلَ لَا يُسَمَّى مِرْطًا إِلَّا إِذَا كَانَ أَخْضَرَ وَلَا يَلْبَسُهُ إِلَّا النِّسَاءُ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ مِرْطٌ مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ.

قَوْلُهُ: (يَنْقَلِبْنَ) أَيْ يَرْجِعْنَ.

قَوْلُهُ: (مِنَ الْغَلَسِ) مِنِ ابْتِدَائِيَّةٌ أَوْ تَعْلِيلِيَّةٌ، وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ حَدِيثِ أبي بَرْزَةَ السَّابِقِ أَنَّهُ كَانَ يَنْصَرِفُ مِنَ الصَّلَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ، لِأَنَّ هَذَا إِخْبَارٌ عَنْ رُؤْيَةِ الْمُتَلَفِّعَةِ عَلَى بُعْدٍ، وَذَاكَ إِخْبَارٌ عَنْ رُؤْيَةِ الْجَلِيسِ.

وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ الْمُبَادَرَةِ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَجَوَازُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ لِشُهُودِ الصَّلَاةِ فِي اللَّيْلِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

لزيد: (كَمْ بَيْنَهُمَا؟) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «كم كان بينهما؟» أي: بين السَّحور (١) والقيام إلى الصَّلاة (٢) (قَالَ) زيد: (قَدْرُ) قراءة (خَمْسِينَ أَوْ سِتِّينَ -يَعْنِي: آيَةً-).

ورواة هذا الحديث الخمسة بصريُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، ورواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ، وأخرجه المؤلِّف في «الصَّوم» [خ¦١٩٢١]، وكذا مسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.

٥٧٦ - وبه قال: (حدَّثنا) وفي الفرع وأصله (٣): «ح» للتَّحويل «وحدَّثنا (٤)» (حَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ) بتشديد المُوحَّدة، البزَّار بالزَّاي ثمَّ الرَّاء، وللأربعة: «الحسن بن الصَّبَّاح» حال كونه قد (سَمِعَ رَوْحًا) بفتح الرَّاء، ولأبي الوقت والهرويِّ: «رَوْح بن عُبَادة» بضمِّ العين وتخفيف المُوحَّدة قال: (حدَّثنا سَعِيدٌ) هو ابن أبي عروبة (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁، وسقط عند ابن عساكر «ابن مالكٍ» (أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ تَسَحَّرَا) بالتَّثنية، وللمُستملي والسَّرخسيِّ: «تسحروا» بالجمع، أي: النَّبيُّ وأصحابه (فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا) بفتح السِّين (قَامَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ إِلَى الصَّلاة فَصَلَّى) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فصلَّيا» أي: النَّبيُّ ﷺ وزيدٌ،

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وروى أَبُو الْقَاسِم بن الْجَوْزِيّ من حَدِيث ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَوْقُوفا (يُنَادي مُنَاد عِنْد صَلَاة الصُّبْح يَا بني آدم قومُوا فاطفئوا مَا أوقدتم على أَنفسكُم، وينادي عِنْد الْعَصْر كَذَلِك، فيتطهرون وَيصلونَ وينامون وَلَا ذَنْب لَهُم) . وَوجه الْعُدُول عَن الأَصْل وَهُوَ أَن يَقُول: يدْخل الْجنَّة، بِصِيغَة الْمُضَارع لإِرَادَة التَّأْكِيد فِي وُقُوعه بِجعْل مَا هُوَ للوقوع كالواقع، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ( {ونادى أَصْحَاب الْجنَّة} (الْأَعْرَاف: ٤٤) .

وَقَالَ ابنُ رجاءٍ حدَّثنا هُمَّامٌ عنْ أبي جَمْرَةَ أنَّ أَبَا بَكْرٍ بنَ عَبْدِ الله بنِ قَيْسٍ أخْبَرَه بِهذَا

أورد البُخَارِيّ هَذَا التَّعْلِيق عَن شَيْخه عبد الله بن رَجَاء، بِفَتْح الرَّاء وَالْجِيم وبالمد: الغداني الْبَصْرِيّ ليُفِيد بذلك أَن نِسْبَة أبي بكر إِلَى أَبِيه أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، لِأَن النَّاس اخْتلفُوا فِيهِ، كَمَا ذكرنَا عَن قريب، وَقد وَصله الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه) فَقَالَ: حَدثنَا عُثْمَان بن عمر الضَّبِّيّ، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن رَجَاء، فَذكره. قَوْله: (أخبر بِهَذَا) أَي: بِهَذَا الحَدِيث، وَهُوَ مُرْسل لِأَنَّهُ لم يقل: عَن أَبِيه، إلَاّ أَن يُقَال: المُرَاد بِالْمُشَارِ إِلَيْهِ الحَدِيث وَبَقِيَّة الأسناد كِلَاهُمَا.

حدَّثنا إسْحَاقُ عنْ حَبَّانَ قَالَ حدَّثنا هَمَّامٌ قَالَ حدَّثنا أبُو جمرَةَ عنْ أبي بَكْرِ بنِ عَبْدِ الله عنْ أبِيهِ عنِ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِثْلُهُ.

أَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذَا أَيْضا بِأَن شيخ أبي جَمْرَة هُوَ أَبُو بكر بن عبد الله بن قيس، وَهُوَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، ردا على من زعم أَنه ابْن عمَارَة بن رؤيبة. وَقد ذكرنَا أَن حَدِيث عمَارَة أخرجه مُسلم وَغَيره فَظهر من هَذَا أَنَّهُمَا حديثان: أَحدهمَا عَن أبي مُوسَى، وَالْآخر عَن عمَارَة بن رؤيبة. قَوْله: (حَدثنَا إِسْحَاق) قَالَ الغساني فِي كِتَابه (التَّقْيِيد) : لَعَلَّه إِسْحَاق بن مَنْصُور الكوسج، وَقَالَ فِي مَوضِع آخر مِنْهُ: قَالَ ابْن السكن: كل مَا فِي كتاب البُخَارِيّ عَن إِسْحَاق غير مَنْسُوب فَهُوَ ابْن رَاهَوَيْه، وَاسْتدلَّ الغساني على أَنه مَنْصُور بِأَن مُسلما روى عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن حبَان بن هِلَال حَدِيثا غير هَذَا. قلت: الْأَصَح أَنه إِسْحَاق بن مَنْصُور، لِأَنَّهُ روى عَن الْفربرِي فِي بَاب البيعان بِالْخِيَارِ: حَدثنَا إِسْحَاق بن مَنْصُور حَدثنَا جَعْفَر ابْن هِلَال، فَذكر حَدِيثا. وحبان هَذَا، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن هِلَال الْبَاهِلِيّ، مَاتَ سنة سِتّ عشرَة وَمِائَتَيْنِ. قَوْله: (مثله) ، أَي: مثل هَذَا الحَدِيث الْمَذْكُور، ويروى (بِمثلِهِ) بِزِيَادَة الْبَاء.

٢٧ - (بابُ وقتِ الفَجْرِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وَقت صَلَاة الْفجْر.

٥٧٥ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عاصمٍ قَالَ حدَّثنا هَمَّامٌ عنْ قَتَادَةَ عَنْ أنَسٍ أنَّ زَيْدَ بنَ ثَابِتٍ حَدَّثَهُ أنَّهُمْ تَسَحَّرُوا مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثُمَّ قامُوا إِلَى الصَّلاة قُلْتُ كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا قَالَ قَدْرُ خَمْسِينَ أوْ سِتِّينَ يَعْنِي آيَةً. (الحَدِيث ٥٧٥ طرفه فِي: ١٩٢١) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من خيث إِنَّهُم قَامُوا إِلَى الصَّلَاة بعد أَن تسحرُوا بِمِقْدَار قِرَاءَة خمسين آيَة أَو نَحْوهَا، وَذَلِكَ أول مَا يطلع الْفجْر، وَهُوَ أول وَقت الصُّبْح. وَاسْتدلَّ البُخَارِيّ بِهَذَا أَن أول وَقت الصُّبْح هُوَ طُلُوع الْفجْر، فَحصل التطابق بَين الحَدِيث والترجمة.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عَمْرو بن عَاصِم، بِالْوَاو، الْحَافِظ الْبَصْرِيّ، مَاتَ سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: همام بن يحيى. الثَّالِث: قَتَادَة بن دعامة. الرَّابِع: أنس بن مَالك. الْخَامِس: زيد بن ثَابت الْأنْصَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد من الْمَاضِي فِي مَوضِع وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: أَن رُوَاته بصريون.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّوْم، عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن هِشَام الدستوَائي عَن قَتَادَة. وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن وَكِيع عَن هِشَام بِهِ. وَعَمْرو النَّاقِد عَن يزِيد بن هَارُون عَن همام بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن سَالم بن نوح عَن عَمْرو بن عَامر عَن قَتَادَة بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن يحيى بن مُوسَى عَن

أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ، وَعَن هناد عَن وَكِيع عَن همام بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن وَكِيع بِهِ، وَعَن إِسْمَاعِيل ابْن مَسْعُود عَن خَالِد بن الْحَارِث عَن همام بِهِ وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن عَليّ بن مُحَمَّد الطنافسي عَن وَكِيع بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَنهم) أَي: أَنه وَأَصْحَابه تسحرُوا. أَي: أكلُوا السّحُور، وَهُوَ بِفَتْح السِّين، اسْم مَا يتسحر بِهِ من الطَّعَام وَالشرَاب، وبالضم الْمصدر، وَالْفِعْل نَفسه. وَأكْثر مَا يروي بِالْفَتْح، وَقيل: إِن الصَّوَاب بِالضَّمِّ، لِأَنَّهُ بِالْفَتْح الطَّعَام وَالْبركَة وَالْأَجْر وَالثَّوَاب فِي الْفِعْل لَا فِي الطَّعَام. قَوْله: (إِلَى الصَّلَاة) أَي: صَلَاة الْفجْر. قَوْله: (كم كَانَ بَينهمَا) ، سقط لفظ: كَانَ، من رِوَايَة السَّرخسِيّ وَالْمُسْتَمْلِي، وفاعل قلت هُوَ: أنس، وَالضَّمِير فِي بَينهمَا يرجع إِلَى التسحر، وَالْقِيَام إِلَى الصَّلَاة من قبيل: {اعدلوا هُوَ أقرب للتقوى} (الْمَائِدَة: ٨) . قَوْله: (قَالَ) أَي: زيد بن ثَابت. قَوْله: (قدر خمسين) مَرْفُوع على الِابْتِدَاء وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره: قدر خمسين آيَة بَينهمَا، والتمييز مَحْذُوف أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: (يَعْنِي آيَة) .

وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: اسْتِحْبَاب التسحر وتأخيره إِلَى قريب طُلُوع الْفجْر.

٥٧٦ - حدَّثنا حَسَنُ بنُ صَبَّاحٍ سَمِعَ رَوْحا قَالَ حدَّثنا سَعِيدٌ عنْ قَتَادَةَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ أنَّ نَبِيَّ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وزَيْدَ بنَ ثَابتٍ تَسَحَّرَا فلمَّا فَرَغَا منْ سَحُورِهِمَا قامَ نَبِيُّ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّيْنَا قُلْتُ لأِنَسٍ كَمْ كانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا منْ سَحُورِهِمَا ودُخُولِهِمَا فِي الصَّلَاةِ قَالَ قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً. (الحَدِيث ٥٧٦ طرفه فِي: ١١٣٤) .

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: الْحسن بن صباح، بتَشْديد الْبَاء الْبَزَّار بالزاي. ثمَّ الرَّاء أحد الْأَعْلَام وَقد تقدم. الثَّانِي: روح، بِفَتْح الرَّاء: بن عبَادَة، بِضَم الْعين وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة، تقدم. الثَّالِث: سعيد بن أبي عرُوبَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة، تقدم الرَّابِع: قَتَادَة بن دعامة. الْخَامِس: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: السماع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين، وَالْفرق بَين سَنَد هَذَا الحَدِيث وَسَنَد الحَدِيث السَّابِق أَن هَذَا الحَدِيث من مسانيد أنس، وَذَاكَ من مسانيد زيد بن ثَابت، وَرجح مُسلم رِوَايَة همام عَن قَتَادَة فأخرجها وَلم يخرج رِوَايَة سعيد. قَالَ بَعضهم: وَيدل على رُجْحَانهَا أَيْضا أَن الْإِسْمَاعِيلِيّ أخرج رِوَايَة سعيد من طَرِيق خَالِد بن الْحَارِث عَن سعيد فَقَالَ: عَن أنس عَن زيد بن ثَابت، وَالَّذِي يظْهر لي فِي الْجمع بَين الرِّوَايَتَيْنِ أَن أنسا حضر ذَلِك لكنه لم يتسحر مَعَهُمَا، وَلأَجل ذَلِك سَأَلَ زيدا عَن مِقْدَار وَقت السّحُور. انْتهى. قلت: خرج الطَّحَاوِيّ من حَدِيث هِشَام الدستوَائي عَن قَتَادَة عَن أنس وَزيد بن ثَابت قَالَا: تسحرنا. . الحَدِيث، فَكيف يَقُول هَذَا الْقَائِل: إِن أنسا حضر ذَلِك لكنه لم يتسحر مَعَهُمَا؟

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (سمع روح بن عبَادَة) جملَة وَقعت حَالا، وَكلمَة: قد، مقدرَة فِيهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {أَو جاؤكم حصرت صُدُورهمْ} (النِّسَاء: ٩٠) . أَي: قد حصرت. قَوْله: (تسحرا) ، بالتثنية، وَفِي رِوَايَة السَّرخسِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: (تسحرُوا) بِالْجمعِ. قَوْله: (فصلينا) ، بِصِيغَة الْجمع عِنْد الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني بِصِيغَة التَّثْنِيَة، ويروى: (فصلى) بِالْإِفْرَادِ. قَوْله: (قلت لأنس) الْقَائِل قَتَادَة، ويروى: (قُلْنَا) ، بِصِيغَة الْجمع.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: بَيَان أول وَقت الصُّبْح، وَهُوَ طُلُوع الْفجْر لِأَنَّهُ الْوَقْت الَّذِي يحرم فِيهِ الطَّعَام وَالشرَاب على الصَّائِم، والمدة الَّتِي بَين الْفَرَاغ والسحور وَالدُّخُول فِي الصَّلَاة هِيَ قِرَاءَة الْخمسين آيَة أَو نَحْوهَا، وَهِي قدر ثلث خمس سَاعَة، وَاخْتلفُوا فِي آخر وَقت الْفجْر، فَذهب الْجُمْهُور إِلَى آخِره أول طُلُوع جرم الشَّمْس، وَهُوَ مَشْهُور مَذْهَب مَالك، وروى عَنهُ ابْن الْقَاسِم وَابْن عبد الحكم: أَن آخر وَقتهَا الْإِسْفَار الْأَعْلَى؛ وَعَن الاصطخري: من صلاهَا بعد الْإِسْفَار الشَّديد يكون قَاضِيا مُؤديا وَإِن لم تطلع الشَّمْس.

٥٧٧ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ أبي أُوَيْسٍ عنْ أخِيهِ عنْ سُلَيْمَانَ عنْ أبي حازمٍ أنَّهُ سمِعَ سَهْلَ بنَ سعْدٍ يَقُولُ كنْت أتَسَحَّرُ فِي أَهْلِي ثمَّ تَكُونُ سُرْعَةٌ بِي أنْ أُدْرِكَ صَلَاةَ الفَجْرِ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. (الحَدِيث ٥٧٧ طرفه فِي: ١٩٢٠) .

مطابقته للتَّرْجَمَة بطرِيق الْإِشَارَة أَن أول وَقت صَلَاة الْفجْر طُلُوع الْفجْر. وَقَالَ بَعضهم: الْغَرَض مِنْهُ هَهُنَا الْإِشَارَة إِلَى مبادرة النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِلَى صَلَاة الصُّبْح فِي أول الْوَقْت. قلت: التَّرْجَمَة فِي بَيَان وَقت الْفجْر لَا فِيمَا قَالَه، فَلَا تطابق حِينَئِذٍ بَين التَّرْجَمَة والْحَدِيث، وَأَيْضًا لَا يسْتَلْزم سرعَة سهل لإدراك الصَّلَاة مبادرة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بهَا.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: إِسْمَاعِيل بن أبي أويس. وَاسم أبي أويس: عبد الله الأصبحي الْمدنِي، ابْن أُخْت مَالك ابْن أنس، رَحمَه الله. الثَّانِي: أَخُوهُ عبد الحميد بن أبي أويس، يكنى أَبَا بكر. الثَّالِث: سُلَيْمَان بن بِلَال أَبُو أَيُّوب، وَقد تقدم. الرَّابِع: أَبُو حَازِم سَلمَة بن دِينَار الْأَعْرَج، من عبَّاد أهل الْمَدِينَة. الْخَامِس: سهل بن سعد بن مَالك الْأنْصَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَفِيه: رِوَايَة الْأَخ عَن الْأَخ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ثمَّ تكون سرعَة) ، يجوز فِي: سرعَة، الرّفْع وَالنّصب؛ أما الرّفْع فعلى أَن: كَانَ، تَامَّة بِمَعْنى: تُوجد سرعَة، وَلَفْظَة: بِي، تتَعَلَّق بِهِ، وَأما النصب فعلى أَن تكون: كَانَ، نَاقِصَة وَيكون اسْم: كَانَ، مضمرا فِيهِ، وَسُرْعَة، خَبره، وَالتَّقْدِير: تكون السرعة سرعَة حَاصِلَة بِي. وَهَكَذَا قدره الْكرْمَانِي، وَقَالَ: وَالِاسْم ضمير يرجع إِلَى مَا يدل عَلَيْهِ لَفْظَة السرعة. قلت: فِيهِ تعسف، الْأَوْجه أَن يُقَال: إِن: كَانَ، نَاقِصَة: وَسُرْعَة، بِالرَّفْع اسْمهَا، وَقَوله: بِي، فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا صفة سرعَة، وَقَوله: (أَن أدْرك) خبر: كَانَ، وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة، وَالتَّقْدِير: وَتَكون سرعَة حَاصِلَة بِي لإدراك صَلَاة الْفجْر مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأما نصب: سرعَة، فقد ذكر الْكرْمَانِي فِيهِ وَجْهَيْن: أَحدهمَا مَا ذَكرْنَاهُ، وَالْآخر: أَنه نصب على الِاخْتِصَاص، فَالْأول فِيهِ التعسف، كَمَا ذكرنَا، وَالثَّانِي لَا وَجه لَهُ يظْهر بِالتَّأَمُّلِ.

٥٧٨ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ أخبرنَا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبرنِي عُرْوَةَ ابنُ الزبَيْرِ أنَّ عائِشَةَ أخْبَرَتْهُ قالَتْ كُنَّ نِساءُ المُؤْمِنَاتِ يَشْهَدْنَ مَعَ رَسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَلَاةَ الفَجْرِ مُتَلَفعاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ ثُمَّ يَنْقَلِبْنَ إلَى بُيُوتِهِنَّ حِينَ يَقْضِينَ الصَّلَاةَ لَا يَعْرِفُهُنَّ أحَدٌ مِنَ الغَلَسِ

هَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي بَاب كم تصلي الْمَرْأَة من الثِّيَاب؟ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ وَهُوَ ابْن شهَاب، وتكلمنا هُنَاكَ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة فِي جَمِيع متعلقات الحَدِيث، ولنتكلم هُنَا بِبَعْض شَيْء زِيَادَة الْإِيضَاح، وَذكر هَذَا الحَدِيث هَهُنَا لَا يُطَابق التَّرْجَمَة. فَإِن قلت: فِيهِ دلَالَة على اسْتِحْبَاب الْمُبَادرَة بِصَلَاة الصُّبْح فِي أول الْوَقْت. قلت: سلمنَا هَذَا، وَلَكِن لَا يدل هَذَا على أَن وَقت الْفجْر عِنْد طُلُوع الْفجْر، لِأَن الْمُبَادرَة تحصل مَا دَامَ الْغَلَس بَاقِيا. قَوْله: (اللَّيْث عَن عقيل) ، اللَّيْث هُوَ ابْن سعد الْمصْرِيّ، وَعقيل بِالضَّمِّ ابْن خَالِد الْأَيْلِي، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.

وَفِي الْإِسْنَاد: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، والعنعنة فِي موضِعين، والإخبار بِصِيغَة الْإِفْرَاد من الْمَاضِي الْمُذكر فِي مَوضِع، وَمثله فِي مَوضِع وَلَكِن بالتأنيث.

قَوْله: (كن) ، أَي: النِّسَاء، وَالْقِيَاس أَن يُقَال: كَانَت النِّسَاء الْمُؤْمِنَات، وَلَكِن هُوَ من قبيل: أكلوني البراغيث، فِي أَن البراغيث إِمَّا بدل أَو بَيَان، وَإِضَافَة النِّسَاء إِلَى الْمُؤْمِنَات مؤولة، لِأَن إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه لَا تجوز، وَالتَّقْدِير نسَاء الْأَنْفس الْمُؤْمِنَات، أَو الْجَمَاعَة الْمُؤْمِنَات. وَقيل: إِن النِّسَاء هَهُنَا بِمَعْنى: الفاضلات، أَي: فاضلات الْمُؤْمِنَات، كَمَا يُقَال: رجال الْقَوْم أَي فضلاؤهم ومتقدموهم. قَوْله: (يشهدن) أَي: يحضرن. قَوْله: (صَلَاة الْفجْر) ، بِالنّصب إِمَّا مفعول بِهِ أَو مفعول فِيهِ، وَكِلَاهُمَا جائزان لِأَنَّهَا مَشْهُودَة ومشهود فِيهَا. قَوْله: (متلفعات) ، حَال أَي: متلحفات، من التلفع وَهُوَ: شدّ اللفاع وَهُوَ مَا يُغطي الْوَجْه ويتلحف بِهِ. قَوْله: (بمروطهن) ، يتَعَلَّق: بمتلفعات، وَهُوَ جمع مرط: بِكَسْر الْمِيم وَهُوَ: كسَاء من صوف أَو خَز يؤتزر بِهِ. قَوْله: (ثمَّ يَنْقَلِبْنَ) ، أَي: يرجعن إِلَى بُيُوتهنَّ. قَوْله: (لَا يعرفهن أحد) قَالَ الدَّاودِيّ: مَعْنَاهُ لَا يعرفن أنساء أم رجال، يَعْنِي: لَا يظْهر للرائي إِلَّا الأشباح خَاصَّة. وَقيل: لَا يعرف أعيانهن، فَلَا يفرق بَين فَاطِمَة وَعَائِشَة. وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِيهِ نظر لِأَن المتلفعة بِالنَّهَارِ لَا تعرف عينهَا، فَلَا يبْقى فِي الْكَلَام فَائِدَة، ورد بِأَن الْمعرفَة إِنَّمَا تتَعَلَّق بالأعيان، فَلَو كَانَ المُرَاد غَيرهَا لنفى الرُّؤْيَة بِالْعلمِ. وَقَالَ بَعضهم: وَمَا ذكره من أَن المتلفعة بِالنَّهَارِ لَا يعرف عينهَا فِيهِ نظر، لِأَن لكل امْرَأَة هَيْئَة غير هَيْئَة

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 23 جمادى الأولى
التربيع الأخير اليوم 24 / 29.5
الإضاءة 31%
الهلال الجديد بعد 6 يوم
سبحان الله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56