«مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهْوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٧٧٨

الحديث رقم ٥٧٧٨ من كتاب «كتاب الطب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب شرب السم والدواء به وبما يخاف منه والخبيث.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٧٧٨ في صحيح البخاري

«مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهْوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا.»

إسناد حديث رقم ٥٧٧٨ من صحيح البخاري

٥٧٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ ذَكْوَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

⦗١٤٠⦘

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٧٧٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

السُّمِّ، وَمَعَ ذَلِكَ فَعَانَدُوا وَاسْتَمَرُّوا عَلَى تَكْذِيبِهِ. وَفِيهِ قَتْلُ مَنْ قَتَلَ بِالسُّمِّ قِصَاصًا، وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ إِنَّمَا تَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ إِذَا اسْتَكْرَهَهُ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا، وَأَمَّا إِذَا دَسَّهُ عَلَيْهِ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ لِلْعُلَمَاءِ، فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ قَتَلَ الْيَهُودِيَّةَ بِبِشْرِ بْنِ الْبَرَاءِ فَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ يَقُولُ بِالْقِصَاصِ فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَفِيهِ أَنَّ الْأَشْيَاءَ - كَالسَّمُومِ وَغَيْرِهَا - لَا تُؤَثِّرُ بِذَوَاتِهَا بَلْ بِإِذْنِ اللَّهِ، لِأَنَّ السُّمَّ أَثَّرَ فِي بِشْرٍ فَقِيلَ إِنَّهُ مَاتَ فِي الْحَالِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ بَعْدَ حَوْلٍ، وَوَقَعَ فِيهِ مُرْسَلُ الزُّهْرِيِّ فِي مَغَازِي مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ أَنَّ لَوْنَهُ صَارَ فِي الْحَالِ كَالطَّيْلَسَانِ يَعْنِي أَصْفَرَ شَدِيدَ الصُّفْرَةِ، وَأَمَّا قَوْلُ أَنَسٍ فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ فَاللَّهَوَاتُ جَمْعُ لَهَاةٍ وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى لُهًى بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَالْقَصْرُ مَنُونٌ، وَلِهْيَان وَزْنُ إِنْسَانٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهَا فِيمَا مَضَى فِي الطِّبِّ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْعُذْرَةِ وَهِيَ اللَّحْمَةُ الْمُعَلَّقَةُ فِي أَصْلِ الْحَنَكِ، وَقِيلَ: هِيَ مَا بَيْنَ مُنْقَطِعِ اللِّسَانِ إِلَى مُنْقَطِعِ أَصْلِ الْفَمِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُوَافِقُ الْجَمْعَ الْمَذْكُورَ. وَمُرَادُ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ يَعْتَرِيهِ الْمَرَضُ مِنْ تِلْكَ الْأَكْلَةِ أَحْيَانًا، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ وَوَقَعَ فِي مَغَازِي مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا: مَا زِلْتُ أَجِدُ مِنَ الْأَكْلَةِ الَّتِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ عِدَادًا حَتَّى كَانَ هَذَا أَوَانَ انْقِطَاعِ أَبْهَرِي وَمِثْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ. وَالْعِدَادُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَالتَّخْفِيفِ مَا يُعْتَادُ، وَالْأَبْهَرُ عِرْقٌ فِي الظَّهْرِ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَنَسٌ أَرَادَ أَنَّهُ يُعْرَفُ ذَلِكَ فِي اللَّهَوَاتِ بِتَغَيُّرِ لَوْنِهَا أَوْ بِنُتُوءٍ فِيهَا أَوْ تَحْفِيرٍ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ.

٥٦ - بَاب شُرْبِ السُّمِّ وَالدَّوَاءِ بِهِ وَمَا يُخَافُ مِنْهُ وَالْخَبِيثِ

٥٧٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَكْوَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا. وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا. وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا.

٥٧٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ بَشِيرٍ أَبُو بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا هَاشِمُ بْنُ هَاشِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: مَنْ اصْطَبَحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتِ عَجْوَةٍ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سَمٌّ وَلَا سِحْرٌ.

قَوْلُهُ: (بَابُ شُرْبِ السُّمِّ وَالدَّوَاءِ بِهِ وَمَا يُخَافُ مِنْهُ) هُوَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ يَجُوزُ فَتْحُهُ، وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى السُّمِّ.

قَوْلُهُ: (وَالْخَبِيثُ) أَيِ الدَّوَاءُ الْخَبِيثُ، وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ بِالدَّوَاءِ بِالسُّمِّ إِلَى مَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ التَّدَاوِي بِالْحَرَامِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ فِي بَابِ الْبَاذِقِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: بِهِ مِنْهُ، وَالْمُرَادُ مَا يَدْفَعُ ضَرَرَ السُّمِّ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا تَقَدَّمَ قَبْلُ مِنْ حَدِيثِ مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ لَمْ يَضُرَّهُ سُمٌّ فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ اسْتِعْمَالُ مَا يَدْفَعُ ضَرَرَ السُّمِّ قَبْلَ وُصُولِهِ، وَلَا يَخْفَى بُعْدَ مَا قَالَ، لَكِنْ يُسْتَفَادُ مِنْهُ مُنَاسَبَةُ ذِكْرِ حَدِيثِ الْعَجْوَةِ فِي هَذَا الْبَابِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَمَا يُخَافُ

مِنْهُ فَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ الْعَائِدِ عَلَى السُّمِّ، وَقَوْلُهُ: مِنْهُ أَيْ مِنَ الْمَوْتِ بِهِ أَوِ اسْتِمْرَارِ الْمَرَضِ، فَيَكُونُ فَاعِلُ ذَلِكَ قَدْ أَعَانَ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ شُرْبِ السُّمِّ فَلَيْسَ بِحَرَامٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الْيَسِيرِ مِنْهُ إِذَا رُكِّبَ مَعَهُ مَا يَدْفَعُ ضَرَرَهُ إِذَا كَانَ فِيهِ نَفْعٌ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ بَطَّالٍ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ لَمَّا نَزَلَ الْحِيرَةَ قِيلَ لَهُ: احْذَرِ السُّمَّ لَا تَسْقِيكَهُ الْأَعَاجِمُ، فَقَالَ: ائْتُونِي بِهِ فَأَتَوْهُ بِهِ، فَأَخَذَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ. بِسْمِ اللَّهِ، وَاقْتَحَمَهُ، فَلَمْ يَضُرَّهُ. فَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ رَمَزَ إِلَى أَنَّ السَّلَامَةَ مِنْ ذَلِكَ وَقَعَتْ كَرَامَةً لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَلَا يُتَأَسَّى بِهِ فِي ذَلِكَ لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى قَتْلِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ.

وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْبَابِ، وَلَعَلَّهُ كَانَ عِنْدَ خَالِدٍ فِي ذَلِكَ عَهْدٌ عَمِلَ بِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَالْخَبِيثُ فَيَجُوزُ جَرُّهُ، وَالتَّقْدِيرُ وَالتَّدَاوِي بِالْخَبِيثِ، وَيَجُ زُ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ مَا حُكْمُهُ؟ أَوْ هَلْ يَجُوزُ التَّدَاوِي بِهِ؟ وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ تَنَاوُلِهِ صَرِيحًا، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: خُبْثُ الدَّوَاءِ يَقَعُ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مِنْ جِهَةِ نَجَاسَتِهِ كَالْخَمْرِ وَلَحْمِ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يُؤْكَلُ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ جِهَةِ اسْتِقْذَارِهِ فَتَكُونُ كَرَاهَتُهُ لِإِدْخَالِ الْمَشَقَّةِ عَلَى النَّفْسِ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَدْوِيَةِ تَكْرَهُ النَّفْسُ تَنَاوُلَهُ، لَكِنَّ بَعْضُهَا فِي ذَلِكَ أَيْسَرُ مِنْ بَعْضٍ. قُلْتُ وَحَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَوْلَى، وَقَدْ وَرَدَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ مُتَّصِلًا بِهِ يَعْنِي السُّمَّ، وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ فِي التَّرْجَمَةِ إِلَى ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ سُلَيْمَانَ) هُوَ الْأَعْمَشُ.

قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ ذَكْوَانَ) هُوَ أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ وَكِيعٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، ثُمَّ أَرْدَفَهُ بِرِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ ذَكْوَانَ مِثْلَهُ. وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ شُعْبَةَ فَقَالَ عَنِ الْأَعْمَشِ سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ بِهِ، وَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ وَثَلَّثَ بِقِصَّةِ مَنْ تَرَدَّى عَكْسَ رِوَايَةِ شُعْبَةَ هُنَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ الْمَذْكُورَةِ كَرِوَايَةِ وَكِيعٍ، وَكَذَا عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدَةَ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ وَلَمْ يَذْكُرْ قِصَّةً.

قَوْلُهُ: (مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ) أَيْ أَسْقَطَ نَفْسَهُ مِنْهُ، لِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَقَتَلَ نَفْسَهُ عَلَى أَنَّهُ تَعَمَّدَ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ قَوْلِهِ تَرَدَّى لَا يَدُلُّ عَلَى التَّعَمُّدِ.

قَوْلُهُ: (وَمَنْ تَحَسَّى) بِمُهْمَلَتَيْنِ بِوَزْنِ تَغَدَّى أَيْ تَجَرَّعَ.

قَوْلُهُ: (يَجَأُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ وَبِالْهَمْزِ، أَيْ يُطْعَنُ بِهَا، وَقَدْ تُسَهَّلُ الْهَمْزَةُ، وَالْأَصْلُ فِي يُجَأُ يُوجَأُ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: فِي رِوَايَةِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ يُجَأُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَلَا وَجْهَ لَهُ، وَإِنَّمَا يُبْنَى لِلْمَجْهُولِ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ وَيُوجَأُ بِوَزْنِ يُوجَدُ انْتَهَى. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ يَتَوَجَّأُ بِمُثَنَّاةٍ وَوَاوٍ مَفْتُوحَتَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ بِوَزْنِ يَتَكَبَّرُ وَهُوَ بِمَعْنَى الطَّعْنِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي أَوَاخِرِ الْجَنَائِزِ بِلَفْظِ الَّذِي يَطْعَنُ نَفْسَهُ يَطْعَنُهَا فِي النَّارِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ وَبَيَانُ تَأْوِيلِ الْخُلُودِ وَالتَّأْبِيدِ الْمَذْكُورَيْنِ. وَحَكَى ابْنُ التِّينِ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَرَدَ فِي حَقِّ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ، وَأَوْلَى مَا حُمِلَ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ وَنَحْوُهُ مِنْ أَحَادِيثِ الْوَعِيدِ أَنَّ الْمَعْنَى الْمَذْكُورَ جَزَاءُ فَاعِلِ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (أَحْمَدُ بْنُ بَشِيرٍ أَبُو بَكْرٍ) هُوَ الْكُوفِيُّ الْمَخْزُومِيُّ مَوْلَاهُمْ، لَيْسَ لَهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ، قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَا بَأْسَ بِهِ، هَكَذَا رَوَى عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ عَنْهُ، وَقَالَ عُثْمَانُ الدَّارِمِيُّ، عَنِ ابْنِ مَعِينٍ: مَتْرُوكٌ، وَتَعَقَّبَ ذَلِكَ الْخَطِيبُ بِأَنَّهُ التَبَسَ عَلَى عُثْمَانَ بِآخَرَ يُقَالُ لَهُ أَحْمَدُ بْنُ بَشِيرٍ لَكِنْ كُنْيَتُهُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَهُوَ بَغْدَادِيٌّ مِنْ طَبَقَةِ صَاحِبِ التَّرْجَمَةِ، وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي تَكْنِيَةِ الْمُصَنِّفِ لَهُ لِيَمْتَازَ عَنْ قَرِينَةِ الضَّعِيفِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ سَعْدٍ قَرِيبًا، وَقَوْلُهُ فِي أَوَّلِ السَّنَدِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَوَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وفي الثَّانية على لفظ «السُّمِّ» (وَ) الدَّواء (الخَبِيْثِ) لنجاستهِ كالخمرِ، ولحمِ الحيوان المحرَّم الأكل أو لاستقذارِهِ، فتكون كراهته (١) من جهةِ إدخال المشقَّة على النَّفس، وشُطِبَ في الفرع بالحمرةِ على قوله: «والخبيثِ». وقال في «المصابيح»: إنَّها ثابتةٌ في روايةِ القابسيِّ وأبي ذرٍّ، ساقطة لغيرهما قال: وذكرها التِّرمذيُّ في الحديث بلفظ «ونهى النَّبيُّ عن الدَّواء بالخبيثِ» (٢). قال (٣) البدرُ الدَّمامينيُّ: وهو حجَّةٌ على الشَّافعيَّة في إجازتهم التَّداوي بالنَّجس، وقول التِّرمذيِّ: يعني: السُّمَّ غيرُ مُسلَّمٍ، فاللفظ عامٌّ ولم يقمْ دليلٌ على التَّخصيص بما ذكرهُ. انتهى.

قال في «فتح الباري»: حمل الحديث على ما وردَ في بعض طرقهِ أولى، وقد (٤) ورد في آخر الحديث متَّصلًا به يعني السُّم. قال: ولعلَّ البخاريَّ أشار في التَّرجمة إلى ذلك.

٥٧٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) الحَجَبِيُّ (٥) البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ) بن سليمان، أبو عثمان البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مهران الأعمش، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ ذَكْوَانَ) أبا صالح السَّمَّان (يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: مَنْ تَرَدَّى) أي: أسقط نفسه (مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهْوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، يَتَرَدَّى فِيهِ (٦) خَالِدًا مُخَلَّدًا) بفتح اللام المشددة (فِيهَا أَبَدًا) إن (٧) جازاهُ الله، والخلودُ قد يُراد به

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

السُّمِّ، وَمَعَ ذَلِكَ فَعَانَدُوا وَاسْتَمَرُّوا عَلَى تَكْذِيبِهِ. وَفِيهِ قَتْلُ مَنْ قَتَلَ بِالسُّمِّ قِصَاصًا، وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ إِنَّمَا تَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ إِذَا اسْتَكْرَهَهُ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا، وَأَمَّا إِذَا دَسَّهُ عَلَيْهِ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ لِلْعُلَمَاءِ، فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ قَتَلَ الْيَهُودِيَّةَ بِبِشْرِ بْنِ الْبَرَاءِ فَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ يَقُولُ بِالْقِصَاصِ فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَفِيهِ أَنَّ الْأَشْيَاءَ - كَالسَّمُومِ وَغَيْرِهَا - لَا تُؤَثِّرُ بِذَوَاتِهَا بَلْ بِإِذْنِ اللَّهِ، لِأَنَّ السُّمَّ أَثَّرَ فِي بِشْرٍ فَقِيلَ إِنَّهُ مَاتَ فِي الْحَالِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ بَعْدَ حَوْلٍ، وَوَقَعَ فِيهِ مُرْسَلُ الزُّهْرِيِّ فِي مَغَازِي مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ أَنَّ لَوْنَهُ صَارَ فِي الْحَالِ كَالطَّيْلَسَانِ يَعْنِي أَصْفَرَ شَدِيدَ الصُّفْرَةِ، وَأَمَّا قَوْلُ أَنَسٍ فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ فَاللَّهَوَاتُ جَمْعُ لَهَاةٍ وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى لُهًى بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَالْقَصْرُ مَنُونٌ، وَلِهْيَان وَزْنُ إِنْسَانٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهَا فِيمَا مَضَى فِي الطِّبِّ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْعُذْرَةِ وَهِيَ اللَّحْمَةُ الْمُعَلَّقَةُ فِي أَصْلِ الْحَنَكِ، وَقِيلَ: هِيَ مَا بَيْنَ مُنْقَطِعِ اللِّسَانِ إِلَى مُنْقَطِعِ أَصْلِ الْفَمِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُوَافِقُ الْجَمْعَ الْمَذْكُورَ. وَمُرَادُ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ يَعْتَرِيهِ الْمَرَضُ مِنْ تِلْكَ الْأَكْلَةِ أَحْيَانًا، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ وَوَقَعَ فِي مَغَازِي مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا: مَا زِلْتُ أَجِدُ مِنَ الْأَكْلَةِ الَّتِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ عِدَادًا حَتَّى كَانَ هَذَا أَوَانَ انْقِطَاعِ أَبْهَرِي وَمِثْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ. وَالْعِدَادُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَالتَّخْفِيفِ مَا يُعْتَادُ، وَالْأَبْهَرُ عِرْقٌ فِي الظَّهْرِ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَنَسٌ أَرَادَ أَنَّهُ يُعْرَفُ ذَلِكَ فِي اللَّهَوَاتِ بِتَغَيُّرِ لَوْنِهَا أَوْ بِنُتُوءٍ فِيهَا أَوْ تَحْفِيرٍ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ.

٥٦ - بَاب شُرْبِ السُّمِّ وَالدَّوَاءِ بِهِ وَمَا يُخَافُ مِنْهُ وَالْخَبِيثِ

٥٧٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَكْوَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا. وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا. وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا.

٥٧٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ بَشِيرٍ أَبُو بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا هَاشِمُ بْنُ هَاشِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: مَنْ اصْطَبَحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتِ عَجْوَةٍ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سَمٌّ وَلَا سِحْرٌ.

قَوْلُهُ: (بَابُ شُرْبِ السُّمِّ وَالدَّوَاءِ بِهِ وَمَا يُخَافُ مِنْهُ) هُوَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ يَجُوزُ فَتْحُهُ، وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى السُّمِّ.

قَوْلُهُ: (وَالْخَبِيثُ) أَيِ الدَّوَاءُ الْخَبِيثُ، وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ بِالدَّوَاءِ بِالسُّمِّ إِلَى مَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ التَّدَاوِي بِالْحَرَامِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ فِي بَابِ الْبَاذِقِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: بِهِ مِنْهُ، وَالْمُرَادُ مَا يَدْفَعُ ضَرَرَ السُّمِّ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا تَقَدَّمَ قَبْلُ مِنْ حَدِيثِ مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ لَمْ يَضُرَّهُ سُمٌّ فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ اسْتِعْمَالُ مَا يَدْفَعُ ضَرَرَ السُّمِّ قَبْلَ وُصُولِهِ، وَلَا يَخْفَى بُعْدَ مَا قَالَ، لَكِنْ يُسْتَفَادُ مِنْهُ مُنَاسَبَةُ ذِكْرِ حَدِيثِ الْعَجْوَةِ فِي هَذَا الْبَابِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَمَا يُخَافُ

مِنْهُ فَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ الْعَائِدِ عَلَى السُّمِّ، وَقَوْلُهُ: مِنْهُ أَيْ مِنَ الْمَوْتِ بِهِ أَوِ اسْتِمْرَارِ الْمَرَضِ، فَيَكُونُ فَاعِلُ ذَلِكَ قَدْ أَعَانَ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ شُرْبِ السُّمِّ فَلَيْسَ بِحَرَامٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الْيَسِيرِ مِنْهُ إِذَا رُكِّبَ مَعَهُ مَا يَدْفَعُ ضَرَرَهُ إِذَا كَانَ فِيهِ نَفْعٌ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ بَطَّالٍ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ لَمَّا نَزَلَ الْحِيرَةَ قِيلَ لَهُ: احْذَرِ السُّمَّ لَا تَسْقِيكَهُ الْأَعَاجِمُ، فَقَالَ: ائْتُونِي بِهِ فَأَتَوْهُ بِهِ، فَأَخَذَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ. بِسْمِ اللَّهِ، وَاقْتَحَمَهُ، فَلَمْ يَضُرَّهُ. فَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ رَمَزَ إِلَى أَنَّ السَّلَامَةَ مِنْ ذَلِكَ وَقَعَتْ كَرَامَةً لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَلَا يُتَأَسَّى بِهِ فِي ذَلِكَ لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى قَتْلِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ.

وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْبَابِ، وَلَعَلَّهُ كَانَ عِنْدَ خَالِدٍ فِي ذَلِكَ عَهْدٌ عَمِلَ بِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَالْخَبِيثُ فَيَجُوزُ جَرُّهُ، وَالتَّقْدِيرُ وَالتَّدَاوِي بِالْخَبِيثِ، وَيَجُ زُ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ مَا حُكْمُهُ؟ أَوْ هَلْ يَجُوزُ التَّدَاوِي بِهِ؟ وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ تَنَاوُلِهِ صَرِيحًا، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: خُبْثُ الدَّوَاءِ يَقَعُ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مِنْ جِهَةِ نَجَاسَتِهِ كَالْخَمْرِ وَلَحْمِ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يُؤْكَلُ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ جِهَةِ اسْتِقْذَارِهِ فَتَكُونُ كَرَاهَتُهُ لِإِدْخَالِ الْمَشَقَّةِ عَلَى النَّفْسِ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَدْوِيَةِ تَكْرَهُ النَّفْسُ تَنَاوُلَهُ، لَكِنَّ بَعْضُهَا فِي ذَلِكَ أَيْسَرُ مِنْ بَعْضٍ. قُلْتُ وَحَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَوْلَى، وَقَدْ وَرَدَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ مُتَّصِلًا بِهِ يَعْنِي السُّمَّ، وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ فِي التَّرْجَمَةِ إِلَى ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ سُلَيْمَانَ) هُوَ الْأَعْمَشُ.

قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ ذَكْوَانَ) هُوَ أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ وَكِيعٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، ثُمَّ أَرْدَفَهُ بِرِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ ذَكْوَانَ مِثْلَهُ. وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ شُعْبَةَ فَقَالَ عَنِ الْأَعْمَشِ سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ بِهِ، وَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ وَثَلَّثَ بِقِصَّةِ مَنْ تَرَدَّى عَكْسَ رِوَايَةِ شُعْبَةَ هُنَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ الْمَذْكُورَةِ كَرِوَايَةِ وَكِيعٍ، وَكَذَا عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدَةَ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ وَلَمْ يَذْكُرْ قِصَّةً.

قَوْلُهُ: (مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ) أَيْ أَسْقَطَ نَفْسَهُ مِنْهُ، لِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَقَتَلَ نَفْسَهُ عَلَى أَنَّهُ تَعَمَّدَ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ قَوْلِهِ تَرَدَّى لَا يَدُلُّ عَلَى التَّعَمُّدِ.

قَوْلُهُ: (وَمَنْ تَحَسَّى) بِمُهْمَلَتَيْنِ بِوَزْنِ تَغَدَّى أَيْ تَجَرَّعَ.

قَوْلُهُ: (يَجَأُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ وَبِالْهَمْزِ، أَيْ يُطْعَنُ بِهَا، وَقَدْ تُسَهَّلُ الْهَمْزَةُ، وَالْأَصْلُ فِي يُجَأُ يُوجَأُ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: فِي رِوَايَةِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ يُجَأُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَلَا وَجْهَ لَهُ، وَإِنَّمَا يُبْنَى لِلْمَجْهُولِ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ وَيُوجَأُ بِوَزْنِ يُوجَدُ انْتَهَى. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ يَتَوَجَّأُ بِمُثَنَّاةٍ وَوَاوٍ مَفْتُوحَتَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ بِوَزْنِ يَتَكَبَّرُ وَهُوَ بِمَعْنَى الطَّعْنِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي أَوَاخِرِ الْجَنَائِزِ بِلَفْظِ الَّذِي يَطْعَنُ نَفْسَهُ يَطْعَنُهَا فِي النَّارِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ وَبَيَانُ تَأْوِيلِ الْخُلُودِ وَالتَّأْبِيدِ الْمَذْكُورَيْنِ. وَحَكَى ابْنُ التِّينِ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَرَدَ فِي حَقِّ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ، وَأَوْلَى مَا حُمِلَ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ وَنَحْوُهُ مِنْ أَحَادِيثِ الْوَعِيدِ أَنَّ الْمَعْنَى الْمَذْكُورَ جَزَاءُ فَاعِلِ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (أَحْمَدُ بْنُ بَشِيرٍ أَبُو بَكْرٍ) هُوَ الْكُوفِيُّ الْمَخْزُومِيُّ مَوْلَاهُمْ، لَيْسَ لَهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ، قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَا بَأْسَ بِهِ، هَكَذَا رَوَى عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ عَنْهُ، وَقَالَ عُثْمَانُ الدَّارِمِيُّ، عَنِ ابْنِ مَعِينٍ: مَتْرُوكٌ، وَتَعَقَّبَ ذَلِكَ الْخَطِيبُ بِأَنَّهُ التَبَسَ عَلَى عُثْمَانَ بِآخَرَ يُقَالُ لَهُ أَحْمَدُ بْنُ بَشِيرٍ لَكِنْ كُنْيَتُهُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَهُوَ بَغْدَادِيٌّ مِنْ طَبَقَةِ صَاحِبِ التَّرْجَمَةِ، وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي تَكْنِيَةِ الْمُصَنِّفِ لَهُ لِيَمْتَازَ عَنْ قَرِينَةِ الضَّعِيفِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ سَعْدٍ قَرِيبًا، وَقَوْلُهُ فِي أَوَّلِ السَّنَدِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَوَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وفي الثَّانية على لفظ «السُّمِّ» (وَ) الدَّواء (الخَبِيْثِ) لنجاستهِ كالخمرِ، ولحمِ الحيوان المحرَّم الأكل أو لاستقذارِهِ، فتكون كراهته (١) من جهةِ إدخال المشقَّة على النَّفس، وشُطِبَ في الفرع بالحمرةِ على قوله: «والخبيثِ». وقال في «المصابيح»: إنَّها ثابتةٌ في روايةِ القابسيِّ وأبي ذرٍّ، ساقطة لغيرهما قال: وذكرها التِّرمذيُّ في الحديث بلفظ «ونهى النَّبيُّ عن الدَّواء بالخبيثِ» (٢). قال (٣) البدرُ الدَّمامينيُّ: وهو حجَّةٌ على الشَّافعيَّة في إجازتهم التَّداوي بالنَّجس، وقول التِّرمذيِّ: يعني: السُّمَّ غيرُ مُسلَّمٍ، فاللفظ عامٌّ ولم يقمْ دليلٌ على التَّخصيص بما ذكرهُ. انتهى.

قال في «فتح الباري»: حمل الحديث على ما وردَ في بعض طرقهِ أولى، وقد (٤) ورد في آخر الحديث متَّصلًا به يعني السُّم. قال: ولعلَّ البخاريَّ أشار في التَّرجمة إلى ذلك.

٥٧٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) الحَجَبِيُّ (٥) البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ) بن سليمان، أبو عثمان البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مهران الأعمش، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ ذَكْوَانَ) أبا صالح السَّمَّان (يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: مَنْ تَرَدَّى) أي: أسقط نفسه (مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهْوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، يَتَرَدَّى فِيهِ (٦) خَالِدًا مُخَلَّدًا) بفتح اللام المشددة (فِيهَا أَبَدًا) إن (٧) جازاهُ الله، والخلودُ قد يُراد به

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله