«سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٩٧٠

الحديث رقم ٥٩٧٠ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: كتاب الأدب.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٩٧٠ في صحيح البخاري

«سَأَلْتُ النَّبِيَّ : أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا، قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ، قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي.»

بَابٌ: مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ

إسناد حديث رقم ٥٩٧٠ من صحيح البخاري

٥٩٧٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ عَيْزَارٍ أَخْبَرَنِي قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ يَقُولُ: أَخْبَرَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٩٧٠: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٧٨ - كِتَاب الْأَدَبِ

١ - بَاب البر والصلة، وقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾

٥٩٧٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: الْوَلِيدُ بْنُ عَيْزَارٍ أَخْبَرَنِي قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ يَقُولُ: أَخْبَرَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ - وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللَّهِ - قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ : أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ ﷿؟ قَالَ: الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ثم بِرُّ الْوَالِدَيْنِ. قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ، وَلَوْ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي.

قَوْله: (بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم - كِتابُ الْأَدَب)

قَوْلُهُ (بَابُ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ، وَقَوْلُهُ ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ كَذَا لِلْأَكْثَرِ. وَحَذَفَ بَعْضُهُمْ لَفْظَ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَبَعْضُهُمُ الْبَسْمَلَةَ، وَاقْتَصَرَ النَّسَفِيُّ عَلَى قَوْلِهِ كِتَابُ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ إِلَخْ. وَوَقَعَ فِي أَوَّلِ الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ لِلْبُخَارِيِّ بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى - ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ وَكِتَابُ الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ يَشْتَمِلُ عَلَى أَحَادِيثَ زَائِدَةٍ عَلَى مَا فِي الصَّحِيحِ وَفِيهِ قَلِيلٌ مِنَ الْآثَارِ الْمَوْقُوفَةِ، وَهُوَ كَثِيرُ الْفَائِدَةِ (١). وَالْأَدَبُ اسْتِعْمَالُ مَا يُحْمَدُ قَوْلًا وَفِعْلًا، وَعَبَّرَ بَعْضُهُمْ عَنْهُ بِأَنَّهُ الْأَخْذُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَقِيلَ: الْوُقُوفُ مَعَ الْمُسْتَحْسَنَاتِ، وَقِيلَ: هُوَ تَعْظِيمُ مَنْ فَوْقَكَ وَالرِّفْقُ بِمَنْ دُونَكَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْمَأْدُبَةِ وَهِيَ الدَّعْوَةُ إِلَى الطَّعَامِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُدْعَى إِلَيْهِ ; وَهَذِهِ الْآيَةُ وَقَعَتْ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي الْعَنْكَبُوتِ وَفِي الْأَحْقَافِ لَكِنِ الْمُرَادُ هُنَا الَّتِي فِي الْعَنْكَبُوتِ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: ذَكَرَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي فِي لُقْمَانَ نَزَلَتْ فِي سَعدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، كَذَا قَالَ إِنَّهَا الَّتِي فِي لُقْمَانَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: حَلَفَتْ أُمُّ سَعْدٍ لَا تُكَلِّمُهُ أَبَدًا حَتَّى يَكْفُرَ بِدِينِهِ.

قَالَتْ: زَعَمْتَ أَنَّ اللَّهَ أَوْصَاكَ بِوَالِدَيْكَ، فَأَنَا أُمُّكَ، وَأَنَا آمُرُكَ بِهَذَا، فَنَزَلَتْ ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾، ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ كَذَا وَقَعَ عِنْدَهُ، وَفِيهِ انْتِقَالٌ مِنْ آيَةٍ إِلَى آيَةٍ، فَإِنَّ فِي آيَةِ الْعَنْكَبُوتِ ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ - إِلَى - ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ وَالْمَذْكُورُ عِنْدَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى﴾ إِلَخْ إِنَّمَا هُوَ فِي لُقْمَانَ. وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿حُسْنًا﴾ الْآيَةَ، فَقَطْ، وَمِثْلُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ لَكِنْ لَمْ يَقُلْ الْآيَةَ، وَوَقَعَ فِي أُخْرَى لِأَحْمَدَ ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ - وَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ - ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وَهَذَا الْقَدْرُ الْأَخِيرُ إِنَّمَا هُوَ فِي آيَةِ الْعَنْكَبُوتِ وَأَوَّلُهُ مِنْ آيَةِ لُقْمَانَ، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ الْآيَتَيْنِ معا كَانَتَا فِي الْأَصْلِ ثَابِتَتَيْنِ فَسَقَطَ بَعْضُهُمَا عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاسْمُ أُمِّ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ حَمْنَةُ - بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا نُونٌ - بِنْتُ سُفْيَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

العنكبوت، والَّذي في «اليونينيَّة» «بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب الأدب، باب قول الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾» ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ زيادة «﴿حُسْنًا﴾» و «وصَّى» حكمُه حكمُ «أمرَ» في معناه وتصرُّفِهِ. يقال: وصَّيْت زيدًا بأن يفعلَ خيرًا، كما تقول: أمرتُه بأن يفعلَ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾ [البقرة: ١٣٢] أي وصَّاهم بكلمة التَّوحيد وأمرَهم بها، وكذلك معنى قوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ وصَّيناه بإيتاءِ والديهِ حسنًا، أو بإيلاءِ والديه حسنًا، أي: فعلًا ذا حُسْنٍ، أو ما هو في ذاتهِ حُسْنٌ لفرطِ حُسنه، ويجوزُ أن تجعلَ ﴿حُسْنًا﴾ من باب قولك: زيدًا بإضمارِ اضرب إذا رأيتَه متهيِّأً للضَّرب، فتنصبَه بإضمار أَوْلِهما أو افعلْ بهما؛ لأنَّ التَّوصية بهما دالَّةٌ عليه، وما بعدَه مطابقٌ له، كأنَّه قال: أَوْلِهما معروفًا، ولا تُطعهما في الشِّرك إذا حملاكَ عليه.

٥٩٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشامُ بن عبدِ الملك الطَّيالسيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج الحافظُ (١)، أبو بسطام (٢) العتكيُّ (قَالَ الوَلِيدُ بْنُ عَيْزَارٍ) وللأَصيليِّ: «العَيْزَار» (٣) بفتح العين المهملة وسكون التحتية وفتح الزاي وبعد الألف راء، ابن حريثٍ العبديُّ (أَخْبَرَنِي) بالإفراد، وهو من تقديم اسم الرَّاوي على الصِّيغة وهو جائزٌ، وكان شعبة يستعملُه كثيرًا، وليس في نسخة الفرع لفظ «أخبرني» وهو ثابتٌ (٤) في أصله (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو) بفتح العين، سعد بن إياسٍ (الشَّيْبَانِيَّ) بفتح المعجمة بعدها تحتية ساكنة فموحدة فألف فنون فياء نسبة (يَقُولُ: أَخْبَرَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ -وَأَوْمَأَ) بهمز في «اليونينية» (٥) أي: أشار (بِيَدِهِ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللهِ-) بن مسعودٍ (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ ﷿؟)

مبتدأ وخبر، والموضع معمولُ القول مقدَّرًا، أي: فقلت: أيُّ العمل، وأحبُّ أفعلُ تفضيل (قَالَ) : (الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا. قَالَ) عبدُ الله: ثمَّ قلت: يا رسول الله (ثُمَّ أَيُّ؟) ولم يضبطْ في الفرع كأصله (١) الياء، وكتب فوقَها في الفرع (٢): كذا. قال الفاكهانيُّ: الصَّواب عدمُ تنوينه؛ لأنَّه موقوفٌ عليه في الكلامِ والسَّائل ينتظرُ الجواب، والتَّنوين لا يُوقف عليه إجماعًا، فتنوينُه ووصلُه بما بعدَه خطأٌ فيوقفُ عليه وقفةً لطيفةً، ثمَّ يُؤتى بما بعدَه (قَالَ) : (ثُمَّ بِرُّ الوَالِدَيْنِ) بالإحسانِ إليهما وفعلِ الجميلِ معهمَا وفعلِ ما يَسرُّهما، ويدخلُ فيه الإحسان إلى صديقِهما كما في «الصحيحين» (٣) وقال سفيانُ بن عُيينة في قولهِ تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]: من صلَّى الصَّلوات الخمس فقد شكرَ الله، ومن دعا لوالديهِ عقبَ الصَّلوات فقد شكرَ لهما. وسقطَ قوله: «ثمَّ» لأبي ذرٍّ. (قَالَ) عبد الله: قلتُ: (ثُمَّ (٤) أَيُّ؟ قَالَ) : (الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ) ﷿ (قَالَ) عبدُ الله: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (بِهِنَّ) جملةٌ مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب، وفيه تقريرٌ وتأكيدٌ لِمَا سبقَ، وأنَّه باشرَ السُّؤال وسمعَ (٥) الجواب (وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ) من هذا النَّوع وهو أفضلُ مراتب الأعمال، أو من مطلقِ المسائل المحتاجِ إليها (لَزَادَنِي) ووقعَ في «باب الإيمان» أوَّل الكتاب [خ¦١٢]: أنَّ إطعام الطَّعام خيرُ الأعمال. واستُشكل مع قولهِ هنا: «الصَّلاةُ على وقتِها».

وأُجيب بأنَّ الجواب اختلف باختلافِ أحوال السَّائلين، فأعلم كلَّ قومٍ بما يحتاجونَ إليه، أو بما لهم فيهِ رغبةٌ، أو بما هو لائقٌ بهمْ، أو كان الاختلافُ باختلافِ الأوقاتِ بأن يكون العملُ في ذلك الوقتِ أفضل منه في غيرهِ، فقد كان الجهادُ في ابتداءِ الإسلامِ أفضلَ الأعمال لأنَّه (٦) وسيلةٌ إلى القيامِ بها والتمكُّن من أدائهَا، وقد تظافرتِ النُّصوص على أنَّ الصَّلاة أفضلُ من الصَّدقة، ومع ذلك ففِي وقت مُواساة المضطرِّ تكون الصَّدقة أفضلَ، أو أنَّ أفضلَ ليست على بابها، بل المرادُ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٧٨ - كِتَاب الْأَدَبِ

١ - بَاب البر والصلة، وقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾

٥٩٧٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: الْوَلِيدُ بْنُ عَيْزَارٍ أَخْبَرَنِي قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ يَقُولُ: أَخْبَرَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ - وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللَّهِ - قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ : أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ ﷿؟ قَالَ: الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ثم بِرُّ الْوَالِدَيْنِ. قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ، وَلَوْ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي.

قَوْله: (بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم - كِتابُ الْأَدَب)

قَوْلُهُ (بَابُ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ، وَقَوْلُهُ ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ كَذَا لِلْأَكْثَرِ. وَحَذَفَ بَعْضُهُمْ لَفْظَ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَبَعْضُهُمُ الْبَسْمَلَةَ، وَاقْتَصَرَ النَّسَفِيُّ عَلَى قَوْلِهِ كِتَابُ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ إِلَخْ. وَوَقَعَ فِي أَوَّلِ الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ لِلْبُخَارِيِّ بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى - ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ وَكِتَابُ الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ يَشْتَمِلُ عَلَى أَحَادِيثَ زَائِدَةٍ عَلَى مَا فِي الصَّحِيحِ وَفِيهِ قَلِيلٌ مِنَ الْآثَارِ الْمَوْقُوفَةِ، وَهُوَ كَثِيرُ الْفَائِدَةِ (١). وَالْأَدَبُ اسْتِعْمَالُ مَا يُحْمَدُ قَوْلًا وَفِعْلًا، وَعَبَّرَ بَعْضُهُمْ عَنْهُ بِأَنَّهُ الْأَخْذُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَقِيلَ: الْوُقُوفُ مَعَ الْمُسْتَحْسَنَاتِ، وَقِيلَ: هُوَ تَعْظِيمُ مَنْ فَوْقَكَ وَالرِّفْقُ بِمَنْ دُونَكَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْمَأْدُبَةِ وَهِيَ الدَّعْوَةُ إِلَى الطَّعَامِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُدْعَى إِلَيْهِ ; وَهَذِهِ الْآيَةُ وَقَعَتْ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي الْعَنْكَبُوتِ وَفِي الْأَحْقَافِ لَكِنِ الْمُرَادُ هُنَا الَّتِي فِي الْعَنْكَبُوتِ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: ذَكَرَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي فِي لُقْمَانَ نَزَلَتْ فِي سَعدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، كَذَا قَالَ إِنَّهَا الَّتِي فِي لُقْمَانَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: حَلَفَتْ أُمُّ سَعْدٍ لَا تُكَلِّمُهُ أَبَدًا حَتَّى يَكْفُرَ بِدِينِهِ.

قَالَتْ: زَعَمْتَ أَنَّ اللَّهَ أَوْصَاكَ بِوَالِدَيْكَ، فَأَنَا أُمُّكَ، وَأَنَا آمُرُكَ بِهَذَا، فَنَزَلَتْ ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾، ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ كَذَا وَقَعَ عِنْدَهُ، وَفِيهِ انْتِقَالٌ مِنْ آيَةٍ إِلَى آيَةٍ، فَإِنَّ فِي آيَةِ الْعَنْكَبُوتِ ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ - إِلَى - ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ وَالْمَذْكُورُ عِنْدَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى﴾ إِلَخْ إِنَّمَا هُوَ فِي لُقْمَانَ. وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿حُسْنًا﴾ الْآيَةَ، فَقَطْ، وَمِثْلُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ لَكِنْ لَمْ يَقُلْ الْآيَةَ، وَوَقَعَ فِي أُخْرَى لِأَحْمَدَ ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ - وَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ - ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وَهَذَا الْقَدْرُ الْأَخِيرُ إِنَّمَا هُوَ فِي آيَةِ الْعَنْكَبُوتِ وَأَوَّلُهُ مِنْ آيَةِ لُقْمَانَ، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ الْآيَتَيْنِ معا كَانَتَا فِي الْأَصْلِ ثَابِتَتَيْنِ فَسَقَطَ بَعْضُهُمَا عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاسْمُ أُمِّ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ حَمْنَةُ - بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا نُونٌ - بِنْتُ سُفْيَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

العنكبوت، والَّذي في «اليونينيَّة» «بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب الأدب، باب قول الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾» ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ زيادة «﴿حُسْنًا﴾» و «وصَّى» حكمُه حكمُ «أمرَ» في معناه وتصرُّفِهِ. يقال: وصَّيْت زيدًا بأن يفعلَ خيرًا، كما تقول: أمرتُه بأن يفعلَ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾ [البقرة: ١٣٢] أي وصَّاهم بكلمة التَّوحيد وأمرَهم بها، وكذلك معنى قوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ وصَّيناه بإيتاءِ والديهِ حسنًا، أو بإيلاءِ والديه حسنًا، أي: فعلًا ذا حُسْنٍ، أو ما هو في ذاتهِ حُسْنٌ لفرطِ حُسنه، ويجوزُ أن تجعلَ ﴿حُسْنًا﴾ من باب قولك: زيدًا بإضمارِ اضرب إذا رأيتَه متهيِّأً للضَّرب، فتنصبَه بإضمار أَوْلِهما أو افعلْ بهما؛ لأنَّ التَّوصية بهما دالَّةٌ عليه، وما بعدَه مطابقٌ له، كأنَّه قال: أَوْلِهما معروفًا، ولا تُطعهما في الشِّرك إذا حملاكَ عليه.

٥٩٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشامُ بن عبدِ الملك الطَّيالسيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج الحافظُ (١)، أبو بسطام (٢) العتكيُّ (قَالَ الوَلِيدُ بْنُ عَيْزَارٍ) وللأَصيليِّ: «العَيْزَار» (٣) بفتح العين المهملة وسكون التحتية وفتح الزاي وبعد الألف راء، ابن حريثٍ العبديُّ (أَخْبَرَنِي) بالإفراد، وهو من تقديم اسم الرَّاوي على الصِّيغة وهو جائزٌ، وكان شعبة يستعملُه كثيرًا، وليس في نسخة الفرع لفظ «أخبرني» وهو ثابتٌ (٤) في أصله (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو) بفتح العين، سعد بن إياسٍ (الشَّيْبَانِيَّ) بفتح المعجمة بعدها تحتية ساكنة فموحدة فألف فنون فياء نسبة (يَقُولُ: أَخْبَرَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ -وَأَوْمَأَ) بهمز في «اليونينية» (٥) أي: أشار (بِيَدِهِ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللهِ-) بن مسعودٍ (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ ﷿؟)

مبتدأ وخبر، والموضع معمولُ القول مقدَّرًا، أي: فقلت: أيُّ العمل، وأحبُّ أفعلُ تفضيل (قَالَ) : (الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا. قَالَ) عبدُ الله: ثمَّ قلت: يا رسول الله (ثُمَّ أَيُّ؟) ولم يضبطْ في الفرع كأصله (١) الياء، وكتب فوقَها في الفرع (٢): كذا. قال الفاكهانيُّ: الصَّواب عدمُ تنوينه؛ لأنَّه موقوفٌ عليه في الكلامِ والسَّائل ينتظرُ الجواب، والتَّنوين لا يُوقف عليه إجماعًا، فتنوينُه ووصلُه بما بعدَه خطأٌ فيوقفُ عليه وقفةً لطيفةً، ثمَّ يُؤتى بما بعدَه (قَالَ) : (ثُمَّ بِرُّ الوَالِدَيْنِ) بالإحسانِ إليهما وفعلِ الجميلِ معهمَا وفعلِ ما يَسرُّهما، ويدخلُ فيه الإحسان إلى صديقِهما كما في «الصحيحين» (٣) وقال سفيانُ بن عُيينة في قولهِ تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]: من صلَّى الصَّلوات الخمس فقد شكرَ الله، ومن دعا لوالديهِ عقبَ الصَّلوات فقد شكرَ لهما. وسقطَ قوله: «ثمَّ» لأبي ذرٍّ. (قَالَ) عبد الله: قلتُ: (ثُمَّ (٤) أَيُّ؟ قَالَ) : (الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ) ﷿ (قَالَ) عبدُ الله: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (بِهِنَّ) جملةٌ مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب، وفيه تقريرٌ وتأكيدٌ لِمَا سبقَ، وأنَّه باشرَ السُّؤال وسمعَ (٥) الجواب (وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ) من هذا النَّوع وهو أفضلُ مراتب الأعمال، أو من مطلقِ المسائل المحتاجِ إليها (لَزَادَنِي) ووقعَ في «باب الإيمان» أوَّل الكتاب [خ¦١٢]: أنَّ إطعام الطَّعام خيرُ الأعمال. واستُشكل مع قولهِ هنا: «الصَّلاةُ على وقتِها».

وأُجيب بأنَّ الجواب اختلف باختلافِ أحوال السَّائلين، فأعلم كلَّ قومٍ بما يحتاجونَ إليه، أو بما لهم فيهِ رغبةٌ، أو بما هو لائقٌ بهمْ، أو كان الاختلافُ باختلافِ الأوقاتِ بأن يكون العملُ في ذلك الوقتِ أفضل منه في غيرهِ، فقد كان الجهادُ في ابتداءِ الإسلامِ أفضلَ الأعمال لأنَّه (٦) وسيلةٌ إلى القيامِ بها والتمكُّن من أدائهَا، وقد تظافرتِ النُّصوص على أنَّ الصَّلاة أفضلُ من الصَّدقة، ومع ذلك ففِي وقت مُواساة المضطرِّ تكون الصَّدقة أفضلَ، أو أنَّ أفضلَ ليست على بابها، بل المرادُ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله