«أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، قُلْنَا: بَلَى، يَا رَسُولَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٩٧٦

الحديث رقم ٥٩٧٦ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب عقوق الوالدين من الكبائر.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٩٧٦ في صحيح البخاري

«أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، قُلْنَا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فَقَالَ: أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ، فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ: لَا يَسْكُتُ.»

إسناد حديث رقم ٥٩٧٦ من صحيح البخاري

٥٩٧٦ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْوَاسِطِيُّ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٩٧٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

لجازَ. قال في «المصابيح»: لا حاجةَ إلى ادعاءِ استتارِ ضميرٍ فيهما، بل هما فعلانِ ماضيان على رأي ابنِ مالكٍ في جوازِ جريان الإسنادِ إلى الكلمةِ في أنواعها الثَّلاثة نحو زيد ثلاثي، وضربَ فعلٌ ماض، ومِن حرف جرٍّ، ولا شكَّ أنَّهما مسندٌ إليهما في التَّقدير؛ إذ المعنى: قيل وقال كرههمَا ، أو اسمان عند الجمهورِ والفتح على الحكايةِ، وينكرونَ أن يكون غير الاسمِ مسندًا إليه، كما هو مقرّر في محلِّه. انتهى.

(وَ) كره تعالى لكم (كَثْرَةَ السُّؤَالِ) له عن المسائل الَّتي لا حاجةَ إليها، كما قال تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] أو المراد لا تسألوا في العلمِ سؤالَ امتحانٍ ومِرَاءٍ وجِدَالٍ، أو لا تسألوا عن أحوالِ النَّاس (وَ) كرهَ لكم أيضًا (إِضَاعَةَ المَالِ) بإنفاقهِ في غيرِ ما أذن فيه شرعًا لأنَّ الله تعالى جعلَ المالَ قيامًا لمصالحِ العباد، وفي تبذيرهِ (١) تفويت لذلك، والَّذي صحَّحه النَّووي أن صرفه في الصَّدقة ووجوهِ الخير والمطاعمِ والملابس الَّتي لا تليقُ بحاله ليس بتبذيرٍ؛ لأنَّ المال يتَّخذُ لينتفع به ويلتذَّ (٢).

وهذا الحديث سبقَ في «باب قولهِ تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]» من «كتاب الزَّكاة» [خ¦١٤٧٧] وفي «الاستقراض» [خ¦٢٤٠٨] أيضًا.

٥٩٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (٣)، ولأبي ذرٍّ بالجمع (إِسْحَاقُ) بن شاهين بنِ الحارث الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هو ابنُ عبد الله الطَّحَّان (الوَاسِطِيُّ، عَنِ الجُرَيْرِيِّ) بضم الجيم

وفتح الراء الأولى بعدها تحتية ساكنة، سعيدِ بن إياسِ بنِ مسعودٍ البصريِّ، والجُرَيريِّ نسبةً إلى جريرِ بنِ عباد (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي بكرةَ نُفَيع () أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : أَلَا) بالتَّخفيف حرف استفتاح وضعَ لتنبيهِ المخاطبِ على ما يتكلَّم به من بعدهِ (أُنَبِّئُكُمْ) أخبرُكم (بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟) جمع كبيرةٍ، وأصله وصف مؤنَّث، أي: الفعلةُ الكبيرةُ ونحوها، وكبرهَا باعتبار شدَّة مَفْسدتها وعِظَمِ إثمها (قُلْنَا) ولأبي ذرٍّ: «فقلنا»: (بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ) أَخْبرنا (قَالَ) : أحدُها (الإِشْرَاكُ بِاللهِ) ﷿ غيره في العبادةِ والألوهيَّة، أو المراد مطلقُ الكفر على أيِّ نوعٍ كان وهو المرادُ هنا، وحينئذٍ فالتَّعبير بالإشراكِ لغلبتهِ في الوجودِ لا سيَّما في بلاد العرب، ولو أريدَ الأوَّل لكان محكومًا بأنَّه أعظمُ أنواع الكفْرِ، ولا ريبَ أنَّ التَّعطيل أقبحُ منه وأشدُّ لأنَّه نفيٌ مطلقٌ والإشراكُ إثباتٌ (وَ) ثانيهما (١) (عُقُوقُ الوَالِدَيْنِ) معطوفٌ على سابقهِ، وهو مصدر عقَّ والدَه يعقُّه عُقُوقًا فهو عاقٌّ إذا آذاهُ وعصاهُ، وهو ضدُّ البرِّ، وأمَّا العقوق المحرَّم شرعًا فقال ابن عبد السَّلام: لم أقفْ له على ضابطٍ أعتمدُ عليه، فإنَّه لا يجبُ طاعتهما في كلِّ ما يأمران به وينهيان عنه اتِّفاقًا، وقالوا: يحرمُ على الولدِ الجهاد بغيرِ إذنهما لِمَا يشقُّ عليهما من توقُّع قتلهِ، أو قطع شيءٍ منه.

نعم، في «فتاوى ابن الصلاح» العقوقُ المحرَّم كلُّ فعلٍ يتأذَّى به الوالد تأذِّيًا ليس بالهيِّن مع كونهِ ليس من الأفعالِ الواجبةِ. قال: وربَّما قيل: طاعة الوالدين واجبةٌ في كلِّ ما ليس بمعصيةٍ، ومخالفة ذلك عقوق (وَكَانَ) (مُتَّكِئًا فَجَلَسَ) جملةٌ مِن كان واسمها وخبرِها (فَقَالَ: أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ) من عطف التَّفسير لأنَّ قول الزُّور أعمُّ من أن يكون كُفرًا، ومِن أن يكون شهادةً أو كذبًا آخر من الكذبات، أو من عطفِ الخاصِّ على العامِّ تعظيمًا لهذا النَّوع لِمَا يترتَّب عليه من المفاسد. قال (٢) الشَّيخ ابنُ دقيق العيد: ينبغي أن يحملَ قول الزُّور على شهادة الزُّور (٣)، فإنَّا لو حملناهُ على الإطلاق لزم أن تكون الكِذْبة الواحدة مطلقًا كبيرةً، وليس كذلك، وإن كانت مراتب الكذبِ متفاوتةً بحسب تفاوتِ مفاسده (أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ) ذكرها مرَّتين، لكن في الفرع شطب على الثَّاني وهو: «ألا … » إلى آخرهِ،

وعليه علامة السُّقوط لأبوي الوقتِ وذرٍّ والأَصيليِّ. قال أبو بكرةَ: (فَمَا زَالَ) (يَقولهَا) ألا وقول الزُّور ألا وشهادة الزُّور، فيعود الضَّمير عليها لا غير (حَتَّى قُلْتُ: لَا يَسْكُتُ) وكرَّر «ألَا» تنبيهًا على استقباح الزُّور وكرَّره دون الأوَّلين لأنَّ النَّاس يهونُ عليهم أمرهُ فيظنون أنَّه دون سابقهِ، فهوَّل أمرهُ ونفَّر عنه حين كرَّره، فحصلَ في مبالغة النَّهي عنه ثلاثة أشياء: الجلوس وكان متَّكئًا، واستفتاحه بألا الَّتي تفيدُ تنبيه المخاطبِ وإقباله على سماعهِ، وتكرير ذكرهِ مرَّتين بل في رواية ثلاثًا، ثم أكَّد تأكيدًا رابعًا بقوله: قول الزُّور وشهادة الزُّور، وهما في المعنى واحد، كما مرَّ ذكر ما فيه.

وقد قيل: إنَّه يؤخذ من قولهِ: «ألا أنبِّئكم بأكبر الكبائر» انقسام الذُّنوب إلى كبائر وصغائر وهو قول عامَّة الفقهاء. وقال أبو إسحاق الإسفرايينيُّ: ليس في الذُّنوب صغيرةٌ بل كلُّ ما نهى عنه كبيرة، وهو منقولٌ عن ابن عبَّاس، وحكاه عياض عن المحقِّقين.

وقال إمام الحرمين في «الإرشاد»: المرضي (١) عندنا أنَّ كلَّ ذنبٍ يُعصى الله به كبيرةٌ، فربَّ شيءٍ يعدُّ صغيرةً بالإضافة إلى الأقران (٢)، ولو كان في حقِّ الملك لكان كبيرةً، والربُّ أعظمُ من عُصِي، فكلُّ ذنبٍ بالإضافة إلى مخالفتهِ عظيمٌ، ولكن الذُّنوب وإن عظُمَت فهي متفاوتةٌ في رُتَبها، وظنَّ بعض النَّاس أنَّ الخلاف لفظيٌّ فقال: التَّحقيق أنَّ للكبيرةِ اعتبارين فبالنِّسبة إلى مُقايسة بعضها ببعضٍ فهي تختلفُ قطعًا، وبالنِّسبة إلى الآمر والنَّاهي فكلُّها كبائر. انتهى.

فحقَّق المنقول عن الأشاعرةِ، وبيَّن أنَّه لا يخالفُ ما قاله الجمهور. وقال النَّوويُّ: اختلفوا في ضَبْطِ الكبيرةِ اختلافًا كبيرًا (٣) منتشرًا، فعن ابن عبَّاس: «كلُّ ذنبٍ ختمَه اللهُ بنارٍ، أو غضبٍ، أو لعنةٍ، أو عذابٍ، وقيل: ما أوعدَ الله عليه بنارٍ في الآخرةِ، أو أوجبَ فيه حدًّا في الدُّنيا». انتهى.

وليس قوله: «أكبر الكبائر» على ظاهره من الحصرِ بل «مِنْ» فيه مقدَّرة، فقد ثبتَ في أشياء أُخر أنَّها مِن أكبرِ الكبائر، كقتلِ النَّفس، والزِّنا بحليلة الجارِ، واليمين الغموس، وسوءُ الظَّنِّ بالله.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

لجازَ. قال في «المصابيح»: لا حاجةَ إلى ادعاءِ استتارِ ضميرٍ فيهما، بل هما فعلانِ ماضيان على رأي ابنِ مالكٍ في جوازِ جريان الإسنادِ إلى الكلمةِ في أنواعها الثَّلاثة نحو زيد ثلاثي، وضربَ فعلٌ ماض، ومِن حرف جرٍّ، ولا شكَّ أنَّهما مسندٌ إليهما في التَّقدير؛ إذ المعنى: قيل وقال كرههمَا ، أو اسمان عند الجمهورِ والفتح على الحكايةِ، وينكرونَ أن يكون غير الاسمِ مسندًا إليه، كما هو مقرّر في محلِّه. انتهى.

(وَ) كره تعالى لكم (كَثْرَةَ السُّؤَالِ) له عن المسائل الَّتي لا حاجةَ إليها، كما قال تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] أو المراد لا تسألوا في العلمِ سؤالَ امتحانٍ ومِرَاءٍ وجِدَالٍ، أو لا تسألوا عن أحوالِ النَّاس (وَ) كرهَ لكم أيضًا (إِضَاعَةَ المَالِ) بإنفاقهِ في غيرِ ما أذن فيه شرعًا لأنَّ الله تعالى جعلَ المالَ قيامًا لمصالحِ العباد، وفي تبذيرهِ (١) تفويت لذلك، والَّذي صحَّحه النَّووي أن صرفه في الصَّدقة ووجوهِ الخير والمطاعمِ والملابس الَّتي لا تليقُ بحاله ليس بتبذيرٍ؛ لأنَّ المال يتَّخذُ لينتفع به ويلتذَّ (٢).

وهذا الحديث سبقَ في «باب قولهِ تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]» من «كتاب الزَّكاة» [خ¦١٤٧٧] وفي «الاستقراض» [خ¦٢٤٠٨] أيضًا.

٥٩٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (٣)، ولأبي ذرٍّ بالجمع (إِسْحَاقُ) بن شاهين بنِ الحارث الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هو ابنُ عبد الله الطَّحَّان (الوَاسِطِيُّ، عَنِ الجُرَيْرِيِّ) بضم الجيم

وفتح الراء الأولى بعدها تحتية ساكنة، سعيدِ بن إياسِ بنِ مسعودٍ البصريِّ، والجُرَيريِّ نسبةً إلى جريرِ بنِ عباد (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي بكرةَ نُفَيع () أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : أَلَا) بالتَّخفيف حرف استفتاح وضعَ لتنبيهِ المخاطبِ على ما يتكلَّم به من بعدهِ (أُنَبِّئُكُمْ) أخبرُكم (بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟) جمع كبيرةٍ، وأصله وصف مؤنَّث، أي: الفعلةُ الكبيرةُ ونحوها، وكبرهَا باعتبار شدَّة مَفْسدتها وعِظَمِ إثمها (قُلْنَا) ولأبي ذرٍّ: «فقلنا»: (بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ) أَخْبرنا (قَالَ) : أحدُها (الإِشْرَاكُ بِاللهِ) ﷿ غيره في العبادةِ والألوهيَّة، أو المراد مطلقُ الكفر على أيِّ نوعٍ كان وهو المرادُ هنا، وحينئذٍ فالتَّعبير بالإشراكِ لغلبتهِ في الوجودِ لا سيَّما في بلاد العرب، ولو أريدَ الأوَّل لكان محكومًا بأنَّه أعظمُ أنواع الكفْرِ، ولا ريبَ أنَّ التَّعطيل أقبحُ منه وأشدُّ لأنَّه نفيٌ مطلقٌ والإشراكُ إثباتٌ (وَ) ثانيهما (١) (عُقُوقُ الوَالِدَيْنِ) معطوفٌ على سابقهِ، وهو مصدر عقَّ والدَه يعقُّه عُقُوقًا فهو عاقٌّ إذا آذاهُ وعصاهُ، وهو ضدُّ البرِّ، وأمَّا العقوق المحرَّم شرعًا فقال ابن عبد السَّلام: لم أقفْ له على ضابطٍ أعتمدُ عليه، فإنَّه لا يجبُ طاعتهما في كلِّ ما يأمران به وينهيان عنه اتِّفاقًا، وقالوا: يحرمُ على الولدِ الجهاد بغيرِ إذنهما لِمَا يشقُّ عليهما من توقُّع قتلهِ، أو قطع شيءٍ منه.

نعم، في «فتاوى ابن الصلاح» العقوقُ المحرَّم كلُّ فعلٍ يتأذَّى به الوالد تأذِّيًا ليس بالهيِّن مع كونهِ ليس من الأفعالِ الواجبةِ. قال: وربَّما قيل: طاعة الوالدين واجبةٌ في كلِّ ما ليس بمعصيةٍ، ومخالفة ذلك عقوق (وَكَانَ) (مُتَّكِئًا فَجَلَسَ) جملةٌ مِن كان واسمها وخبرِها (فَقَالَ: أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ) من عطف التَّفسير لأنَّ قول الزُّور أعمُّ من أن يكون كُفرًا، ومِن أن يكون شهادةً أو كذبًا آخر من الكذبات، أو من عطفِ الخاصِّ على العامِّ تعظيمًا لهذا النَّوع لِمَا يترتَّب عليه من المفاسد. قال (٢) الشَّيخ ابنُ دقيق العيد: ينبغي أن يحملَ قول الزُّور على شهادة الزُّور (٣)، فإنَّا لو حملناهُ على الإطلاق لزم أن تكون الكِذْبة الواحدة مطلقًا كبيرةً، وليس كذلك، وإن كانت مراتب الكذبِ متفاوتةً بحسب تفاوتِ مفاسده (أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ) ذكرها مرَّتين، لكن في الفرع شطب على الثَّاني وهو: «ألا … » إلى آخرهِ،

وعليه علامة السُّقوط لأبوي الوقتِ وذرٍّ والأَصيليِّ. قال أبو بكرةَ: (فَمَا زَالَ) (يَقولهَا) ألا وقول الزُّور ألا وشهادة الزُّور، فيعود الضَّمير عليها لا غير (حَتَّى قُلْتُ: لَا يَسْكُتُ) وكرَّر «ألَا» تنبيهًا على استقباح الزُّور وكرَّره دون الأوَّلين لأنَّ النَّاس يهونُ عليهم أمرهُ فيظنون أنَّه دون سابقهِ، فهوَّل أمرهُ ونفَّر عنه حين كرَّره، فحصلَ في مبالغة النَّهي عنه ثلاثة أشياء: الجلوس وكان متَّكئًا، واستفتاحه بألا الَّتي تفيدُ تنبيه المخاطبِ وإقباله على سماعهِ، وتكرير ذكرهِ مرَّتين بل في رواية ثلاثًا، ثم أكَّد تأكيدًا رابعًا بقوله: قول الزُّور وشهادة الزُّور، وهما في المعنى واحد، كما مرَّ ذكر ما فيه.

وقد قيل: إنَّه يؤخذ من قولهِ: «ألا أنبِّئكم بأكبر الكبائر» انقسام الذُّنوب إلى كبائر وصغائر وهو قول عامَّة الفقهاء. وقال أبو إسحاق الإسفرايينيُّ: ليس في الذُّنوب صغيرةٌ بل كلُّ ما نهى عنه كبيرة، وهو منقولٌ عن ابن عبَّاس، وحكاه عياض عن المحقِّقين.

وقال إمام الحرمين في «الإرشاد»: المرضي (١) عندنا أنَّ كلَّ ذنبٍ يُعصى الله به كبيرةٌ، فربَّ شيءٍ يعدُّ صغيرةً بالإضافة إلى الأقران (٢)، ولو كان في حقِّ الملك لكان كبيرةً، والربُّ أعظمُ من عُصِي، فكلُّ ذنبٍ بالإضافة إلى مخالفتهِ عظيمٌ، ولكن الذُّنوب وإن عظُمَت فهي متفاوتةٌ في رُتَبها، وظنَّ بعض النَّاس أنَّ الخلاف لفظيٌّ فقال: التَّحقيق أنَّ للكبيرةِ اعتبارين فبالنِّسبة إلى مُقايسة بعضها ببعضٍ فهي تختلفُ قطعًا، وبالنِّسبة إلى الآمر والنَّاهي فكلُّها كبائر. انتهى.

فحقَّق المنقول عن الأشاعرةِ، وبيَّن أنَّه لا يخالفُ ما قاله الجمهور. وقال النَّوويُّ: اختلفوا في ضَبْطِ الكبيرةِ اختلافًا كبيرًا (٣) منتشرًا، فعن ابن عبَّاس: «كلُّ ذنبٍ ختمَه اللهُ بنارٍ، أو غضبٍ، أو لعنةٍ، أو عذابٍ، وقيل: ما أوعدَ الله عليه بنارٍ في الآخرةِ، أو أوجبَ فيه حدًّا في الدُّنيا». انتهى.

وليس قوله: «أكبر الكبائر» على ظاهره من الحصرِ بل «مِنْ» فيه مقدَّرة، فقد ثبتَ في أشياء أُخر أنَّها مِن أكبرِ الكبائر، كقتلِ النَّفس، والزِّنا بحليلة الجارِ، واليمين الغموس، وسوءُ الظَّنِّ بالله.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله وبحمده