الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٠
الحديث رقم ٦٠ من كتاب «كتاب العلم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من رفع صوته بالعلم.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ قَوْلِ الْمُحَدِّثِ حَدَّثَنَا أَوْ أَخْبَرَنَا وَأَنْبَأَنَا
وَقَالَ لَنَا الْحُمَيْدِيُّ: كَانَ عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا وَأَنْبَأَنَا وَسَمِعْتُ وَاحِدًا.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ.
وَقَالَ شَقِيقٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ كَلِمَةً.
وَقَالَ حُذَيْفَةُ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ.
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ.
وَقَالَ أَنَسٌ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ ﷿.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّكُمْ ﷿
٦٠ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ عَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مَيْمُونَةَ وَهِلَالُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ، فَقَدْ يُظَنُّ ثَلَاثَةً، وهو وَاحِدٌ، وهو مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ، وَشَيْخُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَوْسَاطِهِمْ.
قَوْلُهُ: (يُحَدِّثُ) هُوَ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ وَحُذِفَ مَفْعُولُهُ الثَّانِي لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ. وَالْقَوْمُ الرِّجَالُ. وَقَدْ يَدْخُلُ فِيهِ النِّسَاءُ تَبَعًا.
قَوْلُهُ: (جَاءَ أَعْرَابِيٌّ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ.
قَوْلُهُ: (فَمَضَى) أَيِ: اسْتَمَرَّ يُحَدِّثُهُ، كَذَا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْحَمَوِيِّ بِزِيَادَةِ هَاءٍ، وَلَيْسَتْ فِي رِوَايَةِ الْبَاقِينَ، وَإِنْ ثَبَتَتْ فَالْمَعْنَى يُحَدِّثُ الْقَوْمَ الْحَدِيثَ الَّذِي كَانَ فِيهِ وَلَيْسَ الضَّمِيرُ عَائِدًا عَلَى الْأَعْرَابِيِّ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ سَمِعَ مَا قَالَ) إِنَّمَا حَصَلَ لَهُمُ التَّرَدُّدُ فِي ذَلِكَ لِمَا ظَهَرَ مِنْ عَدَمِ الْتِفَاتِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى سُؤَالِهِ وَإِصْغَائِهِ نَحْوَهُ ; وَلِكَوْنِهِ كَانَ يَكْرَهُ السُّؤَالَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِخُصُوصِهَا، وَقَدْ تَبَيَّنَ عَدَمُ انْحِصَارِ تَرْكِ الْجَوَابِ فِي الْأَمْرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، بَلِ احْتَمَلَ كَمَا تَقَدَّمَ أَنْ يَكُونَ أَخَّرَهُ لِيُكْمِلَ الْحَدِيثَ الَّذِي هُوَ فِيهِ، أَوْ أَخَّرَ جَوَابَهُ لِيُوحِيَ إِلَيْهِ بِهِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ: أَيْنَ أُرَاهُ السَّائِلُ) بِالرَّفْعِ عَلَى الْحِكَايَةِ، وَأُرَاهُ بِالضَّمِّ أَيْ: أَظُنُّهُ، وَالشَّكُّ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُلَيْحٍ. وَرَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ وَغَيْرُهُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ فُلَيْحٍ وَلَفْظُهُ: أَيْنَ السَّائِلُ وَلَمْ يَشُكَّ.
قَوْلُهُ: (إِذَا وُسِّدَ) أَيْ: أُسْنِدَ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْوِسَادَةِ، وَكَانَ مِنْ شَأْنِ الْأَمِيرِ عِنْدَهُمْ إِذَا جَلَسَ أَنْ تُثْنَى تَحْتَهُ وِسَادَةٌ، فَقَوْلُهُ: وُسِّدَ أَيْ: جُعِلَ لَهُ غَيْرُ أَهْلِهِ وِسَادًا، فَتَكُونُ إِلَى بِمَعْنَى اللَّامِ وَأَتَى بِهَا لِيَدُلَّ عَلَى تَضْمِينِ مَعْنَى أُسْنِدَ. وَلَفْظُ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ فِي الرِّقَاقِ إِذَا أُسْنِدَ وَكَذَا رَوَاهُ يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُ عَنْ فُلَيْحٍ.
وَمُنَاسَبَةُ هَذَا الْمَتْنِ لِكِتَابِ الْعِلْمِ أَنَّ إِسْنَادَ الْأَمْرِ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ غَلَبَةِ الْجَهْلِ وَرَفْعِ الْعِلْمِ، وَذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَشْرَاطِ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْعِلْمَ مَا دَامَ قَائِمًا فَفِي الْأَمْرِ فُسْحَةٌ. وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْعِلْمَ إِنَّمَا يُؤْخَذُ عَنِ الْأَكَابِرِ، تَلْمِيحًا لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الْجُمَحِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُلْتَمَسَ الْعِلْمُ عِنْدَ الْأَصَاغِرِ وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٣ - بَاب مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْعِلْمِ
٦٠ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ عَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ قال: حدثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ ﷺ فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلَاةُ وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ، وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا.
[الحديث ٦٠ - طرفاه في: ١٦٣، ٩٦]
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْعِلْمِ. حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانَ) زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ عَنْهُ: عَارُمُ بْنُ الْفَضْلِ، وَعَارِمٌ لَقَبٌ، واسمه مُحَمَّدٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَةِ.
قَوْلُهُ: (مَاهَكُ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَحُكِيَ كَسْرُهَا، وهو غَيْرُ مُنْصَرِفٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالْعُجْمَةِ، وَرَوَاهُ الْأَصِيلِيُّ مُنْصَرِفًا فَكَأَنَّهُ لَحَظَ فِيهِ الْوَصْفَ. وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى جَوَازِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْعِلْمِ بِقَوْلِهِ: فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ وَإِنَّمَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَالُ بِذَلِكَ حَيْثُ تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ لِبُعْدٍ أَوْ كَثْرَةِ جَمْعٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ مَا إِذَا كَانَ فِي مَوْعِظَةٍ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَطَبَ وَذَكَرَ السَّاعَةَ اشْتَدَّ غَضَبُهُ وَعَلَا صَوْتُهُ. . . الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ فِي مَعْنَاهُ وَزَادَ حَتَّى لَوْ أَنَّ رَجُلًا بِالسُّوقِ لَسَمِعَهُ وَاسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ إِعَادَةِ الْحَدِيثِ لِيُفْهَمَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَبَاحِثِ الْمَتْنِ فِي كِتَابِ الْوُضُوءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: فِي هَذَا التَّبْوِيبِ رَمْزٌ مِنَ الْمُصَنِّفِ إِلَى أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَبْلُغَ الْغَايَةَ فِي تَدْوِينِ
هَذَا الْكِتَابِ بِأَنْ يَسْتَفْرِغَ وُسْعَهُ فِي حُسْنِ تَرْتِيبِهِ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
٤ - بَاب قَوْلِ الْمُحَدِّثِ حَدَّثَنَا أو أَخْبَرَنَا وَأَنْبَأَنَا
وَقَالَ لَنَا الْحُمَيْدِيُّ: كَانَ عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ: حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا، وَأَنْبَأَنَا، وَسَمِعْتُ وَاحِدًا، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهو الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ وَقَالَ شَقِيقٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ كَلِمَةً وَقَالَ حُذَيْفَةُ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ، وَقَالَ أَنَسٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ ﷿، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّكُمْ ﷿
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ الْمُحَدِّثِ حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا وَأَنْبَأَنَا) قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى أَنَّهُ بَنَى كِتَابَهُ عَلَى الْمُسْنَدَاتِ الْمَرْوِيَّاتِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. قُلْتُ: وَمُرَادُهُ: هَلْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ أَمْ لَا؟ وَإِيرَادُهُ قَوْلَ ابْنِ عُيَيْنَةَ دُونَ غَيْرِهِ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ مُخْتَارُهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ) فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيِّ: وَقَالَ لَنَا الْحُمَيْدِيُّ: وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ، فَهُوَ مُتَّصِلٌ. وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ كَرِيمَةَ قَوْلُهُ: وَأَنْبَأَنَا وَمِنْ رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ قَوْلُهُ: أَخْبَرَنَا وَثَبَتَ الْجَمِيعُ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ) هَذَا التَّعْلِيقُ طَرَفٌ مِنَ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ فِي خَلْقِ الْجَنِينِ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ شَقِيقٌ) هُوَ أَبُو وَائِلٍ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ، سَيَأْتِي مَوْصُولًا أَيْضًا حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ، وَيَأْتِي أَيْضًا حَدِيثُ حُذَيْفَةَ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ. وَمُرَادُهُ مِنْ هَذِهِ التَّعَالِيقِ أَنَّ الصَّحَابِيَّ قَالَ تَارَةً حَدَّثَنَا وَتَارَةً سَمِعْتُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الصِّيَغِ. وَأَمَّا أَحَادِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي رِوَايَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ رَبِّهِ فَقَدْ وَصَلَهَا فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ، وَأَرَادَ بِذِكْرِهَا هُنَا التَّنْبِيهَ عَلَى الْعَنْعَنَةِ، وَأَنَّ حُكْمَهَا الْوَصْلُ عِنْدَ ثُبُوتِ اللُّقِيِّ، وَأَشَارَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ رَشِيدٍ إِلَى أَنَّ رِوَايَةَ النَّبِيِّ ﷺ إِنَّمَا هِيَ عَنْ رَبِّهِ سَوَاءٌ صَرَّحَ الصَّحَابِيُّ بِذَلِكَ أَمْ لَا، وَيَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورُ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِيهِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ عَنْ رَبِّهِ وَلَكِنَّهُ اخْتِصَارٌ فَيَحْتَاجُ إِلَى التَّقْدِيرِ. قُلْتُ: وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْحُكْمِ بِصِحَّةِ مَا كَانَ ذَلِكَ سَبِيلَهُ صِحَّةُ الِاحْتِجَاجِ بِمَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ ; لِأَنَّ الْوَاسِطَةَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ رَبِّهِ فِيمَا لَمْ يُكَلِّمْهُ بِهِ مِثْلُ لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ جِبْرِيلٌ، وهو مَقْبُولٌ قَطْعًا، وَالْوَاسِطَةُ بَيْنَ الصَّحَابِيِّ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ مَقْبُولٌ اتِّفَاقًا، وهو صَحَابِيٌّ آخَرُ، وَهَذَا فِي أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ دُونَ غَيْرِهَا، فَإِنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ رُبَّمَا حَمَلَهَا عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ مِثْلَ كَعْبِ الْأَحْبَارِ.
(تَنْبِيهٌ): أَبُو الْعَالِيَةِ الْمَذْكُورُ هُنَا هُوَ الرِّيَاحِيُّ بِالْيَاءِ الْأَخِيرَةِ، واسمه رُفَيْعٌ بِضَمِّ الرَّاءِ. مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ الْبَرَّاءُ بِالرَّاءِ الثَّقِيلَةِ فَقَدْ وَهَمَ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ مَعْرُوفٌ بِرِوَايَةِ الرِّيَاحِيِّ دُونَهُ. فَإِنْ قِيلَ: فَمِنْ أَيْنَ تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لِلتَّرْجَمَةِ، وَمُحَصَّلُ التَّرْجَمَةِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ صِيَغِ الْأَدَاءِ الصَّرِيحَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِظَاهِرٍ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ يُسْتَفَادُ مِنِ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ إِذَا اجْتَمَعَتْ طُرُقُهُ، فَإِنَّ لَفْظَ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ فَحَدَّثُونِي مَا هِيَ وَفِي رِوَايَةِ نَافِعٍ عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ فِي التَّفْسِيرِ أَخْبَرُونِي وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: أَنْبَؤُنِي وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْحَيَاءِ فِي الْعِلْمِ حَدَّثُونِي مَا هِيَ وَقَالَ فِيهَا فَقَالُوا أَخْبَرَنَا بِهَا فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ التَّحْدِيثَ وَالْإِخْبَارَ وَالْإِنْبَاءَ عِنْدَهُمْ سَوَاءٌ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَ أَهْلِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
السَّاعَةَ) الفاء للتَّفريع، أو جواب شرطٍ محذوفٍ، أي: إذا كان الأمر كذلك فانتظرِ السَّاعة، ولا يُقَال: هي جوابُ «إذا وُسِّدَ» لأنَّها لا تتضمَّن ههنا معنى الشَّرط، وقال ابن بطَّالٍ فيه: إنَّ الأئمَّة ائتمنهم الله على عباده، وفرض عليهم النُّصح، وإذا قلَّدوا الأمرَ غير (١) أهل الدِّين فقد ضيَّعوا الأمانة (٢).
وفيه: أنَّ السَّاعة لا تقوم حتَّى يُؤتَمن الخائن، وهذا إنَّما يكون إذا غلب الجُهَّال، وضَعُفَ أهلُ الحقِّ عن القيام به ونصرته. وفيه: وجوب تعليم السَّائل لقوله ﵊: «أين السَّائل؟». وفيه: مراجعةُ العالِم عند عدم فَهْم السَّائل (٣) لقوله: «كيف إضاعتها؟»، وهو ثُمَانيُّ (٤) الإسناد، ورجاله كلُّهم مدنيُّون، مع التَّحديث بالإفراد والجمع والعنعنة، وأخرجه المصنِّف أيضًا في «الرِّقاق» (٥) [خ¦٦٤٩٦] مُختصَرًا، وهو ممَّا انفرد به عن بقيَّة الكتب السِّتَّة.
(٣) هذا بالإضافة إلى قوله: (بابُ مَنْ) أي: الذي (رَفَعَ صَوْتَهُ بِالعِلْمِ) أي: بكلامٍ يدلُّ على العلم، فهو من باب إطلاق اسم المدلول على الدَّالِّ، وإلَّا فالعلم صفةٌ معنويَّةٌ لا يُتصوَّر رفع الصَّوت به.
٦٠ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ عَارِمُ بْنُ الفَضْلِ) واسمه: محمَّدٌ، وعارمٌ: لَقَبه، السَّدوسيُّ البصريُّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ أو أربعٍ وعشرين ومئتين، وسقط عند ابن عساكر
والأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ «عارم بن الفضل (١)» (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) بفتح العين المُهمَلَة؛ الوضَّاحُ اليشكريُّ (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر المُوحَّدة وسكون المُعجَمَة، جعفر بن إياسٍ اليشكريِّ، عُرِفَ بابن أبي (٢) وَحْشِيَّةَ الواسطيِّ الثِّقة، المُتوفَّى سنة أربعٍ وعشرين ومئةٍ (عَنْ يُوسُفَ) بتثليث السِّين المُهمَلَة مع الهمز وتركه (بْنِ مَاهَكَ) بفتح الهاء غير منصرفٍ للعلميَّة والعجمة؛ لأنَّ «ماهَكَ» بالفارسيَّة: تصغير «ماهٍ» وهو «القمر» بالعربيِّ، وقاعدتهم إذا صغَّروا الاسم جعلوا في آخره «الكاف»، وفي رواية الأَصيليِّ: «ماهِكٍ» بكسر الهاء والصَّرف لأنَّه لَاحَظ فيه معنى الصِّفة؛ لأنَّ التَّصغير من الصِّفات، والصِّفة لا تجامع العلميَّة لأنَّ بينهما تضادًّا، وحينئذٍ يصير الاسم بعلَّةٍ واحدةٍ، وهي غير مانعةٍ من الصَّرف، ورُوِيَ بكسر الهاء مصروفًا (٣)؛ اسم فاعلٍ من: مَهَكْت الشَّيء مَهْكًا إذا بالغت في سحقه، وعلى قول الدَّارقطنيِّ: إنَّ «ماهك» اسمُ أمِّه يتعيَّن عدم صرفه للعلميَّة والتَّأنيث، لكنِ الأكثرون على خلافه، وأنَّ اسمها: مُسيكة ابنة بُهْزٍ؛ بضمِّ المُوحَّدة وسكون الهاء وبالزَّاي، الفارسيِّ المكيِّ، المُتوفَّى سنة ثلاثَ عَشْرَة ومئةٍ، وقِيلَ غير ذلك (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) أي: ابن العاصي ﵄ (قَالَ: تَخَلَّفَ) أي: تأخَّر خلفَنا (النَّبِيُّ) ولأبي ذَرٍّ: «تخلَّف عنَّا النَّبيُّ» (ﷺ فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا) من مكَّة إلى المدينة كما في «مسلمٍ» (فَأَدْرَكَنَا) النَّبيُّ ﷺ، أي: لَحِقَ بنا؛ وهو بفتح الكاف (وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا) بتأنيث الفعل، أي: غشيتنا (الصَّلَاةُ) بالرَّفع على الفاعليَّة، أي: وقت صلاة العصر كما في «مسلمٍ»، وفي روايةٍ: «أرهَقْنا» بالتَّذكير وسكون القاف؛ لأنَّ تأنيث
الصَّلاة غير حقيقيٍّ، و «الصَّلاةَ» بالنَّصب على المفعوليَّة، أي: أخَّرناها، وحينئذٍ فـ «نا» ضمير رفعٍ، وفي الرِّواية الأولى: ضمير نصبٍ (وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ): جملةٌ اسميَّةٌ وقعت حالًا (فَجَعَلْنَا) أي: كدنا (نَمْسَحُ) أي: نغسل غسلًا خفيفًا، أي: مبقعًا حتَّى يُرَى كأنَّه مسحٌ (عَلَى أَرْجُلِنَا) جمع رِجْلٍ؛ لمقابلة الجمع، وإلَّا؛ فليس لكلٍّ إلَّا رِجْلان، ولا يُقَال: يلزم أن يكون لكلِّ واحدٍ رِجْلٌ واحدةٌ؛ لأنَّا نقول: المُرَاد جنس الرِّجْل، سواءٌ كانت واحدةً أو اثنتين (فَنَادَى) ﵊ (بِأَعْلَى صَوْتِهِ: وَيْلٌ) بالرَّفع على الابتداء؛ وهي كلمة عذابٍ وهلاكٍ (لِلأَعْقَابِ) جمع عقبٍ؛ وهو المستأخّر الذي يمسك شراك النَّعل، أي: ويلٌ لأصحاب الأعقاب المقصِّرين في غسلها، أو «العقب» هي المخصوصة بالعقوبة (مِنَ النَّارِ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) شَكٌّ منِ ابنِ عمرٍو، و «ال» في «الأعقاب» للعهد، والمُرَاد: الأعقاب التي رآها لم يَنَلْهَا المطهِّر، ويحتمل ألَّا يختصَّ بتلك الأعقاب المرئيَّة له، بلِ المُرَادُ كلُّ عقبٍ لم يعمَّها الماءُ، فتكون عهديَّةً جنسيَّةً.
(٤) (باب قَوْلِ المُحَدِّثِ) أي: الذي يحدِّث غيره: (حَدَّثَنَا أَوْ أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ (١) وغيره: «وأخبرنا» (وَأَنْبَأَنَا) (٢) هل بينها (٣) فرقٌ أو الكلُّ واحدٌ؟ ولكريمة بإسقاط: «وأنبأنا»، وللأَصيليِّ بإسقاط: «وأخبرنا» (٤)، وثبت الجميع في رواية أبي ذرٍّ (وقَالَ الحُمَيْدِيُّ) بضمِّ المُهمَلَة وفتح الميم فياءِ تصغيرٍ وياءِ نسبةٍ، أبو بكر (٥) عبد الله بن الزُّبير المكِّيُّ، المذكور أوَّل الكتاب [خ¦١]: (كَانَ عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ) سفيان، وللأَصيليِّ وكريمة: «وقال لنا الحُمَيْدِيُّ» وكذا ذكره أبو نعيمٍ في «المُستخرَج» فهو متَّصلٌ، وأفاد جعفر بن حمدان (٦) النَّيسابوريُّ: أنَّ كلَّ ما في البخاريِّ من «قال لي فلانٌ» فهو عَرْضٌ أو (٧) مناولةٌ (حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا وَأَنْبَأَنَا وَسَمِعْتُ وَاحِدًا) لا فرق بين هذه الألفاظ الأربعة عند المؤلِّف (٨) كما يعطيه قوَّة تخصيصه
بذكره عن شيخه الحُمَيْدِيِّ من غير ذكر ما يخالفه، وهو مرويٌّ أيضًا عن مالكٍ، والحسن البصريِّ، ويحيى بن سعيدٍ القطَّان، ومُعظَم الكوفيِّين والحجازيِّين، وممَّن رواه أيضًا (١) عن مالكٍ: إسماعيلُ ابن أبي أُويسٍ، فإنَّه قال: إنَّه سُئِل عن حديثٍ أسماعٌ هو؟ فقال: منه سماعٌ، ومنه عَرْضٌ، وليس العرض عندنا بأدنى من السَّماع، وقال القاضي عياضٌ: لا خلاف أنَّه يجوز في السَّماع من لفظ الشَّيخ أن يقول السَّامع فيه: حدَّثنا، وأخبرنا، وأنبأنا، وسمعته يقول، وقال لنا فلانٌ، وذكر لنا فلانٌ، وإليه مال الطَّحاويُّ، وصحَّح هذا المذهب ابنُ الحاجب، ونقل هو وغيره: أنَّه مذهبُ الأئمَّة الأربعة، ومنهم مَنْ رأى إطلاق ذلك؛ حيث يقرأ الشَّيخ من لفظه، وتقييده حيث (٢) يقرأ عليه، وهو مذهب إسحاق بن رَاهُوْيَه، والنَّسائيِّ، وابن حبَّان، وابن منده، وغيرهم، وقال آخرون: بالتَّفرقة بين الصِّيغ بحسب افتراق (٣) التَّحمُّل، فلِمَا سمعه من لفظ الشَّيخ: سمعت أو حدَّثنا، ولما قرأه على الشَّيخ: أخبرنا، والأَحْوَط: الإفصاح بصورة الواقع، فيقول إن كان قرأ: قرأت على فلانٍ، أو: أخبرنا بقراءتي عليه، وإن كان سمع: قرأ عليَّ فلانٌ وأنا أسمع، أو: أخبرنا فلانٌ قراءةً عليه وأنا أسمع، وأنبأنا ونبَّأنا -بالتَّشديد- للإجازة التي يشافه بها الشَّيخ من يجيزه (٤)، وهذا مذهب ابن جريجٍ، والأوزاعيِّ، وابن وهبٍ، وجمهور أهل المشرق، ثمَّ أحدث أتباعهم تفصيلًا آخر؛ فمن سمع وحده من لفظ الشَّيخ أَفردَ فقال: حدَّثني، ومن سمع مع غيره جَمَعَ فقال: حدَّثنا، ومن قرأ بنفسه على الشَّيخ أفرد فقال: أخبرني، ومن سمع بقراءة غيره جَمَعَ فقال: أخبرنا، وأمَّا «قال لنا» أو «قال لي» أو (٥) «ذكر لنا» و «ذكر لي» ففيما سمع في (٦) حال المُذاكَرَة، وجزم ابن منده بأنَّه للإجازة، وكذا قال أبو يعقوب الحافظ، وقال جعفر بن حمدان (٧): إنَّه عَرْضٌ
ومُناوَلَةٌ، قال في «فتح المغيث»: وهو على تقدير تسليمه منهم له حكم الاتِّصال أيضًا على رأي الجمهور، لكنَّه مردودٌ عليهم، فقد أخرج البخاريُّ في «الصَّوم» من «صحيحه» [خ¦١٩٣٣] حديث أبي هريرة فقال: قال: «إذا نسي أحدكم فأكل أو شرب … »، فقال فيه: «حدَّثنا عبدان»، وأورده في «تاريخه» بصيغة: «قال لي عبدان»، وكذا (١) أورد حديثًا (٢) في «التَّفسير» من «صحيحه» عن إبراهيم بن موسى بصيغة «التَّحديث» [خ¦٤٩١٢] ثم أورده في «الأيمان والنُّذور» منه أيضًا بصيغة: «قال لي إبراهيم بن موسى» [خ¦٦٦٩١] في أمثلةٍ كثيرةٍ، قال: وحقَّقه شيخنا باستقرائه لها أنَّه إنَّما يأتي بهذه الصِّيغة -يعني: بانفرادها- إذا كان المتن ليس على شرطه في أصل موضوع كتابه، كأنْ يكون (٣) ظاهره الوقف، أو في السَّند من ليس على شرطه في الاحتجاج، وذلك في المُتابَعات والشَّواهد، وإنَّما خصُّوا قراءة الشَّيخ بـ «حدَّثنا» لقوَّة إشعاره بالنُّطق والمُشافَهَة، وينبغي مُلاحَظَة هذا الاصطلاح لِئلَّا يختلط المسموع بالمُجَاز، قال الإسفراينيُّ: لا يجوز فيما قرأ أو سمع أن يقول: «حدَّثنا»، ولا فيما سمع لفظًا أن يقول: «أخبرنا» إذ بينهما فرقٌ ظاهرٌ، ومن لم يحفظ ذلك على نفسه كان من المدلِّسين.
ثمَّ عطف المؤلِّف ثلاثةَ تعاليقَ يؤيِّد بها مذهبه في التَّسوية بين الصِّيغ الأربعة، فقال: (وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ) عبد الله ﵁: (حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ) في نفس الأمر (المَصْدُوقُ) بالنِّسبة إلى الله تعالى، أو إلى النَّاس، أو بالنِّسبة إلى ما قاله غيره (٤)، أي: جبريل له، وهذا طرفٌ من حديث وصله المؤلِّف في «القدر» [خ¦٦٥٩٤] (وَقَالَ شَقِيقٌ) بفتح المُعجَمَة، أبو وائلٌ السَّابق في «باب خوف المؤمن أن يحبط عمله» من «كتاب الإيمان» [خ¦٤٨]: (عَنْ عَبْدِ اللهِ) أي: ابن مسعودٍ،
وإذا أُطلِق؛ كان هو المُراد من بين العبادلة (سَمِعْتُ النَّبِيَّ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «سمعت مِنَ النَّبيِّ» (ﷺ كَلِمَةً) وهذا وصله المؤلِّف في «الجنائز» [خ¦١٢٣٨] (وَقَالَ حُذَيْفَةُ) بن اليمان، صاحب سرِّ رسول الله ﷺ في المنافقين، المُتوفَّى بالمدائن سنة ستٍّ وثلاثين، بعد قتل عثمان ﵁ بأربعين ليلةً، ومقول قوله: (حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ) وهذا وصله المؤلِّف في «الرِّقاق» [خ¦٦٤٩٧] وساق التَّعاليق الثَّلاثة تنبيهًا على أنَّ الصَّحابيَّ تارةً يقول: «حدَّثنا» وتارةً يقول: «سمعت»، فدلَّ على عدم الفرق بينهما.
ثمَّ عطف على هذه الثَّلاثة (١) ثلاثةً (٢) أخرى، فقال: (وَقَالَ أَبُو العَالِيَةِ) بالمُهمَلَة والمُثنَّاة التَّحتيَّة؛ هو رُفَيعٌ -بضمِّ الرَّاء وفتح الفاء- ابن مِهران -بكسر الميم- الرِّياحيُّ؛ بالمُثنَّاة التَّحتيَّة والحاء المُهمَلة، أسلم بعد موته ﷺ بسنتين، وتُوفِّي سنة تسعين (٣)، وقال العينيُّ -كالقطب الحلبيِّ-: هو البرَّاء؛ بتشديد الرَّاء نسبةً لبري النَّبل، واسمه: زياد بن فيروزٍ القرشيُّ البصريُّ، المُتوفَّى سنة تسعين، قال ابن حجرٍ: وهو وهمٌ؛ فإنَّ الحديث المذكور معروفٌ برواية الرِّياحيِّ دونه، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يروي عن ابن عبَّاسٍ، وترجيح أحدهما على (٤) الآخر في رواية هذا الحديث عن ابن عبَّاسٍ يحتاج إلى دليلٍ، وبأنَّ قوله: «فإنَّ الحديث المذكور معروفٌ برواية الرِّياحيِّ دونه» يحتاج إلى نقلٍ عن أحدٍ يُعتمَد عليه، وأجاب في «انتقاض الاعتراض»: بأنَّ المصنِّف وصله في «التَّوحيد» [خ¦٧٥٣٦] [خ¦٧٥٣٨] [خ¦٧٥٣٩] ولو راجعه العينيُّ من هناك لَمَا احتاج إلى طلب الدَّليل (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مَيْمُونَةَ وَهِلَالُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ، فَقَدْ يُظَنُّ ثَلَاثَةً، وهو وَاحِدٌ، وهو مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ، وَشَيْخُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَوْسَاطِهِمْ.
قَوْلُهُ: (يُحَدِّثُ) هُوَ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ وَحُذِفَ مَفْعُولُهُ الثَّانِي لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ. وَالْقَوْمُ الرِّجَالُ. وَقَدْ يَدْخُلُ فِيهِ النِّسَاءُ تَبَعًا.
قَوْلُهُ: (جَاءَ أَعْرَابِيٌّ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ.
قَوْلُهُ: (فَمَضَى) أَيِ: اسْتَمَرَّ يُحَدِّثُهُ، كَذَا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْحَمَوِيِّ بِزِيَادَةِ هَاءٍ، وَلَيْسَتْ فِي رِوَايَةِ الْبَاقِينَ، وَإِنْ ثَبَتَتْ فَالْمَعْنَى يُحَدِّثُ الْقَوْمَ الْحَدِيثَ الَّذِي كَانَ فِيهِ وَلَيْسَ الضَّمِيرُ عَائِدًا عَلَى الْأَعْرَابِيِّ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ سَمِعَ مَا قَالَ) إِنَّمَا حَصَلَ لَهُمُ التَّرَدُّدُ فِي ذَلِكَ لِمَا ظَهَرَ مِنْ عَدَمِ الْتِفَاتِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى سُؤَالِهِ وَإِصْغَائِهِ نَحْوَهُ ; وَلِكَوْنِهِ كَانَ يَكْرَهُ السُّؤَالَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِخُصُوصِهَا، وَقَدْ تَبَيَّنَ عَدَمُ انْحِصَارِ تَرْكِ الْجَوَابِ فِي الْأَمْرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، بَلِ احْتَمَلَ كَمَا تَقَدَّمَ أَنْ يَكُونَ أَخَّرَهُ لِيُكْمِلَ الْحَدِيثَ الَّذِي هُوَ فِيهِ، أَوْ أَخَّرَ جَوَابَهُ لِيُوحِيَ إِلَيْهِ بِهِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ: أَيْنَ أُرَاهُ السَّائِلُ) بِالرَّفْعِ عَلَى الْحِكَايَةِ، وَأُرَاهُ بِالضَّمِّ أَيْ: أَظُنُّهُ، وَالشَّكُّ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُلَيْحٍ. وَرَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ وَغَيْرُهُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ فُلَيْحٍ وَلَفْظُهُ: أَيْنَ السَّائِلُ وَلَمْ يَشُكَّ.
قَوْلُهُ: (إِذَا وُسِّدَ) أَيْ: أُسْنِدَ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْوِسَادَةِ، وَكَانَ مِنْ شَأْنِ الْأَمِيرِ عِنْدَهُمْ إِذَا جَلَسَ أَنْ تُثْنَى تَحْتَهُ وِسَادَةٌ، فَقَوْلُهُ: وُسِّدَ أَيْ: جُعِلَ لَهُ غَيْرُ أَهْلِهِ وِسَادًا، فَتَكُونُ إِلَى بِمَعْنَى اللَّامِ وَأَتَى بِهَا لِيَدُلَّ عَلَى تَضْمِينِ مَعْنَى أُسْنِدَ. وَلَفْظُ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ فِي الرِّقَاقِ إِذَا أُسْنِدَ وَكَذَا رَوَاهُ يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُ عَنْ فُلَيْحٍ.
وَمُنَاسَبَةُ هَذَا الْمَتْنِ لِكِتَابِ الْعِلْمِ أَنَّ إِسْنَادَ الْأَمْرِ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ غَلَبَةِ الْجَهْلِ وَرَفْعِ الْعِلْمِ، وَذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَشْرَاطِ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْعِلْمَ مَا دَامَ قَائِمًا فَفِي الْأَمْرِ فُسْحَةٌ. وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْعِلْمَ إِنَّمَا يُؤْخَذُ عَنِ الْأَكَابِرِ، تَلْمِيحًا لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الْجُمَحِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُلْتَمَسَ الْعِلْمُ عِنْدَ الْأَصَاغِرِ وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٣ - بَاب مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْعِلْمِ
٦٠ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ عَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ قال: حدثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ ﷺ فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلَاةُ وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ، وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا.
[الحديث ٦٠ - طرفاه في: ١٦٣، ٩٦]
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْعِلْمِ. حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانَ) زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ عَنْهُ: عَارُمُ بْنُ الْفَضْلِ، وَعَارِمٌ لَقَبٌ، واسمه مُحَمَّدٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَةِ.
قَوْلُهُ: (مَاهَكُ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَحُكِيَ كَسْرُهَا، وهو غَيْرُ مُنْصَرِفٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالْعُجْمَةِ، وَرَوَاهُ الْأَصِيلِيُّ مُنْصَرِفًا فَكَأَنَّهُ لَحَظَ فِيهِ الْوَصْفَ. وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى جَوَازِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْعِلْمِ بِقَوْلِهِ: فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ وَإِنَّمَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَالُ بِذَلِكَ حَيْثُ تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ لِبُعْدٍ أَوْ كَثْرَةِ جَمْعٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ مَا إِذَا كَانَ فِي مَوْعِظَةٍ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَطَبَ وَذَكَرَ السَّاعَةَ اشْتَدَّ غَضَبُهُ وَعَلَا صَوْتُهُ. . . الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ فِي مَعْنَاهُ وَزَادَ حَتَّى لَوْ أَنَّ رَجُلًا بِالسُّوقِ لَسَمِعَهُ وَاسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ إِعَادَةِ الْحَدِيثِ لِيُفْهَمَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَبَاحِثِ الْمَتْنِ فِي كِتَابِ الْوُضُوءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: فِي هَذَا التَّبْوِيبِ رَمْزٌ مِنَ الْمُصَنِّفِ إِلَى أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَبْلُغَ الْغَايَةَ فِي تَدْوِينِ
هَذَا الْكِتَابِ بِأَنْ يَسْتَفْرِغَ وُسْعَهُ فِي حُسْنِ تَرْتِيبِهِ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
٤ - بَاب قَوْلِ الْمُحَدِّثِ حَدَّثَنَا أو أَخْبَرَنَا وَأَنْبَأَنَا
وَقَالَ لَنَا الْحُمَيْدِيُّ: كَانَ عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ: حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا، وَأَنْبَأَنَا، وَسَمِعْتُ وَاحِدًا، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهو الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ وَقَالَ شَقِيقٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ كَلِمَةً وَقَالَ حُذَيْفَةُ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ، وَقَالَ أَنَسٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ ﷿، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّكُمْ ﷿
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ الْمُحَدِّثِ حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا وَأَنْبَأَنَا) قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى أَنَّهُ بَنَى كِتَابَهُ عَلَى الْمُسْنَدَاتِ الْمَرْوِيَّاتِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. قُلْتُ: وَمُرَادُهُ: هَلْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ أَمْ لَا؟ وَإِيرَادُهُ قَوْلَ ابْنِ عُيَيْنَةَ دُونَ غَيْرِهِ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ مُخْتَارُهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ) فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيِّ: وَقَالَ لَنَا الْحُمَيْدِيُّ: وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ، فَهُوَ مُتَّصِلٌ. وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ كَرِيمَةَ قَوْلُهُ: وَأَنْبَأَنَا وَمِنْ رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ قَوْلُهُ: أَخْبَرَنَا وَثَبَتَ الْجَمِيعُ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ) هَذَا التَّعْلِيقُ طَرَفٌ مِنَ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ فِي خَلْقِ الْجَنِينِ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ شَقِيقٌ) هُوَ أَبُو وَائِلٍ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ، سَيَأْتِي مَوْصُولًا أَيْضًا حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ، وَيَأْتِي أَيْضًا حَدِيثُ حُذَيْفَةَ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ. وَمُرَادُهُ مِنْ هَذِهِ التَّعَالِيقِ أَنَّ الصَّحَابِيَّ قَالَ تَارَةً حَدَّثَنَا وَتَارَةً سَمِعْتُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الصِّيَغِ. وَأَمَّا أَحَادِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي رِوَايَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ رَبِّهِ فَقَدْ وَصَلَهَا فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ، وَأَرَادَ بِذِكْرِهَا هُنَا التَّنْبِيهَ عَلَى الْعَنْعَنَةِ، وَأَنَّ حُكْمَهَا الْوَصْلُ عِنْدَ ثُبُوتِ اللُّقِيِّ، وَأَشَارَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ رَشِيدٍ إِلَى أَنَّ رِوَايَةَ النَّبِيِّ ﷺ إِنَّمَا هِيَ عَنْ رَبِّهِ سَوَاءٌ صَرَّحَ الصَّحَابِيُّ بِذَلِكَ أَمْ لَا، وَيَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورُ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِيهِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ عَنْ رَبِّهِ وَلَكِنَّهُ اخْتِصَارٌ فَيَحْتَاجُ إِلَى التَّقْدِيرِ. قُلْتُ: وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْحُكْمِ بِصِحَّةِ مَا كَانَ ذَلِكَ سَبِيلَهُ صِحَّةُ الِاحْتِجَاجِ بِمَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ ; لِأَنَّ الْوَاسِطَةَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ رَبِّهِ فِيمَا لَمْ يُكَلِّمْهُ بِهِ مِثْلُ لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ جِبْرِيلٌ، وهو مَقْبُولٌ قَطْعًا، وَالْوَاسِطَةُ بَيْنَ الصَّحَابِيِّ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ مَقْبُولٌ اتِّفَاقًا، وهو صَحَابِيٌّ آخَرُ، وَهَذَا فِي أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ دُونَ غَيْرِهَا، فَإِنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ رُبَّمَا حَمَلَهَا عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ مِثْلَ كَعْبِ الْأَحْبَارِ.
(تَنْبِيهٌ): أَبُو الْعَالِيَةِ الْمَذْكُورُ هُنَا هُوَ الرِّيَاحِيُّ بِالْيَاءِ الْأَخِيرَةِ، واسمه رُفَيْعٌ بِضَمِّ الرَّاءِ. مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ الْبَرَّاءُ بِالرَّاءِ الثَّقِيلَةِ فَقَدْ وَهَمَ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ مَعْرُوفٌ بِرِوَايَةِ الرِّيَاحِيِّ دُونَهُ. فَإِنْ قِيلَ: فَمِنْ أَيْنَ تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لِلتَّرْجَمَةِ، وَمُحَصَّلُ التَّرْجَمَةِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ صِيَغِ الْأَدَاءِ الصَّرِيحَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِظَاهِرٍ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ يُسْتَفَادُ مِنِ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ إِذَا اجْتَمَعَتْ طُرُقُهُ، فَإِنَّ لَفْظَ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ فَحَدَّثُونِي مَا هِيَ وَفِي رِوَايَةِ نَافِعٍ عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ فِي التَّفْسِيرِ أَخْبَرُونِي وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: أَنْبَؤُنِي وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْحَيَاءِ فِي الْعِلْمِ حَدَّثُونِي مَا هِيَ وَقَالَ فِيهَا فَقَالُوا أَخْبَرَنَا بِهَا فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ التَّحْدِيثَ وَالْإِخْبَارَ وَالْإِنْبَاءَ عِنْدَهُمْ سَوَاءٌ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَ أَهْلِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
السَّاعَةَ) الفاء للتَّفريع، أو جواب شرطٍ محذوفٍ، أي: إذا كان الأمر كذلك فانتظرِ السَّاعة، ولا يُقَال: هي جوابُ «إذا وُسِّدَ» لأنَّها لا تتضمَّن ههنا معنى الشَّرط، وقال ابن بطَّالٍ فيه: إنَّ الأئمَّة ائتمنهم الله على عباده، وفرض عليهم النُّصح، وإذا قلَّدوا الأمرَ غير (١) أهل الدِّين فقد ضيَّعوا الأمانة (٢).
وفيه: أنَّ السَّاعة لا تقوم حتَّى يُؤتَمن الخائن، وهذا إنَّما يكون إذا غلب الجُهَّال، وضَعُفَ أهلُ الحقِّ عن القيام به ونصرته. وفيه: وجوب تعليم السَّائل لقوله ﵊: «أين السَّائل؟». وفيه: مراجعةُ العالِم عند عدم فَهْم السَّائل (٣) لقوله: «كيف إضاعتها؟»، وهو ثُمَانيُّ (٤) الإسناد، ورجاله كلُّهم مدنيُّون، مع التَّحديث بالإفراد والجمع والعنعنة، وأخرجه المصنِّف أيضًا في «الرِّقاق» (٥) [خ¦٦٤٩٦] مُختصَرًا، وهو ممَّا انفرد به عن بقيَّة الكتب السِّتَّة.
(٣) هذا بالإضافة إلى قوله: (بابُ مَنْ) أي: الذي (رَفَعَ صَوْتَهُ بِالعِلْمِ) أي: بكلامٍ يدلُّ على العلم، فهو من باب إطلاق اسم المدلول على الدَّالِّ، وإلَّا فالعلم صفةٌ معنويَّةٌ لا يُتصوَّر رفع الصَّوت به.
٦٠ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ عَارِمُ بْنُ الفَضْلِ) واسمه: محمَّدٌ، وعارمٌ: لَقَبه، السَّدوسيُّ البصريُّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ أو أربعٍ وعشرين ومئتين، وسقط عند ابن عساكر
والأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ «عارم بن الفضل (١)» (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) بفتح العين المُهمَلَة؛ الوضَّاحُ اليشكريُّ (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر المُوحَّدة وسكون المُعجَمَة، جعفر بن إياسٍ اليشكريِّ، عُرِفَ بابن أبي (٢) وَحْشِيَّةَ الواسطيِّ الثِّقة، المُتوفَّى سنة أربعٍ وعشرين ومئةٍ (عَنْ يُوسُفَ) بتثليث السِّين المُهمَلَة مع الهمز وتركه (بْنِ مَاهَكَ) بفتح الهاء غير منصرفٍ للعلميَّة والعجمة؛ لأنَّ «ماهَكَ» بالفارسيَّة: تصغير «ماهٍ» وهو «القمر» بالعربيِّ، وقاعدتهم إذا صغَّروا الاسم جعلوا في آخره «الكاف»، وفي رواية الأَصيليِّ: «ماهِكٍ» بكسر الهاء والصَّرف لأنَّه لَاحَظ فيه معنى الصِّفة؛ لأنَّ التَّصغير من الصِّفات، والصِّفة لا تجامع العلميَّة لأنَّ بينهما تضادًّا، وحينئذٍ يصير الاسم بعلَّةٍ واحدةٍ، وهي غير مانعةٍ من الصَّرف، ورُوِيَ بكسر الهاء مصروفًا (٣)؛ اسم فاعلٍ من: مَهَكْت الشَّيء مَهْكًا إذا بالغت في سحقه، وعلى قول الدَّارقطنيِّ: إنَّ «ماهك» اسمُ أمِّه يتعيَّن عدم صرفه للعلميَّة والتَّأنيث، لكنِ الأكثرون على خلافه، وأنَّ اسمها: مُسيكة ابنة بُهْزٍ؛ بضمِّ المُوحَّدة وسكون الهاء وبالزَّاي، الفارسيِّ المكيِّ، المُتوفَّى سنة ثلاثَ عَشْرَة ومئةٍ، وقِيلَ غير ذلك (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) أي: ابن العاصي ﵄ (قَالَ: تَخَلَّفَ) أي: تأخَّر خلفَنا (النَّبِيُّ) ولأبي ذَرٍّ: «تخلَّف عنَّا النَّبيُّ» (ﷺ فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا) من مكَّة إلى المدينة كما في «مسلمٍ» (فَأَدْرَكَنَا) النَّبيُّ ﷺ، أي: لَحِقَ بنا؛ وهو بفتح الكاف (وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا) بتأنيث الفعل، أي: غشيتنا (الصَّلَاةُ) بالرَّفع على الفاعليَّة، أي: وقت صلاة العصر كما في «مسلمٍ»، وفي روايةٍ: «أرهَقْنا» بالتَّذكير وسكون القاف؛ لأنَّ تأنيث
الصَّلاة غير حقيقيٍّ، و «الصَّلاةَ» بالنَّصب على المفعوليَّة، أي: أخَّرناها، وحينئذٍ فـ «نا» ضمير رفعٍ، وفي الرِّواية الأولى: ضمير نصبٍ (وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ): جملةٌ اسميَّةٌ وقعت حالًا (فَجَعَلْنَا) أي: كدنا (نَمْسَحُ) أي: نغسل غسلًا خفيفًا، أي: مبقعًا حتَّى يُرَى كأنَّه مسحٌ (عَلَى أَرْجُلِنَا) جمع رِجْلٍ؛ لمقابلة الجمع، وإلَّا؛ فليس لكلٍّ إلَّا رِجْلان، ولا يُقَال: يلزم أن يكون لكلِّ واحدٍ رِجْلٌ واحدةٌ؛ لأنَّا نقول: المُرَاد جنس الرِّجْل، سواءٌ كانت واحدةً أو اثنتين (فَنَادَى) ﵊ (بِأَعْلَى صَوْتِهِ: وَيْلٌ) بالرَّفع على الابتداء؛ وهي كلمة عذابٍ وهلاكٍ (لِلأَعْقَابِ) جمع عقبٍ؛ وهو المستأخّر الذي يمسك شراك النَّعل، أي: ويلٌ لأصحاب الأعقاب المقصِّرين في غسلها، أو «العقب» هي المخصوصة بالعقوبة (مِنَ النَّارِ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) شَكٌّ منِ ابنِ عمرٍو، و «ال» في «الأعقاب» للعهد، والمُرَاد: الأعقاب التي رآها لم يَنَلْهَا المطهِّر، ويحتمل ألَّا يختصَّ بتلك الأعقاب المرئيَّة له، بلِ المُرَادُ كلُّ عقبٍ لم يعمَّها الماءُ، فتكون عهديَّةً جنسيَّةً.
(٤) (باب قَوْلِ المُحَدِّثِ) أي: الذي يحدِّث غيره: (حَدَّثَنَا أَوْ أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ (١) وغيره: «وأخبرنا» (وَأَنْبَأَنَا) (٢) هل بينها (٣) فرقٌ أو الكلُّ واحدٌ؟ ولكريمة بإسقاط: «وأنبأنا»، وللأَصيليِّ بإسقاط: «وأخبرنا» (٤)، وثبت الجميع في رواية أبي ذرٍّ (وقَالَ الحُمَيْدِيُّ) بضمِّ المُهمَلَة وفتح الميم فياءِ تصغيرٍ وياءِ نسبةٍ، أبو بكر (٥) عبد الله بن الزُّبير المكِّيُّ، المذكور أوَّل الكتاب [خ¦١]: (كَانَ عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ) سفيان، وللأَصيليِّ وكريمة: «وقال لنا الحُمَيْدِيُّ» وكذا ذكره أبو نعيمٍ في «المُستخرَج» فهو متَّصلٌ، وأفاد جعفر بن حمدان (٦) النَّيسابوريُّ: أنَّ كلَّ ما في البخاريِّ من «قال لي فلانٌ» فهو عَرْضٌ أو (٧) مناولةٌ (حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا وَأَنْبَأَنَا وَسَمِعْتُ وَاحِدًا) لا فرق بين هذه الألفاظ الأربعة عند المؤلِّف (٨) كما يعطيه قوَّة تخصيصه
بذكره عن شيخه الحُمَيْدِيِّ من غير ذكر ما يخالفه، وهو مرويٌّ أيضًا عن مالكٍ، والحسن البصريِّ، ويحيى بن سعيدٍ القطَّان، ومُعظَم الكوفيِّين والحجازيِّين، وممَّن رواه أيضًا (١) عن مالكٍ: إسماعيلُ ابن أبي أُويسٍ، فإنَّه قال: إنَّه سُئِل عن حديثٍ أسماعٌ هو؟ فقال: منه سماعٌ، ومنه عَرْضٌ، وليس العرض عندنا بأدنى من السَّماع، وقال القاضي عياضٌ: لا خلاف أنَّه يجوز في السَّماع من لفظ الشَّيخ أن يقول السَّامع فيه: حدَّثنا، وأخبرنا، وأنبأنا، وسمعته يقول، وقال لنا فلانٌ، وذكر لنا فلانٌ، وإليه مال الطَّحاويُّ، وصحَّح هذا المذهب ابنُ الحاجب، ونقل هو وغيره: أنَّه مذهبُ الأئمَّة الأربعة، ومنهم مَنْ رأى إطلاق ذلك؛ حيث يقرأ الشَّيخ من لفظه، وتقييده حيث (٢) يقرأ عليه، وهو مذهب إسحاق بن رَاهُوْيَه، والنَّسائيِّ، وابن حبَّان، وابن منده، وغيرهم، وقال آخرون: بالتَّفرقة بين الصِّيغ بحسب افتراق (٣) التَّحمُّل، فلِمَا سمعه من لفظ الشَّيخ: سمعت أو حدَّثنا، ولما قرأه على الشَّيخ: أخبرنا، والأَحْوَط: الإفصاح بصورة الواقع، فيقول إن كان قرأ: قرأت على فلانٍ، أو: أخبرنا بقراءتي عليه، وإن كان سمع: قرأ عليَّ فلانٌ وأنا أسمع، أو: أخبرنا فلانٌ قراءةً عليه وأنا أسمع، وأنبأنا ونبَّأنا -بالتَّشديد- للإجازة التي يشافه بها الشَّيخ من يجيزه (٤)، وهذا مذهب ابن جريجٍ، والأوزاعيِّ، وابن وهبٍ، وجمهور أهل المشرق، ثمَّ أحدث أتباعهم تفصيلًا آخر؛ فمن سمع وحده من لفظ الشَّيخ أَفردَ فقال: حدَّثني، ومن سمع مع غيره جَمَعَ فقال: حدَّثنا، ومن قرأ بنفسه على الشَّيخ أفرد فقال: أخبرني، ومن سمع بقراءة غيره جَمَعَ فقال: أخبرنا، وأمَّا «قال لنا» أو «قال لي» أو (٥) «ذكر لنا» و «ذكر لي» ففيما سمع في (٦) حال المُذاكَرَة، وجزم ابن منده بأنَّه للإجازة، وكذا قال أبو يعقوب الحافظ، وقال جعفر بن حمدان (٧): إنَّه عَرْضٌ
ومُناوَلَةٌ، قال في «فتح المغيث»: وهو على تقدير تسليمه منهم له حكم الاتِّصال أيضًا على رأي الجمهور، لكنَّه مردودٌ عليهم، فقد أخرج البخاريُّ في «الصَّوم» من «صحيحه» [خ¦١٩٣٣] حديث أبي هريرة فقال: قال: «إذا نسي أحدكم فأكل أو شرب … »، فقال فيه: «حدَّثنا عبدان»، وأورده في «تاريخه» بصيغة: «قال لي عبدان»، وكذا (١) أورد حديثًا (٢) في «التَّفسير» من «صحيحه» عن إبراهيم بن موسى بصيغة «التَّحديث» [خ¦٤٩١٢] ثم أورده في «الأيمان والنُّذور» منه أيضًا بصيغة: «قال لي إبراهيم بن موسى» [خ¦٦٦٩١] في أمثلةٍ كثيرةٍ، قال: وحقَّقه شيخنا باستقرائه لها أنَّه إنَّما يأتي بهذه الصِّيغة -يعني: بانفرادها- إذا كان المتن ليس على شرطه في أصل موضوع كتابه، كأنْ يكون (٣) ظاهره الوقف، أو في السَّند من ليس على شرطه في الاحتجاج، وذلك في المُتابَعات والشَّواهد، وإنَّما خصُّوا قراءة الشَّيخ بـ «حدَّثنا» لقوَّة إشعاره بالنُّطق والمُشافَهَة، وينبغي مُلاحَظَة هذا الاصطلاح لِئلَّا يختلط المسموع بالمُجَاز، قال الإسفراينيُّ: لا يجوز فيما قرأ أو سمع أن يقول: «حدَّثنا»، ولا فيما سمع لفظًا أن يقول: «أخبرنا» إذ بينهما فرقٌ ظاهرٌ، ومن لم يحفظ ذلك على نفسه كان من المدلِّسين.
ثمَّ عطف المؤلِّف ثلاثةَ تعاليقَ يؤيِّد بها مذهبه في التَّسوية بين الصِّيغ الأربعة، فقال: (وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ) عبد الله ﵁: (حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ) في نفس الأمر (المَصْدُوقُ) بالنِّسبة إلى الله تعالى، أو إلى النَّاس، أو بالنِّسبة إلى ما قاله غيره (٤)، أي: جبريل له، وهذا طرفٌ من حديث وصله المؤلِّف في «القدر» [خ¦٦٥٩٤] (وَقَالَ شَقِيقٌ) بفتح المُعجَمَة، أبو وائلٌ السَّابق في «باب خوف المؤمن أن يحبط عمله» من «كتاب الإيمان» [خ¦٤٨]: (عَنْ عَبْدِ اللهِ) أي: ابن مسعودٍ،
وإذا أُطلِق؛ كان هو المُراد من بين العبادلة (سَمِعْتُ النَّبِيَّ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «سمعت مِنَ النَّبيِّ» (ﷺ كَلِمَةً) وهذا وصله المؤلِّف في «الجنائز» [خ¦١٢٣٨] (وَقَالَ حُذَيْفَةُ) بن اليمان، صاحب سرِّ رسول الله ﷺ في المنافقين، المُتوفَّى بالمدائن سنة ستٍّ وثلاثين، بعد قتل عثمان ﵁ بأربعين ليلةً، ومقول قوله: (حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ) وهذا وصله المؤلِّف في «الرِّقاق» [خ¦٦٤٩٧] وساق التَّعاليق الثَّلاثة تنبيهًا على أنَّ الصَّحابيَّ تارةً يقول: «حدَّثنا» وتارةً يقول: «سمعت»، فدلَّ على عدم الفرق بينهما.
ثمَّ عطف على هذه الثَّلاثة (١) ثلاثةً (٢) أخرى، فقال: (وَقَالَ أَبُو العَالِيَةِ) بالمُهمَلَة والمُثنَّاة التَّحتيَّة؛ هو رُفَيعٌ -بضمِّ الرَّاء وفتح الفاء- ابن مِهران -بكسر الميم- الرِّياحيُّ؛ بالمُثنَّاة التَّحتيَّة والحاء المُهمَلة، أسلم بعد موته ﷺ بسنتين، وتُوفِّي سنة تسعين (٣)، وقال العينيُّ -كالقطب الحلبيِّ-: هو البرَّاء؛ بتشديد الرَّاء نسبةً لبري النَّبل، واسمه: زياد بن فيروزٍ القرشيُّ البصريُّ، المُتوفَّى سنة تسعين، قال ابن حجرٍ: وهو وهمٌ؛ فإنَّ الحديث المذكور معروفٌ برواية الرِّياحيِّ دونه، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يروي عن ابن عبَّاسٍ، وترجيح أحدهما على (٤) الآخر في رواية هذا الحديث عن ابن عبَّاسٍ يحتاج إلى دليلٍ، وبأنَّ قوله: «فإنَّ الحديث المذكور معروفٌ برواية الرِّياحيِّ دونه» يحتاج إلى نقلٍ عن أحدٍ يُعتمَد عليه، وأجاب في «انتقاض الاعتراض»: بأنَّ المصنِّف وصله في «التَّوحيد» [خ¦٧٥٣٦] [خ¦٧٥٣٨] [خ¦٧٥٣٩] ولو راجعه العينيُّ من هناك لَمَا احتاج إلى طلب الدَّليل (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ