«بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَوَجَدَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٠٠٩

الحديث رقم ٦٠٠٩ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب رحمة الناس والبهائم.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٠٠٩ في صحيح البخاري

«بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ بِي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ،

⦗١٠⦘

وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟ فَقَالَ: فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ.»

إسناد حديث رقم ٦٠٠٩ من صحيح البخاري

٦٠٠٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٠٠٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

تَرَكْنَا فِي أَهْلِنَا فَأَخْبَرْنَاهُ، وَكَانَ رَقيقًا رَحِيمًا؛ فَقَالَ: ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ، وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، وَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ.

٦٠٠٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ؛ فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ؛ فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنْ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ بِي؛ فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ فَسَقَى الْكَلْبَ؛ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟ فَقَالَ: فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ.

٦٠١٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ فِي صَلَاةٍ وَقُمْنَا مَعَهُ، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا، فَلَمَّا سَلَّمَ النَّبِيُّ ، قَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ: لَقَدْ حَجَّرْتَ وَاسِعًا، يُرِيدُ رَحْمَةَ اللَّهِ.

٦٠١١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْو تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى.

٦٠١٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ غَرَسَ غَرْسًا فَأَكَلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ أَوْ دَابَّةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةٌ.

٦٠١٣ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ.

[الحديث ٦٠١٣ - طرفه في: ٧٣٧٦]

قَوْلُهُ: (بَابُ رَحْمَةِ النَّاسِ وَالْبَهَائِمِ) أَيْ صُدُورُ الرَّحْمَةِ مِنَ الشَّخْصِ لِغَيْرِهِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ، قَالَ: لَنْ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَرْحَمُوا، قَالُوا: كُلُّنَا رَحِيمٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِرَحْمَةِ أَحَدِكُمْ صَاحِبَهُ، وَلَكِنَّهَا رَحْمَةُ النَّاسِ رَحْمَةُ الْعَامَّةِ؛ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَقَدْ ذَكَرَ فِيهِ أَحَادِيثَ:

الْأَوَّلُ حَدِيثُ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، وَفِيهِ: وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ: وَكَانَ رَقِيقًا رَحِيمًا وَهُوَ لِلْأَكْثَرِ بِقَافَيْنِ مِنَ الرِّقَّةِ، وَلِلْقَابِسِيِّ، وَالْأَصِيلِيِّ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ بِفَاءٍ ثُمَّ قَافٍ مِنَ الرِّفْقِ، وَقَوْلُهُ: شَبَبَةُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ جَمْعُ شَابٍّ مِثْلُ بَارٍّ وَبَرَرَةٍ، وَقَوْلُهُ: فَقَالَ: ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: لَوْ

رَجَعْتُمْ إِلَى أَهْلِيكُمْ فَعَلَّمْتُمُوهُمُ؛ اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ التِّينِ عَلَى أَنَّ الْهِجْرَةَ قَبْلَ الْفَتْحِ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً عَلَى الْأَعْيَانِ بَلْ عَلَى الْبَعْضِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَمِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّ وُفُودَ مَالِكٍ وَمَنْ مَعَهُ كَانَ قَبْلَ الْفَتْحِ؟ وَقَوْلُهُ: وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي؛ حَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّهُ فِيهِ دَلَالَةً عَلَى إِمَامَةِ الصِّبْيَانِ، وَزَيَّفَهُ فَأَجَادَ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ، وَفِيهِ قِصَّةُ الرَّجُلِ الَّذِي سَقَى الْكَلْبَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الشُّرْبِ قُبَيْلَ كِتَابِ الِاسْتِقْرَاضِ، وَالرُّطُوبَةُ هُنَا كِنَايَةٌ عَنِ الْحَيَاةِ، وَقِيلَ: إِنَّ الْكَبِدَ إِذَا ظَمِئَتْ تَرَطَّبَتْ بِدَلِيلِ أَنَّهَا إِذَا أُلْقِيَتْ فِي النَّارِ ظَهَرَ مِنْهَا الرَّشْحُ، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّارَ تُخْرِجُ مِنْهَا رُطُوبَتَهَا إِلَى خَارِجٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ أَنَّ الْقِصَّةَ الْمَذْكُورَةَ وَقَعَ نَحْوُهَا لِامْرَأَةٍ، وَحُمِلَ عَلَى التَّعَدُّدِ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا فِي قِصَّةِ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي كِتَابِ الْوُضُوءِ، وَأَنَّهُ الَّذِي بَالَ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَنَّهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ الْيَمَانِيُّ، وَقِيلَ: الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: دَخَلَ الْأَعْرَابِيُّ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِمُحَمَّدٍ وَلَا تَغْفِرْ لِأَحَدٍ مَعَنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ : لَقَدِ احْتَظَرْتَ وَاسِعًا، ثُمَّ تَنَحَّى الْأَعْرَابِيُّ فَبَالَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ. الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (لَقَدْ حَجَّرْتَ وَاسِعًا، يُرِيدُ رَحْمَةَ اللَّهِ) حَجَّرْتَ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ جِيمٍ ثَقِيلَةٍ ثُمَّ رَاءٍ أَيْ ضَيَّقْتَ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَرَحْمَتُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ كَمَا قَالَ الله - تَعَالَى -، وَاتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتُ عَلَى أَنَّ حَجَّرْتَ بِالرَّاءِ لَكِنْ نَقَلَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بِالزَّايِ، قَالَ وَهُمَا بِمَعْنًى، وَالْقَائِلُ يُرِيدُ رَحْمَةَ اللَّهِ بَعْضُ رُوَاتِهِ وَكَأَنَّهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَنْكَرَ عَلَى الْأَعْرَابِيِّ لِكَوْنِهِ بَخِلَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَى مَنْ فَعَلَ خِلَافَ ذَلِكَ؛ حَيْثُ قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: احْتَظَرْتَ؛ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَظَاءٍ مُشَالَةٍ بِمَعْنَى امْتَنَعْتِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْحِظَارِ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَهُوَ الَّذِي يَمْنَعُ مَا وَرَاءَهُ.

الْحَدِيثُ الرَّابِعُ قَوْلُهُ: (زَكَرِيَّا) هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، وَعَامِرٌ هُوَ الشَّعْبِيُّ.

قَوْلُهُ: (تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ) قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: الْمُرَادُ مَنْ يَكُونَ إِيمَانُهُ كَامِلًا.

قَوْلُهُ: (وَتَوَادُّهُمْ) بِتَشْدِيدِ الدَّالِّ، وَالْأَصْلُ التَّوَادُدُ فَأُدْغِمَ، وَالتَّوَادُدُ تَفَاعُلٌ مِنَ الْمَوَدَّةِ، وَالْوُدُّ وَالْوِدَادُ بِمَعْنًى، وَهُوَ تَقَرُّبُ شَخْصٍ مِنْ آخَرَ بِمَا يُحِبُّ.

قَوْلُهُ: (وَتَعَاطُفُهُمْ) قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ التَّرَاحُمَ وَالتَّوَادُدَ وَالتَّعَاطُفَ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَقَارِبَةٌ فِي الْمَعْنَى لَكِنْ بَيْنَهَا فَرْقٌ لَطِيفٌ، فَأَمَّا التَّرَاحُمُ فَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَرْحَمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأُخُوَّةِ الْإِيمَانِ لَا بِسَبَبِ شَيْءٍ آخَرَ، وَأَمَّا التَّوَادُدُ فَالْمُرَادُ بِهِ التَّوَاصُلُ الْجَالِبُ للْمَحَبَّةَ كَالتَّزَاوُرِ وَالتَّهَادِي، وَأَمَّا التَّعَاطُفُ فَالْمُرَادُ بِهِ إِعَانَةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا كَمَا يَعْطِفُ الثَّوْبَ عَلَيْهِ لِيُقَوِّيَهُ اهـ مُلَخَّصًا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَخَيْثَمَةَ فَرْقَهُمَا عَنِ النُّعْمَانِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِذَا اشْتَكَى رَأْسُهُ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ. وَفِي رِوَايَةِ خَيْثَمَةَ: اشْتَكَى، وَإِنِ اشْتَكَى رَأْسُهُ كُلُّهُ.

قَوْلُهُ: (كَمَثَلِ الْجَسَدِ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَمِيعِ أَعْضَائِهِ، وَوَجْهُ التَّشْبِيهِ فِيهِ التَّوَافُقِ فِي التَّعَبِ وَالرَّاحَةِ.

قَوْلُهُ: (تَدَاعَى) أَيْ دَعَا بَعْضُهُ بَعْضًا إِلَى الْمُشَارَكَةِ فِي الْأَلَمِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ تَدَاعَتِ الْحِيطَانُ أَيْ تَسَاقَطَتْ أَوْ كَادَتْ.

قَوْلُهُ: (بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) أَمَّا السَّهَرُ فَلِأَنَّ الْأَلَمَ يَمْنَعُ النَّوْمَ، وَأَمَّا الْحُمَّى فَلِأَنَّ فَقْدَ النَّوْمِ يُثِيرُهَا.

وَقَدْ عَرَّفَ أَهْلَ الْحِذْقِ الْحُمَّى بِأَنَّهَا حَرَارَةٌ غَرِيزِيَّةٌ تَشْتَعِلُ فِي الْقَلْبِ فَتَشِبُّ مِنْهُ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ فَتَشْتَعِلُ اشْتِعَالًا يَضُرُّ بِالْأَفْعَالِ الطَّبِيعِيَّةِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: فَتَشْبِيهُهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْجَسَدِ الْوَاحِدِ تَمْثِيلٌ صَحِيحٌ، وَفِيهِ تَقْرِيبٌ لِلْفَهْمِ وَإِظْهَارٌ لِلْمَعَانِي فِي الصُّوَرِ الْمَرْئِيَّةِ، وَفِيهِ تَعْظِيمُ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ وَالْحَضُّ عَلَى تَعَاوُنِهِمْ وَمُلَاطَفَةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: شَبَّهُ النَّبِيُّ الْإِيمَانَ بِالْجَسَدِ

وَأَهْلَهُ بِالْأَعْضَاءِ، لِأَنَّ الْإِيمَانَ أَصْلٌ وَفُرُوعَهُ التَّكَالِيفُ، فَإِذَا أَخَلَّ الْمَرْءُ بِشَيْءٍ مِنَ التَّكَالِيفِ شَأْنَ ذَلِكَ الْإِخْلَالِ الْأَصْلَ، وَكَذَلِكَ الْجَسَدُ أَصْلٌ كَالشَّجَرَةِ وَأَعْضَاؤُهُ كَالْأَغْصَانِ، فَإِذَا اشْتَكَى عُضْوٌ مِنَ الْأَعْضَاءِ اشْتَكَتِ الْأَعْضَاءُ كُلُّهَا كَالشَّجَرَةِ إِذَا ضُرِبَ غُصْنٌ مِنْ أَغْصَانِهَا اهْتَزَّتِ كُلُّهَا بِالتَّحَرُّكِ وَالِاضْطِرَابِ.

الْحَدِيثُ الْخَامِسُ حَدِيثُ أَنَسٍ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ غَرَسَ غَرْسًا، تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْمُزَارَعَةِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ دَابَّةً إِنْ كَانَ مَأْخُوذًا مِنْ دَبَّ عَلَى الْأَرْضِ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الدَّابَّةُ فِي الْعُرْفِ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ جِنْسٍ عَلَى جِنْسٍ وَهُوَ الظَّاهِرُ هُنَا. قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: يَدْخُلُ الْغَارِسُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ إِنْسَانٌ، فَإِنَّ فَضْلَ اللَّهِ وَاسِعٌ، وَفِيهِ التَّنْوِيهُ بِقَدْرِ الْمُؤْمِنِ وَأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ الْأَجْرُ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ إِلَيْهِ عَيْنًا. وَفِيهِ التَّرْغِيبُ فِي التَّصَرُّفِ عَلَى لِسَانِ الْمُعَلِّمِ، وَالْحَضُّ عَلَى الْتِزَامِ طَرِيقِ الْمُصْلِحِينَ، وَالْإِرْشَادُ إِلَى تَرْكِ الْمَقَاصِدِ الْفَاسِدَةِ وَالتَّرْغِيبُ فِي الْمَقَاصِدِ الصَّالِحَةِ الدَّاعِيَةِ إِلَى تَكْثِيرِ الثَّوَابِ، وَأَنَّ تَعَاطِي الْأَسْبَابَ الَّتِي اقْتَضَتْهَا الْحِكْمَةُ الرَّبَّانِيَّةُ مِنْ عِمَارَةِ هَذِهِ الدَّارِ لَا يُنَافِي الْعِبَادَةَ وَلَا طَرِيقَ الزُّهْدِ وَلَا التَّوَكُّلَ، وَفِيهِ التَّحْرِيضُ عَلَى تَعَلُّمِ السُّنَّةِ لِيَعْلَمَ الْمَرْءُ مَا لَهُ مِنَ الْخَيْرِ فَيَرْغَبَ فِيهِ، لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْفَضْلِ الْمَذْكُورِ فِي الْغَرْسِ لَا يُدْرَكُ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ السُّنَّةِ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَرْءَ قَدْ يَصِلُ إِلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ مَا لَمْ يَعْمَلْ بِهِ وَلَا قَصَدَ إِلَيْهِ فَيَحْذَرُ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ حُصُولُ هَذَا الْخَيْرِ بِهَذَا الطَّرِيقِ جَازَ حُصُولُ مُقَابِلِهِ اهـ مُلَخَّصًا.

الْحَدِيثُ السَّادِسُ حَدِيثُ جَرِيرٍ.

قَوْلُهُ: (عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) أَيِ ابْنُ غِيَاثٍ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ) تَقَدَّمَ هَذَا الْمَتْنُ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي بَابِ رَحْمَةِ الْوَلَدِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ مَنْ لَا يَرْحَمِ النَّاسَ لَا يَرْحَمْهُ اللَّهُ، وَهُوَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ بِلَفْظِ مَنْ لَا يَرْحَمْ مَنْ فِي الْأَرْضِ لَا يَرْحَمْهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ ارْحَمْ مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكَ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، وَهُوَ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَالْحَاكِمِ بِلَفْظِ: ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدِ اشْتُهِرَ بِالْمُسَلْسَلِ بِالْأَوَّلِيَّةِ، وَفِي حَدِيثِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ: مَنْ لَمْ يَرْحَمِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَرْحَمْهُ اللَّهُ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ الْحَضُّ عَلَى اسْتِعْمَالِ الرَّحْمَةِ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ فَيَدْخُلُ الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ وَالْبَهَائِمُ الْمَمْلُوكُ مِنْهَا وَغَيْرُ الْمَمْلُوكِ، وَيَدْخُلُ فِي الرَّحْمَةِ التَّعَاهُدُ بِالْإِطْعَامِ وَالسَّقْيُ وَالتَّخْفِيفُ فِي الْحَمْلِ وَتَرْكُ التَّعَدِّي بِالضَّرْبِ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى مَنْ لَا يَرْحَمْ غَيْرَهُ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنَ الْإِحْسَانِ لَا يَحْصُلُ لَهُ الثَّوَابُ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ﴾ وَيُحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَنْ لَا يَكُونُ فِيهِ رَحْمَةُ الْإِيمَانِ فِي الدُّنْيَا لَا يُرْحَمُ فِي الْآخِرَةِ، أَوْ مَنْ لَا يَرْحَمُ نَفْسَهُ بِامْتِثَالِ أَوَامِرِ اللَّهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ لَا يَرْحَمُهُ اللَّهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عِنْدَهُ عَهْدٌ، فَتَكُونُ الرَّحْمَةُ الْأُولَى بِمَعْنَى الْأَعْمَالِ وَالثَّانِيَةُ بِمَعْنَى الْجَزَاءِ، أَيْ لَا يُثَابُ إِلَّا مَنْ عَمِلَ صَالِحًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْأُولَى الصَّدَقَةُ وَالثَّانِيَةُ الْبَلَاءُ، أَيْ لَا يَسْلَمُ مِنَ الْبَلَاءِ إِلَّا مَنْ تَصَدَّقَ، أَوْ مَنْ لَا يَرْحَمُ الرَّحْمَةَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَائِبَةُ أَذًى لَا يُرْحَمُ مُطْلَقًا؛ أَوْ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ إِلَّا لِمَنْ جَعَلَ فِي قَلْبِهِ الرَّحْمَةَ وَلَوْ كَانَ عَمَلُهُ صَالِحًا اهـ مُلَخَّصًا. قَالَ: وَيَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَتَفَقَّدَ نَفْسَهُ فِي هَذِهِ الْأَوْجُهِ كُلِّهَا، فَمَا قَصَّرَ فِيهِ لَجَأَ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - فِي الْإِعَانَةِ عَلَيْهِ.

٢٨ - بَاب الْوَصَاةِ بِالْجَارِ

وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ، ﴿مُخْتَالا فَخُورًا﴾

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٠٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بنُ أبي أويسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) إمامُ دار الهجرة (عَنْ سُمَيٍّ) بضم السين وفتح الميم وتشديد التحتية (مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ) أي: ابنُ عبد الرَّحمن المخزوميِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوانَ (السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (رَجُلٌ) لم يسمَّ (يَمْشِي بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ) ولأبي ذرٍّ: «واشتدَّ» (عَلَيْهِ العَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ) منها (فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ) بالمثلَّثة، يخرج لسانهُ من العَطَشِ (يَأْكُلُ الثَّرَى) بالمثلَّثة، التُّراب النَّديَّ (مِنَ العَطَشِ) الشَّديد الَّذي أصابه (فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الكَلْبَ) بالنَّصب على المفعوليَّة (مِنَ العَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ بِي، فَنَزَلَ البِئْرَ فَمَلأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ) أي: بفمهِ (فَسَقَى الكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ) ﷿ (لَهُ) ذلك، أي: جازاهُ عليه (فَغَفَرَ لَهُ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَإِنَّ لَنَا فِي) سقي (البَهَائِمِ أَجْرًا؟ فَقَالَ) : (فِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «نَعم في» (كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ) أي: في سقي كلِّ حيوانٍ (أَجْرٌ) والرُّطوبة (١) كنايةٌ عن الحياة.

وهذا الحديثُ سبق في «باب فضل سقي الماءِ» من «الشُّرب» [خ¦٢٣٦٣].

٦٠١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحَكَمُ بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي (٢)) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بنِ عوفٍ (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) (قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ فِي صَلَاةٍ وَقُمْنَا مَعَهُ، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ) قيل: هو ذو

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

تَرَكْنَا فِي أَهْلِنَا فَأَخْبَرْنَاهُ، وَكَانَ رَقيقًا رَحِيمًا؛ فَقَالَ: ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ، وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، وَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ.

٦٠٠٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ؛ فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ؛ فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنْ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ بِي؛ فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ فَسَقَى الْكَلْبَ؛ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟ فَقَالَ: فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ.

٦٠١٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ فِي صَلَاةٍ وَقُمْنَا مَعَهُ، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا، فَلَمَّا سَلَّمَ النَّبِيُّ ، قَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ: لَقَدْ حَجَّرْتَ وَاسِعًا، يُرِيدُ رَحْمَةَ اللَّهِ.

٦٠١١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْو تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى.

٦٠١٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ غَرَسَ غَرْسًا فَأَكَلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ أَوْ دَابَّةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةٌ.

٦٠١٣ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ.

[الحديث ٦٠١٣ - طرفه في: ٧٣٧٦]

قَوْلُهُ: (بَابُ رَحْمَةِ النَّاسِ وَالْبَهَائِمِ) أَيْ صُدُورُ الرَّحْمَةِ مِنَ الشَّخْصِ لِغَيْرِهِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ، قَالَ: لَنْ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَرْحَمُوا، قَالُوا: كُلُّنَا رَحِيمٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِرَحْمَةِ أَحَدِكُمْ صَاحِبَهُ، وَلَكِنَّهَا رَحْمَةُ النَّاسِ رَحْمَةُ الْعَامَّةِ؛ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَقَدْ ذَكَرَ فِيهِ أَحَادِيثَ:

الْأَوَّلُ حَدِيثُ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، وَفِيهِ: وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ: وَكَانَ رَقِيقًا رَحِيمًا وَهُوَ لِلْأَكْثَرِ بِقَافَيْنِ مِنَ الرِّقَّةِ، وَلِلْقَابِسِيِّ، وَالْأَصِيلِيِّ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ بِفَاءٍ ثُمَّ قَافٍ مِنَ الرِّفْقِ، وَقَوْلُهُ: شَبَبَةُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ جَمْعُ شَابٍّ مِثْلُ بَارٍّ وَبَرَرَةٍ، وَقَوْلُهُ: فَقَالَ: ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: لَوْ

رَجَعْتُمْ إِلَى أَهْلِيكُمْ فَعَلَّمْتُمُوهُمُ؛ اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ التِّينِ عَلَى أَنَّ الْهِجْرَةَ قَبْلَ الْفَتْحِ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً عَلَى الْأَعْيَانِ بَلْ عَلَى الْبَعْضِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَمِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّ وُفُودَ مَالِكٍ وَمَنْ مَعَهُ كَانَ قَبْلَ الْفَتْحِ؟ وَقَوْلُهُ: وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي؛ حَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّهُ فِيهِ دَلَالَةً عَلَى إِمَامَةِ الصِّبْيَانِ، وَزَيَّفَهُ فَأَجَادَ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ، وَفِيهِ قِصَّةُ الرَّجُلِ الَّذِي سَقَى الْكَلْبَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الشُّرْبِ قُبَيْلَ كِتَابِ الِاسْتِقْرَاضِ، وَالرُّطُوبَةُ هُنَا كِنَايَةٌ عَنِ الْحَيَاةِ، وَقِيلَ: إِنَّ الْكَبِدَ إِذَا ظَمِئَتْ تَرَطَّبَتْ بِدَلِيلِ أَنَّهَا إِذَا أُلْقِيَتْ فِي النَّارِ ظَهَرَ مِنْهَا الرَّشْحُ، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّارَ تُخْرِجُ مِنْهَا رُطُوبَتَهَا إِلَى خَارِجٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ أَنَّ الْقِصَّةَ الْمَذْكُورَةَ وَقَعَ نَحْوُهَا لِامْرَأَةٍ، وَحُمِلَ عَلَى التَّعَدُّدِ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا فِي قِصَّةِ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي كِتَابِ الْوُضُوءِ، وَأَنَّهُ الَّذِي بَالَ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَنَّهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ الْيَمَانِيُّ، وَقِيلَ: الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: دَخَلَ الْأَعْرَابِيُّ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِمُحَمَّدٍ وَلَا تَغْفِرْ لِأَحَدٍ مَعَنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ : لَقَدِ احْتَظَرْتَ وَاسِعًا، ثُمَّ تَنَحَّى الْأَعْرَابِيُّ فَبَالَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ. الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (لَقَدْ حَجَّرْتَ وَاسِعًا، يُرِيدُ رَحْمَةَ اللَّهِ) حَجَّرْتَ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ جِيمٍ ثَقِيلَةٍ ثُمَّ رَاءٍ أَيْ ضَيَّقْتَ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَرَحْمَتُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ كَمَا قَالَ الله - تَعَالَى -، وَاتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتُ عَلَى أَنَّ حَجَّرْتَ بِالرَّاءِ لَكِنْ نَقَلَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بِالزَّايِ، قَالَ وَهُمَا بِمَعْنًى، وَالْقَائِلُ يُرِيدُ رَحْمَةَ اللَّهِ بَعْضُ رُوَاتِهِ وَكَأَنَّهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَنْكَرَ عَلَى الْأَعْرَابِيِّ لِكَوْنِهِ بَخِلَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَى مَنْ فَعَلَ خِلَافَ ذَلِكَ؛ حَيْثُ قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: احْتَظَرْتَ؛ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَظَاءٍ مُشَالَةٍ بِمَعْنَى امْتَنَعْتِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْحِظَارِ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَهُوَ الَّذِي يَمْنَعُ مَا وَرَاءَهُ.

الْحَدِيثُ الرَّابِعُ قَوْلُهُ: (زَكَرِيَّا) هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، وَعَامِرٌ هُوَ الشَّعْبِيُّ.

قَوْلُهُ: (تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ) قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: الْمُرَادُ مَنْ يَكُونَ إِيمَانُهُ كَامِلًا.

قَوْلُهُ: (وَتَوَادُّهُمْ) بِتَشْدِيدِ الدَّالِّ، وَالْأَصْلُ التَّوَادُدُ فَأُدْغِمَ، وَالتَّوَادُدُ تَفَاعُلٌ مِنَ الْمَوَدَّةِ، وَالْوُدُّ وَالْوِدَادُ بِمَعْنًى، وَهُوَ تَقَرُّبُ شَخْصٍ مِنْ آخَرَ بِمَا يُحِبُّ.

قَوْلُهُ: (وَتَعَاطُفُهُمْ) قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ التَّرَاحُمَ وَالتَّوَادُدَ وَالتَّعَاطُفَ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَقَارِبَةٌ فِي الْمَعْنَى لَكِنْ بَيْنَهَا فَرْقٌ لَطِيفٌ، فَأَمَّا التَّرَاحُمُ فَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَرْحَمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأُخُوَّةِ الْإِيمَانِ لَا بِسَبَبِ شَيْءٍ آخَرَ، وَأَمَّا التَّوَادُدُ فَالْمُرَادُ بِهِ التَّوَاصُلُ الْجَالِبُ للْمَحَبَّةَ كَالتَّزَاوُرِ وَالتَّهَادِي، وَأَمَّا التَّعَاطُفُ فَالْمُرَادُ بِهِ إِعَانَةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا كَمَا يَعْطِفُ الثَّوْبَ عَلَيْهِ لِيُقَوِّيَهُ اهـ مُلَخَّصًا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَخَيْثَمَةَ فَرْقَهُمَا عَنِ النُّعْمَانِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِذَا اشْتَكَى رَأْسُهُ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ. وَفِي رِوَايَةِ خَيْثَمَةَ: اشْتَكَى، وَإِنِ اشْتَكَى رَأْسُهُ كُلُّهُ.

قَوْلُهُ: (كَمَثَلِ الْجَسَدِ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَمِيعِ أَعْضَائِهِ، وَوَجْهُ التَّشْبِيهِ فِيهِ التَّوَافُقِ فِي التَّعَبِ وَالرَّاحَةِ.

قَوْلُهُ: (تَدَاعَى) أَيْ دَعَا بَعْضُهُ بَعْضًا إِلَى الْمُشَارَكَةِ فِي الْأَلَمِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ تَدَاعَتِ الْحِيطَانُ أَيْ تَسَاقَطَتْ أَوْ كَادَتْ.

قَوْلُهُ: (بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) أَمَّا السَّهَرُ فَلِأَنَّ الْأَلَمَ يَمْنَعُ النَّوْمَ، وَأَمَّا الْحُمَّى فَلِأَنَّ فَقْدَ النَّوْمِ يُثِيرُهَا.

وَقَدْ عَرَّفَ أَهْلَ الْحِذْقِ الْحُمَّى بِأَنَّهَا حَرَارَةٌ غَرِيزِيَّةٌ تَشْتَعِلُ فِي الْقَلْبِ فَتَشِبُّ مِنْهُ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ فَتَشْتَعِلُ اشْتِعَالًا يَضُرُّ بِالْأَفْعَالِ الطَّبِيعِيَّةِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: فَتَشْبِيهُهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْجَسَدِ الْوَاحِدِ تَمْثِيلٌ صَحِيحٌ، وَفِيهِ تَقْرِيبٌ لِلْفَهْمِ وَإِظْهَارٌ لِلْمَعَانِي فِي الصُّوَرِ الْمَرْئِيَّةِ، وَفِيهِ تَعْظِيمُ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ وَالْحَضُّ عَلَى تَعَاوُنِهِمْ وَمُلَاطَفَةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: شَبَّهُ النَّبِيُّ الْإِيمَانَ بِالْجَسَدِ

وَأَهْلَهُ بِالْأَعْضَاءِ، لِأَنَّ الْإِيمَانَ أَصْلٌ وَفُرُوعَهُ التَّكَالِيفُ، فَإِذَا أَخَلَّ الْمَرْءُ بِشَيْءٍ مِنَ التَّكَالِيفِ شَأْنَ ذَلِكَ الْإِخْلَالِ الْأَصْلَ، وَكَذَلِكَ الْجَسَدُ أَصْلٌ كَالشَّجَرَةِ وَأَعْضَاؤُهُ كَالْأَغْصَانِ، فَإِذَا اشْتَكَى عُضْوٌ مِنَ الْأَعْضَاءِ اشْتَكَتِ الْأَعْضَاءُ كُلُّهَا كَالشَّجَرَةِ إِذَا ضُرِبَ غُصْنٌ مِنْ أَغْصَانِهَا اهْتَزَّتِ كُلُّهَا بِالتَّحَرُّكِ وَالِاضْطِرَابِ.

الْحَدِيثُ الْخَامِسُ حَدِيثُ أَنَسٍ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ غَرَسَ غَرْسًا، تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْمُزَارَعَةِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ دَابَّةً إِنْ كَانَ مَأْخُوذًا مِنْ دَبَّ عَلَى الْأَرْضِ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الدَّابَّةُ فِي الْعُرْفِ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ جِنْسٍ عَلَى جِنْسٍ وَهُوَ الظَّاهِرُ هُنَا. قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: يَدْخُلُ الْغَارِسُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ إِنْسَانٌ، فَإِنَّ فَضْلَ اللَّهِ وَاسِعٌ، وَفِيهِ التَّنْوِيهُ بِقَدْرِ الْمُؤْمِنِ وَأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ الْأَجْرُ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ إِلَيْهِ عَيْنًا. وَفِيهِ التَّرْغِيبُ فِي التَّصَرُّفِ عَلَى لِسَانِ الْمُعَلِّمِ، وَالْحَضُّ عَلَى الْتِزَامِ طَرِيقِ الْمُصْلِحِينَ، وَالْإِرْشَادُ إِلَى تَرْكِ الْمَقَاصِدِ الْفَاسِدَةِ وَالتَّرْغِيبُ فِي الْمَقَاصِدِ الصَّالِحَةِ الدَّاعِيَةِ إِلَى تَكْثِيرِ الثَّوَابِ، وَأَنَّ تَعَاطِي الْأَسْبَابَ الَّتِي اقْتَضَتْهَا الْحِكْمَةُ الرَّبَّانِيَّةُ مِنْ عِمَارَةِ هَذِهِ الدَّارِ لَا يُنَافِي الْعِبَادَةَ وَلَا طَرِيقَ الزُّهْدِ وَلَا التَّوَكُّلَ، وَفِيهِ التَّحْرِيضُ عَلَى تَعَلُّمِ السُّنَّةِ لِيَعْلَمَ الْمَرْءُ مَا لَهُ مِنَ الْخَيْرِ فَيَرْغَبَ فِيهِ، لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْفَضْلِ الْمَذْكُورِ فِي الْغَرْسِ لَا يُدْرَكُ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ السُّنَّةِ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَرْءَ قَدْ يَصِلُ إِلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ مَا لَمْ يَعْمَلْ بِهِ وَلَا قَصَدَ إِلَيْهِ فَيَحْذَرُ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ حُصُولُ هَذَا الْخَيْرِ بِهَذَا الطَّرِيقِ جَازَ حُصُولُ مُقَابِلِهِ اهـ مُلَخَّصًا.

الْحَدِيثُ السَّادِسُ حَدِيثُ جَرِيرٍ.

قَوْلُهُ: (عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) أَيِ ابْنُ غِيَاثٍ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ) تَقَدَّمَ هَذَا الْمَتْنُ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي بَابِ رَحْمَةِ الْوَلَدِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ مَنْ لَا يَرْحَمِ النَّاسَ لَا يَرْحَمْهُ اللَّهُ، وَهُوَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ بِلَفْظِ مَنْ لَا يَرْحَمْ مَنْ فِي الْأَرْضِ لَا يَرْحَمْهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ ارْحَمْ مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكَ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، وَهُوَ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَالْحَاكِمِ بِلَفْظِ: ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدِ اشْتُهِرَ بِالْمُسَلْسَلِ بِالْأَوَّلِيَّةِ، وَفِي حَدِيثِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ: مَنْ لَمْ يَرْحَمِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَرْحَمْهُ اللَّهُ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ الْحَضُّ عَلَى اسْتِعْمَالِ الرَّحْمَةِ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ فَيَدْخُلُ الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ وَالْبَهَائِمُ الْمَمْلُوكُ مِنْهَا وَغَيْرُ الْمَمْلُوكِ، وَيَدْخُلُ فِي الرَّحْمَةِ التَّعَاهُدُ بِالْإِطْعَامِ وَالسَّقْيُ وَالتَّخْفِيفُ فِي الْحَمْلِ وَتَرْكُ التَّعَدِّي بِالضَّرْبِ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى مَنْ لَا يَرْحَمْ غَيْرَهُ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنَ الْإِحْسَانِ لَا يَحْصُلُ لَهُ الثَّوَابُ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ﴾ وَيُحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَنْ لَا يَكُونُ فِيهِ رَحْمَةُ الْإِيمَانِ فِي الدُّنْيَا لَا يُرْحَمُ فِي الْآخِرَةِ، أَوْ مَنْ لَا يَرْحَمُ نَفْسَهُ بِامْتِثَالِ أَوَامِرِ اللَّهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ لَا يَرْحَمُهُ اللَّهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عِنْدَهُ عَهْدٌ، فَتَكُونُ الرَّحْمَةُ الْأُولَى بِمَعْنَى الْأَعْمَالِ وَالثَّانِيَةُ بِمَعْنَى الْجَزَاءِ، أَيْ لَا يُثَابُ إِلَّا مَنْ عَمِلَ صَالِحًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْأُولَى الصَّدَقَةُ وَالثَّانِيَةُ الْبَلَاءُ، أَيْ لَا يَسْلَمُ مِنَ الْبَلَاءِ إِلَّا مَنْ تَصَدَّقَ، أَوْ مَنْ لَا يَرْحَمُ الرَّحْمَةَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَائِبَةُ أَذًى لَا يُرْحَمُ مُطْلَقًا؛ أَوْ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ إِلَّا لِمَنْ جَعَلَ فِي قَلْبِهِ الرَّحْمَةَ وَلَوْ كَانَ عَمَلُهُ صَالِحًا اهـ مُلَخَّصًا. قَالَ: وَيَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَتَفَقَّدَ نَفْسَهُ فِي هَذِهِ الْأَوْجُهِ كُلِّهَا، فَمَا قَصَّرَ فِيهِ لَجَأَ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - فِي الْإِعَانَةِ عَلَيْهِ.

٢٨ - بَاب الْوَصَاةِ بِالْجَارِ

وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ، ﴿مُخْتَالا فَخُورًا﴾

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٠٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بنُ أبي أويسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) إمامُ دار الهجرة (عَنْ سُمَيٍّ) بضم السين وفتح الميم وتشديد التحتية (مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ) أي: ابنُ عبد الرَّحمن المخزوميِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوانَ (السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (رَجُلٌ) لم يسمَّ (يَمْشِي بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ) ولأبي ذرٍّ: «واشتدَّ» (عَلَيْهِ العَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ) منها (فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ) بالمثلَّثة، يخرج لسانهُ من العَطَشِ (يَأْكُلُ الثَّرَى) بالمثلَّثة، التُّراب النَّديَّ (مِنَ العَطَشِ) الشَّديد الَّذي أصابه (فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الكَلْبَ) بالنَّصب على المفعوليَّة (مِنَ العَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ بِي، فَنَزَلَ البِئْرَ فَمَلأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ) أي: بفمهِ (فَسَقَى الكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ) ﷿ (لَهُ) ذلك، أي: جازاهُ عليه (فَغَفَرَ لَهُ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَإِنَّ لَنَا فِي) سقي (البَهَائِمِ أَجْرًا؟ فَقَالَ) : (فِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «نَعم في» (كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ) أي: في سقي كلِّ حيوانٍ (أَجْرٌ) والرُّطوبة (١) كنايةٌ عن الحياة.

وهذا الحديثُ سبق في «باب فضل سقي الماءِ» من «الشُّرب» [خ¦٢٣٦٣].

٦٠١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحَكَمُ بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي (٢)) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بنِ عوفٍ (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) (قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ فِي صَلَاةٍ وَقُمْنَا مَعَهُ، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ) قيل: هو ذو

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل