الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٠٤١
الحديث رقم ٦٠٤١ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الحب في الله.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
٦٠٤١ - حَدَّثَنَا آدَمُ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ مِنَ الْمَعْلُومَاتِ الَّتِي لَا تُحَدُّ وَإِنَّمَا يَعْرِفُهَا مَنْ قَامَتْ بِهِ وِجْدَانًا لَا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ، وَالْحُبُّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: إِلَهِيٌّ وَرُوحَانِيٌّ وَطَبِيعِيٌّ، وَحَدِيثُ الْبَابِ يَشْتَمِلُ عَلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، فَحُبُّ اللَّهِ الْعَبْدَ حُبٌّ إِلَهِيٌّ، وَحُبُّ جِبْرِيلَ وَالْمَلَائِكَةِ لَهُ حُبٌّ رُوحَانِيٌّ، وَحُبُّ الْعِبَادِ لَهُ حُبٌّ طَبِيعِيٌّ.
٤٢ - بَاب الْحُبِّ فِي اللَّهِ
٦٠٤١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَا يَجِدُ أَحَدٌ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَحَتَّى أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ، وَحَتَّى يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْحُبِّ فِي اللَّهِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ لَا يَجِدُ أَحَدٌ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَبَيَانُ أَنَّ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَوَّلُ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ، وَلَفْظُهُ: الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَأَنَّ لَهُ طُرُقًا أُخْرَى.
وقَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا؛ مَعْنَاهُ أَنَّ مَنِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ عَلِمَ أَنَّ حَقَّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ آكَدُ عَلَيْهِ مِنْ حَقِّ أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَوَلَدِهِ وَزَوْجِهِ وَجَمِيعِ النَّاسِ؛ لِأَنَّ الْهُدَى مِنَ الضَّلَالِ وَالْخَلَاصَ مِنَ النَّارِ إِنَّمَا كَانَ بِاللَّهِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ، وَمِنْ عَلَامَاتِ مَحَبَّتِهِ نَصْرُ دِينِهِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالذَّبُّ عَنْ شَرِيعَتِهِ وَالتَّخَلُّقُ بِأَخْلَاقِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٤٣ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
٦٠٤٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ، قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَضْحَكَ الرَّجُلُ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ الْأَنْفُسِ، وَقَالَ: بِمَ يَضْرِبُ أَحَدُكُمْ امْرَأَتَهُ ضَرْبَ الْفَحْلِ، ثُمَّ لَعَلَّهُ يُعَانِقُهَا؟! وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَوُهَيْبٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامٍ جَلْدَ الْعَبْدِ.
٦٠٤٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ بِمِنًى: أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ حَرَامٌ، أَفَتَدْرُونَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: بَلَدٌ حَرَامٌ، أَتَدْرُونَ أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: شَهْرٌ حَرَامٌ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَالنَّسَفِيِّ، وَسَقَطَتِ الْآيَةُ لِغَيْرِهِمَا وَزَادَ: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ:
أَحَدُهُمَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
يوضع له القبولُ في الأرض». زاد الطَّبرانيُّ في حديث ثوبان: «ثمَّ يهبطُ إلى الأرضِ، ثمَّ قرأَ رسولُ الله ﷺ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦]».
وحديث الباب سبقَ في «باب ذكر الملائكة» من «بدء الخلق» [خ¦٣٢٠٩].
(٤٢) (بابُ الحُبِّ فِي) ذات (اللهِ) من غيرِ أن يشوبهُ رِياءٌ أو هوًى.
٦٠٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة السَّدوسيِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَا يَجِدُ أَحَدٌ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ حَتَّى يُحِبَّ المَرْءَ) بالنَّصب (لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ) قال الكِرْمانيُّ: فإنَّ قلت: الحلاوةُ إنَّما هي في المطعوماتِ، وأجابَ: بأنَّه شبَّه الإيمان بالعسلِ بجامعِ ميلِ القلوبِ إليهما، وأسندَ إليه ما هو من خواصِّ العسلِ، فهو استعارةٌ بالكناية (وَحَتَّى أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ) ﷿، أي: منه، وفصل بين الأحبِّ وكلمة «مِن» لأن في الظَّرف توسعة (وَحَتَّى يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا) قال البيضاويُّ: إنَّما جعل هذه الأمور الثَّلاثة عنوانًا لكمالِ الإيمان المحصِّل لتلك اللَّذَّة؛ لأنَّه لا يتمُّ إيمانُ المرءِ (١) حتَّى يتمكَّن في نفسهِ أنَّ المنعم والقادر على الإطلاق هو الله تعالى، ولا مانحَ ولا مانعَ سواه، وما عداهُ وسائط لها، فإنَّ الرَّسول هو العَطوفُ الحقيقيُّ السَّاعي في إصلاح شأنهِ وإعلاءِ مكانه، وذلك يقتضِي أن يتوجَّه بشراشرهِ نحوه، ولا يحبُّ ما يحبُّه إلَّا لكونه وسطًا بينه وبينه، فإن تيقَّن أنَّ جملةَ ما وعدَ به وأوعد حقٌّ لا يحوم الرَّيب حولَه، فيتيقَّن أنَّ الموعودَ كالواقع وأنَّ الاستقلالَ بما يؤول إليهِ الشَّيء كملابستهِ، فيحسبُ مجالسَ الذِّكر رياض الجنَّة، وأكلَ مال اليتيمِ أكل النَّار، والعودَ إلى الكفرِ الإلقاءَ في النَّار، فيكره الإلقاءَ في النَّار، وثنَّى الضَّمير هنا في قولهِ: «سواهما»
وردَّ على الخطيب: «ومن عصاهما فقد غوى». وأمره بالإفرادِ إيماء إلى أنَّ المعتبر هنا هو المجموع المركَّب من المحبَّتين لا كلُّ واحدةٍ فإنَّها وحدَها ضائعةٌ لاغيةٌ، وأمرَ الخطيبَ بالإفرادِ إشعارًا بأن كلَّ واحدٍ من العصيانين يستقلُّ باستلزامِ الغِواية، فإن قولَه: ومَن عَصى الله ورسولَه، من حيث إِنَّ العطفَ في تقدير التَّكرير، والأصلُ فيه استقلال كلٍّ من المعطوفِ والمعطوف عليه في الحكمِ في قوَّة قولنَا: ومَن عصَى الله فقد غَوى، ومَن عصى الرَّسول فقد غَوى.
وقد سبق شيءٌ من ذلك عند ذكر الحديث في «باب الإيمان» [خ¦١٦] والله المستعان.
(٤٣) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾ إِلَى قولهِ: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١]) وسقط قوله: «﴿عَسَى﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال بعد ﴿مِّن قَوْمٍ﴾: «الآية». نهى (١) عن السُّخرية؛ وهي أن لا ينظر الإنسانُ إلى أخيه المسلمِ بعين الإجلال، ولا يلتفتَ إليه ويسقطَه عن درجتهِ، والقَوْم الرِّجال خاصَّةً؛ لأنَّهم القُوَّام بأمور النِّساء، وهو في الأصل جمع قائمٍ، كصُوَّم وزُوَّر في جمع: صَائم وزَائر، لكن فَعْلٌ ليس من أبنية التَّكسير إلَّا عند الأخفش نحو رَكْب وصَحْب، واختصاصُ القوم بالرِّجال صريحٌ في الآية؛ إذ لو كانت النِّساء داخلةً في قوم لم يقل: ولا نساءٌ، وحقَّق ذلك زهير في قولهِ:
وَمَا أَدْرِي وَلَسْتُ إِخَالُ أَدْرِي … أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ
فاختصاص القوم بالرِّجال في الآية من عطفِ ﴿وَلَا نِسَاء﴾ على ﴿قَوْمٍ﴾ وفي الشِّعر من جعل أحدِ المتساويين يلي الهمزة (٢) والآخر يلي أمْ، وتنكيرُ القومِ والنِّساء يحتملُ معنيين أنْ يُراد لا يسخرْ بعضُ المؤمنين والمؤمنات من بعض، وأن يقصدَ إفادة الشِّياع، وأن تصير كلُّ جماعةٍ منهم منهيَّةً عن السُّخرية.
قال في «الانتصاف»: لو عرَّف المؤمنين فقال: لا يسخر المؤمنون والمؤمنات بعضُهم من بعضٍ لعمَّ، ومراده أنَّ في التَّنكير يحصل أنَّ كلَّ جماعةٍ منهيَّة على التَّفصيل وهو (١) أوقعُ. وقال الطِّيبيُّ: استغراقُ الجنس أيضًا يرادُ منه التَّفصيل. والمعرَّف بتعريف العهدِ الذِّهنيِّ مفيدٌ للتَّفصيل أيضًا كالنَّكرة؛ إذ المعنى لا يسخرْ من هو مسمَّى بالقومِ من قومٍ مثله. قال ابنُ جنِّي: مفادُ نكرةِ الجنس مفادُ معرفتهِ من حيث كان في كلِّ جزءٍ منه معنى ما في جملتهِ. انتهى.
وقوله: ﴿عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾ كلامٌ مستأنفٌ وردَ مورد جواب المستخبر (٢) عن علَّة النَّهي، وإلَّا فقد كان حقُّه أن يُوصَلَ بما قبله بالفاء، والمعنى: وجب (٣) أن يعتقد كلُّ واحدٍ أنَّ المسخور منه ربَّما كان عند الله خيرًا من السَّاخر إذ لا اطِّلاع للنَّاس إلَّا على الظَّاهر (٤)، ولا علم لهم بالسَّرائر، والَّذي يزن عند الله خلوص الضَّمائر، فينبغي أن لا يجترئَ أحدٌ على الاستهزاءِ بمن تقتحمه عينهُ إذا رآه رثَّ الحال (٥)، أو ذا عاهةٍ في بدنه، أو غيرَ لَبِق (٦) -أي: غير حاذقٍ- في (٧) محادثتهِ، فلعلَّه أخلص ضميرًا وأَنْقى قلبًا ممَّن هو على ضدِّ صفتهِ، فيظلمُ نفسه بتحقيرِ من وقَّره الله تعالى. وعن ابنِ مسعودٍ ﵁ البلاء موكَّلٌ بالقولِ لو سخرتُ من كلبٍ لخشيتُ أن أحوَّل كلبًا.
وقوله: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾ فيه وجهان أحدُهما: عيبُ الأخِ إلى الأخ، فإذا عابهُ فكأنَّه عاب (٨) نفسه، والثَّاني: أنَّه إذا عابهُ وهو لا يخلو عن (٩) عيبٍ فيعيبه به المعاب، فيكون هو بمعيبهِ حاملًا لغيرهِ على عيبهِ، فكأنَّه هو العائبُ نفسه، واللَّمز: الطَّعن والضَّرب باللِّسان.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ مِنَ الْمَعْلُومَاتِ الَّتِي لَا تُحَدُّ وَإِنَّمَا يَعْرِفُهَا مَنْ قَامَتْ بِهِ وِجْدَانًا لَا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ، وَالْحُبُّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: إِلَهِيٌّ وَرُوحَانِيٌّ وَطَبِيعِيٌّ، وَحَدِيثُ الْبَابِ يَشْتَمِلُ عَلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، فَحُبُّ اللَّهِ الْعَبْدَ حُبٌّ إِلَهِيٌّ، وَحُبُّ جِبْرِيلَ وَالْمَلَائِكَةِ لَهُ حُبٌّ رُوحَانِيٌّ، وَحُبُّ الْعِبَادِ لَهُ حُبٌّ طَبِيعِيٌّ.
٤٢ - بَاب الْحُبِّ فِي اللَّهِ
٦٠٤١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَا يَجِدُ أَحَدٌ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَحَتَّى أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ، وَحَتَّى يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْحُبِّ فِي اللَّهِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ لَا يَجِدُ أَحَدٌ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَبَيَانُ أَنَّ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَوَّلُ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ، وَلَفْظُهُ: الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَأَنَّ لَهُ طُرُقًا أُخْرَى.
وقَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا؛ مَعْنَاهُ أَنَّ مَنِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ عَلِمَ أَنَّ حَقَّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ آكَدُ عَلَيْهِ مِنْ حَقِّ أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَوَلَدِهِ وَزَوْجِهِ وَجَمِيعِ النَّاسِ؛ لِأَنَّ الْهُدَى مِنَ الضَّلَالِ وَالْخَلَاصَ مِنَ النَّارِ إِنَّمَا كَانَ بِاللَّهِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ، وَمِنْ عَلَامَاتِ مَحَبَّتِهِ نَصْرُ دِينِهِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالذَّبُّ عَنْ شَرِيعَتِهِ وَالتَّخَلُّقُ بِأَخْلَاقِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٤٣ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
٦٠٤٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ، قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَضْحَكَ الرَّجُلُ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ الْأَنْفُسِ، وَقَالَ: بِمَ يَضْرِبُ أَحَدُكُمْ امْرَأَتَهُ ضَرْبَ الْفَحْلِ، ثُمَّ لَعَلَّهُ يُعَانِقُهَا؟! وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَوُهَيْبٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامٍ جَلْدَ الْعَبْدِ.
٦٠٤٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ بِمِنًى: أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ حَرَامٌ، أَفَتَدْرُونَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: بَلَدٌ حَرَامٌ، أَتَدْرُونَ أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: شَهْرٌ حَرَامٌ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَالنَّسَفِيِّ، وَسَقَطَتِ الْآيَةُ لِغَيْرِهِمَا وَزَادَ: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ:
أَحَدُهُمَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
يوضع له القبولُ في الأرض». زاد الطَّبرانيُّ في حديث ثوبان: «ثمَّ يهبطُ إلى الأرضِ، ثمَّ قرأَ رسولُ الله ﷺ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦]».
وحديث الباب سبقَ في «باب ذكر الملائكة» من «بدء الخلق» [خ¦٣٢٠٩].
(٤٢) (بابُ الحُبِّ فِي) ذات (اللهِ) من غيرِ أن يشوبهُ رِياءٌ أو هوًى.
٦٠٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة السَّدوسيِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَا يَجِدُ أَحَدٌ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ حَتَّى يُحِبَّ المَرْءَ) بالنَّصب (لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ) قال الكِرْمانيُّ: فإنَّ قلت: الحلاوةُ إنَّما هي في المطعوماتِ، وأجابَ: بأنَّه شبَّه الإيمان بالعسلِ بجامعِ ميلِ القلوبِ إليهما، وأسندَ إليه ما هو من خواصِّ العسلِ، فهو استعارةٌ بالكناية (وَحَتَّى أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ) ﷿، أي: منه، وفصل بين الأحبِّ وكلمة «مِن» لأن في الظَّرف توسعة (وَحَتَّى يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا) قال البيضاويُّ: إنَّما جعل هذه الأمور الثَّلاثة عنوانًا لكمالِ الإيمان المحصِّل لتلك اللَّذَّة؛ لأنَّه لا يتمُّ إيمانُ المرءِ (١) حتَّى يتمكَّن في نفسهِ أنَّ المنعم والقادر على الإطلاق هو الله تعالى، ولا مانحَ ولا مانعَ سواه، وما عداهُ وسائط لها، فإنَّ الرَّسول هو العَطوفُ الحقيقيُّ السَّاعي في إصلاح شأنهِ وإعلاءِ مكانه، وذلك يقتضِي أن يتوجَّه بشراشرهِ نحوه، ولا يحبُّ ما يحبُّه إلَّا لكونه وسطًا بينه وبينه، فإن تيقَّن أنَّ جملةَ ما وعدَ به وأوعد حقٌّ لا يحوم الرَّيب حولَه، فيتيقَّن أنَّ الموعودَ كالواقع وأنَّ الاستقلالَ بما يؤول إليهِ الشَّيء كملابستهِ، فيحسبُ مجالسَ الذِّكر رياض الجنَّة، وأكلَ مال اليتيمِ أكل النَّار، والعودَ إلى الكفرِ الإلقاءَ في النَّار، فيكره الإلقاءَ في النَّار، وثنَّى الضَّمير هنا في قولهِ: «سواهما»
وردَّ على الخطيب: «ومن عصاهما فقد غوى». وأمره بالإفرادِ إيماء إلى أنَّ المعتبر هنا هو المجموع المركَّب من المحبَّتين لا كلُّ واحدةٍ فإنَّها وحدَها ضائعةٌ لاغيةٌ، وأمرَ الخطيبَ بالإفرادِ إشعارًا بأن كلَّ واحدٍ من العصيانين يستقلُّ باستلزامِ الغِواية، فإن قولَه: ومَن عَصى الله ورسولَه، من حيث إِنَّ العطفَ في تقدير التَّكرير، والأصلُ فيه استقلال كلٍّ من المعطوفِ والمعطوف عليه في الحكمِ في قوَّة قولنَا: ومَن عصَى الله فقد غَوى، ومَن عصى الرَّسول فقد غَوى.
وقد سبق شيءٌ من ذلك عند ذكر الحديث في «باب الإيمان» [خ¦١٦] والله المستعان.
(٤٣) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾ إِلَى قولهِ: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١]) وسقط قوله: «﴿عَسَى﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال بعد ﴿مِّن قَوْمٍ﴾: «الآية». نهى (١) عن السُّخرية؛ وهي أن لا ينظر الإنسانُ إلى أخيه المسلمِ بعين الإجلال، ولا يلتفتَ إليه ويسقطَه عن درجتهِ، والقَوْم الرِّجال خاصَّةً؛ لأنَّهم القُوَّام بأمور النِّساء، وهو في الأصل جمع قائمٍ، كصُوَّم وزُوَّر في جمع: صَائم وزَائر، لكن فَعْلٌ ليس من أبنية التَّكسير إلَّا عند الأخفش نحو رَكْب وصَحْب، واختصاصُ القوم بالرِّجال صريحٌ في الآية؛ إذ لو كانت النِّساء داخلةً في قوم لم يقل: ولا نساءٌ، وحقَّق ذلك زهير في قولهِ:
وَمَا أَدْرِي وَلَسْتُ إِخَالُ أَدْرِي … أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ
فاختصاص القوم بالرِّجال في الآية من عطفِ ﴿وَلَا نِسَاء﴾ على ﴿قَوْمٍ﴾ وفي الشِّعر من جعل أحدِ المتساويين يلي الهمزة (٢) والآخر يلي أمْ، وتنكيرُ القومِ والنِّساء يحتملُ معنيين أنْ يُراد لا يسخرْ بعضُ المؤمنين والمؤمنات من بعض، وأن يقصدَ إفادة الشِّياع، وأن تصير كلُّ جماعةٍ منهم منهيَّةً عن السُّخرية.
قال في «الانتصاف»: لو عرَّف المؤمنين فقال: لا يسخر المؤمنون والمؤمنات بعضُهم من بعضٍ لعمَّ، ومراده أنَّ في التَّنكير يحصل أنَّ كلَّ جماعةٍ منهيَّة على التَّفصيل وهو (١) أوقعُ. وقال الطِّيبيُّ: استغراقُ الجنس أيضًا يرادُ منه التَّفصيل. والمعرَّف بتعريف العهدِ الذِّهنيِّ مفيدٌ للتَّفصيل أيضًا كالنَّكرة؛ إذ المعنى لا يسخرْ من هو مسمَّى بالقومِ من قومٍ مثله. قال ابنُ جنِّي: مفادُ نكرةِ الجنس مفادُ معرفتهِ من حيث كان في كلِّ جزءٍ منه معنى ما في جملتهِ. انتهى.
وقوله: ﴿عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾ كلامٌ مستأنفٌ وردَ مورد جواب المستخبر (٢) عن علَّة النَّهي، وإلَّا فقد كان حقُّه أن يُوصَلَ بما قبله بالفاء، والمعنى: وجب (٣) أن يعتقد كلُّ واحدٍ أنَّ المسخور منه ربَّما كان عند الله خيرًا من السَّاخر إذ لا اطِّلاع للنَّاس إلَّا على الظَّاهر (٤)، ولا علم لهم بالسَّرائر، والَّذي يزن عند الله خلوص الضَّمائر، فينبغي أن لا يجترئَ أحدٌ على الاستهزاءِ بمن تقتحمه عينهُ إذا رآه رثَّ الحال (٥)، أو ذا عاهةٍ في بدنه، أو غيرَ لَبِق (٦) -أي: غير حاذقٍ- في (٧) محادثتهِ، فلعلَّه أخلص ضميرًا وأَنْقى قلبًا ممَّن هو على ضدِّ صفتهِ، فيظلمُ نفسه بتحقيرِ من وقَّره الله تعالى. وعن ابنِ مسعودٍ ﵁ البلاء موكَّلٌ بالقولِ لو سخرتُ من كلبٍ لخشيتُ أن أحوَّل كلبًا.
وقوله: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾ فيه وجهان أحدُهما: عيبُ الأخِ إلى الأخ، فإذا عابهُ فكأنَّه عاب (٨) نفسه، والثَّاني: أنَّه إذا عابهُ وهو لا يخلو عن (٩) عيبٍ فيعيبه به المعاب، فيكون هو بمعيبهِ حاملًا لغيرهِ على عيبهِ، فكأنَّه هو العائبُ نفسه، واللَّمز: الطَّعن والضَّرب باللِّسان.