الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٠٥٧
الحديث رقم ٦٠٥٧ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى واجتنبوا قول الزور.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗١٨⦘
فَلَيْسَ لِلهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» قَالَ أَحْمَدُ: أَفْهَمَنِي رَجُلٌ إِسْنَادَهُ.
بَابُ مَا قِيلَ فِي ذِي الْوَجْهَيْنِ
٦٠٥٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَكَذَا اللُّمَزَةُ، وَاللَّمْزُ تَتَبُّعُ الْمَعَايِبِ. وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ أَنَّ اللَّمْزَ الْعَيْبُ فِي الْوَجْهِ وَالْهَمْزُ فِي الْقَفَا، وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ، وَقِيلَ: الْهَمْزُ الْكَسْرِ وَاللَّمْزُ الطَّعْنُ، فَعَلَى هَذَا هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَسْرِ الْكَسْرُ مِنَ الْأَعْرَاضِ وَبِالطَّعْنِ الطَّعْنُ فِيهَا، وَحُكِيَ فِي مِيمِ يَهْمِزُ وَيَلْمِزُ الضَّمُّ وَالْكَسْرُ، وَأَسْنَدَ الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: الْهَمْزُ بِالْعَيْنِ وَالشَّدْقِ وَالْيَدِ، وَاللَّمْزُ بِاللِّسَانِ.
قَوْلُهُ: (سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَمَنْصُورٌ هُوَ ابْنُ مُعْتَمِرٍ، وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ النَّخَعِيُّ، وَهَمَّامٌ هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ رَجُلًا يَرْفَعُ الْحَدِيثَ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَعُثْمَانُ هُوَ ابْنُ عَفَّانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ حُذَيْفَةُ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي: فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: فَقَالَ حُذَيْفَةُ وَأَرَادَهُ أَنْ يَسْمَعَهُ.
قَوْلُهُ: (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) أَيْ فِي أَوَّلِ وَهْلَةٍ كَمَا فِي نَظَائِرِهِ.
قَوْلُهُ: (قَتَّاتٌ) بِقَافٍ وَمُثَنَّاةٍ ثَقِيلَةٍ وَبَعْدَ الْأَلِفِ مُثَنَّاةٌ أُخْرَى هُوَ النَّمَّامُ، وَوَقَعَ بِلَفْظِ نَمَّامٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَقِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَتَّاتِ وَالنَّمَّامِ أَنَّ النَّمَّامَ الَّذِي يَحْضُرُ القصة فَيَنْقُلُهَا، وَالْقَتَّاتُ الَّذِي يَتَسَمَّعُ مِنْ حَيْثُ لَا يُعْلَمُ بِهِ ثُمَّ يَنْقُلُ مَا سَمِعَهُ. قَالَ الْغَزَالِيُّ مَا مُلَخَّصُهُ: يَنْبَغِي لِمَنْ حُمِلَتْ إِلَيْهِ نَمِيمَةٌ أَنْ لَا يُصَدِّقَ مَنْ نَمَّ لَهُ، وَلَا يَظُنُّ بِمَنْ نُمَّ عَنْهُ مَا نُقِلَ عَنْهُ، وَلَا يَبْحَثُ عَنْ تَحْقِيقِ مَا ذُكِرَ لَهُ، وَأَنْ يَنْهَاهُ وَيُقَبِّحَ لَهُ فِعْلَهُ، وَأَنْ يَبْغُضَهُ إِنْ لَمْ يَنْزَجِرْ وَأَنْ لَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ مَا نُهِيَ النَّمَّامُ عَنْهُ فَيَنِمَّ هُوَ عَلَى النَّمَّامِ فَيَصِيرَ نَمَّامًا، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي النَّقْلِ مَصْلَحَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَإِلَّا فَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ أَوْ وَاجِبَةٌ، كَمَنِ اطَّلَعَ مِنْ شَخْصٍ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُؤْذِي شَخْصًا ظُلْمًا فَحَذَّرَهُ مِنْهُ، وَكَذَا مَنْ أَخْبَرَ الْإِمَامَ أَوْ مَنْ لَهُ وِلَايَةٌ بِسِيرَةِ نَائِبِهِ مَثَلًا فَلَا مَنْعَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ مَا مُلَخَّصُهُ: النَّمِيمَةُ فِي الْأَصْلِ نَقْلُ الْقَوْلِ إِلَى الْمَقُولِ فِيهِ، وَلَا اخْتِصَاصَ لَهَا بِذَلِكَ بَلْ ضَابِطُهَا كَشْفُ مَا يُكْرَهُ كَشْفُهُ سَوَاءٌ كَرِهَهُ الْمَنْقُولُ عَنْهُ أَوِ الْمَنْقُولُ إِلَيْهِ أَوْ غَيْرُهُمَا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَنْقُولُ قَوْلًا أَمْ فِعْلًا، وَسَوَاءٌ كَانَ عَيْبًا أمْ لَا، حَتَّى لَوْ رَأَى شَخْصًا يُخْفِي مَا لَهُ فَأَفْشَى كَانَ نَمِيمَةً.
وَاخْتُلِفَ فِي الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ هَلْ هُمَا مُتَغَايِرَتَانِ أَوْ مُتَّحِدَتَانِ، وَالرَّاجِحُ التَّغَايُرُ، وَأَنَّ بَيْنَهُمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا وَجْهِيًّا، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّمِيمَةَ نَقْلُ حَالِ الشَّخْصِ لِغَيْرِهِ عَلَى جِهَةِ الْإِفْسَادِ بِغَيْرِ رِضَاهُ سَوَاءٌ كَانَ بِعِلْمِهِ أَمْ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، وَالْغِيبَةُ ذِكْرُهُ فِي غِيبَتِهِ بِمَا لَا يُرْضِيهِ، فَامْتَازَتِ النَّمِيمَةُ بِقَصْدِ الْإِفْسَادِ، وَلَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي الْغِيبَةِ، وَامْتَازَتِ الْغِيبَةُ بِكَوْنِهَا فِي غِيبَةِ الْمَقُولِ فِيهِ، وَاشْتَرَكَتَا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ. وَمَنِ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَشْتَرِطُ فِي الْغِيبَةِ أَنْ يَكُونَ الْمَقُولُ فِيهِ غَائِبًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٥١ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾
٦٠٥٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ؛ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ.
قَالَ أَحْمَدُ: أَفْهَمَنِي رَجُلٌ إِسْنَادَهُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ قَالَ الرَّاغِبُ: الزُّورُ الْكَذِبُ، قِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مَائِلًا عَنِ الْحَقِّ، وَالزَّوَرُ بِفَتْحِ الزَّاي الْمَيْلُ. وَكَانَ مَوْقِعُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الْقَوْلَ الْمَنْقُولَ بِالنَّمِيمَةِ لَمَّا كَانَ أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ صِدْقًا أَوْ كَذِبًا؛ فَالْكَذِبُ فِيهِ أَقْبَحُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هُوَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ الْبَابِ فِي أَوَائِلِ الصِّيَامِ أَخْرَجَهُ عَنْ آدَمَ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ بِالسَّنَدِ وَالْمَتْنِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٥١) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠]) أي: الكذبِ، أو البهتان، أو شهادة الزُّور لأنَّه من أعظمِ الحرماتِ، وفي «الصَّحيحين» من حديث أبي بكرةَ قوله ﷺ: «أَلا وقول الزُّور ألا وشهادة الزُّور» فما زال يكرِّرها حتَّى قلنا: ليتَه سكتَ [خ¦٥٩٧٦]. وعند الإمام أحمدَ قوله ﵊: «يا أيُّها النَّاس عدلَتْ شهادةُ الزُّور إشراكًا بالله ثلاثًا، ثمَّ قرأ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠]».
ومناسبة هذا لسابقه من جهةِ أنَّ القولَ المنقولَ بالنَّميمة يكون أعمَّ من الصِّدق والكذب، والكذبُ فيه أقبحُ، كذا قاله في «الفتح».
٦٠٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمدُ بن عبد الله بن يونس اليربوعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن القرشيُّ المدنيُّ (عَنِ المَقْبُرِيِّ) بضم الموحدة، سعيدِ بنِ أبي سعيد كَيسان (عَنْ أَبِيهِ) كذا في الفرع كأصله (١) عن أبي ذرٍّ، وسقط من غيرهما ممَّا رأيتُه من الأصول (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: مَنْ لَمْ يَدَعْ) أي: من لم يتركْ (قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ) أي: بمقتضاه من الفواحشِ، وما نهى الله عنه (وَالجَهْلَ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ). قال التُّوربشتيُّ: أي لا يبالي بعمله ذلك لأنَّه أمسك عمَّا (٢) أبيحَ له في غير حين الصَّوم، ولم يمسكْ عمَّا حرم عليه في سائرِ الأحايين. وقال الطِّيبيُّ: لمَّا دلَّ قوله: «الصَّوم لي وأَنا أجزِي به» [خ¦٧٤٩٢] على شدَّة اختصاصِ الصَّوم به من بينِ (٣) سائر العباداتِ، وأنَّه ممَّا يُبالي ويحتفلُ به، فرع (٤) عليه قوله: «فليس للهِ حاجةٌ في أن يتركَ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَكَذَا اللُّمَزَةُ، وَاللَّمْزُ تَتَبُّعُ الْمَعَايِبِ. وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ أَنَّ اللَّمْزَ الْعَيْبُ فِي الْوَجْهِ وَالْهَمْزُ فِي الْقَفَا، وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ، وَقِيلَ: الْهَمْزُ الْكَسْرِ وَاللَّمْزُ الطَّعْنُ، فَعَلَى هَذَا هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَسْرِ الْكَسْرُ مِنَ الْأَعْرَاضِ وَبِالطَّعْنِ الطَّعْنُ فِيهَا، وَحُكِيَ فِي مِيمِ يَهْمِزُ وَيَلْمِزُ الضَّمُّ وَالْكَسْرُ، وَأَسْنَدَ الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: الْهَمْزُ بِالْعَيْنِ وَالشَّدْقِ وَالْيَدِ، وَاللَّمْزُ بِاللِّسَانِ.
قَوْلُهُ: (سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَمَنْصُورٌ هُوَ ابْنُ مُعْتَمِرٍ، وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ النَّخَعِيُّ، وَهَمَّامٌ هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ رَجُلًا يَرْفَعُ الْحَدِيثَ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَعُثْمَانُ هُوَ ابْنُ عَفَّانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ حُذَيْفَةُ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي: فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: فَقَالَ حُذَيْفَةُ وَأَرَادَهُ أَنْ يَسْمَعَهُ.
قَوْلُهُ: (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) أَيْ فِي أَوَّلِ وَهْلَةٍ كَمَا فِي نَظَائِرِهِ.
قَوْلُهُ: (قَتَّاتٌ) بِقَافٍ وَمُثَنَّاةٍ ثَقِيلَةٍ وَبَعْدَ الْأَلِفِ مُثَنَّاةٌ أُخْرَى هُوَ النَّمَّامُ، وَوَقَعَ بِلَفْظِ نَمَّامٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَقِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَتَّاتِ وَالنَّمَّامِ أَنَّ النَّمَّامَ الَّذِي يَحْضُرُ القصة فَيَنْقُلُهَا، وَالْقَتَّاتُ الَّذِي يَتَسَمَّعُ مِنْ حَيْثُ لَا يُعْلَمُ بِهِ ثُمَّ يَنْقُلُ مَا سَمِعَهُ. قَالَ الْغَزَالِيُّ مَا مُلَخَّصُهُ: يَنْبَغِي لِمَنْ حُمِلَتْ إِلَيْهِ نَمِيمَةٌ أَنْ لَا يُصَدِّقَ مَنْ نَمَّ لَهُ، وَلَا يَظُنُّ بِمَنْ نُمَّ عَنْهُ مَا نُقِلَ عَنْهُ، وَلَا يَبْحَثُ عَنْ تَحْقِيقِ مَا ذُكِرَ لَهُ، وَأَنْ يَنْهَاهُ وَيُقَبِّحَ لَهُ فِعْلَهُ، وَأَنْ يَبْغُضَهُ إِنْ لَمْ يَنْزَجِرْ وَأَنْ لَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ مَا نُهِيَ النَّمَّامُ عَنْهُ فَيَنِمَّ هُوَ عَلَى النَّمَّامِ فَيَصِيرَ نَمَّامًا، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي النَّقْلِ مَصْلَحَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَإِلَّا فَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ أَوْ وَاجِبَةٌ، كَمَنِ اطَّلَعَ مِنْ شَخْصٍ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُؤْذِي شَخْصًا ظُلْمًا فَحَذَّرَهُ مِنْهُ، وَكَذَا مَنْ أَخْبَرَ الْإِمَامَ أَوْ مَنْ لَهُ وِلَايَةٌ بِسِيرَةِ نَائِبِهِ مَثَلًا فَلَا مَنْعَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ مَا مُلَخَّصُهُ: النَّمِيمَةُ فِي الْأَصْلِ نَقْلُ الْقَوْلِ إِلَى الْمَقُولِ فِيهِ، وَلَا اخْتِصَاصَ لَهَا بِذَلِكَ بَلْ ضَابِطُهَا كَشْفُ مَا يُكْرَهُ كَشْفُهُ سَوَاءٌ كَرِهَهُ الْمَنْقُولُ عَنْهُ أَوِ الْمَنْقُولُ إِلَيْهِ أَوْ غَيْرُهُمَا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَنْقُولُ قَوْلًا أَمْ فِعْلًا، وَسَوَاءٌ كَانَ عَيْبًا أمْ لَا، حَتَّى لَوْ رَأَى شَخْصًا يُخْفِي مَا لَهُ فَأَفْشَى كَانَ نَمِيمَةً.
وَاخْتُلِفَ فِي الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ هَلْ هُمَا مُتَغَايِرَتَانِ أَوْ مُتَّحِدَتَانِ، وَالرَّاجِحُ التَّغَايُرُ، وَأَنَّ بَيْنَهُمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا وَجْهِيًّا، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّمِيمَةَ نَقْلُ حَالِ الشَّخْصِ لِغَيْرِهِ عَلَى جِهَةِ الْإِفْسَادِ بِغَيْرِ رِضَاهُ سَوَاءٌ كَانَ بِعِلْمِهِ أَمْ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، وَالْغِيبَةُ ذِكْرُهُ فِي غِيبَتِهِ بِمَا لَا يُرْضِيهِ، فَامْتَازَتِ النَّمِيمَةُ بِقَصْدِ الْإِفْسَادِ، وَلَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي الْغِيبَةِ، وَامْتَازَتِ الْغِيبَةُ بِكَوْنِهَا فِي غِيبَةِ الْمَقُولِ فِيهِ، وَاشْتَرَكَتَا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ. وَمَنِ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَشْتَرِطُ فِي الْغِيبَةِ أَنْ يَكُونَ الْمَقُولُ فِيهِ غَائِبًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٥١ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾
٦٠٥٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ؛ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ.
قَالَ أَحْمَدُ: أَفْهَمَنِي رَجُلٌ إِسْنَادَهُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ قَالَ الرَّاغِبُ: الزُّورُ الْكَذِبُ، قِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مَائِلًا عَنِ الْحَقِّ، وَالزَّوَرُ بِفَتْحِ الزَّاي الْمَيْلُ. وَكَانَ مَوْقِعُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الْقَوْلَ الْمَنْقُولَ بِالنَّمِيمَةِ لَمَّا كَانَ أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ صِدْقًا أَوْ كَذِبًا؛ فَالْكَذِبُ فِيهِ أَقْبَحُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هُوَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ الْبَابِ فِي أَوَائِلِ الصِّيَامِ أَخْرَجَهُ عَنْ آدَمَ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ بِالسَّنَدِ وَالْمَتْنِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٥١) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠]) أي: الكذبِ، أو البهتان، أو شهادة الزُّور لأنَّه من أعظمِ الحرماتِ، وفي «الصَّحيحين» من حديث أبي بكرةَ قوله ﷺ: «أَلا وقول الزُّور ألا وشهادة الزُّور» فما زال يكرِّرها حتَّى قلنا: ليتَه سكتَ [خ¦٥٩٧٦]. وعند الإمام أحمدَ قوله ﵊: «يا أيُّها النَّاس عدلَتْ شهادةُ الزُّور إشراكًا بالله ثلاثًا، ثمَّ قرأ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠]».
ومناسبة هذا لسابقه من جهةِ أنَّ القولَ المنقولَ بالنَّميمة يكون أعمَّ من الصِّدق والكذب، والكذبُ فيه أقبحُ، كذا قاله في «الفتح».
٦٠٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمدُ بن عبد الله بن يونس اليربوعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن القرشيُّ المدنيُّ (عَنِ المَقْبُرِيِّ) بضم الموحدة، سعيدِ بنِ أبي سعيد كَيسان (عَنْ أَبِيهِ) كذا في الفرع كأصله (١) عن أبي ذرٍّ، وسقط من غيرهما ممَّا رأيتُه من الأصول (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: مَنْ لَمْ يَدَعْ) أي: من لم يتركْ (قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ) أي: بمقتضاه من الفواحشِ، وما نهى الله عنه (وَالجَهْلَ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ). قال التُّوربشتيُّ: أي لا يبالي بعمله ذلك لأنَّه أمسك عمَّا (٢) أبيحَ له في غير حين الصَّوم، ولم يمسكْ عمَّا حرم عليه في سائرِ الأحايين. وقال الطِّيبيُّ: لمَّا دلَّ قوله: «الصَّوم لي وأَنا أجزِي به» [خ¦٧٤٩٢] على شدَّة اختصاصِ الصَّوم به من بينِ (٣) سائر العباداتِ، وأنَّه ممَّا يُبالي ويحتفلُ به، فرع (٤) عليه قوله: «فليس للهِ حاجةٌ في أن يتركَ