«آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٠٩٥

الحديث رقم ٦٠٩٥ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٠٩٥ في صحيح البخاري

«آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ.»

إسناد حديث رقم ٦٠٩٥ من صحيح البخاري

٦٠٩٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ نَافِعِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٠٩٥: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فَقَطْ، وإِنْ كَانَ الصَّادِقُ فِي الْأَصْلِ مَمْدُوحًا، وَالْكَاذِبُ مَذْمُومًا.

ثُمَّ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَوْجُودَ فِي نُسَخِ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ فِي بِلَادِنَا وَغَيْرِهَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي مَتْنِ الْحَدِيثِ إِلَّا مَا ذَكَرْنَاهُ قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْحُمَيْدِيُّ، وَنَقَلَ أَبُو مَسْعُودٍ عَنْ كِتَابِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ ابْنِ مُثَنَّى، وَابْنِ بَشَّارٍ زِيَادَةً: وَهِيَ إِنَّ شَرَّ الرَّوَايَا رَوَايَا الْكَذِبِ ; لِأَنَّ الْكَذِبَ لَا يَصْلُحُ مِنْهُ جِدٌّ وَلَا هَزْلٌ، وَلَا يَعِدُ الرَّجُلُ صَبِيَّهُ ثُمَّ يُخْلِفُهُ فَذَكَرَ أَبُو مَسْعُودٍ أَنَّ مُسْلِمًا رَوَى هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي كِتَابِهِ، وَذَكَرَهَا أَيْضًا أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: وَلَيْسَتْ عِنْدَنَا فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ، وَالرَّوَايَا جَمْعُ رَوَّيَةٍ بِالتَّشْدِيدِ، وَهُوَ مَا يَتَرَوَّى فِيهِ الْإِنْسَانُ قَبْلَ قَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ، وَقِيلَ هُوَ جَمْعُ رِوَايَةٍ أَيْ لِلْكَذِبِ وَالْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ. قُلْتُ: لَمْ أَرَ شَيْئًا مِنْ هَذَا فِي الْأَطْرَافِ لِأَبِي مَسْعُودٍ وَلَا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ لِلْحُمَيْدِيِّ فَلَعَلَّهُمَا ذَكَرَاهُ فِي غَيْرِ هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ.

٦٠٩٥ - حَدَّثَنا ابْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ نَافِعِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ.

ثم ذكر حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ الْحَدِيثَ، وَقد تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَطَرَفه مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ فِي الْمَنَامِ الطَّوِيلِ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهُ، وَشَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ، وَفِيهِ الَّذِي رَأَيْتُهُ يَشُقُّ شِدْقَهُ الْكَذَّابُ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِذَا كَرَّرَ الرَّجُلُ الْكَذِبَ حَتَّى اسْتَحَقَّ اسْمَ الْمُبَالَغَةِ بِالْوَصْفِ بِالْكَذِبِ، لَمْ يَكُنْ مِنْ صِفَاتِ كَمَلَةِ الْمُؤْمِنِينَ، بَلْ مِنْ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ، يَعْنِي فَلِهَذَا عَقَّبَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. قُلْتُ: وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورُ هُنَا فِي صِفَةِ الْمُنَافِقِ يَشْمَلُ الْكَذِبَ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَالْقَصْدُ الْأَوَّلُ فِي حَدِيثِهِ وَالثَّانِي فِي أَمَارَتِهِ وَالثَّالِثُ فِي وَعْدِهِ.

قَالَ: وَأَخْبَرَ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ بِعُقُوبَةِ الْكَاذِبِ بِأَنَّهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ، وَذَلِكَ فِي مَوْضِعِ الْمَعْصِيَةِ وَهُوَ فَمُهُ الَّذِي كَذَبَ بِهِ. قُلْتُ: وَمُنَاسَبَتُهُ لِلْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَنَّ عُقُوبَةَ الْكَاذِبِ أُطْلِقَتْ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ بِالنَّارِ، فَكَانَ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ بَيَانُهَا.

قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ: (قَالَا الَّذِي رَأَيْتُهُ يُشَقُّ شِدْقَهُ فَكَذَّابٌ) هَكَذَا وَقَعَ بِالْفَاءِ وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ الْمَوْصُولَ الَّذِي يَدْخُلُ خَبَرَهُ الْفَاءُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُبْهَمًا عَامًّا، وَأَجَابَ ابْنُ مَالِكٍ بِأَنَّهُ نَزَّلَ الْمُعَيَّنَ الْمُبْهَمَ مَنْزِلَةَ الْعَامِّ إِشَارَةً إِلَى اشْتَرَاكِ مَنْ يَتَّصِفُ بِذَلِكَ فِي الْعِقَابِ الْمَذْكُورِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٧٠ - بَاب الْهَدْيِ الصَّالِحِ

٦٠٩٧ - حَدَّثَني إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي أُسَامَةَ: أَحَدَّثَكُمْ الْأَعْمَشُ سَمِعْتُ شَقِيقًا قَالَ: سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ يَقُولُ: إِنَّ أَشْبَهَ النَّاسِ دَلًّا وَسَمْتًا وَهَدْيًا بِرَسُولِ اللَّهِ لَابْنُ أُمِّ عَبْدٍ مِنْ حِينِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِ، لَا نَدْرِي مَا يَصْنَعُ فِي أَهْلِهِ إِذَا خَلَا.

٦٠٩٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُخَارِقٍ سَمِعْتُ طَارِقاً قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ إِنَّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ

[الحديث ٦٠٩٨ - طرفه في: ٧٢٧٧]

قَوْلُهُ: (بَابُ الْهَدْيِ الصَّالِحِ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِ الدَّالِ هُوَ الطَّرِيقَةُ الصَّالِحَةُ، وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ لَفْظُ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ وَجْهَيْنِ مِنْ طَرِيقِ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ الْهَدْيُ الصَّالِحُ وَالسَّمْتُ الصَّالِحُ وَالِاقْتِصَادُ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، وَفِي الطَّرِيقِ الْأُخْرَى جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَحْمَدُ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَى طَرِيقِ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ فِي التَّعْبِيرِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ الرُّؤْيَاتِ الصَّالِحَةِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الِاقْتِصَادُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا كَانَ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ مَحْمُودٍ وَمَذْمُومٍ، كَالتَّوَسُّطِ بَيْنَ الْجَوْرِ وَالْعَدْلِ، وَهَذَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ وَهَذَا مَحْمُودٌ وَمَذْمُومٌ بِالنِّسْبَةِ، وَالثَّانِي: مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ طَرَفَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ كَالْجُودِ؛ فَإِنَّهُ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الْإِسْرَافِ وَالْبُخْلِ، وَكَالشَّجَاعَةِ فَإِنَّهَا مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ التَّهَوُّرِ وَالْجُبْنِ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ وَنَصَّ الْبُخَارِيُّ لَفْظَهُ، وَلَكِنَّهُ حُذِفَ مِنْ آخِرِهِ قَوْلُ أَبِي أُسَامَةَ، وَهُوَ ثَابِتٌ فِي مُسْنَدِ إِسْحَاقَ، فَقَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: فَأَقَرَّ بِهِ أَبُو أُمامَةَ، وَقَالَ: نَعَمْ وَشَقِيقٌ هُوَ أَبُو وَائِلٍ.

قَوْلُهُ: (دَلًّا) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ هُوَ حُسْنُ الْحَرَكَةِ فِي الْمَشْيِ وَالْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمَا، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الطَّرِيقِ.

قَوْلُهُ: (وَسَمْتًا) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ هُوَ حُسْنُ الْمَنْظَرِ فِي أَمْرِ الدِّينِ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْقَصْدِ فِي الْأَمْرِ وَعَلَى الطَّرِيقِ وَالْجِهَةِ.

قَوْلُهُ: (وَهَدْيًا) قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْهَدْي وَالدَّلُّ مُتَقَارِبَانِ، يُقَالُ فِي السَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ وَفِي الْهَيْبَةِ وَالْمَنْظَرِ وَالشَّمَائِلِ قَالَ: وَالسَّمْتُ يَكُونُ فِي حُسْنِ الْهَيْئَةِ وَالْمَنْظَرِ مِنْ جِهَةِ الْخَيْرِ، وَالدِّينِ لَا مِنْ جِهَةِ الْجَمَالِ وَالزِّينَةِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الطَّرِيقِ، وَكِلَاهُمَا جَيِّدٌ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ هَيْئَةُ أَهْلِ الْخَيْرِ عَلَى طَرِيقَةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ.

قَوْلُهُ: (لِابْنِ أُمِّ عَبْدٍ) بِفَتْحِ اللَّامِ، وَهِيَ تَأْكِيدٌ بَعْدَ التَّأْكِيدِ بِأَنَّ الْمَكْسُورَةَ الَّتِي فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ، وَابْنُ أُمِّ عَبْدٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بِلَفْظِ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَفِي الْحَدِيثِ فَضِيلَةٌ لِابْنِ مَسْعُودٍ جَلِيلَةٌ لِشَهَادَةِ حُذَيْفَةَ لَهُ بِأَنَّهُ أَشَدُّ النَّاسِ شَبَهًا بِرَسُولِ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْخِصَالِ، وَفِيهِ تَوَقَّى حُذَيْفَةُ حَيْثُ قَالَ: مِنْ حِينِ يَخْرُجُ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ فَإِنَّهُ اقْتَصَرَ فِي الشَّهَادَةِ لَهُ بِذَلِكَ عَلَى مَا يُمْكِنُهُ مُشَاهَدَتُهُ، وَإِنَّمَا قَالَ: لَا أَدْرِي مَا يَصْنَعُ فِي أَهْلِهِ لِأَنَّهُ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ إِذَا خَلَا يَكُونُ فِي انْبِسَاطِهِ لِأَهْلِهِ يَزِيدُ أَوْ يَنْقُصُ عَنْ هَيْئَةِ رَسُولِ اللَّهِ فِي أَهْلِهِ، وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ إِثْبَاتَ نَقْصٍ فِي حَقِّ عَبْدِ اللَّهِ . وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ أَنَّ أَصْحَابَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ كَانُوا يَنْظُرُونَ إِلَى سَمْتِهِ وَهَدْيِهِ وَدَلِّهِ فَيَتَشَبَّهُونَ بِهِ، فَكَأَنَّ الْحَامِلَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ.

وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: اعْلَمُوا أَنَّ حُسْنَ الْهَدْيِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ خَيْرٌ مِنْ بَعْضِ الْعَمَلِ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ، وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ، فَكَأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ لِأَجْلِ هَذَا كَانَ يَحْرِصُ عَلَى حُسْنِ الْهَدْيِ، وَقَدِ اسْتَشْكَلَ الدَّاوُدِيُّ الشَّارِحُ بِقَوْلِ حُذَيْفَةَ فِي ابْنِ مَسْعُودٍ قَوْلُ مَالِكٍ كَانَ عُمَرُ أَشْبَهَ النَّاسِ بِهَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ وَأَشْبَهُ النَّاسِ بِعُمَرَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَبِعَبْدِ اللَّهِ ابْنُهُ سَالِمٌ قَالَ الدَّاوُدِيُّ: وَقَوْلُ حُذَيْفَةَ يُقَدَّمُ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِاخْتِلَافِ مُتَعَلِّقِ الشَّبَهِ بِحَمْلِ شَبَهِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِالسَّمْتِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ، وَقَوْلُ مَالِكٍ بِالْقُوَّةِ فِي الدِّينِ وَنَحْوِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مَقَالَةُ حُذَيْفَةَ وَقَعَتْ بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ، ويُؤَيِّدُ قَوْلَ مَالِكٍ مَا أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَلْزَمَ لِطَرِيقِ النَّبِيِّ مِنْ عُمَرَ، وَفِي السُّنَنِ وَمُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشْبَهَ سَمْتًا وَهَدْيًا وَدَلًّا بِرَسُولِ اللَّهِ مِنْ فَاطِمَةَ قُلْتُ: وَيُجْمَعُ بِالْحَمْلِ فِي هَذَا عَلَى النِّسَاءِ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ عُمَرَ مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَدْيِ عَمْرِو بْنِ الْأَسْوَدِ.

قُلْتُ: وَيُجْمَعُ بِالْحَمْلِ عَلَى مَنْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ، وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ: حَجَّ عَمْرُو بْنُ الْأَسْوَدِ فَرَآهُ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ أَشْبَهَ صَلَاةً

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وحديثُ الباب أخرجه مسلمٌ في «الأدبِ» أيضًا.

٦٠٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: بالإفراد (ابْنُ سَلَامٍ) ولأبي ذرٍّ: «محمَّدِ بن (١) سلام» قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريُّ (عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ) بضم السين المهملة (نَافِعِ بْنِ مَالِكِ ابْنِ أَبِي عَامِرٍ) الأصبحيِّ (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: آيَةُ المُنَافِقِ) والنَّفق: سَرَبٌ في الأرض له مخلصٌ إلى مكان [آخر] (٢)، والنَّافقاء إحدى جِحَرَةِ اليربوعِ، فإذا أتي من قبل القاصِعَاء -وهو جحره الَّذي يَقْصع فيه، أي: يدخلُ- ضرب النَّافقاء برأسهِ فانتفقَ، أي: خرجَ، تقول (٣): نافق اليَرْبوع، أي: أخذ في نافقائه، ومنه اشتقاقُ المنافق وهو الَّذي يدخلُ في الشَّرع من بابٍ ويخرجُ من باب، أيضًا يكتُم الكفرَ، ويظهرُ الإسلام (٤)، كما أنَّ اليربوع يكتُم النَّافقاء ويُظهرُ القاصعاء، والآية: العلامة، أي: علامةُ المنافق (ثَلَاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ) فأخبرَ عن الشَّيء على خلافِ ما هو به (وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ) فلم يفِ بما وعدَ به (وَإِذَا اؤْتُمِنَ) أمانةً (خَانَ) فلم يؤدِّها إلى أهلها. قال التُوْربِشتي: من اجتمعتْ فيه هذه الخصال واستمرَّت أحواله عليها فبالحريِّ أن يسمَّى منافقًا، وأمَّا المؤمن المفتون بها فإنَّه إن فعلها مرًّة تركها أُخرى، وإن أصرَّ عليها زمانًا أقلعَ عنها زمانًا آخر، وإن وجدتْ فيه خلًّة عدمتْ منه (٥) أخرى. وقال الخطَّابيُّ: هذا القولُ إنَّما خرجَ على سبيلِ الإنذارِ للمرءِ المسلم والتَّحذيرِ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فَقَطْ، وإِنْ كَانَ الصَّادِقُ فِي الْأَصْلِ مَمْدُوحًا، وَالْكَاذِبُ مَذْمُومًا.

ثُمَّ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَوْجُودَ فِي نُسَخِ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ فِي بِلَادِنَا وَغَيْرِهَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي مَتْنِ الْحَدِيثِ إِلَّا مَا ذَكَرْنَاهُ قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْحُمَيْدِيُّ، وَنَقَلَ أَبُو مَسْعُودٍ عَنْ كِتَابِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ ابْنِ مُثَنَّى، وَابْنِ بَشَّارٍ زِيَادَةً: وَهِيَ إِنَّ شَرَّ الرَّوَايَا رَوَايَا الْكَذِبِ ; لِأَنَّ الْكَذِبَ لَا يَصْلُحُ مِنْهُ جِدٌّ وَلَا هَزْلٌ، وَلَا يَعِدُ الرَّجُلُ صَبِيَّهُ ثُمَّ يُخْلِفُهُ فَذَكَرَ أَبُو مَسْعُودٍ أَنَّ مُسْلِمًا رَوَى هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي كِتَابِهِ، وَذَكَرَهَا أَيْضًا أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: وَلَيْسَتْ عِنْدَنَا فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ، وَالرَّوَايَا جَمْعُ رَوَّيَةٍ بِالتَّشْدِيدِ، وَهُوَ مَا يَتَرَوَّى فِيهِ الْإِنْسَانُ قَبْلَ قَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ، وَقِيلَ هُوَ جَمْعُ رِوَايَةٍ أَيْ لِلْكَذِبِ وَالْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ. قُلْتُ: لَمْ أَرَ شَيْئًا مِنْ هَذَا فِي الْأَطْرَافِ لِأَبِي مَسْعُودٍ وَلَا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ لِلْحُمَيْدِيِّ فَلَعَلَّهُمَا ذَكَرَاهُ فِي غَيْرِ هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ.

٦٠٩٥ - حَدَّثَنا ابْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ نَافِعِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ.

ثم ذكر حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ الْحَدِيثَ، وَقد تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَطَرَفه مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ فِي الْمَنَامِ الطَّوِيلِ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهُ، وَشَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ، وَفِيهِ الَّذِي رَأَيْتُهُ يَشُقُّ شِدْقَهُ الْكَذَّابُ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِذَا كَرَّرَ الرَّجُلُ الْكَذِبَ حَتَّى اسْتَحَقَّ اسْمَ الْمُبَالَغَةِ بِالْوَصْفِ بِالْكَذِبِ، لَمْ يَكُنْ مِنْ صِفَاتِ كَمَلَةِ الْمُؤْمِنِينَ، بَلْ مِنْ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ، يَعْنِي فَلِهَذَا عَقَّبَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. قُلْتُ: وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورُ هُنَا فِي صِفَةِ الْمُنَافِقِ يَشْمَلُ الْكَذِبَ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَالْقَصْدُ الْأَوَّلُ فِي حَدِيثِهِ وَالثَّانِي فِي أَمَارَتِهِ وَالثَّالِثُ فِي وَعْدِهِ.

قَالَ: وَأَخْبَرَ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ بِعُقُوبَةِ الْكَاذِبِ بِأَنَّهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ، وَذَلِكَ فِي مَوْضِعِ الْمَعْصِيَةِ وَهُوَ فَمُهُ الَّذِي كَذَبَ بِهِ. قُلْتُ: وَمُنَاسَبَتُهُ لِلْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَنَّ عُقُوبَةَ الْكَاذِبِ أُطْلِقَتْ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ بِالنَّارِ، فَكَانَ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ بَيَانُهَا.

قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ: (قَالَا الَّذِي رَأَيْتُهُ يُشَقُّ شِدْقَهُ فَكَذَّابٌ) هَكَذَا وَقَعَ بِالْفَاءِ وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ الْمَوْصُولَ الَّذِي يَدْخُلُ خَبَرَهُ الْفَاءُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُبْهَمًا عَامًّا، وَأَجَابَ ابْنُ مَالِكٍ بِأَنَّهُ نَزَّلَ الْمُعَيَّنَ الْمُبْهَمَ مَنْزِلَةَ الْعَامِّ إِشَارَةً إِلَى اشْتَرَاكِ مَنْ يَتَّصِفُ بِذَلِكَ فِي الْعِقَابِ الْمَذْكُورِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٧٠ - بَاب الْهَدْيِ الصَّالِحِ

٦٠٩٧ - حَدَّثَني إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي أُسَامَةَ: أَحَدَّثَكُمْ الْأَعْمَشُ سَمِعْتُ شَقِيقًا قَالَ: سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ يَقُولُ: إِنَّ أَشْبَهَ النَّاسِ دَلًّا وَسَمْتًا وَهَدْيًا بِرَسُولِ اللَّهِ لَابْنُ أُمِّ عَبْدٍ مِنْ حِينِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِ، لَا نَدْرِي مَا يَصْنَعُ فِي أَهْلِهِ إِذَا خَلَا.

٦٠٩٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُخَارِقٍ سَمِعْتُ طَارِقاً قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ إِنَّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ

[الحديث ٦٠٩٨ - طرفه في: ٧٢٧٧]

قَوْلُهُ: (بَابُ الْهَدْيِ الصَّالِحِ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِ الدَّالِ هُوَ الطَّرِيقَةُ الصَّالِحَةُ، وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ لَفْظُ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ وَجْهَيْنِ مِنْ طَرِيقِ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ الْهَدْيُ الصَّالِحُ وَالسَّمْتُ الصَّالِحُ وَالِاقْتِصَادُ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، وَفِي الطَّرِيقِ الْأُخْرَى جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَحْمَدُ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَى طَرِيقِ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ فِي التَّعْبِيرِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ الرُّؤْيَاتِ الصَّالِحَةِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الِاقْتِصَادُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا كَانَ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ مَحْمُودٍ وَمَذْمُومٍ، كَالتَّوَسُّطِ بَيْنَ الْجَوْرِ وَالْعَدْلِ، وَهَذَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ وَهَذَا مَحْمُودٌ وَمَذْمُومٌ بِالنِّسْبَةِ، وَالثَّانِي: مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ طَرَفَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ كَالْجُودِ؛ فَإِنَّهُ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الْإِسْرَافِ وَالْبُخْلِ، وَكَالشَّجَاعَةِ فَإِنَّهَا مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ التَّهَوُّرِ وَالْجُبْنِ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ وَنَصَّ الْبُخَارِيُّ لَفْظَهُ، وَلَكِنَّهُ حُذِفَ مِنْ آخِرِهِ قَوْلُ أَبِي أُسَامَةَ، وَهُوَ ثَابِتٌ فِي مُسْنَدِ إِسْحَاقَ، فَقَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: فَأَقَرَّ بِهِ أَبُو أُمامَةَ، وَقَالَ: نَعَمْ وَشَقِيقٌ هُوَ أَبُو وَائِلٍ.

قَوْلُهُ: (دَلًّا) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ هُوَ حُسْنُ الْحَرَكَةِ فِي الْمَشْيِ وَالْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمَا، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الطَّرِيقِ.

قَوْلُهُ: (وَسَمْتًا) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ هُوَ حُسْنُ الْمَنْظَرِ فِي أَمْرِ الدِّينِ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْقَصْدِ فِي الْأَمْرِ وَعَلَى الطَّرِيقِ وَالْجِهَةِ.

قَوْلُهُ: (وَهَدْيًا) قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْهَدْي وَالدَّلُّ مُتَقَارِبَانِ، يُقَالُ فِي السَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ وَفِي الْهَيْبَةِ وَالْمَنْظَرِ وَالشَّمَائِلِ قَالَ: وَالسَّمْتُ يَكُونُ فِي حُسْنِ الْهَيْئَةِ وَالْمَنْظَرِ مِنْ جِهَةِ الْخَيْرِ، وَالدِّينِ لَا مِنْ جِهَةِ الْجَمَالِ وَالزِّينَةِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الطَّرِيقِ، وَكِلَاهُمَا جَيِّدٌ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ هَيْئَةُ أَهْلِ الْخَيْرِ عَلَى طَرِيقَةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ.

قَوْلُهُ: (لِابْنِ أُمِّ عَبْدٍ) بِفَتْحِ اللَّامِ، وَهِيَ تَأْكِيدٌ بَعْدَ التَّأْكِيدِ بِأَنَّ الْمَكْسُورَةَ الَّتِي فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ، وَابْنُ أُمِّ عَبْدٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بِلَفْظِ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَفِي الْحَدِيثِ فَضِيلَةٌ لِابْنِ مَسْعُودٍ جَلِيلَةٌ لِشَهَادَةِ حُذَيْفَةَ لَهُ بِأَنَّهُ أَشَدُّ النَّاسِ شَبَهًا بِرَسُولِ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْخِصَالِ، وَفِيهِ تَوَقَّى حُذَيْفَةُ حَيْثُ قَالَ: مِنْ حِينِ يَخْرُجُ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ فَإِنَّهُ اقْتَصَرَ فِي الشَّهَادَةِ لَهُ بِذَلِكَ عَلَى مَا يُمْكِنُهُ مُشَاهَدَتُهُ، وَإِنَّمَا قَالَ: لَا أَدْرِي مَا يَصْنَعُ فِي أَهْلِهِ لِأَنَّهُ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ إِذَا خَلَا يَكُونُ فِي انْبِسَاطِهِ لِأَهْلِهِ يَزِيدُ أَوْ يَنْقُصُ عَنْ هَيْئَةِ رَسُولِ اللَّهِ فِي أَهْلِهِ، وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ إِثْبَاتَ نَقْصٍ فِي حَقِّ عَبْدِ اللَّهِ . وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ أَنَّ أَصْحَابَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ كَانُوا يَنْظُرُونَ إِلَى سَمْتِهِ وَهَدْيِهِ وَدَلِّهِ فَيَتَشَبَّهُونَ بِهِ، فَكَأَنَّ الْحَامِلَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ.

وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: اعْلَمُوا أَنَّ حُسْنَ الْهَدْيِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ خَيْرٌ مِنْ بَعْضِ الْعَمَلِ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ، وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ، فَكَأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ لِأَجْلِ هَذَا كَانَ يَحْرِصُ عَلَى حُسْنِ الْهَدْيِ، وَقَدِ اسْتَشْكَلَ الدَّاوُدِيُّ الشَّارِحُ بِقَوْلِ حُذَيْفَةَ فِي ابْنِ مَسْعُودٍ قَوْلُ مَالِكٍ كَانَ عُمَرُ أَشْبَهَ النَّاسِ بِهَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ وَأَشْبَهُ النَّاسِ بِعُمَرَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَبِعَبْدِ اللَّهِ ابْنُهُ سَالِمٌ قَالَ الدَّاوُدِيُّ: وَقَوْلُ حُذَيْفَةَ يُقَدَّمُ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِاخْتِلَافِ مُتَعَلِّقِ الشَّبَهِ بِحَمْلِ شَبَهِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِالسَّمْتِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ، وَقَوْلُ مَالِكٍ بِالْقُوَّةِ فِي الدِّينِ وَنَحْوِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مَقَالَةُ حُذَيْفَةَ وَقَعَتْ بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ، ويُؤَيِّدُ قَوْلَ مَالِكٍ مَا أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَلْزَمَ لِطَرِيقِ النَّبِيِّ مِنْ عُمَرَ، وَفِي السُّنَنِ وَمُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشْبَهَ سَمْتًا وَهَدْيًا وَدَلًّا بِرَسُولِ اللَّهِ مِنْ فَاطِمَةَ قُلْتُ: وَيُجْمَعُ بِالْحَمْلِ فِي هَذَا عَلَى النِّسَاءِ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ عُمَرَ مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَدْيِ عَمْرِو بْنِ الْأَسْوَدِ.

قُلْتُ: وَيُجْمَعُ بِالْحَمْلِ عَلَى مَنْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ، وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ: حَجَّ عَمْرُو بْنُ الْأَسْوَدِ فَرَآهُ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ أَشْبَهَ صَلَاةً

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وحديثُ الباب أخرجه مسلمٌ في «الأدبِ» أيضًا.

٦٠٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: بالإفراد (ابْنُ سَلَامٍ) ولأبي ذرٍّ: «محمَّدِ بن (١) سلام» قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريُّ (عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ) بضم السين المهملة (نَافِعِ بْنِ مَالِكِ ابْنِ أَبِي عَامِرٍ) الأصبحيِّ (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: آيَةُ المُنَافِقِ) والنَّفق: سَرَبٌ في الأرض له مخلصٌ إلى مكان [آخر] (٢)، والنَّافقاء إحدى جِحَرَةِ اليربوعِ، فإذا أتي من قبل القاصِعَاء -وهو جحره الَّذي يَقْصع فيه، أي: يدخلُ- ضرب النَّافقاء برأسهِ فانتفقَ، أي: خرجَ، تقول (٣): نافق اليَرْبوع، أي: أخذ في نافقائه، ومنه اشتقاقُ المنافق وهو الَّذي يدخلُ في الشَّرع من بابٍ ويخرجُ من باب، أيضًا يكتُم الكفرَ، ويظهرُ الإسلام (٤)، كما أنَّ اليربوع يكتُم النَّافقاء ويُظهرُ القاصعاء، والآية: العلامة، أي: علامةُ المنافق (ثَلَاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ) فأخبرَ عن الشَّيء على خلافِ ما هو به (وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ) فلم يفِ بما وعدَ به (وَإِذَا اؤْتُمِنَ) أمانةً (خَانَ) فلم يؤدِّها إلى أهلها. قال التُوْربِشتي: من اجتمعتْ فيه هذه الخصال واستمرَّت أحواله عليها فبالحريِّ أن يسمَّى منافقًا، وأمَّا المؤمن المفتون بها فإنَّه إن فعلها مرًّة تركها أُخرى، وإن أصرَّ عليها زمانًا أقلعَ عنها زمانًا آخر، وإن وجدتْ فيه خلًّة عدمتْ منه (٥) أخرى. وقال الخطَّابيُّ: هذا القولُ إنَّما خرجَ على سبيلِ الإنذارِ للمرءِ المسلم والتَّحذيرِ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله