«لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦١١٤

الحديث رقم ٦١١٤ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الحذر من الغضب.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ…

«لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ.»

إسناد حديث: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ…

٦١١٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا…

شرح حديث: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَلَيْهِمْ﴾ كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ فِي أَنَّهُ كَانَ يَصْبِرُ عَلَى الْأَذَى، إِنَّمَا هُوَ فِيمَا كَانَ مِنْ حَقِّ نَفْسِهِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ لِلَّهِ - تَعَالَى - فَإِنَّهُ يَمْتَثِلُ فِيهِ أَمْرَ اللَّهِ مِنَ الشِّدَّةِ. وَذَكَرَ فِيهِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ تَقَدَّمَتْ كُلُّهَا وَفِي كُلٍّ مِنْهَا ذَكَرَ غَضَبَ النَّبِيِّ فِي أَسْبَابٍ مُخْتَلِفَةٍ مَرْجِعُهَا إِلَى أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ كَانَ فِي أَمْرِ اللَّهِ، وَأَظْهَرَ الْغَضَبَ فِيهَا لِيَكُونَ أَوْكَدَ فِي الزَّجْرِ عَنْهَا.

الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي الْقِرَامِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي اللِّبَاسِ، وَيَسَرَةُ شَيْخُهُ بِفَتْحِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ وَالْمُهْمَلَةِ.

الثَّانِي: حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ فِي قِصَّةِ تَطْوِيلِ الْإِمَامِ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ.

الثَّالِثُ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي النُّخَامَةِ فِي الْقِبْلَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَقَوْلُهُ: حِيَالَ وَجْهِهِ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ خَفِيفَةٌ أَيْ تِلْقَاءَه.

الرَّابِعُ: حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ فِي اللُّقَطَةِ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ.

الْخَامِسُ: حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ احْتَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ حُجَيْرَةً وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَبْوَابِ الْإِمَامَةِ، وَحُجَيْرَةٌ تَصْغِيرُ حُجْرَةٍ بِالرَّاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيهِ رِوَايَةٌ بِالزَّايِ، وَيُقَالُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ، وَالْخَصَفَةُ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ فَاءٌ: مَا يُتَّخَذُ مِنْ خُوصِ الْمُقْلِ أَوِ النَّخْلِ، وَقَوْلُهُ فِيهِ: وَقَالَ الْمَكِّيُّ هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَلْخِيُّ أَحَدُ مَشَايِخِهِ، وَقَدْ وَصَلَهُ أَحْمَدُ، وَالدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدَيْهِمَا، عَنِ الْمَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بِتَمَامِهِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ شَيْخُهُ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ هُوَ الزِّيَادِيُّ مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ الْكَلَابَاذِيُّ: أَخْرَجَ لَهُ شِبْهَ الْمَقْرُونِ! وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: رَوَى لَهُ اسْتِشْهَادًا، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ قَبْلَ الْبُخَارِيِّ بِقَلِيلٍ، مَاتَ فِي حُدُودِ الْخَمْسِينَ وَيُقَالُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ، وَذَكَرَ ذَلِكَ الدِّمْيَاطِيُّ فِي حَوَاشِيهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ هُوَ غُنْدَرٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ هُوَ ابْنُ أَبِي هِنْدٍ، وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى لَفْظِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ.

وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ: فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ مُغْضَبًا وَالظَّاهِرُ أَنَّ غَضَبَهُ لِكَوْنِهِمُ اجْتَمَعُوا بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَلَمْ يَكْتَفُوا بِالْإِشَارَةِ مِنْهُ، لِكَوْنِهِ لَمْ يَخْرُجْ عَلَيْهِمْ، بَلْ بَالَغُوا فَحَصَبُوا بَابَهُ وَتَتَبَّعُوهُ، أَوْ غَضِبَ لِكَوْنِهِ تَأَخَّرَ إِشْفَاقًا عَلَيْهِمْ لِئَلَّا تُفْرَضَ عَلَيْهِم وَهُمْ يَظُنُّونَ غَيْرَ ذَلِكَ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ: صَلَّى فِي مَسْجِدِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ أَيْ فِي قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا صَلَاةُ النَّافِلَةِ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَلَ فِي بَيْتِهِ مِنْ فَرِيضَةٍ، وَزَيَّفَهُ بِحَدِيثِ الْبَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٧٦ - بَاب الْحَذَرِ مِنْ الْغَضَبِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ وَقَوْلِهِ ﷿: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾

٦١١٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ.

٦١١٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ قَالَ اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ وَأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ مُغْضَباً قَدْ احْمَرَّ وَجْهُهُ. فَقال النبي : "إِنِّي لَاعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ لَوْ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ". فَقَالُوا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الَّذين يجتنبون كبائرَ الإثم والفواحش، وإذا كان مدحًا يكون ضدُّه ذمًّا، ومن المذمومِ عدم التجاوز (١) عند الغضب، فدلَّ على التَّحذير من الغضب المذمومِ، وأمَّا الآية الثَّانية ففي مدحِ المتَّقين الموصوفين بهذهِ الأوصاف، فدلَّ (٢) على أنَّ ضدَّها مذمومٌ، فعدمُ كظم الغيظِ، وعدم العفو عين الغضبِ، فدلَّ على التَّحذير منه، والله الموفق.

٦١١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) الدِّمشقيُّ التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمامُ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ) فلا يغضبُ، والصُّرَعة بضم المهملة وفتح الراء، وهو من أبنيةِ المبالغة، وكل ما (٣) جاء بهذا الوزن بالضَّم والفتح كهُمزة ولُمزة وحُفَظة وضُحَكة، والمراد بالصُّرَعة من يصرعُ النَّاس كثيرًا بقوَّته فنقل إلى الَّذي يملك نفسَه عند الغضبِ، فإنَّه إذا ملكها كان قد قهرَ أقوى أعدائهِ وشرَّ خصومهِ، ولذا قيل: أعدَى عدوٍّ لك (٤) نفسك الَّتي بين جنبيكَ، وهذا من الألفاظِ الَّتي نُقِلتْ عن موضوعها اللُّغوي لضربٍ (٥) من التَّوسُّع والمجاز، وهو من فصيح الكلام لأنَّه لمَّا كان الغضبان بحالةٍ شديدةٍ من الغيظِ، وقد (٦) ثارتْ عليه شهوةُ الغضبِ فقهرهَا بحِلْمهِ وصرعهَا بثَباتهِ، كان كالصُّرعة الَّذي يصرع الرِّجال ولا يصرعونَهُ. وفي حديثِ ابنِ مسعود عند مسلم مرفوعًا: «ما تعدُّون الصُّرعة فيكمْ؟ قالوا: الَّذي لا يصرعه الرِّجال» وعند البزَّار بسندٍ حسن، عن أنسٍ: أنَّ النَّبيَّ مرَّ بقومٍ يصطرعون، فقال: «ما هذا؟» قالوا: فلانٌ ما يصارعُ أحدًا

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

بَعضهم وَأبْعد من قَالَ صلوا فِي مَسْجده بِغَيْر إِذْنه قلت غمز بِهِ على الْكرْمَانِي وَلَا بعد فِيهِ أصلا بل الْأَقْرَب هَذَا على مَا لَا يخفى قَوْله " مازال بكم " أَي ملتبسا بكم صنيعكم أَي مصنوعكم وَالْمرَاد بِهِ صلَاتهم قَوْله حَتَّى ظَنَنْت أَي حَتَّى خفت من الظَّن بِمَعْنى الْخَوْف هُنَا قَوْله " سيكتب عَلَيْكُم " أَي سيفرض عَلَيْكُم فَلَا تقوموا بِحقِّهِ فتعاقبوا عَلَيْهِ قَوْله " إِلَّا الْمَكْتُوبَة " أَي الْفَرِيضَة وَفِيه أَن أفضل النَّافِلَة مَا كَانَ مِنْهَا فِي الْبيُوت وَعند السّتْر عَن أعين النَّاس إِلَّا مَا كَانَ من شعار الشَّرِيعَة كالعيد وَحكى ابْن التِّين عَن قوم أَنه يسْتَحبّ أَن يَجْعَل فِي بَيته من فَرِيضَة والْحَدِيث يرد عَلَيْهِ فَإِن قلت ورد قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اجعلوا من صَلَاتكُمْ فِي بُيُوتكُمْ وَلَا تتخذوها قبورا قلت هُوَ مَحْمُول على النَّافِلَة

٧٦ - (بابُ الحَذَرِ مِنَ الغَضَبِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الحذر من أجل الْغَضَب، وَهُوَ غليان دم الْقلب لإِرَادَة الانتقام.

لِقَوْلِ الله تَعَالَى: وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ} (الشورى: ٣٧) وَقَوله: الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السَّرَّآءِ وَالضَّرَّآءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (آل عمرَان: ١٣٤) [/ ح.

احْتج للحذر من الْغَضَب بالآيتين الكريمتين، كَذَا سوق الْآيَتَيْنِ فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر سَاق إِلَى قَوْله: {والكاظمين الغيظ} ثمَّ قَالَ: الْآيَة، وَقَالَ بَعضهم: وَلَيْسَ فِي الْآيَتَيْنِ دلَالَة على التحذر من الْغَضَب إلَاّ أَنه لما ضم من يَكْظِم غيظه إِلَى من يجْتَنب الْفَوَاحِش كَانَ فِي ذَلِك إِشَارَة إِلَى الْمَقْصُود. قلت: لَيْسَ كَمَا قَالَ، بل فِي كل مِنْهُمَا دلَالَة على التحذر من الْغَضَب أما الْآيَة الأولى فَفِي مدح الَّذين يجتنبون كَبَائِر الْإِثْم، قَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ الشّرك وَالْفَوَاحِش، قَالَ السّديّ: يَعْنِي الزِّنَا. وَقَالَ مقَاتل: يَعْنِي مُوجبَات الْحُدُود {وَإِذا مَا غضبوا هم يغفرون} بِمَعْنى: يتجاوزون ويحلمون، وَقد قيل: إِن هَذِه وَمَا قبلهَا نزلت فِي أبي بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ، فَإِذا كَانَ مَا ذكر فِيهَا مدحاً يكون ضِدّه أَن لَا يتَجَاوَز الشَّخْص إِذا غضب، فَدلَّ ذَلِك بِالضَّرُورَةِ على التحذر من الْغَضَب المذموم، وَأما الْآيَة الْأُخْرَى فَفِي مدح الْمُتَّقِينَ الَّذين وَصفهم الله بِهَذِهِ الْأَوْصَاف الْمَذْكُورَة فِيهَا، فَيدل ضد هَذِه الْأَوْصَاف على الذَّم، وَمن الذَّم: عدم كظم الغيظ، وَعدم الْعَفو عَن النَّاس، وَعدم كظم الغيظ هُوَ عين الْغَضَب، فَدلَّ ذَلِك أَيْضا على التحذر من الْغَضَب، فَافْهَم، وَالله أعلم.

٦١١٤ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عَنِ ابنِ شِهابٍ عَنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ، أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: لَيْسَ الشَّدِيدُ بالصُّرَعَةِ؟ إنَّما الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ الإغراء على الحذر من الْغَضَب.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن الْحَارِث بن مِسْكين.

قَوْله: (بالصرعة) بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الرَّاء الَّذِي يصرع الرِّجَال مكثراً فِيهِ وَهُوَ بِنَاء الْمُبَالغَة كالحفظة بِمَعْنى كثيرا الْحِفْظ، وَقَالَ ابْن التِّين: ضبطناه بِفَتْح الرَّاء وقرأه بَعضهم بسكونها وَلَيْسَ بِشَيْء، لِأَنَّهُ عكس الْمَطْلُوب، قَالَ: وَضبط أَيْضا فِي بعض الْكتب بِفَتْح الصَّاد وَلَيْسَ بِشَيْء لِأَنَّهُ عكس الْمَطْلُوب، لِأَن الصرعة بِسُكُون الرَّاء: من يصرعه غَيره كثيرا، وَهَذَا غير مَقْصُود هَهُنَا.

٦١١٥ - حدَّثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ حدّثنا جَرِيرٌ عَنْ الأعْمَشِ عَنْ عَديِّ بنِ ثابِت حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ صُرَدٍ قَالَ: اسْتَبَّ رَجلانِ عِنْدَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ، وأحَدُهُما يَسُبُّ صاحِبَهُ مُغْضَباً قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إنِّي لأعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قالَها لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أعُوذُ بِاللَّه مِنَ الشَّيْطان الرَّجِيمِ، فقالُوا لِلرَّجُلِ: ألَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَالَ: إنِّي لَسْتُ بِمَجْنُونٍ. (انْظُر الحَدِيث ٣٢٨٢ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (إِنِّي لأعْلم كلمة لَو قَالَهَا لذهب عَنهُ مَا يجد) فَإِن من قَالَ هَذِه الْكَلِمَة لحذر عَن الْغَضَب

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَلَيْهِمْ﴾ كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ فِي أَنَّهُ كَانَ يَصْبِرُ عَلَى الْأَذَى، إِنَّمَا هُوَ فِيمَا كَانَ مِنْ حَقِّ نَفْسِهِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ لِلَّهِ - تَعَالَى - فَإِنَّهُ يَمْتَثِلُ فِيهِ أَمْرَ اللَّهِ مِنَ الشِّدَّةِ. وَذَكَرَ فِيهِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ تَقَدَّمَتْ كُلُّهَا وَفِي كُلٍّ مِنْهَا ذَكَرَ غَضَبَ النَّبِيِّ فِي أَسْبَابٍ مُخْتَلِفَةٍ مَرْجِعُهَا إِلَى أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ كَانَ فِي أَمْرِ اللَّهِ، وَأَظْهَرَ الْغَضَبَ فِيهَا لِيَكُونَ أَوْكَدَ فِي الزَّجْرِ عَنْهَا.

الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي الْقِرَامِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي اللِّبَاسِ، وَيَسَرَةُ شَيْخُهُ بِفَتْحِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ وَالْمُهْمَلَةِ.

الثَّانِي: حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ فِي قِصَّةِ تَطْوِيلِ الْإِمَامِ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ.

الثَّالِثُ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي النُّخَامَةِ فِي الْقِبْلَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَقَوْلُهُ: حِيَالَ وَجْهِهِ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ خَفِيفَةٌ أَيْ تِلْقَاءَه.

الرَّابِعُ: حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ فِي اللُّقَطَةِ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ.

الْخَامِسُ: حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ احْتَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ حُجَيْرَةً وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَبْوَابِ الْإِمَامَةِ، وَحُجَيْرَةٌ تَصْغِيرُ حُجْرَةٍ بِالرَّاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيهِ رِوَايَةٌ بِالزَّايِ، وَيُقَالُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ، وَالْخَصَفَةُ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ فَاءٌ: مَا يُتَّخَذُ مِنْ خُوصِ الْمُقْلِ أَوِ النَّخْلِ، وَقَوْلُهُ فِيهِ: وَقَالَ الْمَكِّيُّ هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَلْخِيُّ أَحَدُ مَشَايِخِهِ، وَقَدْ وَصَلَهُ أَحْمَدُ، وَالدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدَيْهِمَا، عَنِ الْمَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بِتَمَامِهِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ شَيْخُهُ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ هُوَ الزِّيَادِيُّ مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ الْكَلَابَاذِيُّ: أَخْرَجَ لَهُ شِبْهَ الْمَقْرُونِ! وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: رَوَى لَهُ اسْتِشْهَادًا، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ قَبْلَ الْبُخَارِيِّ بِقَلِيلٍ، مَاتَ فِي حُدُودِ الْخَمْسِينَ وَيُقَالُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ، وَذَكَرَ ذَلِكَ الدِّمْيَاطِيُّ فِي حَوَاشِيهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ هُوَ غُنْدَرٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ هُوَ ابْنُ أَبِي هِنْدٍ، وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى لَفْظِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ.

وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ: فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ مُغْضَبًا وَالظَّاهِرُ أَنَّ غَضَبَهُ لِكَوْنِهِمُ اجْتَمَعُوا بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَلَمْ يَكْتَفُوا بِالْإِشَارَةِ مِنْهُ، لِكَوْنِهِ لَمْ يَخْرُجْ عَلَيْهِمْ، بَلْ بَالَغُوا فَحَصَبُوا بَابَهُ وَتَتَبَّعُوهُ، أَوْ غَضِبَ لِكَوْنِهِ تَأَخَّرَ إِشْفَاقًا عَلَيْهِمْ لِئَلَّا تُفْرَضَ عَلَيْهِم وَهُمْ يَظُنُّونَ غَيْرَ ذَلِكَ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ: صَلَّى فِي مَسْجِدِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ أَيْ فِي قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا صَلَاةُ النَّافِلَةِ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَلَ فِي بَيْتِهِ مِنْ فَرِيضَةٍ، وَزَيَّفَهُ بِحَدِيثِ الْبَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٧٦ - بَاب الْحَذَرِ مِنْ الْغَضَبِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ وَقَوْلِهِ ﷿: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾

٦١١٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ.

٦١١٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ قَالَ اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ وَأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ مُغْضَباً قَدْ احْمَرَّ وَجْهُهُ. فَقال النبي : "إِنِّي لَاعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ لَوْ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ". فَقَالُوا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الَّذين يجتنبون كبائرَ الإثم والفواحش، وإذا كان مدحًا يكون ضدُّه ذمًّا، ومن المذمومِ عدم التجاوز (١) عند الغضب، فدلَّ على التَّحذير من الغضب المذمومِ، وأمَّا الآية الثَّانية ففي مدحِ المتَّقين الموصوفين بهذهِ الأوصاف، فدلَّ (٢) على أنَّ ضدَّها مذمومٌ، فعدمُ كظم الغيظِ، وعدم العفو عين الغضبِ، فدلَّ على التَّحذير منه، والله الموفق.

٦١١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) الدِّمشقيُّ التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمامُ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ) فلا يغضبُ، والصُّرَعة بضم المهملة وفتح الراء، وهو من أبنيةِ المبالغة، وكل ما (٣) جاء بهذا الوزن بالضَّم والفتح كهُمزة ولُمزة وحُفَظة وضُحَكة، والمراد بالصُّرَعة من يصرعُ النَّاس كثيرًا بقوَّته فنقل إلى الَّذي يملك نفسَه عند الغضبِ، فإنَّه إذا ملكها كان قد قهرَ أقوى أعدائهِ وشرَّ خصومهِ، ولذا قيل: أعدَى عدوٍّ لك (٤) نفسك الَّتي بين جنبيكَ، وهذا من الألفاظِ الَّتي نُقِلتْ عن موضوعها اللُّغوي لضربٍ (٥) من التَّوسُّع والمجاز، وهو من فصيح الكلام لأنَّه لمَّا كان الغضبان بحالةٍ شديدةٍ من الغيظِ، وقد (٦) ثارتْ عليه شهوةُ الغضبِ فقهرهَا بحِلْمهِ وصرعهَا بثَباتهِ، كان كالصُّرعة الَّذي يصرع الرِّجال ولا يصرعونَهُ. وفي حديثِ ابنِ مسعود عند مسلم مرفوعًا: «ما تعدُّون الصُّرعة فيكمْ؟ قالوا: الَّذي لا يصرعه الرِّجال» وعند البزَّار بسندٍ حسن، عن أنسٍ: أنَّ النَّبيَّ مرَّ بقومٍ يصطرعون، فقال: «ما هذا؟» قالوا: فلانٌ ما يصارعُ أحدًا

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

بَعضهم وَأبْعد من قَالَ صلوا فِي مَسْجده بِغَيْر إِذْنه قلت غمز بِهِ على الْكرْمَانِي وَلَا بعد فِيهِ أصلا بل الْأَقْرَب هَذَا على مَا لَا يخفى قَوْله " مازال بكم " أَي ملتبسا بكم صنيعكم أَي مصنوعكم وَالْمرَاد بِهِ صلَاتهم قَوْله حَتَّى ظَنَنْت أَي حَتَّى خفت من الظَّن بِمَعْنى الْخَوْف هُنَا قَوْله " سيكتب عَلَيْكُم " أَي سيفرض عَلَيْكُم فَلَا تقوموا بِحقِّهِ فتعاقبوا عَلَيْهِ قَوْله " إِلَّا الْمَكْتُوبَة " أَي الْفَرِيضَة وَفِيه أَن أفضل النَّافِلَة مَا كَانَ مِنْهَا فِي الْبيُوت وَعند السّتْر عَن أعين النَّاس إِلَّا مَا كَانَ من شعار الشَّرِيعَة كالعيد وَحكى ابْن التِّين عَن قوم أَنه يسْتَحبّ أَن يَجْعَل فِي بَيته من فَرِيضَة والْحَدِيث يرد عَلَيْهِ فَإِن قلت ورد قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اجعلوا من صَلَاتكُمْ فِي بُيُوتكُمْ وَلَا تتخذوها قبورا قلت هُوَ مَحْمُول على النَّافِلَة

٧٦ - (بابُ الحَذَرِ مِنَ الغَضَبِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الحذر من أجل الْغَضَب، وَهُوَ غليان دم الْقلب لإِرَادَة الانتقام.

لِقَوْلِ الله تَعَالَى: وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ} (الشورى: ٣٧) وَقَوله: الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السَّرَّآءِ وَالضَّرَّآءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (آل عمرَان: ١٣٤) [/ ح.

احْتج للحذر من الْغَضَب بالآيتين الكريمتين، كَذَا سوق الْآيَتَيْنِ فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر سَاق إِلَى قَوْله: {والكاظمين الغيظ} ثمَّ قَالَ: الْآيَة، وَقَالَ بَعضهم: وَلَيْسَ فِي الْآيَتَيْنِ دلَالَة على التحذر من الْغَضَب إلَاّ أَنه لما ضم من يَكْظِم غيظه إِلَى من يجْتَنب الْفَوَاحِش كَانَ فِي ذَلِك إِشَارَة إِلَى الْمَقْصُود. قلت: لَيْسَ كَمَا قَالَ، بل فِي كل مِنْهُمَا دلَالَة على التحذر من الْغَضَب أما الْآيَة الأولى فَفِي مدح الَّذين يجتنبون كَبَائِر الْإِثْم، قَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ الشّرك وَالْفَوَاحِش، قَالَ السّديّ: يَعْنِي الزِّنَا. وَقَالَ مقَاتل: يَعْنِي مُوجبَات الْحُدُود {وَإِذا مَا غضبوا هم يغفرون} بِمَعْنى: يتجاوزون ويحلمون، وَقد قيل: إِن هَذِه وَمَا قبلهَا نزلت فِي أبي بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ، فَإِذا كَانَ مَا ذكر فِيهَا مدحاً يكون ضِدّه أَن لَا يتَجَاوَز الشَّخْص إِذا غضب، فَدلَّ ذَلِك بِالضَّرُورَةِ على التحذر من الْغَضَب المذموم، وَأما الْآيَة الْأُخْرَى فَفِي مدح الْمُتَّقِينَ الَّذين وَصفهم الله بِهَذِهِ الْأَوْصَاف الْمَذْكُورَة فِيهَا، فَيدل ضد هَذِه الْأَوْصَاف على الذَّم، وَمن الذَّم: عدم كظم الغيظ، وَعدم الْعَفو عَن النَّاس، وَعدم كظم الغيظ هُوَ عين الْغَضَب، فَدلَّ ذَلِك أَيْضا على التحذر من الْغَضَب، فَافْهَم، وَالله أعلم.

٦١١٤ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عَنِ ابنِ شِهابٍ عَنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ، أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: لَيْسَ الشَّدِيدُ بالصُّرَعَةِ؟ إنَّما الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ الإغراء على الحذر من الْغَضَب.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن الْحَارِث بن مِسْكين.

قَوْله: (بالصرعة) بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الرَّاء الَّذِي يصرع الرِّجَال مكثراً فِيهِ وَهُوَ بِنَاء الْمُبَالغَة كالحفظة بِمَعْنى كثيرا الْحِفْظ، وَقَالَ ابْن التِّين: ضبطناه بِفَتْح الرَّاء وقرأه بَعضهم بسكونها وَلَيْسَ بِشَيْء، لِأَنَّهُ عكس الْمَطْلُوب، قَالَ: وَضبط أَيْضا فِي بعض الْكتب بِفَتْح الصَّاد وَلَيْسَ بِشَيْء لِأَنَّهُ عكس الْمَطْلُوب، لِأَن الصرعة بِسُكُون الرَّاء: من يصرعه غَيره كثيرا، وَهَذَا غير مَقْصُود هَهُنَا.

٦١١٥ - حدَّثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ حدّثنا جَرِيرٌ عَنْ الأعْمَشِ عَنْ عَديِّ بنِ ثابِت حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ صُرَدٍ قَالَ: اسْتَبَّ رَجلانِ عِنْدَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ، وأحَدُهُما يَسُبُّ صاحِبَهُ مُغْضَباً قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إنِّي لأعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قالَها لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أعُوذُ بِاللَّه مِنَ الشَّيْطان الرَّجِيمِ، فقالُوا لِلرَّجُلِ: ألَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَالَ: إنِّي لَسْتُ بِمَجْنُونٍ. (انْظُر الحَدِيث ٣٢٨٢ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (إِنِّي لأعْلم كلمة لَو قَالَهَا لذهب عَنهُ مَا يجد) فَإِن من قَالَ هَذِه الْكَلِمَة لحذر عَن الْغَضَب

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 4.1 / 29.5
الإضاءة 18%
البدر بعد 11 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل