«أَتَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ وَمَعَهُنَّ أُمُّ سُلَيْمٍ، فَقَالَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦١٤٩

الحديث رقم ٦١٤٩ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما يجوز من الشعر والرجز والحداء وما يكره منه.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أَتَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ…

«أَتَى النَّبِيُّ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ وَمَعَهُنَّ أُمُّ سُلَيْمٍ، فَقَالَ: وَيْحَكَ

⦗٣٦⦘

يَا أَنْجَشَةُ، رُوَيْدَكَ سَوْقًا بِالْقَوَارِيرِ»، قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: فَتَكَلَّمَ النَّبِيُّ بِكَلِمَةٍ لَوْ تَكَلَّمَ بَعْضُكُمْ لَعِبْتُمُوهَا عَلَيْهِ: قَوْلُهُ: سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ.

إسناد حديث: «أَتَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ…

٦١٤٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:

رواة الحديث: «أَتَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ…

شرح حديث: «أَتَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

رُكْبَةَ عَامِرٍ فَمَاتَ مِنْهُ فَلَمَّا قَفَلُوا قَالَ سَلَمَةُ رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ شَاحِباً فَقَالَ لِي: "مَا لَكَ فَقُلْتُ فِدًى لَكَ أَبِي وَأُمِّي زَعَمُوا أَنَّ عَامِراً حَبِطَ عَمَلُهُ قَالَ مَنْ قَالَهُ قُلْتُ قَالَهُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ وَأُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ الأَنْصَارِيُّ. فَقال رسول الله : "كَذَبَ مَنْ قَالَهُ إِنَّ لَهُ لَاجْرَيْنِ وَجَمَعَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ قَلَّ عَرَبِيٌّ نَشَأَ بِهَا مِثْلَهُ"

٦١٤٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "أَتَى النَّبِيُّ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ وَمَعَهُنَّ أُمُّ سُلَيْمٍ فَقَالَ: "وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ رُوَيْدَكَ سَوْقاً بِالْقَوَارِيرِ" قَالَ أَبُو قِلَابَةَ فَتَكَلَّمَ النَّبِيُّ بِكَلِمَةٍ لَوْ تَكَلَّمَ بِهَا بَعْضُكُمْ لَعِبْتُمُوهَا عَلَيْهِ".

[الحديث ٦١٤٩ - أطرافه في: ٦١٦١، ٦٢٠٢، ٦٢٠٩، ٦٢١٠، ٦٢١١]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الشِّعْرِ وَالرَّجَزِ وَالْحُدَاءِ).

أَمَّا الشِّعْرُ فَهُوَ فِي الْأَصْلِ اسْمٌ لِمَا دَقَّ وَمِنْهُ لَيْتَ شِعْرِي ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي الْكَلَامِ الْمُقَفَّى الْمَوْزُونِ قَصْدًا، وَيُقَالُ أَصْلُهُ الشَّعَرُ بِفَتْحَتَيْنِ، يُقَالُ: شَعَرْتُ أَصَبْتُ الشِّعْرَ، وَشَعَرْتُ بِكَذَا عَلِمْتُ عِلْمًا دَقِيقًا كَإِصَابَةِ الشِّعْرِ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: قَالَ بَعْضُ الْكُفَّارِ عَنِ النَّبِيِّ إِنَّهُ شَاعِرٌ، فَقِيلَ لِمَا وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْكَلِمَاتِ الْمَوْزُونَةِ وَالْقَوَافِي، وَقِيلَ: أَرَادُوا أَنَّهُ كَاذِبٌ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَا يَأْتِي بِهِ الشَّاعِرُ كَذِبٌ، وَمِنْ ثَمَّ سَمَّوُا الْأَدِلَّةَ الْكَاذِبَةَ شِعْرًا، وَقِيلَ فِي الشِّعْرِ: أَحْسَنُهُ وأَكْذَبُهُ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا ذُكِرَ فِي حَدِّ الشِّعْرِ أَنَّ شَرْطَهُ الْقَصْدُ إِلَيْهِ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ مَوْزُونًا اتِّفَاقًا فَلَا يُسَمَّى شِعْرًا، وَأَمَّا الرَّجَزُ فَهُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْجِيمِ بَعْدَهَا زَايٌ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الشِّعْرِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَقِيلَ: لَيْسَ بِشِعْرٍ لِأَنَّهُ يُقَالُ رَاجِزٌ لَا شَاعِرٌ، سُمِّيَ رَجَزًا لِتَقَارُبِ أَجْزَائِهِ وَاضْطِرَابِ اللِّسَانِ بِهِ، وَيُقَالُ رَجَزَ الْبَعِيرُ إِذَا تَقَارَبَ خَطْوُهُ وَاضْطَرَبَ لِضَعْفٍ فِيهِ، وَأَمَّا الْحُدَاءُ فَهُوَ بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ يُمَدُّ وَيُقْصَرُ: سَوْقُ الْإِبِلِ بِضَرْبٍ مَخْصُوصٍ مِنَ الْغِنَاءِ، وَالْحُدَاءُ فِي الْغَالِبِ إِنَّمَا يَكُونُ بِالرَّجَزِ، وَقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِهِ مِنَ الشِّعْرِ، وَلِذَلِكَ عَطَفَهُ عَلَى الشِّعْرِ وَالرَّجَزِ، وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ الْإِبِلِ أَنَّهَا تُسْرِعُ السَّيْرَ إِذَا حُدِيَ بِهَا.

وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ طَاوُسٍ مُرْسَلًا، وَأَوْرَدَهُ الْبَزَّارُ مَوْصُولًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ حَدَا الْإِبِلَ عَبْدٌ لِمُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعْدِ بْنِ عَدْنَانَ كَانَ فِي إِبِلٍ لِمُضَرَ فَقَصَّرَ، فَضَرَبَهُ مُضَرُ عَلَى يَدِهِ فَأَوْجَعَهُ فَقَالَ: يَا يَدَاهُ يَا يَدَاهُ، وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ فَأَسْرَعَتِ الْإِبِلُ لَمَّا سَمِعَتْهُ فِي السَّيْرِ، فَكَانَ ذَلِكَ مَبْدَأَ الْحُدَاءِ. وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الِاتِّفَاقَ عَلَى إِبَاحَةِ الْحُدَاءِ، وَفِي كَلَامِ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ إِشْعَارٌ بِنَقْلِ خِلَافِ فِيهِ، وَمَانِعُهُ مَحْجُوجٌ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَيَلْتَحِقُ بِالْحُدَاءِ هُنَا الْحَجِيجُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى التَّشَوُّقِ إِلَى الْحَجِّ بِذِكْرِ الْكَعْبَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَشَاهِدِ، وَنَظِيرُهُ مَا يُحَرِّضُ أَهْلُ الْجِهَادِ عَلَى الْقِتَالِ، وَمِنْهُ غِنَاءُ الْمَرْأَةِ لِتَسْكِينِ الْوَلَدِ فِي الْمَهْدِ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ سَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيِّ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ لَفْظَةٌ وَقَوْلُهُ وَهِيَ زِيَادَةٌ لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهَا، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: الْمُرَادُ بِالشُّعَرَاءِ شُعَرَاءُ الْمُشْرِكِينَ، يَتَّبِعُهُمْ غُوَاةُ النَّاسِ وَمَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ وَعُصَاةُ الْجِنِّ وَيَرْوُونَ شِعْرَهُمْ ; لِأَنَّ الْغَاوِيَ لَا يَتَّبِعُ إِلَّا غَاوِيًا مِثْلَهُ، وَسَمَّى الثَّعْلَبِيُّ مِنْهُمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزِّبَعْرَى، وَهُبَيْرَةَ بْنَ أَبِي وَهْبٍ،

وَمُسَافِعَ، وَعَمْرَو بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ، وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي شَاعِرَيْنِ تَهَاجَيَا، فَكَانَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَمَاعَةٌ وَهُمُ الْغُوَاةُ السُّفَهَاءُ، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - مَا لَا يَفْعَلُونَ قَالَ: فَنَسَخَ مِنْ ذَلِكَ وَاسْتَثْنَى فَقَالَ: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ - مِنْ طَرِيقٍ مُرْسَلَةٍ - قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ وَهُمْ يَبْكُونَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّا شُعَرَاءُ. فَقَالَ: اقْرَءُوا مَا بَعْدَهَا ﴿إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أَنْتُمْ ﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ أَنْتُمْ.

وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي الثَّلَاثَةِ، وَإِنَّمَا وَرَدَتْ بِالْإِبْهَامِ لِيَدْخُلَ مَعَهُمْ مَنِ اقْتَدَى بِهِمْ، وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ مَعَ الثَّلَاثَةِ كَعْبَ بْنَ زُهَيْرٍ بِغَيْرِ إِسْنَادٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي كُلِّ لَغْوٍ يَخُوضُونَ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: فِي كُلِّ وَادٍ قَالَ: فِي كُلِّ لَغْوٍ، وَفِي قَوْلِهِ: يَهِيمُونَ قَالَ: يَخُوضُونَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَهِيمُونَ أَيْ يَقُولُونَ فِي الْمَمْدُوحِ وَالْمَذْمُومِ مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُمْ كَالْهَائِمِ عَلَى وَجْهِهِ، وَالْهَائِمُ الْمُخَالِفُ لِلْقَصْدِ.

قَوْلُهُ: (وَمَا يُكْرَهُ مِنْهُ) هُوَ قَسِيمُ قَوْلِهِ: مَا يَجُوزُ، وَالَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنْ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ فِي حَدِّ الشِّعْرِ الْجَائِزِ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكْثُرْ مِنْهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَخَلَا عَنْ هَجْوٍ، وَعَنِ الْإِغْرَاقِ فِي الْمَدْحِ وَالْكَذِبِ الْمَحْضِ، وَالتَّغَزُّلِ بِمُعَيَّنٍ لَا يَحِلُّ. وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِهِ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ، وَاسْتَدَلَّ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ وَغَيْرِهَا وَقَالَ: مَا أُنْشِدَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ أَوِ اسْتَنْشَدَهُ، لَمْ يُنْكِرْهُ. قُلْتُ: وَقَدْ جَمَعَ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ شَيْخُ شُيُوخِنَا مُجَلَّدًا فِي أَسْمَاءِ مَنْ نُقِلَ عَنْهُ مِنَ اصَّحَابَةِ شَيْءٌ مِنْ شِعْرٍ مُتَعَلِّقٍ بِالنَّبِيِّ خَاصَّةً، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْبَابِ خَمْسَةُ أَحَادِيثَ دَالَّةً عَلَى الْجَوَازِ، وَبَعْضُهَا مُفَصِّلٌ لِمَا يُكْرَهُ مِمَّا لَا يُكْرَهُ، وَتَرْجَمَ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مَا يُكْرَهُ مِنَ الشِّعْرِ وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ فِرْيَةً الشَّاعِرُ يَهْجُو الْقَبِيلَةَ بِأَسْرِهَا وَسَنَدُهُ حَسَنٌ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ أَعْظَمُ النَّاسِ فِرْيَةً رَجُلٌ هَاجَى رَجُلًا فَهَجَا الْقَبِيلَةَ بِأَسْرِهَا وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: الشَّعْرُ مِنْهُ حَسَنٌ وَمِنْهُ قَبِيحٌ، خُذِ الْحَسَنَ وَدَعِ الْقَبِيحَ، وَلَقَدْ رَوَيْتُ مِنْ شِعْرِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَشْعَارًا مِنْهَا الْقَصِيدَةُ فِيهَا أَرْبَعُونَ بَيْتًا، وَسَنَدُهُ حَسَنٌ.

وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى أَوَّلُهُ مِنْ حَدِيثِهَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَرْفُوعًا، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ الشِّعْرُ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ، فَحَسَنُهُ كَحَسَنِ الْكَلَامِ، وَقَبِيحُهُ كَقَبِيحِ الْكَلَامِ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَقَالَ: لَا يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ. وَقَدِ اشْتُهِرَ هَذَا الْكَلَامُ عَنِ الشَّافِعِيِّ. وَاقْتَصَرَ ابْنُ بَطَّالٍ عَلَى نِسْبَتِهِ إِلَيْهِ فَقَصَّرَ، وَعَابَ الْقُرْطُبِيُّ الْمُفَسِّرُ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ الِاقْتِصَارَ عَلَى نِسْبَةِ ذَلِكَ لِلشَّافِعِيِّ، وَقَدْ شَارَكَهُمْ فِي ذَلِكَ ابْنُ بَطَّالٍ وَهُوَ مَالِكِيٌّ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَطَاءً عَنِ الْحُدَاءِ وَالشِّعْرِ وَالْغِنَاءِ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يَكُنْ فاحْشًا.

الحديث الأول: قَوْلُهُ: (عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيَّ، وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ أَرْبَعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ قُرَشِيُّونَ مَدَنِيُّونَ فِي نَسَقٍ، فَالزُّهْرِيُّ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ، وَأَبُو بَكْرٍ وَمَنْ فَوْقَهُ مِنْ كِبَارِهِمْ ; وَلِمَرْوَانَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ مَزِيَّةُ إِدْرَاكِ النَّبِيِّ وَلَكِنَّهُمَا مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةِ مَعْدُودَانِ فِي التَّابِعِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا أَنَّ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ رُؤْيَةٌ وَأَنَّهُ عُدَّ لِذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ، وَكَذَا ذَكَرَ بَعْضُهُمْ مَرْوَانَ فِي الصَّحَابَةِ لِإِدْرَاكِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي الشُّرُوطِ. وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَى

الزُّهْرِيِّ فِي سَنَدِهِ: فَالْأَكْثَرُ عَلَى مَا قَالَ شُعَيْبٌ. وَقَالَ مَعْمَرٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بَدَلَ أَبِي بَكْرٍ مَوْصُولًا، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ مُرْسَلًا، وَوَافَقَ رَبَاحُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مَعْمَرٍ الْجَمَاعَةَ، وَكَذَا قَالَ هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَعْمَرٍ، لَكِنْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَسْوَدِ وَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ: عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَحَذَفَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، مَرْوَانَ مِنَ السَّنَدِ، وَالصَّوَابُ إِثْبَاتُهُ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً) أَيْ قَوْلًا صَادِقًا مُطَابِقًا لِلْحَقِّ. وَقِيلَ: أَصْلُ الْحِكْمَةِ الْمَنْعُ، فَالْمَعْنَى أنَّ مِنَ الشِّعْرِ كَلَامًا نَافِعًا يَمْنَعُ مِنَ السَّفَهِ. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ صَخْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا، وَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلًا، وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكَمًا، وَإِنَّ مِنَ الْقَوْلِ عَيًّا. فَقَالَ صَعْصَعَةُ بْنُ صُوحَانَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ .

أَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا، فَالرَّجُلُ يَكُونُ عَلَيْهِ الْحَقُّ وَهُوَ أَلْحَنُ بِالْحُجَجِ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ فَيَسْحَرُ الْقَوْمَ بِبَيَانِهِ فَيَذْهَبُ بِالْحَقِّ. وَإن قَوْلُهُ: وَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلًا فَيُكَلَّفُ الْعَالِمُ إِلَى عِلْمِهِ مَا لَا يَعْلَمْ فَيَجْهَلُ ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكَمًا فَهِيَ هَذِهِ الْمَوَاعِظُ وَالْأَمْثَالُ الَّتِي يَتَّعِظُ بِهَا النَّاسُ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ مِنَ الْقَوْلِ عَيًّا فَعَرْضُكَ كَلَامَكَ عَلَى مَنْ لَا يُرِيدُهُ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: مَفْهُومُهُ أَنَّ بَعْضَ الشِّعْرِ لَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ مِنْ تَبْعِيضِيَّةٌ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ وَابْنِ مَاجَهْ بِلَفْظِ: إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكَمًا وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ مِثْلَهُ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: رُبَّمَا قَالَ الشَّاعِرُ الْكَلِمَةُ الْحَكِيمَةُ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مَا كَانَ فِي الشِّعْرِ وَالرَّجَزِ ذِكْرُ اللَّهِ - تَعَالَى - وَتَعْظِيمٌ لَهُ وَوَحْدَانِيَّتُهُ وَإِيثَارُ طَاعَتِهِ وَالِاسْتِسْلَامُ لَهُ فَهُوَ حَسَنٌ مُرَغَّبٌ فِيهِ، وَهُوَ الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ حِكْمَةٌ، وَمَا كَانَ كَذِبًا وَفُحْشًا فَهُوَ مَذْمُومٌ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى مَنْ كَرِهَ الشِّعْرَ مُطْلَقًا وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ الشِّعْرُ مَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ وَعَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ تَمَثَّلَ بِأَوَّلِ بَيْتِ شِعْرٍ ثُمَّ سَكَتَ، فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ: أَخَافُ أَنْ أَجِدَ فِي صَحِيفَتِي شِعْرًا، وَعَنِ أَبِي أُمَامَةَ رَفَعَهُ: إِنَّ إِبْلِيسَ لَمَّا أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ قَالَ: رَبِّ اجْعَلْ لِي قُرْآنًا، قَالَ قُرْآنُكَ الشِّعْرُ ثُمَّ أَجَابَ عَلى ذَلِكَ بِأَنَّهَا أَخْبَارٌ وَاهِيَةٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ، فَحَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ فِيهِ عَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ الْهَانِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَعَلَى تَقْدِيرِ قُوَّتِهَا فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِفْرَاطِ فِيهِ وَالْإِكْثَارِ مِنْهُ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ بَعْدَ بَابٍ، وَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ سَائِرُ أَحَادِيثِ الْبَابِ.

وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: اسْتَنْشَدَنِي النَّبِيُّ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ فَأَنْشَدْتُهُ حَتَّى أَنْشَدْتُهُ مِائَةَ قَافِيَةٍ.

وَعَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ: صَحِبْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى الْبَصْرَةِ فَقَلَّ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ إِلَّا وَهُوَ يُنْشِدُنِي شِعْرًا. وَأَسْنَدَ الطَّبَرِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ وَمِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ أَنَّهُمْ قَالُوا الشِّعْرَ وَأَنْشَدُوهُ وَاسْتَنْشَدُوهُ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ عَنْ خَالِدِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ فَوَقَفَ عَلَيْهِ إِيَاسُ بْنُ خَيْثَمَةَ فَقَالَ: أَلَا أَنْشُدُكَ مِنْ شِعْرِي؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِنْ لَا تُنْشِدْنِي إِلَّا حَسَنًا. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: لَمْ يَكُنْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ مُنْحَرِفِينَ وَلَا مُتَمَاوِتِينَ، وَكَانُوا يَتَنَاشَدُونَ الْأَشْعَارَ فِي مَجَالِسِهِمْ وَيَذْكُرُونَ أَمْرَ جَاهِلِيَّتِهِمْ، فَإِذَا أُرِيدَ أَحَدُهُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ دِينِهِ دَارَتْ حَمَالِيقُ عَيْنَيْهِ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: كُنْتُ أُجَالِسُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ مَعَ أَبِي فِي الْمَسْجِدِ فَيَتَنَاشَدُونَ الْأَشْعَارَ وَيَذْكُرُونَ حَدِيثَ الْجَاهِلِيَّةِ وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ يَتَذَاكَرُونَ الشِّعْرَ وَحَدِيثَ الْجَاهِلِيَّةِ عِنْدَ رَسُولِ

اللَّهِ فَلَا يَنْهَاهُمْ، وَرُبَّمَا يَتَبَسَّمُ.

الحديث الثاني:

قَوْلُهُ: (سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ.

قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ جُنْدَبًا) فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ، عَنِ الْأَسْوَدِ الْمَاضِيَةِ فِي أَوَائِلِ الْجِهَادِ: جُنْدَبُ بْنُ سُفْيَانَ الْبَجَلِيُّ.

قَوْلُهُ: (بَيْنَمَا النَّبِيُّ يَمْشِي) فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ كَانَ فِي بَعْضِ الْمَشَاهِدِ وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنِ الْأَسْوَدِ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ وَأَخْرَجَهُ الطَّيَالِسِيُّ، وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ جُنْدُبٍ كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ فِي غَارٍ.

قَوْلُهُ: (فَعَثَرَ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: هَلْ أَنْتِ إِلَّا أصْبَعٌ دَمِيتِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ) هَذَانِ قِسْمَانِ مِنْ رَجَزٍ، وَالتَّاءُ فِي آخِرِهِمَا مَكْسُورَةٌ عَلَى وَفْقِ الشِّعْرِ، وَجَزَمَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّهُمَا فِي الْحَدِيثِ بِالسُّكُونِ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَزَعَمَ غَيْرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ تَعَمَّدَ إِسْكَانَهُمَا لِيُخْرِجَ الْقِسْمَيْنِ عَنِ الشِّعْرِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مِنْ ضَرْبٍ إلى آخَرَ مِنَ الشِّعْرِ وَهُوَ مِنْ ضُرُوبِ الْبَحْرِ الْمُلَقَّبِ الْكَامِلَ، وَفِي الثَّانِي زِحَافٌ جَائِزٌ. قَالَ عِيَاضٌ: وَقَدْ غَفَلَ بَعْضُ النَّاسِ فَرَوَى دَمِيتِ وَلَقِيتِ بِغَيْرِ مَدٍّ؛ فَخَالَفَ الرِّوَايَةَ لِيَسْلَمَ مِنَ الْإِشْكَالِ فَلَمْ يُصِبْ، وَقَدِ اخْتُلِفَ هَلْ قَالَهُ النَّبِيُّ مُتَمَثِّلًا أَوْ قَالَهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ غَيْرَ قَاصِدٍ لِإِنْشَائِهِ فَخَرَجَ مَوْزُونًا، وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ ابْنَ أَبِي الدُّنْيَا فِي مُحَاسَبَةِ النَّفْسِ أَوْرَدَهُمَا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ فَذَكَرَ أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ لَمَّا قُتِلَ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ بَعْدَ أَنْ قُتِلَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ أَخَذَ اللِّوَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَقَاتَلَ فَأُصِيبَ إِصْبَعُهُ، فَارْتَجَزَ وَجَعَلَ يَقُولُ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ وَزَادَ:

يَا نَفْسُ إِنْ لَا تُقْتَلِي تَمُوتِي … هَذِي حِيَاضُ الْمَوْتِ قَدْ صَلِيتِ

وَمَا تَمَنَّيْتِ فَقَدْ لَقِيتِ … إِنْ تَفْعَلِي فِعْلَهُمَا هُدِيتِ

وَهَكَذَا جَزَمَ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهُمَا مِنْ شِعْرِ ابْنِ رَوَاحَةَ. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ كَانَ رَافَقَ أَبَا بَصِيرٍ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، ثُمَّ إِنَّ الْوَلِيدَ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَعَثَرَ بِالْحَرَّةِ فَانْقَطَعَتْ إِصْبَعُهُ فَقَالَ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَوْصُولٌ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ. وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي زِيَادَاتِ السِّيرَةِ حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: مَنْ لِي بِعَبَّاسِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ أَنَا فَذَكَرَ قِصَّةً فِيهَا فَعَثَرَ فَدَمِيَتْ إِصْبَعُهُ فَقَالَهُمَا وَهَذَا إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ابْنُ رَوَاحَةَ ضَمَّنَهُمَا شِعْرَهُ وَزَادَ عَلَيْهِمَا، فَإِنَّ قِصَّةَ الْحُدَيْبِيَةِ قَبْلَ قِصَّةِ مُؤْتَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَحْوَ هَذَا الِاحْتِمَالِ فِي أَوَائِلِ غَزْوَةِ خَيْبَرَ فِي الرَّجَزِ الْمَنْسُوبِ لِعَامِرِ بْنِ الْأَكْوَعِ: اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا وَأَنَّهُ نُسِبَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِابْنِ رَوَاحَةَ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي جَوَازِ تَمَثُّلِ النَّبِيِّ بِشَيْءٍ مِنَ الشِّعْرِ وَإِنْشَادِهِ حَاكِيًا عَنْ غَيْرِهِ فَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ.

وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَتَمَثَّلُ بِشَيْءٍ مِنَ الشِّعْرِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَتَمَثَّلُ مِنْ شِعْرِ ابْنِ رَوَاحَةَ: وَيَأْتِيكَ بِالْأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ مُرْسَلِ أَبِي جَعْفَرٍ الْخَطْمِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَبْنِي الْمَسْجِدَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ يَقُولُ: أَفْلَحَ مَنْ يُعَالِجُ الْمَسَاجِدَا. فَيَقُولُهَا رَسُولُ اللَّهِ فَيَقُولُ ابْنُ رَوَاحَةَ: يَتْلُو الْقُرْآنَ قَائِمًا وَقَاعِدَا. فَيَقُولُهَا رَسُولُ اللَّهِ وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ فِي التَّارِيخِ عَنْ عَائِشَةَ:

تَفَاءَلْ بِمَا تَهْوَى تَكُنْ فَلَقَلَّمَا … يُقَالُ لِشَيْءٍ كَانَ إِلَّا تَحَقَّقَا

قَالَ: وَإِنَّمَا لَمْ يُعْرِبْهُ لِئَلَّا يَكُونَ شِعْرًا، فَهُوَ شَيْءٌ لَا يَصِحُّ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى وَهَائِهِ التَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ، وَالْحَدِيثُ

الثَّالِثُ فِي الْبَابِ يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ كَانَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكِيَ الشِّعْرَ عَنْ نَاظِمِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ قَوْلُهُ : أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ وَأَنَّهُ دَلَّ عَلَى جَوَازِ وُقُوعِ الْكَلَامِ مِنْهُ مَنْظُومًا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَى ذَلِكَ وَلَا يُسَمَّى ذَلِكَ شِعْرًا.

وَقَدْ وَقَعَ الْكَثِيرُ مِنْ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، لَكِنَّ غَالِبَهَا أَشْطَارُ أَبْيَاتٍ وَالْقَلِيلُ مِنْهَا وَقَعَ وَزْنَ بَيْتٍ تَامٍّ، فَمِنَ التَّامِّ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾ - ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ - ﴿مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ﴾ - ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ - ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ - ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ - ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ﴾ - ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ - ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾ - ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ - ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ - ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ - ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ وَكَذَلِكَ السُّجُودُ - ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ - ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا﴾ - ﴿يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ﴾ - ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ - ﴿وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ - ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ﴾ - ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا﴾ - ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلا لَمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ وَالْوَاوُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَإِنْ كَانَتْ زَائِدَةً عَلَى الْوَزْنِ لَكِنَّهُ يَجُوزُ فِي النَّظْمِ وَيُسَمَّى الْخَزْمُ بِالزَّايِ بَعْدَ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ.

وَأَمَّا الْأَشْطَارُ فَكَثِيرَةٌ جِدًّا فَمِنْهَا: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ - ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولا﴾ - ﴿فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلا مَسَاكِنُهُمْ﴾ - ﴿فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ﴾ - ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ - ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ - ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ - إنه ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولا﴾ - ﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ - ﴿أَلا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ - ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ - ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ - ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ - ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ - ﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ - ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ﴾ - ﴿أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ - ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ - ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ - ﴿نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ - ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ - ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ - ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ - ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ - ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ - ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ - ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ - ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ - ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ - ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ - ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ - ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ - ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾ - ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ﴾ - ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ﴾ - ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ﴾ - ﴿يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ﴾ - ﴿يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ﴾ - ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ -

﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ - ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ - ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ - ﴿فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ - ﴿زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ - ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ - ﴿ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ﴾ - ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ وَمِنَ التَّامِّ أَيْضًا: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ * وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلا﴾ وَإِذَا انْتَهَى إِلَى النَّاسِ تَمَّ أَيْضًا، وَأَيْضًا ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ * وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلا﴾ وَقِيلَ فِي الْجَوَابِ عَنِ الْحَدِيثِ: إِنَّ وُقُوعَ الْبَيْتِ الْوَاحِدِ مِنَ الْفَصِيحِ لَا يُسَمَّى شِعْرًا، وَلَا يُسَمَّى قَائِلُهُ شَاعِرًا.

الحديث الثالث: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَوْلُهُ: عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ زَائِدَةَ بْنِ قُدَامَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهِ وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ كَلِمَةَ لَبِيد: ثُمَّ تَمَثَّلَ أَوَّلَهُ وَتَرَكَ آخِرَهُ. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ زَائِدَةَ مِثْلَ رِوَايَةِ سُفْيَانَ وَمَنْ تَابَعَهُ وَهُوَ الْمَحْفُوظُ.

الحديث

الرابع: حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعَ فِي قِصَّةِ عَامِرِ بْنِ الْأَكْوَعِ، تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ في كِتَابِ الْمَغَازِي، وَقَوْلُهُ فِيهِ: وَكَانَ عَامِرٌ رَجُلًا فَنَزَلَ يَحْدُو بِالْقَوْمِ يُؤْخَذُ مِنْهُ جَمِيعُ التَّرْجَمَةِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الشِّعْرِ وَالرَّجَزِ وَالْحُدَاءِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الرَّجَزُ مِنْ جُمْلَةِ الشِّعْرِ، وَقَوْلُهُ: اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَ اهْتَدَيْنَا قَالَ ابْنُ التِّينِ: هَذَا لَيْسَ بِشِعْرٍ وَلَا رَجَزٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْزُونٍ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، بَلْ رَجَزٌ مَوْزُونٌ، وَإِنَّمَا زِيدَ فِي أَوَّلِهِ سَبَبٌ خَفِيفٌ وَيُسَمَّى الْخَزْمُ بِالْمُعْجَمَتَيْنِ وَقَوْلُهُ: فَاغْفِرْ فِدَاءً لَكَ مَا اقْتَفَيْنَا أَمَّا فِدَاءٌ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالْمَدِّ مَنُونٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُهُ بِالْقَصْرِ، وَشَرْطُ اتِّصَالِهِ بِحَرْفِ الْجَرِّ كَالَّذِي هُنَا، قَالَهُ ابْنُ التِّينِ: وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: لَا يُقَالُ لِلَّهِ فِدَاءً لَكَ لِأَنَّهَا كَلِمَةٌ تُسْتَعْمَلُ عِنْدَ تَوَقُّعِ مَكْرُوهٍ لِشَخْصٍ فَيَخْتَارُ شَخْصٌ آخَرُ أَنْ يَحِلَّ بِهِ دُونَ ذَلِكَ الْآخَرِ وَيَفْدِيهِ، فَهُوَ إِمَّا مَجَازٌ عَنِ الرِّضَا كَأَنَّهُ قَالَ: نَفْسِي مَبْذُولَةٌ لِرِضَاكَ أَوْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ وَقَعَتْ خِطَابًا لِسَامِعِ الْكَلَامِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ تَوْجِيهٌ آخَرُ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مَعْنَاهُ اغْفِرْ لَنَا مَا ارْتَكَبْنَاهُ مِنَ الذُّنُوبِ، وَفِدَاءً لَكَ دُعَاءٌ أَيِ افْدِنَا مِنْ عِقَابِكَ عَلَى مَا اقْتَرَفْنَا مِنْ ذُنُوبِنَا، كَأَنَّهُ قَالَ: اغْفِرْ لَنَا وَافْدِنَا مِنْكَ فِدَاءً لَكَ، أَيْ مِنْ عِنْدَكَ فَلَا تُعَاقِبْنَا بِهِ.

وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ جَعَلَ اللَّامَ لِلتَّبْيِينِ مِثْلَ هَيْتَ لَكَ، وَاسْتَدَلَّ بِجَوَازِ الْحُدَاءِ عَلَى جَوَازِ غِنَاءِ الرُّكْبَانِ الْمُسَمَّى بِالنَّصْبِ، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ النَّشِيدِ بِصَوْتٍ فِيهِ تَمْطِيطٌ، وَأَفْرَطَ قَوْمٌ فَاسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى جَوَازِ الْغِنَاءِ مُطْلَقًا بِالْأَلْحَانِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَيْهَا الْمُوسِيقَى، وَفِيهِ نَظَرٌ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتُلِفَ فِيهِ، فَأَبَاحَهُ قَوْمٌ مُطْلَقًا، وَمَنَعَهُ قَوْمٌ مُطْلَقًا، وَكَرِهَهُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، وَنُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْمَنْعُ، وَكَذَا أَكْثَرُ الْحَنَابِلَةِ. وَنَقَلَ ابْنُ طَاهِرٍ فِي كِتَابِ السَّمَاعِ الْجَوَازَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، لَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ إِلَّا فِي النَّصْبِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ أَوَّلًا. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْغِنَاءُ الْمَمْنُوعُ مَا فِيهِ تَمْطِيطٌ وَإِفْسَادٌ لِوَزْنِ الشِّعْرِ طَلَبًا للضرب وَخُرُوجًا مِنْ مَذَاهِبِ الْعَرَبِ. وَإِنَّمَا وَرَدَتِ الرُّخْصَةُ فِي الضَّرْبِ الْأَوَّلِ دُونَ أَلْحَانِ الْعَجَمِ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: هُوَ الَّذِي لَمْ يَزَلْ أَهْلُ الْحِجَازِ يُرَخِّصُونَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ إِلَّا فِي حَالَتَيْنِ: أَنْ يُكْثِرَ مِنْهُ جِدًّا وَأَنْ يَصْحَبَهُ مَا يَمْنَعُهُ مِنْهُ. وَاحْتَجَّ مَنْ أَبَاحَهُ بِأَنَّ فِيهِ تَرْوِيحًا لِلنَّفْسِ، فَإِنْ فَعَلَهُ لِيَقْوَى عَلَى الطَّاعَةِ فَهُوَ مُطِيعٌ أَوْ عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَهُوَ عَاصٍ، وَإِلَّا فَهُوَ مِثْلُ التَّنَزُّهِ فِي الْبُسْتَانِ وَالتَّفَرُّجِ عَلَى الْمَارَّةِ.

وَأَطْنَبَ الْغَزَالِيُّ فِي الِاسْتِدْلَالِ، وَمُحَصَّلُهُ أَنَّ الْحُدَاءَ بِالرَّجَزِ وَالشِّعْرِ لَمْ يَزَلْ يُفْعَلُ فِي الْحَضْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَرُبَّمَا الْتُمِسَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ هُوَ إِلَّا أَشْعَارٌ تُوزَنُ بِأَصْوَاتٍ طَيِّبَةٍ وَأَلْحَانٍ مَوْزُونَةٍ، كَذَلِكَ الْغِنَاءُ أَشْعَارٌ مَوْزُونَةٌ بِأَصْوَاتٍ مُسْتَلَذَّةٍ وَأَلْحَانٍ مَوْزُونَةٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ بِوَجْهٍ آخَرَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ … (١) وَالْحَلِيمِيُّ مَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا إِلَى الدَّوَاءِ أَوْ شَهِدَ بِهِ طَبِيبٌ عَدْلٌ عَارِفٌ.

الحديث الخامس: قَوْلُهُ: (إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ.

قَوْلُهُ: (أَتَى النَّبِيُّ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ) يَأْتِي فِي بَابِ الْمَعَارِيضِ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ فِي سَفَرٍ، وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ كَانَ فِي مَنْزِلِهِ فَحَدَى الْحَادِي وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي بَابِ الْمَعَارِيضِ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ بِلَفْظِ وَكَانَ مَعَهُمْ سَائِقٌ وَحَادٍ وَلِأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ حَمَّادِ

بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ كَانَ أَنْجَشَةُ يَحْدُو بِالنِّسَاءِ، وَكَانَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ يَحْدُو بِالرِّجَالِ وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ رِوَايَةِ عَفَّانَ، عَنْ حَمَّادٍ، وَفِي رِوَايَةِ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ كَانَ لِلنَّبِيِّ حَادٍ يُقَالُ لَهُ أَنْجَشَةُ وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الْمَعَارِيضِ وَفِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ وَأَنْجَشَةُ غُلَامُ النَّبِيِّ يَسُوقُ بِهِنَّ وَفِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، فَاشْتَدَّ بِهِنَّ السِّيَاقِ أَخْرَجَهَا أَحْمَدُ، عَنِ ابْنِ عَدِيٍّ عَنْهُ، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ فَإِذَا أَعْنَقَتِ الْإِبِلُ وَهِيَ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَنُونٍ وَقَافٍ أَيْ أَسْرَعَتْ وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ، وَالْعَنَقُ بِفَتْحَتَيْنِ قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ.

قَوْلُهُ: (وَمَعَهُنَّ أُمُّ سُلَيْمٍ) فِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ الْحَارِثِ وَكَانَ يَحْدُو بِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَنِسَائِهِمْ وَفِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ، عَنْ أَيُّوبَ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ عِشْرِينَ بَابًا كَانَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ فِي الثِّقَلِ وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ كَانَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ مَعَ نِسَاءِ النَّبِيِّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ زُهَيْرٍ، وَالرَّامَهُرْمُزِيِّ فِي الْأَمْثَالِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ مَسْعَدَةَ كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ فَقَالَ: عَنْ أَنَسٍ عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ أُمِّ سُلَيْمٍ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَحْفُوظُ، وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّ فِي رِوَايَةِ السَّمَرْقَنْدِيِّ فِي مُسْلِمٍ أُمَّ سَلَمَةَ بَدَلَ أُمِّ سُلَيْمٍ قَالَ: وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى مَعَ نِسَاءِ النَّبِيِّ يُقَوِّي أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ نِسَائِهِ. قُلْتُ: وَتَضَافُرُ الرِّوَايَاتِ عَلَى أَنَّهَا أُمُّ سُلَيْمٍ يَقْضِي بِأَنَّ قَوْلَهُ أُمُّ سَلَمَةَ تَصْحِيفٌ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ) فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ كَانَ فِي سَفَرٍ لَهُ وَكَانَ غُلَامٌ يَحْدُو بِهِنَّ يُقَالُ لَهُ أَنْجَشَةُ وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الْمَعَارِيضِ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ كَانَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَغُلَامٌ أَسْوَدُ وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ حَمَّادٍ وَغُلَامٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ أَنْجَشَةُ وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الْجِيمِ بَعْدَهَا شِينٌ مُعْجَمَةٌ ثُمَّ هَاءُ تَأْنِيثٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ يَا أَنْجَشُ عَلَى التَّرْخِيمِ، قَالَ الْبَلَاذُرِيِّ: كَانَ أَنْجَشَةُ حَبَشِيًّا يُكَنَّى أَبَا مَارِيَةَ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ وَاثِلَةَ أَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ نَفَاهُمُ النَّبِيُّ مِنَ الْمُخَنَّثِينَ.

قَوْلُهُ: (رُوَيْدَكَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ رُوَيْدًا، وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ ارْفُقْ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ رُوَيْدَكَ ارْفُقْ، جَمَعَ بَيْنَهُمَا رَوَيْنَاهُ فِي جُزْءِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ حُمَيْدٍ. وَأَخْرَجَهُ الْحَارِثُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَكْرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ فَقَالَ: كَذَلِكَ سَوْقُكَ وَهِيَ بِمَعْنَى كَفَاكَ. قَالَ عِيَاضٌ: قَوْلُهُ رُوَيْدًا مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ أَيْ سُقْ سَوْقًا رُوَيْدًا، أَوِ احْدُ حَدْوًا رُوَيْدًا. أَوْ عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ أَرْوِدْ رُوَيْدًا مِثْلَ ارْفُقْ رِفْقًا. أَوْ عَلَى الْحَالِ أَيْ سِرْ رُوَيْدًا، أَوْ رُوَيْدَكَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْإِغْرَاءِ، أَوْ مَفْعُولٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أَيِ الْزَمْ رِفْقَكَ، أَوْ عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ أَرْوِدْ رُوَيْدَكَ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: رُوَيْدًا: أَرْوَدَ كَأَمْهَلَ يُمْهِلُ وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ، وَهُوَ مِنَ الرَّوْدِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ وَهُوَ التَّرَدُّدُ فِي طَلَبِ الشَّيْءِ بِرِفْقٍ رَادَ وَارْتَادَ، وَالرَّائِدُ طَالِبُ الْكَلَأِ، وَرَادَتِ الْمَرْأَةُ تَرُودُ إِذَا مَشَتْ عَلَى هَيِّنَتِهَا. وَقَالَ الرَّامَهُرْمُزِيُّ: رُوَيْدًا تَصْغِيرُ رَوْدٍ وَهُوَ مَصْدَرُ فِعْلِ الرَّائِدِ، وَهُوَ الْمَبْعُوثُ فِي طَلَبِ الشَّيْءِ، وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي مَعْنَى الْمُهْمَلَةِ إِلَّا مُصَغَّرًا، قَالَ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْعَيْنِ أَنَّهُ إِذَا أُرِيدَ بِهِ مَعْنَى التَّزوِيدِ فِي الْوَعِيدِ لَمْ يُنَوَّنْ. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: قَوْلُهُ رُوَيْدًا أَيِ ارْفُقْ، جَاءَ بِلَفْظِ التَّصْغِيرِ لِأَنَّ الْمُرَادَ التَّقْلِيلُ أَيِ ارْفُقْ قَلِيلًا، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ تَصْغِيرِ الْمُرَخَّمِ وَهُوَ أَنْ يُصَغَّرَ الِاسْمُ بَعْدَ حرفِ الزَّوَائِدِ كَمَا قَالُوا فِي أَسْوَدَ سُوَيْدٍ فَكَذَا فِي أَرْوَدَ رُوَيْدٍ.

قَوْلُهُ: (سَوْقُكَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَفِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ سَيْرُكَ وَهُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ أَيِ ارْفُقْ فِي سَوْقِكَ، أَوْ سُقْهُنَّ كَسَوْقِكَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: رُوَيْدًا أَيِ ارْفُقْ، وَسَوْقُكَ مَفْعُولٌ بِهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ سَوْقًا، وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْإِغْرَاءِ بِقَوْلِهِ: ارْفُقْ سَوْقًا، أَوْ عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ سُقْ سَوْقًا. وَقَرَأْتُ بِخَطِّ ابْنِ الصَّائِغِ الْمُتَأَخِّرِ: رُوَيْدَكَ إِمَّا مَصْدَرٌ وَالْكَافُ فِي مَحَلِّ خَفْضٍ، وَإِمَّا اسْمُ فِعْلٍ وَالْكَافُ حَرْفُ خِطَابٍ، وَسَوْقُكَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَالْمُرَادُ بِهِ حَدْوُكَ إِطْلَاقًا لِاسْمِ الْمُسَبِّبِ عَلَى السَّبَبِ. وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: رُوَيْدَكَ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى أَرْوِدْ أَيْ أَمْهِلْ، وَالْكَافُ الْمُتَّصِلَةُ بِهِ حَرْفُ خِطَابٍ، وَفَتْحَةُ دَالِهِ بِنَائِيَّةٌ. وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَ رُوَيْدَكَ مَصْدَرًا مُضَافًا إِلَى الْكَافِ نَاصِبُهَا سَوْقُكَ، وَفَتْحَةُ دَالِهِ عَلَى هَذَا إِعْرَابِيَّةٌ. وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: الْوَجْهُ

النَّصْبُ بِرُوَيْدًا وَالتَّقْدِيرُ أَمْهِلْ سَوْقَكَ، وَالْكَافُ حَرْفُ خِطَابٍ وَلَيْسَتِ اسْمًا، وَرُوَيْدًا يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ.

قَوْلُهُ: (بِالْقَوَارِيرِ) فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ رُوَيْدَكَ سَوْقُكَ وَلَا تَكْسِرِ الْقَوَارِيرَ، وَزَادَ حَمَّادٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَيُّوبَ قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: يَعْنِي النِّسَاءَ، فَفِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ: وَلَا تَكْسِرُوا الْقَوَارِيرَ قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي ضَعَفَةَ النِّسَاءِ، وَالْقَوَارِيرُ جَمْعُ قَارُورَةٍ وَهِيَ الزُّجَاجَةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاسْتِقْرَارِ الشَّرَابِ فِيهَا. وَقَالَ الرَّامَهُرْمُزِيُّ: كَنَّى عَنِ النِّسَاءِ بِالْقَوَارِيرِ لِرِقَّتِهِنَّ وَضَعْفِهِنَّ عَنِ الْحَرَكَةِ، وَالنِّسَاءُ يُشَبَّهْنَ بِالْقَوَارِيرِ فِي الرِّقَّةِ وَاللَّطَافَةِ وَضَعْفِ الْبِنْيَةِ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى سُقْهُنَّ كَسَوْقِكَ الْقَوَارِيرَ لَوْ كَانَتْ مَحْمُولَةً عَلَى الْإِبِلِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: شَبَّهَهُنَّ بِالْقَوَارِيرِ لِسُرْعَةِ انْقِلَابِهِنَّ عَنِ الرِّضَا، وَقِلَّةِ دَوَامِهِنَّ عَلَى الْوَفَاءِ، كَالْقَوَارِيرِ يُسْرِعُ إِلَيْهَا الْكَسْرُ وَلَا تَقْبَلُ الْجَبْرَ، وَقَدِ اسْتَعْمَلَتِ الشُّعَرَاءُ ذَلِكَ، قَالَ بَشَّارٌ:

ارْفُقْ بِعَمْرٍو إِذَا حَرَّكْتَ نِسْبَتَهُ … فَإِنَّهُ عَرَبِيٌّ مِنْ قَوَارِيرِ

قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: فَتَكَلَّمَ النَّبِيُّ بِكَلِمَةٍ لَوْ تَكَلَّمَ بِهَا بَعْضُكُمْ لَعِبْتُمُوهَا عَلَيْهِ.

قوله: سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ قَالَ الدَّاوُدِيُّ: هَذَا مَا قَالَهُ أَبُو قِلَابَةَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ لِمَا كَانَ عِنْدَهُمْ مِنَ التَّكَلُّفِ وَمُعَارَضَةِ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: لَعَلَّهُ نَظَرَ إِلَى أَنَّ شَرْطَ الِاسْتِعَارَةِ أَنْ يَكُونَ وَجْهُ الشَّبَهِ جَلِيًّا، وَلَيْسَ بَيْنَ الْقَارُورَةِ وَالْمَرْأَةِ وَجْهٌ التَّشْبِيهِ مِنْ حَيْثُ ذَاتِهِمَا ظَاهِرٌ، لَكِنِ الْحَقَّ أَنَّهُ كَلَامٌ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ وَالسَّلَامَةِ عَنِ الْعَيْبِ ; وَلَا يَلْزَمُ فِي الِاسْتِعَارَةِ أَنْ يَكُونَ جَلَاءُ وَجْهِ الشَّبَهِ مِنْ حَيْثُ ذَاتِهِمَا، بَلْ يَكْفِي الْجَلَاءُ الْحَاصِلُ مِنَ الْقَرَائِنِ الْحَاصِلَةِ، وَهُوَ هُنَا كَذَلِكَ. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَصَدُ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّ هَذِهِ الِاسْتِعَارَةَ مِنْ مِثْلِ رَسُولِ اللَّهِ فِي الْبَلَاغَةِ، وَلَوْ صَدَرَتْ مِنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ لَا بَلَاغَةَ لَهُ لَعِبْتُمُوهَا. قَالَ: وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِمَنْصِبِ أَبِي قِلَابَةَ. قُلْتُ: وَلَيْسَ مَا قَالَهُ الدَّاوُدِيُّ بَعِيدًا، وَلَكِنَّ الْمُرَادَ مَنْ كَانَ يَتَنَطَّعُ فِي الْعِبَارَةِ وَيَتَجَنَّبُ الْأَلْفَاظَ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْهَزْلِ. وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ الصَّحَابِيِّ لِغُلَامِهِ: ائْتِنَا بِسُفْرَةٍ نَعْبَثْ بِهَا، فَأَنْكَرْتُ عَلَيْهِ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: كَانَ أَنْجَشَةُ أَسْوَدَ وَكَانَ فِي سَوْقِهِ عُنْفٌ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَرْفُقَ بِالْمَطَايَا. وَقِيلَ: كَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ بِالْحُدَاءِ فَكَرِهَ أَنْ تَسْمَعَ النِّسَاءُ الْحُدَاءَ، فَإِنَّ حُسْنَ الصَّوْتِ يُحَرِّكُ مِنَ النُّفُوسِ، فَشَبَّهَ ضَعْفَ عَزَائِمِهِنَّ وَسُرْعَةَ تَأْثِيرِ الصَّوْتِ فِيهِنَّ بِالْقَوَارِيرِ فِي سُرْعَةِ الْكَسْرِ إِلَيْهَا.

وَجَزَمَ ابْنُ بَطَّالٍ بِالْأَوَّلِ فَقَالَ: الْقَوَارِيرُ كِنَايَةٌ عَنِ النِّسَاءِ اللَّاتِي كُنَّ عَلَى الْإِبِلِ الَّتِي تُسَاقُ حِينَئِذٍ، فَأَمَرَ الْحَادِي بِالرِّفْقِ فِي الْحُدَاءِ لِأَنَّهُ يَحُثُّ الْإِبِلَ حَتَّى تُسْرِعَ فَإِذَا أَسْرَعَتْ لَمْ يُؤْمَنْ عَلَى النِّسَاءِ السُّقُوطُ، وَإِذَا مَشَتْ رُوَيْدًا أُمِنَ عَلَى النِّسَاءِ السُّقُوطُ، قَالَ: وَهَذَا مِنَ الِاسْتِعَارَةِ الْبَدِيعَةِ ; لِأَنَّ الْقَوَارِيرَ أَسْرَعُ شَيْءٍ تَكْسِيرًا، فَأَفَادَتِ الْكِنَايَةُ مِنَ الْحَضِّ عَلَى الرِّفْقِ بِالنِّسَاءِ فِي السَّيْرِ مَا لَمْ تُفِدْهُ الْحَقِيقَةُ لَوْ قَالَ: ارْفُقْ بِالنِّسَاءِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هِيَ اسْتِعَارَةٌ لِأَنَّ الْمُشَبَّهَ بِهِ غَيْرُ مَذْكُورٍ، وَالْقَرِينَةُ حَالِيَّةٌ لَا مَقَالِيَّةٌ، وَلَفْظُ الْكَسْرِ تَرْشِيحٌ لَهَا. وَجَزَمَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ بِالثَّانِي وَقَالَ: شَبَّهَ النِّسَاءَ بِالْقَوَارِيرِ لِضَعْفِ عَزَائِمِهِنَّ، وَالْقَوَارِيرُ يُسْرِعُ إِلَيْهَا بكَسْر، فَخَشِيَ مِنْ سَمَاعِهِنَّ النَّشِيدَ الَّذِي يَحْدُو بِهِ أَنْ يَقَعَ بِقُلُوبِهِنَّ مِنْهُ، فَأَمَرَهُ بِالْكَفِّ، فَشَبَّهَ عَزَائِمَهُنَّ بِسُرْعَةِ تَأْثِيرِ الصَّوْتِ فِيهِنَّ بِالْقَوَارِيرِ فِي إِسْرَاعِ الْكَسْرِ إِلَيْهَا. وَرَجَّحَ عِيَاضٌ هَذَا الثَّانِي فَقَالَ هَذَا أَشْبَهُ بِمَسَاقِ الْكَلَامِ، وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَبِي قِلَابَةَ، وَإِلَّا فَلَوْ عَبَّرَ عَنِ السُّقُوطِ بِالْكَسْرِ لَمْ يَعِبْهُ أَحَدٌ. وَجَوَّزَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ الْأَمْرَيْنِ فَقَالَ: شَبَّهَهُنَّ بِالْقَوَارِيرِ لِسُرْعَةِ تَأَثُّرِهِنَّ وَعَدَمِ تَجَلُّدِهِنَّ، فَخَافَ عَلَيْهِنَّ مِنْ حَثِّ السَّيْرِ بِسُرْعَةِ السُّقُوطِ أَوِ التَّأَلُّمِ مِنْ كَثْرَةِ الْحَرَكَةِ وَالِاضْطِرَابِ النَّاشِئِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الأولى الهاء زائدةٌ، وفي الأُخرى منقلبةٌ عن الهمزةِ، أي: صبُّوها (وَاكْسِرُوهَا، فَقَالَ رَجُلٌ) لم يُسمَّ، أو هو عمر: (يَا رَسُولَ اللهِ أَوْ) بسكون الواو (نُهَرِيقُهَا) بضم النون وإثبات التحتية بعد الراء (وَنَغْسِلُهَا؟ قَالَ) : (أَوْ ذَاكَ) بسكون الواو، أي: الغسلُ (فَلَمَّا تَصَافَّ القَوْمُ) للقتالِ (كَانَ سَيْفُ عَامِرٍ) أي: ابن الأكوع (فِيهِ قِصَرٌ) بكسر القاف وفتح الصاد (فَتَنَاوَلَ بِهِ يَهُودِيًّا) وفي «غزوة خيبر» ساق يهوديٍّ [خ¦٤١٩٦] (لِيَضْرِبَهُ، وَيَرْجِعُ) بلفظ المضارع، ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «فرجعَ» بالفاء (١) ولفظ الماضي (ذُبَابُ سَيْفِهِ) أي: طرفهِ الأعلى، أو حدِّه (فَأَصَابَ رُكْبَةَ عَامِرٍ فَمَاتَ مِنْهُ، فَلَمَّا قَفَلُوا) رجعوا من خيبر (قَالَ سَلَمَةُ) ابن الأكوعِ: (رَآنِي رَسُولُ اللهِ شَاحِبًا) بالشين المعجمة وبعد الألف حاء مهملة مكسورة فموحدة، متغيِّر اللَّون (فَقَالَ لِي: مَا لَكَ) متغيِّرًا؟ (فَقُلْتُ: فِدًى لَكَ أَبِي وَأُمِّي زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ) بكسر الموحدة؛ لكونه قتلَ نفسهُ (قَالَ) : (مَنْ قَالَهُ؟ قُلْتُ: قَالَهُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ) ثلاثًا (وَأُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْرِ) بضم الهمزة، و «الحُضَير» بضم المهملة وفتح الضاد المعجمة، ولأبي ذرٍّ: «حضير» (الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : كَذَبَ مَنْ قَالَهُ، إِنَّ لَهُ لأَجْرَيْنِ) أجرُ الجهد في الطَّاعة، وأجر الجهادِ في سبيل الله (-وَجَمَعَ) (بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ- إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ) بكسر الهاء فيهما (قَلَّ عَرَبِيٌّ نَشَأَ) بالنون والشين المعجمة والهمزة، ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «مشى» بالميم والمعجمة والقصر (بِهَا) بالمدينة، أو الحربِ، أو الأرضِ (مِثْلَهُ) أي: مثلُ عامرٍ.

والحديثُ سبق في «غزوة خيبرَ» [خ¦٤١٩٦].

٦١٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو: ابن مُسَرْهدٍ قال: (حَدَّثَنَا

إِسْمَاعِيلُ) ابن عُلَيَّة قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّخْتِيانِيُّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف، عبدُ الله بن زيدٍ الجَرميِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ) أنَّه (قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ وَمَعَهُنَّ أُمُّ سُلَيْمٍ) أمُّ أنس (١)، وفي رواية حمَّاد بن زيد، في «باب المعاريض» [خ¦٦٢١٠] أنَّه كان في سفرٍ. ومن طريق شعبة عند الإسماعيليِّ والنَّسائيِّ وكان معهم سائقٌ وحادٍ. وفي رواية وهيب وأنجشةُ غلامُ النَّبيِّ يسوقُ بهنَّ [خ¦٦٢٠٢] (فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ) بفتح الهمزة والجيم بينهما نون ساكنة وبعد الجيم شين معجمة فهاء تأنيث، وكان حبشيًّا، يكنى أبا مارية (رُوَيْدَكَ سَوْقًا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «سوقَكَ» (بِالقَوَارِيرِ) وسقطَ من «الفرع التَّنكزي» (٢) لفظ «سوقك، وسوقًا» وعلى إثباته الشُّرَّاح، وهو الَّذي في «اليونينية» (٣)، و «رويدَكَ» مصدرٌ والكاف في موضعِ خفضٍ، أو اسم فعلٍ والكاف حرفُ خطابٍ، و «سوقك» بالنَّصب على الوجهين، والمراد حدوك إطلاقًا لاسم المسبِّب على السَّبب، وقال ابن مالكٍ: «رويدكَ» اسم فعلٍ بمعنى أرود، أي: أمهل، والكاف المتَّصلة به حرف خطابٍ، وفتحة داله بنائيَّة (٤)، ولك أن تجعلَ «رويدَكَ» مصدرًا مضافًا إلى الكافِ ناصبًا «سوقَكَ» وفتحةُ دالهِ على هذا إعرابيَّة، واختارَ أبو البقاء الوجه الأوَّل، والقواريرُ جمع قارورة، سمِّيت بذلك لاستقرارِ الشَّراب فيها، وكنَّى عن النِّساء بالقواريرِ من الزُّجاج لضعفِ بنيتهنَّ ورقَّتهنَّ ولطافتهنَّ، وقيل: شبَّههنَّ بالقواريرِ لسرعةِ انقلابهنَّ عن الرِّضا، وقلَّة دوامهنَّ على الوفاء، كالقواريرِ يسرعُ الكسرُ إليها، ولا تقبل الجبرَ، أي: لا تحسِنْ صوتك، فربَّما يقعُ في قلوبهنَّ فكفَّه عن ذلك، وقيل: أرادَ أنَّ الإبلَ إذا سمعت الحُداءَ أسرعتْ في المشي واشتدَّت فأزعجتِ الرَّاكب، ولم يؤمن على النِّساء السُّقوط، وإذا مشتْ رويدًا أمن على النِّساء، وهذا من الاستعارةِ البديعةِ؛ لأنَّ القواريرَ أسرعُ شيءٍ تكسُّرًا، فأفادتِ الكناية من (٥) الحضِّ على الرِّفق بالنِّساء في السَّير ما لم تفدْه الحقيقةُ لو قال: ارفق بالنِّساء، وقال في

«شرح المشكاة»: هي استعارةٌ لأنَّ المشبَّه به غير مذكورٍ، والقرينة حاليَّة لا مقاليَّة، ولفظ الكسر ترشيحٌ لها.

(قَالَ أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله الجرميُّ -بالسَّند السَّابق-: (فَتَكَلَّمَ النَّبِيُّ بِكَلِمَةٍ، لَوْ تَكَلَّمَ بِهَا بَعْضُكُمْ لَعِبْتُمُوهَا عَلَيْهِ) ثبت لفظ: «بها» لأبي ذرٍّ (قَوْلُهُ: سَوْقَكَ بِالقَوَارِيرِ).

قال في «الكواكب»: فإن قلتَ: هذه استعارةٌ لطيفةٌ بليغةٌ فلِمَ تعاب؟ وأجاب: بأنَّه لعلَّه نظر إلى أنَّ شرط الاستعارة أن يكون وجه الشَّبه جليًّا بين الأقوام، وليس بين القارورةِ والمرأة وجه شبهٍ ظاهرٍ، والحقُّ أنَّه كلامٌ في غايةِ الحُسن والسَّلامة عن العيوبِ، ولا يلزمُ في الاستعارةِ أن يكون جلاء وجهِ الشَّبه (١) من حيث ذاتهما، بل يكفِي الجلاءُ الحاصلُ من القرائنِ الحاصل للوجه جليًّا ظاهرًا (٢)، كما في المبحثِ، فالعيبُ في العائب:

وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلًا صَحِيْحًا … وَآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السَّقِيمِ

قال: يحتملُ أن يكون قصدُ أبي قِلابة أنّ هذه الاستعارة تحسُن من مثلِ رسولِ الله في البلاغةِ، ولو صدرتْ ممَّن لا بلاغةَ له لعبتموها، قال: وهذا هو اللَّائق بمنصبِ أبي قلابة، وقال الدَّاوديُّ: هذا قاله أبو قِلابةَ لأهل العراقِ لما كان عندهم من التَّكلُّف ومعارضة الحقِّ بالباطلِ.

ومطابقةُ الأحاديثِ لما ترجمَ عليه (٣) ظاهرةٌ. فإن قلت: قد نفى الله تعالى عنه في كتابه أن يكون شاعرًا، وفي الأحاديث أنَّه أنشد الشِّعر واستنشدَه؟ أُجيب بأنَّ المنفيَّ في الآية إنشاءُ الشِّعر لا إنشاده، ولا يقالُ لمن قاله متمثِّلًا أو جرى على لسانه موزونًا من غير قصدٍ: إنَّه شاعرٌ،

وقد دلَّ غير ما حديثٍ على جوازِ وقوع الكلام منه منظومًا من غير قصدٍ إلى ذلك، ولا يسمَّى مثل ذلك شعرًا ولا القائلُ به شاعرًا، وقد وقعَ كثيرٌ من ذلك في القرآنِ العظيمِ لكن غالبه أشطارُ أبيات، والقليل منه وقعَ وزن بيت تامٍّ، وللعلَّامة الشِّهاب أبي الطَّيِّب الحجازي «قلائد النحور في جواهر البحور» ذكر فيها ما استخرج من القرآن العزيز ممَّا جاء على أوزانِ البحور اتِّفاقًا، فمن ذلك قوله ممَّا هو من البحرِ الطَّويل:

أَيَا مَنْ طَوِيلَ اللَّيلِ بالنَّومِ قَصَّروا … أَنِيْبُوا وكُوْنُوا مِنْ أُنَاسٍ بِهِ تَاهُوا

وَإِنْ شِئْتُمُوا تَحْيوا أَمِيتُوا نُفُوسَكُم … وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ

ومن البحر الوافر:

صُدُورَ الجَيْشِ يُظْفِرُكم إِلَه … بِوَافِر سَهْمِكُم بالكَافِرِين

ويُخْزِهِم (١) وَيَنْصُركُم عَلَيهِم … وَيَشْفِ صُدُورَ قَومٍ مُؤْمِنِين

ومن الكامل:

مَاتَ ابْنُ مُوسَى وَهُو بَحْرٌ كَامِل … فَهَنَّاكُمُ (٢) جَمْعُ المَلَائكِ مُشْتَرك

يَأتِيْكُم التَّابُوتُ فِيهِ سَكِيْنَة … مِنْ ربِّكُم وبَقيَّةٌ ممَّا تَرَك

ومن الرَّمل:

أيُّهَا الأَرْمَلُ إِنْ رُمْتَ عَفَافًا … فَتَزَوَّجْ مِنْ نِسَاءٍ خَيِّرَاتٍ

مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ … تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ

ومن مجزوء الرَّمل:

أَسْعِدُوا المُرَمَّلَ تُجْزوا … ذَاكَ أَوْلَى مَا تُعِدَّون

لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى … تُنْفِقُوا مَمَّا تُحِبُّونَ

ومن السريع:

يَا أَهْلَ دِيْنِ اللهِ بُشْرَاكُمُ (١) … أَقَرَّ مَوْلاكُم بِهِ عَيْنَكُم

إِذْ أَنْزَلَ اللهُ عَلَى المُصْطَفَى … اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُم

ومن الخفيف:

لَا تَدَعِ اليَتِيمَ يَوْمًا وَكُنْ فِي … شَأْنِهِ كُلِّهِ رَؤوفًا رَحِيْمًا

أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكِذِّبُ بِالدِّيْن … فَذَاكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيْمَا

ومن المضارع:

وَضَارِعْ أُهَيْلَ خَيْر … تَنَل مِنْ رَبٍّ يَقِيْنَا

جِنَانًا مُزَخْرَفَاتٍ … وَهُمْ فِيْهَا خَالِدُونا

ومن المجتثِّ:

اجْتُثَّ قَلْبِي بِذَنْبِي … وَاللهُ خَيْرًا يَزِيْدُ

وَكَيْفَ أَخْشَى ذُنُوبِي … وَهُو الغَفُوْرُ الوَدُوْدُ

وفي «فتح الباري» جملة من الآيات (٢) من هذا المعنى، وكان الأولى بي ترك ذلك لكن

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَسلم، بالمدعين فَلَمَّا تكلمُوا رد على الْمُدعى عَلَيْهِ، وَلما لم يرْضوا بأيمانهم من جِهَة أَنهم كفار لَا يبالون بذلك عقله من عِنْده لِأَنَّهُ عَاقِلَة الْمُسلمين، وَإِنَّمَا عقله قطعا للنزاع وجبراً لخاطرهم، وإلَاّ فاستحقاقهم لم يثبت. قَوْله: (فوداهم) أَي: أعْطى لَهُم دِيَته من قبله بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: من عِنْده، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ من خَالص مَاله أَو من بَيت المَال.

قَوْله: (مربداً لَهُم) المربد بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: الْموضع الَّذِي يجْتَمع فِيهِ الْإِبِل. قَوْله: (فركضتني) أَي: رفستني وَأَرَادَ بِهَذَا الْكَلَام ضبط الحَدِيث وَحفظه حفظا بليغاً.

وَفِيه: أَنه يَنْبَغِي للْإِمَام مُرَاعَاة الْمصَالح الْعَامَّة، والاهتمام بإصلاح ذَات الْبَين، وَإِثْبَات الْقسَامَة، وَجَوَاز الْيَمين بِالظَّنِّ وَصِحَّة يَمِين الْكَافِر.

قَالَ اللَّيْثُ: حدّثني يَحْيَى عَنْ بُشَيْرٍ عَنْ سَهْلٍ قَالَ يَحْيَى: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: مَعَ رافِعِ بن خَدِيجٍ.

أَي: قَالَ اللَّيْث بن سعد: حَدثنِي يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ عَن بشير بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، وَهُوَ الْمَذْكُور عَن قريب، عَن سهل بن أبي حثْمَة ... إِلَى آخِره، هَذَا التَّعْلِيق وَصله مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث اللَّيْث بِهِ.

وَقَالَ ابنُ عُيَيْنَةَ: حَدثنَا يحيى عنْ بُشَيْرٍ عَنْ سَهْلٍ وَحْدَهُ.

٦١٤٤ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ الله حدّثني نافِعٌ عَن ابنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ مَثلُها مَثْلُ المُسْلِمِ تُؤْتِي أكْلُهَا كُلَّ حِينٍ بإذْن رَبِّها، وَلَا تحُتُّ وَرَقَها؟ فَوَقَعَ فِي نَفْسِي إنَّها النَّخْلَة، فَكَرِهْتُ أنْ أَتَكَلَّمَ، وَثَمَّ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، فلمَّا لَمْ يَتَكَلَّما قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: هِيَ النَّخْلَةُ. فَلَمَّا خَرَجْتُ مَعَ أبي قُلْتُ: يَا أبتاهْ، وَقَعَ فِي نَفْسِي إنَّها النَّخْلَةُ. قَالَ: مَا مَنَعَكَ أَن تَقُولَها؟ لَوْ كُنْتَ قُلْتها كانَ أحَبَّ إلَيَّ مِنْ كَذا وكَذا. قَالَ: مَا مَنَعَني إلَاّ أنِّي لَمْ أركَ وَلَا أَبَا بَكْرٍ تَكَلّمتُما، فَكَرِهْتُ.

أَي قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة: حَدثنَا يحيى هُوَ ابْن سعيد أَيْضا عَن نَافِع عَن عبد الله بن عمر ... إِلَى آخِره، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مُسلم وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث ابْن عُيَيْنَة، وَقد مر هَذَا الحَدِيث عَن قريب فِي: بَاب مَا لَا يستحي من الْحق، وَمضى أَيْضا فِي الْعلم، وإيراد هَذَا هُنَا لأجل أَن فِيهِ توقير الأكابر.

قَوْله: (وَلَا تَحت وَرقهَا) ، أَي: لَا تسْقط. قَوْله: (فَكرِهت) ، أَي: التَّكَلُّم مَعَ وجود الأكابر.

٩٠ - (بابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الشِّعْرِ والرَّجَزِ والحُدَاءِ وَمَا يُكْرَهُ مِنْهُ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يجوز أَن ينشد من الشّعْر وَهُوَ كَلَام مَوْزُون مقفى بِالْقَصْدِ، وَالرجز بِفَتْح الرَّاء وَالْجِيم وبالزاي وَهُوَ نوع من الشّعْر عِنْد الْأَكْثَرين، وَقيل: لَيْسَ بِشعر لِأَنَّهُ يُقَال: راجز وَلَا يُقَال: شَاعِر، وَسمي بِهِ لتقارب أَجْزَائِهِ وَقلة حُرُوفه، والحداء بِضَم الْحَاء وَتَخْفِيف الدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ يمد وَيقصر، وَحكى الْأَزْهَرِي وَغَيره كسر الْحَاء أَيْضا، وَهُوَ مصدر يُقَال: حدوت الْإِبِل حداء وإحداء، مثل دَعَوْت دُعَاء، وَيُقَال للشمال حد وَلِأَنَّهُ يَحْدُو السَّحَاب، وَهُوَ سوق الْإِبِل والغناء لَهَا، وغالباً يكون بالرجز، وَقد يكون بِغَيْرِهِ من الشّعْر، وَأول من حدا الْإِبِل عبدٌ لمضر بن نزار بن معد بن عدنان، كَانَ فِي إبل لمضر فقصر فَضَربهُ مُضر على يَده فأوجعه، فَقَالَ: يَا يدياه، وَكَانَ حسن الصَّوْت فأسرعت الْإِبِل لما سمعته فِي السّير فَكَانَ ذَلِك مبدأ الحداء، أخرجه ابْن سعد بِسَنَد صَحِيح عَن طَاوُوس مُرْسلا، وَأوردهُ الْبَزَّار مَوْصُولا عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَوْله: وَمَا يكره مِنْهُ، أَي: وَفِي بَيَان مَا يكره إنشاده من الشّعْر، وَهُوَ قسيم قَوْله: مَا يجوز.

وقَوْلِهِ تعالَى: وَالشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ إِلَاّ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُواْ اللَّهَ كَثِيراً وَانتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ وَسَيَعْلَمْ الَّذِينَ ظَلَمُو اْ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} (الشُّعَرَاء: ٢٢٤ ٢٢٧) [/ ح.

سيقت هَذِه الْآيَات الْأَرْبَعَة كلهَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة والأصيلي، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر بَين قَوْله: {يهيمون} وَبَين قَوْله: {وَإِنَّهُم يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} لفظ: وَقَوله وَهُوَ حَشْو بِلَا فَائِدَة وَذكر هَذِه الْآيَات مُنَاسِب لقَوْله: وَمَا يكره مِنْهُ لِأَنَّهَا فِي ذمّ الشُّعَرَاء الَّذين يَهْجُونَ النَّاس ويلحقهم الشُّعَرَاء الَّذين يمدحون النَّاس بِمَا لَيْسَ فيهم ويبالغون حَتَّى إِن بَعضهم يخرج عَن حد الْإِسْلَام، ويأتون فِي أشعارهم من الخرافات والأباطيل. قَوْله تَعَالَى: {وَالشعرَاء} جمع شَاعِر مَرْفُوع على الِابْتِدَاء وَقَوله: {يتبعهُم الْغَاوُونَ} خَبره. وقرىء: وَالشعرَاء، بِالنّصب على إِضْمَار فعل يفسره الظَّاهِر، وَقَالَ أهل التَّأْوِيل، مِنْهُم ابْن عَبَّاس وَغَيره: إِنَّهُم شعراء الْمُشْركين يتبعهُم غواة النَّاس ومردة الشَّيَاطِين وعصاة الْجِنّ ويروون شعرهم، لِأَنَّهُ الغاوي لَا يتبع إلَاّ غاوياً مثله، وَعَن الضَّحَّاك: تهَاجر رجلَانِ على عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَحدهمَا من الْأَنْصَار وَالْآخر من قوم آخَرين، وَمَعَ كل وَاحِد مِنْهُمَا غواة من قومه وهما السُّفَهَاء، فَنزلت هَذِه الْآيَة، وَقَالَ السُّهيْلي: نزلت الْآيَة فِي الثَّلَاثَة وَإِنَّمَا وَردت بالإبهام ليدْخل مَعَهم من اقْتدى بهم، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: أَرَادَ بهؤلاء شعراء الْكفَّار: عبد الله بن الزبعري، وهبيرة ابْن أبي وهب، ومسافع بن عبد منَاف، وَعَمْرو بن عبد الله، وَأُميَّة بن أبي الصَّلْت، كَانُوا يَهْجُونَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فيتبعهم النَّاس. قَوْله: {ألم تَرَ أَنهم} مَعْنَاهُ: إِنَّك رَأَيْت آثَار فعل الله فيهم: {أَنهم فِي كل وادٍ} من أَوديَة الْكَلَام، وَقيل: يَأْخُذُونَ فِي كل فن من لَغْو وَكذب فيمدحون بباطل ويذمون بباطل، يهيمون حائرين، وَعَن طَرِيق الْخَيْر والرشد وَالْحق جائرين. وَقَالَ الْكسَائي: الهائم الذَّاهِب على وَجهه، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الهائم الْمُخَالف للقصد. قَوْله: {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} أَي: يَقُولُونَ: فعلنَا، وَلم يَفْعَلُوا. قَوْله: {إلَاّ الَّذين آمنُوا} اسْتثْنى بِهِ الشُّعَرَاء الْمُؤمنِينَ الصَّالِحين الَّذين لَا يتلفظون فِيهَا بذنب، وَقَالَ أهل التَّفْسِير: لما نزلت هَذِه الْآيَة: {وَالشعرَاء يتبعهُم الْغَاوُونَ} جَاءَ عبد الله بن رَوَاحَة وَكَعب بن مَالك وَحسان بن ثَابت إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وهم يَبْكُونَ، فَقَالُوا: يَا رَسُول الله أنزل الله هَذِه الْآيَة وَهُوَ يعلم أَنا شعراء، فَقَالَ: اقرأوا مَا بعْدهَا: {إلَاّ الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات} الْآيَة، وَعَن ابْن عَبَّاس: {إلَاّ الَّذين آمنُوا} يَعْنِي: ابْن رَوَاحَة وحساناً. قَوْله: {وَذكروا الله كثيرا} أَي: فِي شعرهم، وَقيل: فِي خلال كَلَامهم، وَقيل: لم يشغلهم الشّعْر عَن ذكر الله تَعَالَى. قَوْله: {وانتصروا من بعده مَا ظلمُوا} أَي: من الْمُشْركين لأَنهم بدأوا بالهجاء، وكذبوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأخرجوا الْمُسلمين من مَكَّة. وَقَوله: {وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا} أَي: أشركوا وهجوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْمُؤمنِينَ. قَوْله: {أَي مُنْقَلب ينقبلون} أَي: مرجع يرجعُونَ إِلَيْهِ بعد مماتهم، يَعْنِي: يَنْقَلِبُون إِلَى جَهَنَّم يخلدُونَ فِيهَا، وَالْفرق بَين المنقلب والمرجع أَن المنقلب الِانْتِقَال إِلَى ضد مَا هُوَ فِيهِ، والمرجع الْعود من حَال إِلَى حَال، فَكل مرجع مُنْقَلب وَلَيْسَ كل مُنْقَلب مرجعاً.

وَقَالَ ابْن عَبَّاس: {فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ} فِي كُلِّ لَغْوٍ يَخُوضُونَ

يَعْنِي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير قَوْله: {فِي كل وَاد يهيمون} فِي كل لَغْو يَخُوضُونَ، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي حَاتِم وَالطَّبَرَانِيّ من طَرِيق مُعَاوِيَة بن صَالح عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {فِي كل وَاد} قَالَ: فِي كل لَغْو، وَفِي قَوْله: {يهيمون} قَالَ: يَخُوضُونَ.

١٦٨ - (حَدثنَا أَبُو الْيَمَان أخبرنَا شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ قَالَ أَخْبرنِي أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن أَن مَرْوَان بن الحكم أخبرهُ أَن عبد الرَّحْمَن بن الْأسود بن عبد يَغُوث أخبرهُ أَن أبي بن كَعْب أخبرهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ إِن من الشّعْر حِكْمَة) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن الشّعْر فِيهِ حِكْمَة فالحكمة إِذا كَانَت فِي شعر من الْأَشْعَار يجوز إنشاد هَذَا الشَّاعِر وَيَجِيء الْآن أَن المُرَاد بالحكمة هُوَ القَوْل الصَّادِق المطابق للْوَاقِع وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع وَأَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام المَخْزُومِي وَفِي هَذَا الْإِسْنَاد أَرْبَعَة من التَّابِعين قريشيون مدنيون على نسق وَاحِد وهم من الزُّهْرِيّ إِلَى أبي بن كَعْب

ولمروان وَعبد الرَّحْمَن مزية إِدْرَاك النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ولكنهما من حَيْثُ الرِّوَايَة معدودان من التَّابِعين والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه جَمِيعًا فِي الْأَدَب عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن الْمُبَارك عَن يُونُس بن يزِيد عَن الزُّهْرِيّ بِهِ قَوْله حِكْمَة قد مر تَفْسِيرهَا الْآن وَقيل أصل الْحِكْمَة الْمَنْع وَالْمعْنَى أَن من الشّعْر كلَاما نَافِعًا يمْنَع من السَّفه فَقَالَ ابْن التِّين مَفْهُومه أَن بعض الشّعْر لَيْسَ كَذَلِك لِأَن من تبعيضيه وَقَالَ ابْن بطال مَا كَانَ فِي الشّعْر وَالرجز ذكر الله تَعَالَى وتعظيمه ووحدانيته وإيثار طَاعَته والاستسلام لَهُ فَهُوَ حسن يرغب فِيهِ وَهُوَ المُرَاد فِي الحَدِيث بِأَنَّهُ حِكْمَة وَمَا كَانَ كذبا وفحشا فَهُوَ المذموم وَقَالَ الطَّبَرِيّ فِي هَذَا الحَدِيث رد على كَثْرَة الشّعْر مُطلقًا وَأخرج الطَّبَرِيّ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَمن كبار التَّابِعين أَنهم قَالُوا الشّعْر وأنشدوه واستنشدوه وروى التِّرْمِذِيّ وَابْن أبي شيبَة من حَدِيث جَابر بن سَمُرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يتذاكرون الشّعْر وَحَدِيث الْجَاهِلِيَّة عِنْد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَلَا ينهاهم وَرُبمَا تَبَسم

٦١٤٦ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدّثنا سُفْيان عَنِ الأسْوَدِ بنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْت جُنْدَباً يَقُولُ: بَيْنَما النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَمْشِي إذْ أصابَهُ حَجَرٌ فَعَثَرَ فَدَميَتْ إصْبَعُهُ، فَقَالَ: هَلْ أَنْتَ إلَاّ إصْبَعٌ دَميتِ. وَفِي سَبِيلِ الله مَا لقِيتِ. (انْظُر الحَدِيث ٢٨٠٢) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة.

والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن أبي عوَانَة.

قَوْله: (بَيْنَمَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يمشي) وَفِي رِوَايَة أبي عوَانَة: كَانَ فِي بعض الْمشَاهد، وَفِي رِوَايَة شُعْبَة عَن الْأسود: خرج إِلَى الصَّلَاة أخرجه الطَّيَالِسِيّ وَأحمد، وَفِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة عَن الْأسود عَن جُنْدُب: كنت مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي غَار. قَوْله: (فعثر) بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة والثاء الْمُثَلَّثَة أَي: سقط، يُقَال: عثر عثاراً من بَاب طلب. قَوْله: (فدميت إصبعه) بِفَتْح الدَّال وَكسر الْمِيم. قَالَ الْكرْمَانِي: أما التَّاء فَفِي الرجز مَكْسُورَة، وَفِي الحَدِيث سَاكِنة، وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ نظر. قلت: فِي نظره نظر، لِأَن غَيره قَالَ: إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، تعمد إسكانهما ليخرج الْقسمَيْنِ عَن الشّعْر، وَاخْتلف هَل قَالَه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم متمثلاً؟ أَو قَالَه من قبل نَفسه لإنشائه فَخرج مَوْزُونا؟ وَإِلَى الأول مَال الطَّبَرِيّ وَغَيره وَبِه جزم ابْن التِّين، وَقَالَ: إنَّهُمَا من شعر عبد الله بن رَوَاحَة، وَاخْتلف أَيْضا فِي جَوَاز تمثل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بالشعر وإنشاده حاكياً عَن غَيره، فَالصَّحِيح جَوَازه. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: الصحي فِي ذَلِك أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يتَمَثَّل أَحْيَانًا بِالْبَيْتِ، فَقَالَ:

(هَل أَنْت إِلَّا إِصْبَع)

إِلَى آخِره.

وَقَالَ: أصدق كلمة قَالَهَا الشَّاعِر:

أَلا كل شَيْء مِمَّا خلا الله بَاطِل

على مَا يَجِيء الْآن. وَقَالَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يتَمَثَّل من الْعشْر:

(ويأتيك بالأخبار من لم تزَود)

فَإِن قلت: قد رُوِيَ عَن جُبَير بن مطعم عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه كَانَ إِذا افْتتح الصَّلَاة يستعيذ من الشَّيْطَان: من همزَة ونفخه ونفثه وَفَسرهُ عَمْرو بن مرّة رَاوِيه قَالَ: نفثه الشّعْر ونفخة الْكبر وهمزه الموته، أَي: الْجُنُون، وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لما نزل إِبْلِيس إِلَى الأَرْض قَالَ: يَا رب! إجعل لي قُرْآنًا قَالَ: الشّعْر وَرُوِيَ ابْن لَهِيعَة عَن أبي قبيل المغافري، قَالَ: سَمِعت عبد الله ابْن عمر، يَقُول: من قَالَ ثَلَاثَة أَبْيَات من الشّعْر من تِلْقَاء نَفسه لم يدْخل الفردوس، وَقَالَ ابْن مَسْعُود: الشّعْر مَزَامِير الشَّيْطَان. قلت: قَالَ الطَّبَرِيّ: هَذِه أَخْبَار واهية) .

٦١٤٧ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّار حَدثنَا ابنُ مَهْدِيّ حَدثنَا سُفْيانُ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ حَدثنَا أبُو سَلَمَةَ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أصْدَقُ كَلِمَةٍ قالَها الشَّاعِرُ كَلِمَة لَبِيدٍ) .

ألَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا الله باطِلُ

وكادَ أُمَيَّةُ بنُ أبي الصَّلْتِ أنْ يُسْلِمَ. (انْظُر الحَدِيث ٣٨٤١ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ تلفظ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالشعر وَشَيخ البُخَارِيّ هُوَ مُحَمَّد بن بشار بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الشين الْمُعْجَمَة، وَفِي بعض النّسخ صرح باسمه، وَابْن مهْدي هُوَ عبد الرَّحْمَن، وَعبد الْملك هُوَ ابْن عُمَيْر الْكُوفِي، وَأَبُو سَلمَة ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف.

والْحَدِيث قد مضى فِي أَيَّام الْجَاهِلِيَّة عَن أبي نعيم.

قَوْله: (كلمة لبيد) ، بِفَتْح اللَّام وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وبالدال الْمُهْملَة ابْن ربيعَة بِفَتْح الرَّاء العامري الصَّحَابِيّ، عَاشَ مائَة وَأَرْبع وَخمسين سنة، مَاتَ فِي خلَافَة عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ. وَقَوله هَذَا من قصيدة من بَحر الطَّوِيل ذَكرنَاهَا بوجوهها فِي (شرح الشواهد الْأَكْبَر والأصغر) وَأُميَّة بن أبي الصَّلْت الثَّقَفِيّ وَاسم أبي الصَّلْت ربيعَة بن وهب بن علاج بن أبي سَلمَة من ثَقِيف، قَالَه الزبير بن بكار، وَقَالَ الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر: إسم أبي الصَّلْت عبد الله بن أبي ربيعَة بن عَوْف بن عقدَة أَبُو عُثْمَان، شَاعِر جاهلي، وَقيل: إِنَّه كَانَ صَالحا، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: إِنَّه كَانَ تنبأ فِي الْجَاهِلِيَّة فِي أول زَمَانه، وَأَنه كَانَ فِي أول أمره على الْإِيمَان ثمَّ زاغ عَنهُ، وَهُوَ الَّذِي أَرَادَ الله بقوله: {واتل عَلَيْهِم نبأ الَّذِي آتيناه آيَاتنَا فانسلخ مِنْهَا} (الْأَعْرَاف: ١٧٥) الْآيَة. قلت: الْمَشْهُور أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي بلعم بن باعوراء وَفِي الْمرْآة، وَكَانَ شعر أُميَّة ينشد بَين يَدي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَيُعْجِبهُ. وَقَالَ هِشَام: كَانَ أُميَّة قد آمن برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ بِالشَّام فَقدم الْحجاز ليَأْخُذ مَاله من الطَّائِف ويهاجره، فَلَمَّا نزل ببدر قيل لَهُ: إِلَى أَيْن يَا أَبَا عُثْمَان؟ فَقَالَ: إِلَى الطَّائِف آخذ مَالِي وأعود إِلَى الْمَدِينَة اتبع مُحَمَّدًا، فَقيل لَهُ: هَل تَدْرِي مَا فِي هَذَا القليب؟ قَالَ: لَا. قيل: فِيهِ شيبَة وَعتبَة ابْنا خَالك، وَفِيه فلَان وَفُلَان ابْنا عمك، وعدو لَهُ أَقَاربه فجذع أنف نَاقَته وهلب ذنبها وشق ثِيَابه وَبكى، فَذهب إِلَى الطَّائِف وَمَات بهَا، وَذكر فِي (الْمرْآة) وَفَاته فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة.

٦١٤٨ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حَدثنَا حاتِمُ بنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ يَزِيدَ بن أبي عُبَيْدٍ عَنْ سَلمَةَ ابنِ الأكوَعِ قَالَ: خَرَجْنا مَعَ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى خَيْبَرَ فَسِرْنا لَيْلاً فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ لِعامِرِ بنِ الأكْوَعِ: أَلا تُسْمِعُنا مِنْ هُنَيْهاتِكَ؟ قَالَ: وَكَانَ عامِرٌ رجلا شَاعِرًا، فَنزل يَحْدُو بالقَوْمِ يَقُولُ:

(اللَّهُمَّ لَوْلا أنْتَ مَا اهْتَدَيْنا ... وَلَا تَصَدَّقْنا وَلَا صَلَّيْنا)

(فاغْفِرْ فِدَاءً لَكَ مَا اقْتَفَيْنا ... وَثَبِّتِ الأقْدَامَ إنْ لَا فَيْنا)

(وألْقِيَنْ سَكِينَةً عَلَيْنا ... إِنَّا إذَا صِيحَ بِنا أتَيْنا)

وبالصِّياحِ عَوَّلوا عَلَيْنا

فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَنْ هاذَا السّائِقُ؟ قالُوا: عامِرُ بنُ الأكْوَعِ فَقَالَ: يَرْحَمُهُ الله. فَقَالَ رجلٌ مِنَ القَوْمِ: وَجَبَتْ يَا نَبِيَّ الله، لَوْلا أمْتَعْتَنَا بِهِ. قَالَ: فأتَيْنا خَيْبَرَ فَحاصَرْناهُمْ حَتَّى أصابَتْنَا مَخْمَصَة شَدِيدَةٌ، ثُمَّ إنَّ الله فَتَحَها عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا أمْسَى النَّاسُ اليَوْمَ الَّذِي فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ أوْقَدُوا نِيرَاناً كَثِيرَة، فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا هاذِهِ النِّيرَانُ؟ عَلَى أيِّ شَيْءٍ تُوقِدُونَ؟ قَالُوا: عَلَى لَحْمٍ. عَلَى أيِّ لَحْمٍ؟ قالُوا: عَلَى لَحْمِ حُمُر إنْسِيَّةٍ، فَقَالَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أهْرِقُوها واكْسِرُوها. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رسولَ الله! أوْ نُهَرِيقُها ونَغْسِلُها؟ قَالَ: أوْ ذَاكَ، فَلَمَّا تَصافَّ القَوْمُ كانَ سَيْفُ عامِر فِيهِ قِصَرٌ فَتَنَاوَلَ بِهِ يَهُودِيًّا لِيَضْرِبَهُ وَيَرْجِعُ ذُ بابُ سَيْفِهِ، فأصابَ رُكْبَة عامِرٍ فَماتَ مِنْهُ، فَلَمَّا قَفَلُوا قَالَ سلَمةُ: رَآنِي رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شاحباً فَقَالَ لي: مَا لَكَ؟ فَقُلْتُ: فِدًى لكَ أبي وأُمِّي، زَعَمُوا أنَّ عامِراً حَبِطَ عَمَلُهُ. قَالَ: مَنْ قالَهُ؟ قُلْتُ: قالَهُ فُلَانٌ وفُلانٌ وفُلَانٌ وأُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ الأنْصارِيُّ، فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم:

كَذَبَ مَنْ قَالَهُ، إِنَّ لَهُ لأجْرَيْنِ، وَجَمَعَ بَيْنَ إصْبَعَيْهِ إِنَّهُ لَجاهِدٌ مُجاهِدٌ، قَلَّ عَرَبِي نَشأ بِها مِثْلَهُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لاشْتِمَاله على الشّعْر والرجوز والحداء. وحاتم بن إِسْمَاعِيل الْكُوفِي سكن الْمَدِينَة، وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن أبي عبيد مولى سَلمَة بن الْأَكْوَع.

والْحَدِيث مضى فِي: بَاب غَزْوَة خَيْبَر، الحَدِيث الثَّانِي مِنْهُ أخرجه عَن عبد الله بن مسلمة عَن حَاتِم بن إِسْمَاعِيل ... إِلَى آخِره، وَبَين المتنين تفَاوت بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان.

قَوْله: (خرجنَا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) وَهُنَاكَ: مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (أَلَا تسمعنا؟) من الإسماع. قَوْله: (من هنيهاتك) جمع هنيهة، ويروى: هنياتك، بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف بعد النُّون. قَالَ الْكرْمَانِي: جمع الهنية مصغر الهنة إِذا صلها: هنو، وَهِي الشَّيْء الصَّغِير المُرَاد بهما الأراجيز. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: هن على وزن: أَخ، كلمة كِنَايَة وَمَعْنَاهُ: شَيْء، وَأَصله هنو. وَتقول للْمَرْأَة: هنة، وتصغيرها. هنيَّة، تردها إِلَى الأَصْل وَتَأْتِي بِالْهَاءِ، وَقد تبدل من الْيَاء الثَّانِيَة هَاء، فَنَقُول: هنيهة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي حَدِيث ابْن الْأَكْوَع وَلَا تسمعنا من هناتك، أَي: من كلماتك أَو من أراجيزك، وَفِي رِوَايَة: من هنياتك على التصغير، وَفِي أُخْرَى: من هنيهاتك، على قلب الْيَاء هَاء. قَوْله: (شَاعِرًا) ويروى: حداء. قَوْله: (يَحْدُو) أَي: يَسُوق. قَوْله: (اللَّهُمَّ) هَكَذَا الرِّوَايَة، قَالَ الْكرْمَانِي: وَالْمَوْزُون: لَا هم، وَقَالَ ابْن التِّين: هَذَا لَيْسَ بِشعر وَلَا رجز لِأَنَّهُ لَيْسَ بموزون، وَقَالَ بَعضهم: لَيْسَ كَمَا قَالَ بل هُوَ رجز مَوْزُون، وَإِنَّمَا زيد فِي أَوله سَبَب خَفِيف وَيُسمى الخزم بالمعجمتين. قَوْله: (فدَاء لَك) بِكَسْر الْفَاء وبالمد والتنوين أَي: لِرَسُولِك، وَقَالَ الْمَازرِيّ: لَا يُقَال لله تَعَالَى: فدَاء لَك، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يسْتَعْمل فِي مَكْرُوه يتَوَقَّع حُلُوله للشَّخْص فيختار شخص آخر أَن يحل ذَلِك بِهِ ويفديه مِنْهُ، فَهُوَ إِمَّا مجَاز عَن الرِّضَا كَأَن قَالَ: نَفسِي مبذولة لرضاك، أَو هَذِه الْكَلِمَة وَقعت فِي الْبَين خطابا لسامع الْكَلَام، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَلَفظ: فدى، مَمْدُود ومقصور ومرفوع ومنصوب، وَقَالَ ابْن بطال: فدى لَك، أَي: من عنْدك فَلَا تعاقبني، وَاللَّام للتبيين نَحْو لَام: هيت لَك. قَوْله: (مَا اقتفينا) أَي: اتَّبعنَا أمره ومادته قَاف وَفَاء، وَفِي الْمَغَازِي: مَا أبقينا من الْإِبْقَاء ومادته بَاء وقاف أَي: أفدنا من عقابك فدَاء مَا أبقينا من الذُّنُوب، أَي: مَا تَرَكْنَاهُ مَكْتُوبًا علينا، وروى: مَا اتقينا، من الاتقاء، وَمَا اقتنينا من الاقتناء، ويروى: مَا آتَيْنَا من الْإِتْيَان. قَوْله: (أَبينَا) من الإباء عَن الْفِرَار أَو عَن الْبَاطِل. قَوْله: (وبالصياح عولوا علينا) ، أَي: حملُوا علينا بالصياح لَا بالشجاعة، قَالَ الْكرْمَانِي: قد تقدم فِي الْجِهَاد أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ يَقُولهَا فِي حفر الخَنْدَق، وَأَنَّهَا من أراجيز ابْن رَوَاحَة، ثمَّ أجَاب بِأَنَّهُ لَا مُنَافَاة فِي وُقُوع الْأَمريْنِ وَلَا مَحْذُور أَن يَحْدُو الشَّخْص بِشعر غَيره. قَوْله: (وَجَبت) ، أَي: الشَّهَادَة وَقَالَ أَبُو عمر: كَانُوا قد عرفُوا أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا اسْتغْفر لأحد عِنْد الْوَقْعَة وَفِي الْمشَاهد يستشهد الْبَتَّةَ، فَلَمَّا سمع عمر رَضِي الله عَنهُ ذَلِك قَالَ: يَا رَسُول الله لَوْلَا أمتعتنا بعامر أَي: لَو تركته لنا فبارز يومئذٍ فَرجع سَيْفه على سَاقه فَقطع كحله فَمَاتَ مِنْهَا. قَوْله: (جمر) بِضَمَّتَيْنِ جمع حمَار. قَوْله: (إنسية) بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون النُّون وبفتحهما وَهُوَ من بَاب إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى صفته. قَوْله: (أهريقوها) ويروى: هريقوها، أَي: أريقوها، فَفِي الرِّوَايَة الأولى الْهَاء زَائِدَة، وَفِي الثَّانِيَة منقلبة عَن الْهمزَة. قَوْله: (أَو ذَاك) أَي: أهريقوها واغسلوها. قَوْله: (وَيرجع) بِالرَّفْع. قَوْله: (ذُبَاب سَيْفه) أَي: طرفه. قَوْله: (شاحباً) أَي: متغير اللَّوْن، يُقَال شحب يشحب سحوباً فَهُوَ شاحب، وَقَالَ صَاحب التَّوْضِيح: وَلَا يَصح أَن يكون بِالْجِيم كَمَا قَالَه ابْن التِّين، وَلَيْسَت هَذِه اللَّفْظَة فِي رِوَايَة الْمَغَازِي. قَوْله: (حَبط) بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: بَطل عمله. قَوْله: (وَأسيد) بِضَم الْهمزَة وَفتح السِّين مصغر أَسد بن الْحضير بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة. قَوْله: (إِن لَهُ لأجرين) وهما: أجر الْجهد فِي الطَّاعَة، وَأجر المجاهدة فِي سَبِيل الله، وَقيل: أحد الأجرين مَوته فِي سَبِيل الله، وَالْآخر لما كَانَ يَحْدُو بِهِ الْقَوْم من شعره وَيَدْعُو الله فِي ثباتهم عِنْد لِقَاء عدوهم. قَوْله: (لجاهد مُجَاهِد) كِلَاهُمَا بِلَفْظ إسم الْفَاعِل، الأول من الثلاثي، وَالثَّانِي من الْمَزِيد فِيهِ، وَالْمعْنَى: لجاهد فِي الْأجر وَمُجاهد للْمُبَالَغَة فِيهِ، يَعْنِي: مبالغ فِي سَبِيل الله، ويروى بِلَفْظ الْمَاضِي فِي الأول وبلفظ جمع المجهدة فِي الثَّانِي. قَوْله: (قل عَرَبِيّ نَشأ بهَا) قل عَرَبِيّ نَشأ فِي الدُّنْيَا بِهَذِهِ الْخصْلَة، وَالْهَاء عَائِدَة إِلَى الْحَرْب أَو بِلَاد الْعَرَب، أَي: قَلِيل من الْعَرَب نَشأ بهَا.

٦١٤٩ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا إسْمَاعِيلُ حَدثنَا أيُّوبُ عَنْ أبِي قِلَابَةَ عَنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله عَنهُ قَالَ: أَتَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى بَعْضِ نِسائِهِ وَمَعَهُنَّ أُمُّ سُلَيْمٍ، فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ رُوَيْدَكَ سَوْقاً بالقَوَارِيرِ، قَالَ أبُو قِلَابَةَ: فَتَكَلَّمَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِكَلِمَةٍ لَوْ تَكَلَّمَ بِهَا بَعْضُكُمْ لَعِبْتُمُوها عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: سَوْقَكَ بالقوَارِيرِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ حدو أَنْجَشَة بِالنسَاء. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن علية، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَأَبُو قلَابَة بِكَسْر الْقَاف عبد الله بن زيد الْجرْمِي.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن قُتَيْبَة بِهِ.

قَوْله: (أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، على بعض نِسَائِهِ) فِي رِوَايَة حَمَّاد بن زيد على مَا يَأْتِي عَن أَيُّوب: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ فِي سفر، وَفِي رو اية شُعْبَة عَن ثَابت عَن أنس: كَانَ فِي منزله فحدا الْحَادِي، وَأخرجه النَّسَائِيّ والإسماعيلي من طَرِيق شبة بِلَفْظ: وَكَانَ مَعَهم سائق وحاد، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت عَن أنس رَضِي الله عَنهُ كَانَ أَنْجَشَة يَحْدُو بِالنسَاء وَكَانَ الْبَراء بن مَالك يَحْدُو بِالرِّجَالِ، وَفِي رِوَايَة قَتَادَة عَن أنس كَانَ للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حادٍ يُقَال لَهُ أَنْجَشَة. وَكَانَ حسن الصَّوْت، وَفِي رِوَايَة وهيب: وأنجشة غُلَام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَسُوق بِهن، وَفِي رِوَايَة حميد عَن أنس: فَاشْتَدَّ بِهن فِي السِّيَاقَة، أخرجهَا أَحْمد عَن ابْن أبي عدي عَنهُ. قَوْله: (ومعهن أم سليم) بِضَم السِّين وَفتح اللَّام وَهِي أم أنس رَضِي الله عَنهُ وَفِي رِوَايَة وهيب عَن أَيُّوب كَمَا سَيَأْتِي: كَانَت أم سليم فِي النَّقْل وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيّ عَن أنس: كَانَت أم سليم مَعَ نسَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أخرجه مُسلم من طَرِيق يزِيد بن زُرَيْع، وَحكى عِيَاض أَن فِي رِوَايَة السَّمرقَنْدِي فِي مُسلم: أم سَلمَة، بدل: أم سليم. قيل: إِنَّه تَصْحِيف لِأَن الرِّوَايَات تظاهرت بِأَنَّهَا أم سليم. قَوْله: (وَيحك) قد مر غير مرّة أَن كلمة: وَيحك، كلمة ترحم وتوجع يُقَال لمن يَقع فِي أَمر لَا يسْتَحقّهُ، وانتصابه على المصدرية، وَقد ترفع وتضاف وَلَا تُضَاف، يُقَال: وَيْح زيد وويحاً لَهُ وويح لَهُ. قَوْله: (يَا أَنْجَشَة) بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْجِيم وبالشين الْمُعْجَمَة ثمَّ بهاء التَّأْنِيث، وَوَقع فِي رِوَايَة وهيب: يَا أنجش بالترخيم. قَالَ البلاذري: كَانَ أَنْجَشَة حَبَشِيًّا يكنى أَبَا مَارِيَة. وَفِي التَّوْضِيح: أَنْجَشَة غُلَام أسود للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَكرُوهُ فِي الصَّحَابَة. قلت: ذكره أَبُو عمر فِي الِاسْتِيعَاب: أَنْجَشَة العَبْد الْأسود كَانَ يَسُوق أَو يَقُود بنساء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَام حجَّة الْوَدَاع، وَكَانَ حسن الصَّوْت وَكَانَ إِذا حدا اعتنقت الْإِبِل فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: يَا أَنْجَشَة رويدك بِالْقَوَارِيرِ. وَأخرج الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث وَاثِلَة أَنه كَانَ مِمَّن نفاهم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من المخنثين. قَوْله: (رويدك) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيّ: رويداً، وَفِي رِوَايَة شُعْبَة: أرْفق، وَوَقع فِي رِوَايَة حميد: رويدك أرْفق، جمع بَينهمَا، وَوَقع فِي رِوَايَة عَن حميد كَذَاك: سوقك، وَهِي بِمَعْنى: كَفاك. وَقَالَ عِيَاض: رويداً مَنْصُوب على أَنه صفة لمَحْذُوف أَي: سُقْ سوقاً رويداً، أَو: أحد حدواً رويداً، أَو على الْمصدر أَي: أرود رويداً مثل: أرْفق رفقا، أَو على الْحَال أَي: سر رويداً، ورويدك مَنْصُوب على الإغراء أَو مفعول بِفعل مُضْمر أَي: إلزم رفقك. وَقَالَ الرَّاغِب: رويداً من أرود يرود كأمهل يُمْهل، وَزنه وَمَعْنَاهُ، وَهُوَ من الرود بِفَتْح أول وَسُكُون ثَانِيه، وَهُوَ الترود فِي طلب الشَّيْء بِرِفْق راد وارتاد، والرائد طَالب الْكلأ، ورادت الْمَرْأَة ترود إِذا مشت على هينتها، وَقَالَ الرامَهُرْمُزِي: رويداً تَصْغِير رَود، وَهُوَ مصدر فعل الرائد وَهُوَ الْمَبْعُوث فِي طلب الشَّيْء، وَلم يسْتَعْمل فِي معنى المهلة إلَاّ مُصَغرًا. قَالَ: وَذكر صَاحب (الْعين) أَنه إِذا أُرِيد بِهِ معنى الترديد فِي الْوَعيد لم ينون. قَوْله: (سوقك) كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة حميد: سيرك، وَهُوَ بِالنّصب على نزع الْخَافِض، أَي: أرْفق فِي سوقك، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: رويد أَي أرْفق، وسوقك مفعول بِهِ، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم: سوقاً، وَقيل: رويدك إِمَّا مصدر وَالْكَاف فِي مَحل خفض، وَإِمَّا إسم فعل وَالْكَاف حرف خطاب، وسوقك بِالنّصب على الْوَجْهَيْنِ، وَالْمرَاد بِهِ حدوك إطلاقاً لإسم الْمُسَبّب على السَّبَب. وَقَالَ ابْن مَالك: رويدك إسم فعل بِمَعْنى أرود أَي: أمْهل وَالْكَاف الْمُتَّصِلَة بِهِ حرف الْخطاب وفتحة داله بنائية، وَلَك أَن تجْعَل

رويدك مصدرا مُضَافا إِلَى الْكَاف ناصبها سوقك وفتحة داله على هَذَا إعرابية. قَوْله: (بِالْقَوَارِيرِ) جمع قَارُورَة من الزّجاج سميت بهَا لاستقرار الشَّرَاب فِيهَا، وَفِي رِوَايَة هِشَام عَن قَتَادَة: رويدك سوقك وَلَا تكسر الْقَوَارِير، وَزَاد حَمَّاد فِي رِوَايَته عَن أَيُّوب، قَالَ أَبُو قلَابَة يَعْنِي: النِّسَاء، وَفِي رِوَايَة همام عَن قَتَادَة: لَا تكسر الْقَوَارِير، قَالَ قَتَادَة: يَعْنِي ضعفة النِّسَاء. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: شبه النِّسَاء بِالْقَوَارِيرِ من الزّجاج لِأَنَّهُ يسْرع إِلَيْهَا الْكسر وَكَانَ أَنْجَشَة يَحْدُو وينشد القريض وَالرجز فَلم يَأْمَن أَن يصيبهن أَو يَقع فِي قلوبهن حداؤه، فَأمره بالكف عَن ذَلِك، وَفِي الْمثل: الْغناء رقية الزِّنَا، وَقيل: أَرَادَ أَن الْإِبِل إِذا سَمِعت الحداء أسرعت فِي الْمَشْي واشتدت فأزعجت الرَّاكِب وأتعبته، فَنَهَاهُ عَن ذَلِك لِأَن النِّسَاء يضعفن من شدَّة الْحَرَكَة. وَقَالَ الرامَهُرْمُزِي: كنى عَن النِّسَاء بِالْقَوَارِيرِ لرقتهن وضعفهن عَن الْحَرَكَة، وَالنِّسَاء يشبهن بِالْقَوَارِيرِ فِي الرقة واللطافة وَضعف البنية، وَقيل: سقهن كسوقك الْقَوَارِير لَو كَانَت مَحْمُولَة على الْإِبِل، وَقيل: شبههن بِالْقَوَارِيرِ لسرعة انقلابهن عَن الرِّضَا وَقلة دوامهن على الْوَفَاء كالقوارير يسْرع إِلَيْهَا الْكسر وَلَا تقبل الْجَبْر، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: هِيَ اسْتِعَارَة لِأَن الْمُشبه بِهِ غير مَذْكُور، والقرينة حَالية لَا مقالية، وَلَفظ الْكسر ترشيح لَهَا. قَوْله: (قَالَ أَبُو قلَابَة) هُوَ الرَّاوِي عَن أنس: تكلم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِكَلِمَة، وَهِي سوق الْقَوَارِير قَوْله: (لَو تكلم بهَا) أَي: بِهَذِهِ الْكَلِمَة: بَعْضكُم لعبتموها عَلَيْهِ، أَي: على الَّذِي تكلم بهَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: هَذِه اسْتِعَارَة لَطِيفَة بليغة فَلم تعاب؟ قلت: لَعَلَّه نظر إِلَى أَن شَرط الِاسْتِعَارَة أَن يكون وَجه الشّبَه جلياً بَين الأقوام وَلَيْسَ بَين القارورة وَالْمَرْأَة وَجه الشّبَه ظَاهرا، وَالْحق أَنه كَلَام فِي غَايَة الْحسن وَالسَّلَام عَن الْعُيُوب وَلَا يلْزم فِي الِاسْتِعَارَة أَن يكون جلاء الْوَجْه من حَيْثُ ذاتهما بل يَكْفِي الْجلاء الْحَاصِل من الْقَرَائِن الجاعلة للْوَجْه جلياً ظَاهرا كَمَا فِي المبحث، وَيحْتَمل أَن يكون قصد أبي قلَابَة أَن هَذِه الِاسْتِعَارَة تحسن من مثل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي البلاغة، وَلَو صدرت مِمَّن لَا بلاغة لَهُ لعبتموها، وَهَذَا هُوَ اللَّائِق بِمنْصب أبي قلَابَة، وَالله أعلم.

٩١ - (بابُ هِجاءِ المُشْرِكِينَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الهجاء للْمُشْرِكين، وروى أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان وَصَححهُ من حَدِيث أنس رَضِي الله عَنهُ رَفعه: جاهدوا الْمُشْركين بألسنتكم، وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عمار بن يَاسر: لما هجانا الْمُشْركُونَ قَالَ لنا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: قُولُوا لَهُم كَمَا يَقُولُونَ لكم فَإِن كُنَّا لنعلمه إِمَاء أهل الْمَدِينَة، فلأجل ذَلِك وضع البُخَارِيّ هَذِه التَّرْجَمَة وَأَشَارَ بهَا إِلَى أَن بعض الشّعْر قد يكون مُسْتَحبا والهجاء والهجو بِمَعْنى وَهُوَ الذَّم فِي الشّعْر، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الهجاء خلاف الْمَدْح وَقد هجوته هجواً وهجاء وتهجاء فَهُوَ مهجو، وَلَا تقل هجيته.

٦١٥٠ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ حَدثنَا عَبْدَةُ أخبرنَا هِشامٌ بنُ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا قالَتْ: اسْتأذَنَ حَسَّانُ بنُ ثابتٍ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي هِجاءِ المُشْرِكِينَ فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: فَكَيْفَ بنَسَبي؟ فَقَالَ حَسَّانُ: لأسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعَرَةُ مِنَ العَجِينِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد هُوَ ابْن سَلام، وَعَبدَة بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة هُوَ ابْن سُلَيْمَان.

والْحَدِيث مضى فِي الْمَغَازِي عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن عُثْمَان أَيْضا.

قَوْله: (فَكيف بنسبي؟) أَي: كَيفَ تهجوهم ونسبي الْمُهَذّب الشريف فيهم؟ فَرُبمَا يُصِيبنِي من الهجو نصيب. قَوْله: (لأسلنك) أَي: لَا تلطفن فِي تَخْلِيص نسبك من هجوهم بِحَيْثُ لَا يبْقى جُزْء من نسبك فِيمَا ناله الهجو كالشعرة إِذا انسلت من الْعَجِين لَا يبْقى شَيْء مِنْهُ عَلَيْهَا.

وعَنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ قَالَ: ذَهَبْتُ أسُبُّ حَسَّانَ عِنْدَ عائِشَةَ فقالَتْ: لَا تَسُبُّهُ فإِنَّهُ كانَ يُنافِحُ عَنْ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

هَذَا مَوْصُول بالسند الْمَذْكُور. قَوْله: (ذهبت أسب حسان) لِأَنَّهُ كَانَ مُوَافقا لأهل الْإِفْك. قَوْله: (ينافح) بِالْحَاء الْمُهْملَة أَي: يدافع عَنهُ ويخاصم عَنهُ، والمنافح المدافع، يُقَال: نافحت عَن فلَان أَي: دافعت عَنهُ.

٦١٥١ - حدَّثنا أصْبَغُ قَالَ: أَخْبرنِي عَبْدُ الله بنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبرنِي يُونُسُ عَنِ ابنِ شِهابٍ أنَّ الهَيْثَمَ بنَ أبي سِنانٍ أخْبَرَهُ أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ فِي قصَصِهِ يَذْكُر النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ: إنَّ أَخا لَكُمْ لَا يَقُولُ الرَّفَثَ، يَعْنِي بِذَاكَ ابنَ رَوَاحَةَ، قَالَ:

(وَفِينَا رَسُولُ الله يَتْلُوا كِتابَهُ ... إذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنَ الفَجْرِ سَاطِعُ)

(أرَانا الهُدَى بَعْدَ العَمَى فَقُلُوبُنا ... بِهِ مُوقناتٌ أنَّ مَا قَالَ واقِعُ)

(يَبِيتُ يُجافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ ... إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بالْكَافِرِينَ المَضاجِعُ)

(انْظُر الحَدِيث ١١٥٥) .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله:

إِذا استثقلت بالكافرين الْمضَاجِع

فَإِن هَذَا ذمّ لَهُم وَهُوَ عين الهجو. وإصبغ بالغين الْمُعْجَمَة ابْن الْفرج أَبُو عبد الله الْمصْرِيّ وَهُوَ من أَفْرَاده، والهيثم بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة ابْن سِنَان بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف النُّون الأولى.

والْحَدِيث مضى فِي التَّهَجُّد فِي: بَاب فضل من تعار من اللَّيْل فصلى، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب ... الخ.

قَوْله: (فِي قصصه) بِفَتْح الْقَاف وَكسرهَا فبالفتح الإسم وبالكسر جمع قصَّة والقص فِي الأَصْل الْبَيَان. قَوْله: (الرَّفَث) أَي: الْفُحْش. قَوْله: (ابْن رَوَاحَة) هُوَ عبد الله بن رَوَاحَة والأبيات الْمَذْكُورَة من الْبَحْر الطَّوِيل، والساطع الْمُرْتَفع، والعمى الضلال. قَوْله: (بالكافرين) فِي رِوَايَة الْكشميهني: بالمشركين. قَوْله: (استثقلت) من الثّقل بالثاء الْمُثَلَّثَة وَالْقَاف، وَفِي الْبَيْت الأول إِشَارَة إِلَى علم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفِي الثَّالِث إِلَى عمله فَهُوَ كَامِل علما وَعَملا، وَفِي الثَّانِي إِلَى تَكْمِيل الْغَيْر فَهُوَ كَامِل مكمل صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

تابَعَهُ عُقَيْلٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ

أَي: تَابع يُونُس عقيل بِضَم الْعين ابْن خَالِد فِي رِوَايَته الحَدِيث الْمَذْكُور عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَقد مر بَيَان مُتَابَعَته فِي التَّهَجُّد فِي الْبَاب الْمَذْكُور هُنَاكَ.

وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ: عَن الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ والأعْرَجِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ

الزبيدِيّ بِضَم الزَّاي وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال الْمُهْملَة هُوَ مُحَمَّد بن الْوَلِيد الشَّامي صَاحب الزُّهْرِيّ، وَسَعِيد هُوَ ابْن الْمسيب، والأعرج هُوَ عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز وَهَذَا أَيْضا قد مر فِي التَّهَجُّد فِي الْبَاب الْمَذْكُور.

١٧٥ - (حَدثنَا أَبُو الْيَمَان أخبرنَا شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ ح وَحدثنَا إِسْمَاعِيل قَالَ حَدثنِي أخي عَن سُلَيْمَان عَن مُحَمَّد بن أبي عَتيق عَن ابْن شهَاب عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أَنه سمع حسان بن ثَابت الْأنْصَارِيّ يستشهد أَبَا هُرَيْرَة فَيَقُول يَا أَبَا هُرَيْرَة نشدتك بِاللَّه هَل سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُول يَا حسان أجب عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اللَّهُمَّ أيده بِروح الْقُدس قَالَ أَبُو هُرَيْرَة نعم) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله أجب عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأخرجه من طَرِيقين أَحدهمَا عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ وَالْآخر عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس عَن أَخِيه عبد الحميد عَن سُلَيْمَان بن بِلَال عَن مُحَمَّد بن أبي عَتيق واسْمه مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ التَّيْمِيّ الْقرشِي الْمدنِي عَن ابْن شهَاب إِلَى آخِره والْحَدِيث قد مضى فِي الصَّلَاة فِي بَاب الشّعْر فِي الْمَسْجِد قَوْله نشدتك بِاللَّه أَي أَقْسَمت عَلَيْك بِاللَّه وَسَأَلْتُك بِهِ قَوْله أجب أَي دافعا عَنهُ قَوْله أيده من التأييد وَهُوَ التقوية قَوْله بِروح الْقُدس بِضَم الدَّال وسكونها هُوَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

رُكْبَةَ عَامِرٍ فَمَاتَ مِنْهُ فَلَمَّا قَفَلُوا قَالَ سَلَمَةُ رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ شَاحِباً فَقَالَ لِي: "مَا لَكَ فَقُلْتُ فِدًى لَكَ أَبِي وَأُمِّي زَعَمُوا أَنَّ عَامِراً حَبِطَ عَمَلُهُ قَالَ مَنْ قَالَهُ قُلْتُ قَالَهُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ وَأُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ الأَنْصَارِيُّ. فَقال رسول الله : "كَذَبَ مَنْ قَالَهُ إِنَّ لَهُ لَاجْرَيْنِ وَجَمَعَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ قَلَّ عَرَبِيٌّ نَشَأَ بِهَا مِثْلَهُ"

٦١٤٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "أَتَى النَّبِيُّ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ وَمَعَهُنَّ أُمُّ سُلَيْمٍ فَقَالَ: "وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ رُوَيْدَكَ سَوْقاً بِالْقَوَارِيرِ" قَالَ أَبُو قِلَابَةَ فَتَكَلَّمَ النَّبِيُّ بِكَلِمَةٍ لَوْ تَكَلَّمَ بِهَا بَعْضُكُمْ لَعِبْتُمُوهَا عَلَيْهِ".

[الحديث ٦١٤٩ - أطرافه في: ٦١٦١، ٦٢٠٢، ٦٢٠٩، ٦٢١٠، ٦٢١١]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الشِّعْرِ وَالرَّجَزِ وَالْحُدَاءِ).

أَمَّا الشِّعْرُ فَهُوَ فِي الْأَصْلِ اسْمٌ لِمَا دَقَّ وَمِنْهُ لَيْتَ شِعْرِي ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي الْكَلَامِ الْمُقَفَّى الْمَوْزُونِ قَصْدًا، وَيُقَالُ أَصْلُهُ الشَّعَرُ بِفَتْحَتَيْنِ، يُقَالُ: شَعَرْتُ أَصَبْتُ الشِّعْرَ، وَشَعَرْتُ بِكَذَا عَلِمْتُ عِلْمًا دَقِيقًا كَإِصَابَةِ الشِّعْرِ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: قَالَ بَعْضُ الْكُفَّارِ عَنِ النَّبِيِّ إِنَّهُ شَاعِرٌ، فَقِيلَ لِمَا وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْكَلِمَاتِ الْمَوْزُونَةِ وَالْقَوَافِي، وَقِيلَ: أَرَادُوا أَنَّهُ كَاذِبٌ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَا يَأْتِي بِهِ الشَّاعِرُ كَذِبٌ، وَمِنْ ثَمَّ سَمَّوُا الْأَدِلَّةَ الْكَاذِبَةَ شِعْرًا، وَقِيلَ فِي الشِّعْرِ: أَحْسَنُهُ وأَكْذَبُهُ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا ذُكِرَ فِي حَدِّ الشِّعْرِ أَنَّ شَرْطَهُ الْقَصْدُ إِلَيْهِ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ مَوْزُونًا اتِّفَاقًا فَلَا يُسَمَّى شِعْرًا، وَأَمَّا الرَّجَزُ فَهُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْجِيمِ بَعْدَهَا زَايٌ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الشِّعْرِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَقِيلَ: لَيْسَ بِشِعْرٍ لِأَنَّهُ يُقَالُ رَاجِزٌ لَا شَاعِرٌ، سُمِّيَ رَجَزًا لِتَقَارُبِ أَجْزَائِهِ وَاضْطِرَابِ اللِّسَانِ بِهِ، وَيُقَالُ رَجَزَ الْبَعِيرُ إِذَا تَقَارَبَ خَطْوُهُ وَاضْطَرَبَ لِضَعْفٍ فِيهِ، وَأَمَّا الْحُدَاءُ فَهُوَ بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ يُمَدُّ وَيُقْصَرُ: سَوْقُ الْإِبِلِ بِضَرْبٍ مَخْصُوصٍ مِنَ الْغِنَاءِ، وَالْحُدَاءُ فِي الْغَالِبِ إِنَّمَا يَكُونُ بِالرَّجَزِ، وَقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِهِ مِنَ الشِّعْرِ، وَلِذَلِكَ عَطَفَهُ عَلَى الشِّعْرِ وَالرَّجَزِ، وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ الْإِبِلِ أَنَّهَا تُسْرِعُ السَّيْرَ إِذَا حُدِيَ بِهَا.

وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ طَاوُسٍ مُرْسَلًا، وَأَوْرَدَهُ الْبَزَّارُ مَوْصُولًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ حَدَا الْإِبِلَ عَبْدٌ لِمُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعْدِ بْنِ عَدْنَانَ كَانَ فِي إِبِلٍ لِمُضَرَ فَقَصَّرَ، فَضَرَبَهُ مُضَرُ عَلَى يَدِهِ فَأَوْجَعَهُ فَقَالَ: يَا يَدَاهُ يَا يَدَاهُ، وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ فَأَسْرَعَتِ الْإِبِلُ لَمَّا سَمِعَتْهُ فِي السَّيْرِ، فَكَانَ ذَلِكَ مَبْدَأَ الْحُدَاءِ. وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الِاتِّفَاقَ عَلَى إِبَاحَةِ الْحُدَاءِ، وَفِي كَلَامِ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ إِشْعَارٌ بِنَقْلِ خِلَافِ فِيهِ، وَمَانِعُهُ مَحْجُوجٌ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَيَلْتَحِقُ بِالْحُدَاءِ هُنَا الْحَجِيجُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى التَّشَوُّقِ إِلَى الْحَجِّ بِذِكْرِ الْكَعْبَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَشَاهِدِ، وَنَظِيرُهُ مَا يُحَرِّضُ أَهْلُ الْجِهَادِ عَلَى الْقِتَالِ، وَمِنْهُ غِنَاءُ الْمَرْأَةِ لِتَسْكِينِ الْوَلَدِ فِي الْمَهْدِ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ سَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيِّ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ لَفْظَةٌ وَقَوْلُهُ وَهِيَ زِيَادَةٌ لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهَا، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: الْمُرَادُ بِالشُّعَرَاءِ شُعَرَاءُ الْمُشْرِكِينَ، يَتَّبِعُهُمْ غُوَاةُ النَّاسِ وَمَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ وَعُصَاةُ الْجِنِّ وَيَرْوُونَ شِعْرَهُمْ ; لِأَنَّ الْغَاوِيَ لَا يَتَّبِعُ إِلَّا غَاوِيًا مِثْلَهُ، وَسَمَّى الثَّعْلَبِيُّ مِنْهُمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزِّبَعْرَى، وَهُبَيْرَةَ بْنَ أَبِي وَهْبٍ،

وَمُسَافِعَ، وَعَمْرَو بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ، وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي شَاعِرَيْنِ تَهَاجَيَا، فَكَانَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَمَاعَةٌ وَهُمُ الْغُوَاةُ السُّفَهَاءُ، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - مَا لَا يَفْعَلُونَ قَالَ: فَنَسَخَ مِنْ ذَلِكَ وَاسْتَثْنَى فَقَالَ: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ - مِنْ طَرِيقٍ مُرْسَلَةٍ - قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ وَهُمْ يَبْكُونَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّا شُعَرَاءُ. فَقَالَ: اقْرَءُوا مَا بَعْدَهَا ﴿إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أَنْتُمْ ﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ أَنْتُمْ.

وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي الثَّلَاثَةِ، وَإِنَّمَا وَرَدَتْ بِالْإِبْهَامِ لِيَدْخُلَ مَعَهُمْ مَنِ اقْتَدَى بِهِمْ، وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ مَعَ الثَّلَاثَةِ كَعْبَ بْنَ زُهَيْرٍ بِغَيْرِ إِسْنَادٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي كُلِّ لَغْوٍ يَخُوضُونَ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: فِي كُلِّ وَادٍ قَالَ: فِي كُلِّ لَغْوٍ، وَفِي قَوْلِهِ: يَهِيمُونَ قَالَ: يَخُوضُونَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَهِيمُونَ أَيْ يَقُولُونَ فِي الْمَمْدُوحِ وَالْمَذْمُومِ مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُمْ كَالْهَائِمِ عَلَى وَجْهِهِ، وَالْهَائِمُ الْمُخَالِفُ لِلْقَصْدِ.

قَوْلُهُ: (وَمَا يُكْرَهُ مِنْهُ) هُوَ قَسِيمُ قَوْلِهِ: مَا يَجُوزُ، وَالَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنْ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ فِي حَدِّ الشِّعْرِ الْجَائِزِ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكْثُرْ مِنْهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَخَلَا عَنْ هَجْوٍ، وَعَنِ الْإِغْرَاقِ فِي الْمَدْحِ وَالْكَذِبِ الْمَحْضِ، وَالتَّغَزُّلِ بِمُعَيَّنٍ لَا يَحِلُّ. وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِهِ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ، وَاسْتَدَلَّ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ وَغَيْرِهَا وَقَالَ: مَا أُنْشِدَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ أَوِ اسْتَنْشَدَهُ، لَمْ يُنْكِرْهُ. قُلْتُ: وَقَدْ جَمَعَ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ شَيْخُ شُيُوخِنَا مُجَلَّدًا فِي أَسْمَاءِ مَنْ نُقِلَ عَنْهُ مِنَ اصَّحَابَةِ شَيْءٌ مِنْ شِعْرٍ مُتَعَلِّقٍ بِالنَّبِيِّ خَاصَّةً، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْبَابِ خَمْسَةُ أَحَادِيثَ دَالَّةً عَلَى الْجَوَازِ، وَبَعْضُهَا مُفَصِّلٌ لِمَا يُكْرَهُ مِمَّا لَا يُكْرَهُ، وَتَرْجَمَ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مَا يُكْرَهُ مِنَ الشِّعْرِ وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ فِرْيَةً الشَّاعِرُ يَهْجُو الْقَبِيلَةَ بِأَسْرِهَا وَسَنَدُهُ حَسَنٌ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ أَعْظَمُ النَّاسِ فِرْيَةً رَجُلٌ هَاجَى رَجُلًا فَهَجَا الْقَبِيلَةَ بِأَسْرِهَا وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: الشَّعْرُ مِنْهُ حَسَنٌ وَمِنْهُ قَبِيحٌ، خُذِ الْحَسَنَ وَدَعِ الْقَبِيحَ، وَلَقَدْ رَوَيْتُ مِنْ شِعْرِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَشْعَارًا مِنْهَا الْقَصِيدَةُ فِيهَا أَرْبَعُونَ بَيْتًا، وَسَنَدُهُ حَسَنٌ.

وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى أَوَّلُهُ مِنْ حَدِيثِهَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَرْفُوعًا، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ الشِّعْرُ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ، فَحَسَنُهُ كَحَسَنِ الْكَلَامِ، وَقَبِيحُهُ كَقَبِيحِ الْكَلَامِ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَقَالَ: لَا يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ. وَقَدِ اشْتُهِرَ هَذَا الْكَلَامُ عَنِ الشَّافِعِيِّ. وَاقْتَصَرَ ابْنُ بَطَّالٍ عَلَى نِسْبَتِهِ إِلَيْهِ فَقَصَّرَ، وَعَابَ الْقُرْطُبِيُّ الْمُفَسِّرُ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ الِاقْتِصَارَ عَلَى نِسْبَةِ ذَلِكَ لِلشَّافِعِيِّ، وَقَدْ شَارَكَهُمْ فِي ذَلِكَ ابْنُ بَطَّالٍ وَهُوَ مَالِكِيٌّ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَطَاءً عَنِ الْحُدَاءِ وَالشِّعْرِ وَالْغِنَاءِ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يَكُنْ فاحْشًا.

الحديث الأول: قَوْلُهُ: (عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيَّ، وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ أَرْبَعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ قُرَشِيُّونَ مَدَنِيُّونَ فِي نَسَقٍ، فَالزُّهْرِيُّ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ، وَأَبُو بَكْرٍ وَمَنْ فَوْقَهُ مِنْ كِبَارِهِمْ ; وَلِمَرْوَانَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ مَزِيَّةُ إِدْرَاكِ النَّبِيِّ وَلَكِنَّهُمَا مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةِ مَعْدُودَانِ فِي التَّابِعِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا أَنَّ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ رُؤْيَةٌ وَأَنَّهُ عُدَّ لِذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ، وَكَذَا ذَكَرَ بَعْضُهُمْ مَرْوَانَ فِي الصَّحَابَةِ لِإِدْرَاكِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي الشُّرُوطِ. وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَى

الزُّهْرِيِّ فِي سَنَدِهِ: فَالْأَكْثَرُ عَلَى مَا قَالَ شُعَيْبٌ. وَقَالَ مَعْمَرٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بَدَلَ أَبِي بَكْرٍ مَوْصُولًا، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ مُرْسَلًا، وَوَافَقَ رَبَاحُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مَعْمَرٍ الْجَمَاعَةَ، وَكَذَا قَالَ هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَعْمَرٍ، لَكِنْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَسْوَدِ وَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ: عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَحَذَفَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، مَرْوَانَ مِنَ السَّنَدِ، وَالصَّوَابُ إِثْبَاتُهُ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً) أَيْ قَوْلًا صَادِقًا مُطَابِقًا لِلْحَقِّ. وَقِيلَ: أَصْلُ الْحِكْمَةِ الْمَنْعُ، فَالْمَعْنَى أنَّ مِنَ الشِّعْرِ كَلَامًا نَافِعًا يَمْنَعُ مِنَ السَّفَهِ. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ صَخْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا، وَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلًا، وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكَمًا، وَإِنَّ مِنَ الْقَوْلِ عَيًّا. فَقَالَ صَعْصَعَةُ بْنُ صُوحَانَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ .

أَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا، فَالرَّجُلُ يَكُونُ عَلَيْهِ الْحَقُّ وَهُوَ أَلْحَنُ بِالْحُجَجِ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ فَيَسْحَرُ الْقَوْمَ بِبَيَانِهِ فَيَذْهَبُ بِالْحَقِّ. وَإن قَوْلُهُ: وَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلًا فَيُكَلَّفُ الْعَالِمُ إِلَى عِلْمِهِ مَا لَا يَعْلَمْ فَيَجْهَلُ ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكَمًا فَهِيَ هَذِهِ الْمَوَاعِظُ وَالْأَمْثَالُ الَّتِي يَتَّعِظُ بِهَا النَّاسُ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ مِنَ الْقَوْلِ عَيًّا فَعَرْضُكَ كَلَامَكَ عَلَى مَنْ لَا يُرِيدُهُ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: مَفْهُومُهُ أَنَّ بَعْضَ الشِّعْرِ لَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ مِنْ تَبْعِيضِيَّةٌ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ وَابْنِ مَاجَهْ بِلَفْظِ: إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكَمًا وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ مِثْلَهُ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: رُبَّمَا قَالَ الشَّاعِرُ الْكَلِمَةُ الْحَكِيمَةُ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مَا كَانَ فِي الشِّعْرِ وَالرَّجَزِ ذِكْرُ اللَّهِ - تَعَالَى - وَتَعْظِيمٌ لَهُ وَوَحْدَانِيَّتُهُ وَإِيثَارُ طَاعَتِهِ وَالِاسْتِسْلَامُ لَهُ فَهُوَ حَسَنٌ مُرَغَّبٌ فِيهِ، وَهُوَ الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ حِكْمَةٌ، وَمَا كَانَ كَذِبًا وَفُحْشًا فَهُوَ مَذْمُومٌ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى مَنْ كَرِهَ الشِّعْرَ مُطْلَقًا وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ الشِّعْرُ مَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ وَعَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ تَمَثَّلَ بِأَوَّلِ بَيْتِ شِعْرٍ ثُمَّ سَكَتَ، فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ: أَخَافُ أَنْ أَجِدَ فِي صَحِيفَتِي شِعْرًا، وَعَنِ أَبِي أُمَامَةَ رَفَعَهُ: إِنَّ إِبْلِيسَ لَمَّا أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ قَالَ: رَبِّ اجْعَلْ لِي قُرْآنًا، قَالَ قُرْآنُكَ الشِّعْرُ ثُمَّ أَجَابَ عَلى ذَلِكَ بِأَنَّهَا أَخْبَارٌ وَاهِيَةٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ، فَحَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ فِيهِ عَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ الْهَانِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَعَلَى تَقْدِيرِ قُوَّتِهَا فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِفْرَاطِ فِيهِ وَالْإِكْثَارِ مِنْهُ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ بَعْدَ بَابٍ، وَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ سَائِرُ أَحَادِيثِ الْبَابِ.

وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: اسْتَنْشَدَنِي النَّبِيُّ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ فَأَنْشَدْتُهُ حَتَّى أَنْشَدْتُهُ مِائَةَ قَافِيَةٍ.

وَعَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ: صَحِبْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى الْبَصْرَةِ فَقَلَّ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ إِلَّا وَهُوَ يُنْشِدُنِي شِعْرًا. وَأَسْنَدَ الطَّبَرِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ وَمِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ أَنَّهُمْ قَالُوا الشِّعْرَ وَأَنْشَدُوهُ وَاسْتَنْشَدُوهُ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ عَنْ خَالِدِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ فَوَقَفَ عَلَيْهِ إِيَاسُ بْنُ خَيْثَمَةَ فَقَالَ: أَلَا أَنْشُدُكَ مِنْ شِعْرِي؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِنْ لَا تُنْشِدْنِي إِلَّا حَسَنًا. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: لَمْ يَكُنْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ مُنْحَرِفِينَ وَلَا مُتَمَاوِتِينَ، وَكَانُوا يَتَنَاشَدُونَ الْأَشْعَارَ فِي مَجَالِسِهِمْ وَيَذْكُرُونَ أَمْرَ جَاهِلِيَّتِهِمْ، فَإِذَا أُرِيدَ أَحَدُهُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ دِينِهِ دَارَتْ حَمَالِيقُ عَيْنَيْهِ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: كُنْتُ أُجَالِسُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ مَعَ أَبِي فِي الْمَسْجِدِ فَيَتَنَاشَدُونَ الْأَشْعَارَ وَيَذْكُرُونَ حَدِيثَ الْجَاهِلِيَّةِ وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ يَتَذَاكَرُونَ الشِّعْرَ وَحَدِيثَ الْجَاهِلِيَّةِ عِنْدَ رَسُولِ

اللَّهِ فَلَا يَنْهَاهُمْ، وَرُبَّمَا يَتَبَسَّمُ.

الحديث الثاني:

قَوْلُهُ: (سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ.

قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ جُنْدَبًا) فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ، عَنِ الْأَسْوَدِ الْمَاضِيَةِ فِي أَوَائِلِ الْجِهَادِ: جُنْدَبُ بْنُ سُفْيَانَ الْبَجَلِيُّ.

قَوْلُهُ: (بَيْنَمَا النَّبِيُّ يَمْشِي) فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ كَانَ فِي بَعْضِ الْمَشَاهِدِ وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنِ الْأَسْوَدِ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ وَأَخْرَجَهُ الطَّيَالِسِيُّ، وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ جُنْدُبٍ كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ فِي غَارٍ.

قَوْلُهُ: (فَعَثَرَ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: هَلْ أَنْتِ إِلَّا أصْبَعٌ دَمِيتِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ) هَذَانِ قِسْمَانِ مِنْ رَجَزٍ، وَالتَّاءُ فِي آخِرِهِمَا مَكْسُورَةٌ عَلَى وَفْقِ الشِّعْرِ، وَجَزَمَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّهُمَا فِي الْحَدِيثِ بِالسُّكُونِ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَزَعَمَ غَيْرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ تَعَمَّدَ إِسْكَانَهُمَا لِيُخْرِجَ الْقِسْمَيْنِ عَنِ الشِّعْرِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مِنْ ضَرْبٍ إلى آخَرَ مِنَ الشِّعْرِ وَهُوَ مِنْ ضُرُوبِ الْبَحْرِ الْمُلَقَّبِ الْكَامِلَ، وَفِي الثَّانِي زِحَافٌ جَائِزٌ. قَالَ عِيَاضٌ: وَقَدْ غَفَلَ بَعْضُ النَّاسِ فَرَوَى دَمِيتِ وَلَقِيتِ بِغَيْرِ مَدٍّ؛ فَخَالَفَ الرِّوَايَةَ لِيَسْلَمَ مِنَ الْإِشْكَالِ فَلَمْ يُصِبْ، وَقَدِ اخْتُلِفَ هَلْ قَالَهُ النَّبِيُّ مُتَمَثِّلًا أَوْ قَالَهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ غَيْرَ قَاصِدٍ لِإِنْشَائِهِ فَخَرَجَ مَوْزُونًا، وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ ابْنَ أَبِي الدُّنْيَا فِي مُحَاسَبَةِ النَّفْسِ أَوْرَدَهُمَا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ فَذَكَرَ أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ لَمَّا قُتِلَ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ بَعْدَ أَنْ قُتِلَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ أَخَذَ اللِّوَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَقَاتَلَ فَأُصِيبَ إِصْبَعُهُ، فَارْتَجَزَ وَجَعَلَ يَقُولُ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ وَزَادَ:

يَا نَفْسُ إِنْ لَا تُقْتَلِي تَمُوتِي … هَذِي حِيَاضُ الْمَوْتِ قَدْ صَلِيتِ

وَمَا تَمَنَّيْتِ فَقَدْ لَقِيتِ … إِنْ تَفْعَلِي فِعْلَهُمَا هُدِيتِ

وَهَكَذَا جَزَمَ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهُمَا مِنْ شِعْرِ ابْنِ رَوَاحَةَ. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ كَانَ رَافَقَ أَبَا بَصِيرٍ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، ثُمَّ إِنَّ الْوَلِيدَ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَعَثَرَ بِالْحَرَّةِ فَانْقَطَعَتْ إِصْبَعُهُ فَقَالَ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَوْصُولٌ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ. وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي زِيَادَاتِ السِّيرَةِ حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: مَنْ لِي بِعَبَّاسِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ أَنَا فَذَكَرَ قِصَّةً فِيهَا فَعَثَرَ فَدَمِيَتْ إِصْبَعُهُ فَقَالَهُمَا وَهَذَا إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ابْنُ رَوَاحَةَ ضَمَّنَهُمَا شِعْرَهُ وَزَادَ عَلَيْهِمَا، فَإِنَّ قِصَّةَ الْحُدَيْبِيَةِ قَبْلَ قِصَّةِ مُؤْتَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَحْوَ هَذَا الِاحْتِمَالِ فِي أَوَائِلِ غَزْوَةِ خَيْبَرَ فِي الرَّجَزِ الْمَنْسُوبِ لِعَامِرِ بْنِ الْأَكْوَعِ: اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا وَأَنَّهُ نُسِبَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِابْنِ رَوَاحَةَ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي جَوَازِ تَمَثُّلِ النَّبِيِّ بِشَيْءٍ مِنَ الشِّعْرِ وَإِنْشَادِهِ حَاكِيًا عَنْ غَيْرِهِ فَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ.

وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَتَمَثَّلُ بِشَيْءٍ مِنَ الشِّعْرِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَتَمَثَّلُ مِنْ شِعْرِ ابْنِ رَوَاحَةَ: وَيَأْتِيكَ بِالْأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ مُرْسَلِ أَبِي جَعْفَرٍ الْخَطْمِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَبْنِي الْمَسْجِدَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ يَقُولُ: أَفْلَحَ مَنْ يُعَالِجُ الْمَسَاجِدَا. فَيَقُولُهَا رَسُولُ اللَّهِ فَيَقُولُ ابْنُ رَوَاحَةَ: يَتْلُو الْقُرْآنَ قَائِمًا وَقَاعِدَا. فَيَقُولُهَا رَسُولُ اللَّهِ وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ فِي التَّارِيخِ عَنْ عَائِشَةَ:

تَفَاءَلْ بِمَا تَهْوَى تَكُنْ فَلَقَلَّمَا … يُقَالُ لِشَيْءٍ كَانَ إِلَّا تَحَقَّقَا

قَالَ: وَإِنَّمَا لَمْ يُعْرِبْهُ لِئَلَّا يَكُونَ شِعْرًا، فَهُوَ شَيْءٌ لَا يَصِحُّ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى وَهَائِهِ التَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ، وَالْحَدِيثُ

الثَّالِثُ فِي الْبَابِ يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ كَانَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكِيَ الشِّعْرَ عَنْ نَاظِمِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ قَوْلُهُ : أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ وَأَنَّهُ دَلَّ عَلَى جَوَازِ وُقُوعِ الْكَلَامِ مِنْهُ مَنْظُومًا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَى ذَلِكَ وَلَا يُسَمَّى ذَلِكَ شِعْرًا.

وَقَدْ وَقَعَ الْكَثِيرُ مِنْ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، لَكِنَّ غَالِبَهَا أَشْطَارُ أَبْيَاتٍ وَالْقَلِيلُ مِنْهَا وَقَعَ وَزْنَ بَيْتٍ تَامٍّ، فَمِنَ التَّامِّ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾ - ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ - ﴿مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ﴾ - ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ - ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ - ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ - ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ﴾ - ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ - ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾ - ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ - ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ - ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ - ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ وَكَذَلِكَ السُّجُودُ - ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ - ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا﴾ - ﴿يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ﴾ - ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ - ﴿وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ - ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ﴾ - ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا﴾ - ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلا لَمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ وَالْوَاوُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَإِنْ كَانَتْ زَائِدَةً عَلَى الْوَزْنِ لَكِنَّهُ يَجُوزُ فِي النَّظْمِ وَيُسَمَّى الْخَزْمُ بِالزَّايِ بَعْدَ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ.

وَأَمَّا الْأَشْطَارُ فَكَثِيرَةٌ جِدًّا فَمِنْهَا: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ - ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولا﴾ - ﴿فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلا مَسَاكِنُهُمْ﴾ - ﴿فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ﴾ - ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ - ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ - ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ - إنه ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولا﴾ - ﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ - ﴿أَلا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ - ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ - ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ - ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ - ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ - ﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ - ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ﴾ - ﴿أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ - ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ - ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ - ﴿نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ - ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ - ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ - ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ - ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ - ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ - ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ - ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ - ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ - ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ - ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ - ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ - ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ - ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾ - ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ﴾ - ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ﴾ - ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ﴾ - ﴿يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ﴾ - ﴿يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ﴾ - ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ -

﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ - ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ - ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ - ﴿فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ - ﴿زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ - ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ - ﴿ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ﴾ - ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ وَمِنَ التَّامِّ أَيْضًا: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ * وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلا﴾ وَإِذَا انْتَهَى إِلَى النَّاسِ تَمَّ أَيْضًا، وَأَيْضًا ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ * وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلا﴾ وَقِيلَ فِي الْجَوَابِ عَنِ الْحَدِيثِ: إِنَّ وُقُوعَ الْبَيْتِ الْوَاحِدِ مِنَ الْفَصِيحِ لَا يُسَمَّى شِعْرًا، وَلَا يُسَمَّى قَائِلُهُ شَاعِرًا.

الحديث الثالث: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَوْلُهُ: عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ زَائِدَةَ بْنِ قُدَامَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهِ وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ كَلِمَةَ لَبِيد: ثُمَّ تَمَثَّلَ أَوَّلَهُ وَتَرَكَ آخِرَهُ. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ زَائِدَةَ مِثْلَ رِوَايَةِ سُفْيَانَ وَمَنْ تَابَعَهُ وَهُوَ الْمَحْفُوظُ.

الحديث

الرابع: حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعَ فِي قِصَّةِ عَامِرِ بْنِ الْأَكْوَعِ، تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ في كِتَابِ الْمَغَازِي، وَقَوْلُهُ فِيهِ: وَكَانَ عَامِرٌ رَجُلًا فَنَزَلَ يَحْدُو بِالْقَوْمِ يُؤْخَذُ مِنْهُ جَمِيعُ التَّرْجَمَةِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الشِّعْرِ وَالرَّجَزِ وَالْحُدَاءِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الرَّجَزُ مِنْ جُمْلَةِ الشِّعْرِ، وَقَوْلُهُ: اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَ اهْتَدَيْنَا قَالَ ابْنُ التِّينِ: هَذَا لَيْسَ بِشِعْرٍ وَلَا رَجَزٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْزُونٍ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، بَلْ رَجَزٌ مَوْزُونٌ، وَإِنَّمَا زِيدَ فِي أَوَّلِهِ سَبَبٌ خَفِيفٌ وَيُسَمَّى الْخَزْمُ بِالْمُعْجَمَتَيْنِ وَقَوْلُهُ: فَاغْفِرْ فِدَاءً لَكَ مَا اقْتَفَيْنَا أَمَّا فِدَاءٌ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالْمَدِّ مَنُونٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُهُ بِالْقَصْرِ، وَشَرْطُ اتِّصَالِهِ بِحَرْفِ الْجَرِّ كَالَّذِي هُنَا، قَالَهُ ابْنُ التِّينِ: وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: لَا يُقَالُ لِلَّهِ فِدَاءً لَكَ لِأَنَّهَا كَلِمَةٌ تُسْتَعْمَلُ عِنْدَ تَوَقُّعِ مَكْرُوهٍ لِشَخْصٍ فَيَخْتَارُ شَخْصٌ آخَرُ أَنْ يَحِلَّ بِهِ دُونَ ذَلِكَ الْآخَرِ وَيَفْدِيهِ، فَهُوَ إِمَّا مَجَازٌ عَنِ الرِّضَا كَأَنَّهُ قَالَ: نَفْسِي مَبْذُولَةٌ لِرِضَاكَ أَوْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ وَقَعَتْ خِطَابًا لِسَامِعِ الْكَلَامِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ تَوْجِيهٌ آخَرُ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مَعْنَاهُ اغْفِرْ لَنَا مَا ارْتَكَبْنَاهُ مِنَ الذُّنُوبِ، وَفِدَاءً لَكَ دُعَاءٌ أَيِ افْدِنَا مِنْ عِقَابِكَ عَلَى مَا اقْتَرَفْنَا مِنْ ذُنُوبِنَا، كَأَنَّهُ قَالَ: اغْفِرْ لَنَا وَافْدِنَا مِنْكَ فِدَاءً لَكَ، أَيْ مِنْ عِنْدَكَ فَلَا تُعَاقِبْنَا بِهِ.

وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ جَعَلَ اللَّامَ لِلتَّبْيِينِ مِثْلَ هَيْتَ لَكَ، وَاسْتَدَلَّ بِجَوَازِ الْحُدَاءِ عَلَى جَوَازِ غِنَاءِ الرُّكْبَانِ الْمُسَمَّى بِالنَّصْبِ، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ النَّشِيدِ بِصَوْتٍ فِيهِ تَمْطِيطٌ، وَأَفْرَطَ قَوْمٌ فَاسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى جَوَازِ الْغِنَاءِ مُطْلَقًا بِالْأَلْحَانِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَيْهَا الْمُوسِيقَى، وَفِيهِ نَظَرٌ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتُلِفَ فِيهِ، فَأَبَاحَهُ قَوْمٌ مُطْلَقًا، وَمَنَعَهُ قَوْمٌ مُطْلَقًا، وَكَرِهَهُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، وَنُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْمَنْعُ، وَكَذَا أَكْثَرُ الْحَنَابِلَةِ. وَنَقَلَ ابْنُ طَاهِرٍ فِي كِتَابِ السَّمَاعِ الْجَوَازَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، لَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ إِلَّا فِي النَّصْبِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ أَوَّلًا. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْغِنَاءُ الْمَمْنُوعُ مَا فِيهِ تَمْطِيطٌ وَإِفْسَادٌ لِوَزْنِ الشِّعْرِ طَلَبًا للضرب وَخُرُوجًا مِنْ مَذَاهِبِ الْعَرَبِ. وَإِنَّمَا وَرَدَتِ الرُّخْصَةُ فِي الضَّرْبِ الْأَوَّلِ دُونَ أَلْحَانِ الْعَجَمِ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: هُوَ الَّذِي لَمْ يَزَلْ أَهْلُ الْحِجَازِ يُرَخِّصُونَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ إِلَّا فِي حَالَتَيْنِ: أَنْ يُكْثِرَ مِنْهُ جِدًّا وَأَنْ يَصْحَبَهُ مَا يَمْنَعُهُ مِنْهُ. وَاحْتَجَّ مَنْ أَبَاحَهُ بِأَنَّ فِيهِ تَرْوِيحًا لِلنَّفْسِ، فَإِنْ فَعَلَهُ لِيَقْوَى عَلَى الطَّاعَةِ فَهُوَ مُطِيعٌ أَوْ عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَهُوَ عَاصٍ، وَإِلَّا فَهُوَ مِثْلُ التَّنَزُّهِ فِي الْبُسْتَانِ وَالتَّفَرُّجِ عَلَى الْمَارَّةِ.

وَأَطْنَبَ الْغَزَالِيُّ فِي الِاسْتِدْلَالِ، وَمُحَصَّلُهُ أَنَّ الْحُدَاءَ بِالرَّجَزِ وَالشِّعْرِ لَمْ يَزَلْ يُفْعَلُ فِي الْحَضْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَرُبَّمَا الْتُمِسَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ هُوَ إِلَّا أَشْعَارٌ تُوزَنُ بِأَصْوَاتٍ طَيِّبَةٍ وَأَلْحَانٍ مَوْزُونَةٍ، كَذَلِكَ الْغِنَاءُ أَشْعَارٌ مَوْزُونَةٌ بِأَصْوَاتٍ مُسْتَلَذَّةٍ وَأَلْحَانٍ مَوْزُونَةٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ بِوَجْهٍ آخَرَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ … (١) وَالْحَلِيمِيُّ مَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا إِلَى الدَّوَاءِ أَوْ شَهِدَ بِهِ طَبِيبٌ عَدْلٌ عَارِفٌ.

الحديث الخامس: قَوْلُهُ: (إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ.

قَوْلُهُ: (أَتَى النَّبِيُّ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ) يَأْتِي فِي بَابِ الْمَعَارِيضِ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ فِي سَفَرٍ، وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ كَانَ فِي مَنْزِلِهِ فَحَدَى الْحَادِي وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي بَابِ الْمَعَارِيضِ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ بِلَفْظِ وَكَانَ مَعَهُمْ سَائِقٌ وَحَادٍ وَلِأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ حَمَّادِ

بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ كَانَ أَنْجَشَةُ يَحْدُو بِالنِّسَاءِ، وَكَانَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ يَحْدُو بِالرِّجَالِ وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ رِوَايَةِ عَفَّانَ، عَنْ حَمَّادٍ، وَفِي رِوَايَةِ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ كَانَ لِلنَّبِيِّ حَادٍ يُقَالُ لَهُ أَنْجَشَةُ وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الْمَعَارِيضِ وَفِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ وَأَنْجَشَةُ غُلَامُ النَّبِيِّ يَسُوقُ بِهِنَّ وَفِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، فَاشْتَدَّ بِهِنَّ السِّيَاقِ أَخْرَجَهَا أَحْمَدُ، عَنِ ابْنِ عَدِيٍّ عَنْهُ، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ فَإِذَا أَعْنَقَتِ الْإِبِلُ وَهِيَ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَنُونٍ وَقَافٍ أَيْ أَسْرَعَتْ وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ، وَالْعَنَقُ بِفَتْحَتَيْنِ قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ.

قَوْلُهُ: (وَمَعَهُنَّ أُمُّ سُلَيْمٍ) فِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ الْحَارِثِ وَكَانَ يَحْدُو بِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَنِسَائِهِمْ وَفِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ، عَنْ أَيُّوبَ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ عِشْرِينَ بَابًا كَانَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ فِي الثِّقَلِ وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ كَانَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ مَعَ نِسَاءِ النَّبِيِّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ زُهَيْرٍ، وَالرَّامَهُرْمُزِيِّ فِي الْأَمْثَالِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ مَسْعَدَةَ كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ فَقَالَ: عَنْ أَنَسٍ عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ أُمِّ سُلَيْمٍ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَحْفُوظُ، وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّ فِي رِوَايَةِ السَّمَرْقَنْدِيِّ فِي مُسْلِمٍ أُمَّ سَلَمَةَ بَدَلَ أُمِّ سُلَيْمٍ قَالَ: وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى مَعَ نِسَاءِ النَّبِيِّ يُقَوِّي أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ نِسَائِهِ. قُلْتُ: وَتَضَافُرُ الرِّوَايَاتِ عَلَى أَنَّهَا أُمُّ سُلَيْمٍ يَقْضِي بِأَنَّ قَوْلَهُ أُمُّ سَلَمَةَ تَصْحِيفٌ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ) فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ كَانَ فِي سَفَرٍ لَهُ وَكَانَ غُلَامٌ يَحْدُو بِهِنَّ يُقَالُ لَهُ أَنْجَشَةُ وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الْمَعَارِيضِ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ كَانَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَغُلَامٌ أَسْوَدُ وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ حَمَّادٍ وَغُلَامٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ أَنْجَشَةُ وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الْجِيمِ بَعْدَهَا شِينٌ مُعْجَمَةٌ ثُمَّ هَاءُ تَأْنِيثٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ يَا أَنْجَشُ عَلَى التَّرْخِيمِ، قَالَ الْبَلَاذُرِيِّ: كَانَ أَنْجَشَةُ حَبَشِيًّا يُكَنَّى أَبَا مَارِيَةَ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ وَاثِلَةَ أَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ نَفَاهُمُ النَّبِيُّ مِنَ الْمُخَنَّثِينَ.

قَوْلُهُ: (رُوَيْدَكَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ رُوَيْدًا، وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ ارْفُقْ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ رُوَيْدَكَ ارْفُقْ، جَمَعَ بَيْنَهُمَا رَوَيْنَاهُ فِي جُزْءِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ حُمَيْدٍ. وَأَخْرَجَهُ الْحَارِثُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَكْرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ فَقَالَ: كَذَلِكَ سَوْقُكَ وَهِيَ بِمَعْنَى كَفَاكَ. قَالَ عِيَاضٌ: قَوْلُهُ رُوَيْدًا مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ أَيْ سُقْ سَوْقًا رُوَيْدًا، أَوِ احْدُ حَدْوًا رُوَيْدًا. أَوْ عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ أَرْوِدْ رُوَيْدًا مِثْلَ ارْفُقْ رِفْقًا. أَوْ عَلَى الْحَالِ أَيْ سِرْ رُوَيْدًا، أَوْ رُوَيْدَكَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْإِغْرَاءِ، أَوْ مَفْعُولٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أَيِ الْزَمْ رِفْقَكَ، أَوْ عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ أَرْوِدْ رُوَيْدَكَ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: رُوَيْدًا: أَرْوَدَ كَأَمْهَلَ يُمْهِلُ وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ، وَهُوَ مِنَ الرَّوْدِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ وَهُوَ التَّرَدُّدُ فِي طَلَبِ الشَّيْءِ بِرِفْقٍ رَادَ وَارْتَادَ، وَالرَّائِدُ طَالِبُ الْكَلَأِ، وَرَادَتِ الْمَرْأَةُ تَرُودُ إِذَا مَشَتْ عَلَى هَيِّنَتِهَا. وَقَالَ الرَّامَهُرْمُزِيُّ: رُوَيْدًا تَصْغِيرُ رَوْدٍ وَهُوَ مَصْدَرُ فِعْلِ الرَّائِدِ، وَهُوَ الْمَبْعُوثُ فِي طَلَبِ الشَّيْءِ، وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي مَعْنَى الْمُهْمَلَةِ إِلَّا مُصَغَّرًا، قَالَ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْعَيْنِ أَنَّهُ إِذَا أُرِيدَ بِهِ مَعْنَى التَّزوِيدِ فِي الْوَعِيدِ لَمْ يُنَوَّنْ. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: قَوْلُهُ رُوَيْدًا أَيِ ارْفُقْ، جَاءَ بِلَفْظِ التَّصْغِيرِ لِأَنَّ الْمُرَادَ التَّقْلِيلُ أَيِ ارْفُقْ قَلِيلًا، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ تَصْغِيرِ الْمُرَخَّمِ وَهُوَ أَنْ يُصَغَّرَ الِاسْمُ بَعْدَ حرفِ الزَّوَائِدِ كَمَا قَالُوا فِي أَسْوَدَ سُوَيْدٍ فَكَذَا فِي أَرْوَدَ رُوَيْدٍ.

قَوْلُهُ: (سَوْقُكَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَفِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ سَيْرُكَ وَهُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ أَيِ ارْفُقْ فِي سَوْقِكَ، أَوْ سُقْهُنَّ كَسَوْقِكَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: رُوَيْدًا أَيِ ارْفُقْ، وَسَوْقُكَ مَفْعُولٌ بِهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ سَوْقًا، وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْإِغْرَاءِ بِقَوْلِهِ: ارْفُقْ سَوْقًا، أَوْ عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ سُقْ سَوْقًا. وَقَرَأْتُ بِخَطِّ ابْنِ الصَّائِغِ الْمُتَأَخِّرِ: رُوَيْدَكَ إِمَّا مَصْدَرٌ وَالْكَافُ فِي مَحَلِّ خَفْضٍ، وَإِمَّا اسْمُ فِعْلٍ وَالْكَافُ حَرْفُ خِطَابٍ، وَسَوْقُكَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَالْمُرَادُ بِهِ حَدْوُكَ إِطْلَاقًا لِاسْمِ الْمُسَبِّبِ عَلَى السَّبَبِ. وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: رُوَيْدَكَ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى أَرْوِدْ أَيْ أَمْهِلْ، وَالْكَافُ الْمُتَّصِلَةُ بِهِ حَرْفُ خِطَابٍ، وَفَتْحَةُ دَالِهِ بِنَائِيَّةٌ. وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَ رُوَيْدَكَ مَصْدَرًا مُضَافًا إِلَى الْكَافِ نَاصِبُهَا سَوْقُكَ، وَفَتْحَةُ دَالِهِ عَلَى هَذَا إِعْرَابِيَّةٌ. وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: الْوَجْهُ

النَّصْبُ بِرُوَيْدًا وَالتَّقْدِيرُ أَمْهِلْ سَوْقَكَ، وَالْكَافُ حَرْفُ خِطَابٍ وَلَيْسَتِ اسْمًا، وَرُوَيْدًا يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ.

قَوْلُهُ: (بِالْقَوَارِيرِ) فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ رُوَيْدَكَ سَوْقُكَ وَلَا تَكْسِرِ الْقَوَارِيرَ، وَزَادَ حَمَّادٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَيُّوبَ قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: يَعْنِي النِّسَاءَ، فَفِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ: وَلَا تَكْسِرُوا الْقَوَارِيرَ قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي ضَعَفَةَ النِّسَاءِ، وَالْقَوَارِيرُ جَمْعُ قَارُورَةٍ وَهِيَ الزُّجَاجَةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاسْتِقْرَارِ الشَّرَابِ فِيهَا. وَقَالَ الرَّامَهُرْمُزِيُّ: كَنَّى عَنِ النِّسَاءِ بِالْقَوَارِيرِ لِرِقَّتِهِنَّ وَضَعْفِهِنَّ عَنِ الْحَرَكَةِ، وَالنِّسَاءُ يُشَبَّهْنَ بِالْقَوَارِيرِ فِي الرِّقَّةِ وَاللَّطَافَةِ وَضَعْفِ الْبِنْيَةِ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى سُقْهُنَّ كَسَوْقِكَ الْقَوَارِيرَ لَوْ كَانَتْ مَحْمُولَةً عَلَى الْإِبِلِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: شَبَّهَهُنَّ بِالْقَوَارِيرِ لِسُرْعَةِ انْقِلَابِهِنَّ عَنِ الرِّضَا، وَقِلَّةِ دَوَامِهِنَّ عَلَى الْوَفَاءِ، كَالْقَوَارِيرِ يُسْرِعُ إِلَيْهَا الْكَسْرُ وَلَا تَقْبَلُ الْجَبْرَ، وَقَدِ اسْتَعْمَلَتِ الشُّعَرَاءُ ذَلِكَ، قَالَ بَشَّارٌ:

ارْفُقْ بِعَمْرٍو إِذَا حَرَّكْتَ نِسْبَتَهُ … فَإِنَّهُ عَرَبِيٌّ مِنْ قَوَارِيرِ

قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: فَتَكَلَّمَ النَّبِيُّ بِكَلِمَةٍ لَوْ تَكَلَّمَ بِهَا بَعْضُكُمْ لَعِبْتُمُوهَا عَلَيْهِ.

قوله: سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ قَالَ الدَّاوُدِيُّ: هَذَا مَا قَالَهُ أَبُو قِلَابَةَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ لِمَا كَانَ عِنْدَهُمْ مِنَ التَّكَلُّفِ وَمُعَارَضَةِ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: لَعَلَّهُ نَظَرَ إِلَى أَنَّ شَرْطَ الِاسْتِعَارَةِ أَنْ يَكُونَ وَجْهُ الشَّبَهِ جَلِيًّا، وَلَيْسَ بَيْنَ الْقَارُورَةِ وَالْمَرْأَةِ وَجْهٌ التَّشْبِيهِ مِنْ حَيْثُ ذَاتِهِمَا ظَاهِرٌ، لَكِنِ الْحَقَّ أَنَّهُ كَلَامٌ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ وَالسَّلَامَةِ عَنِ الْعَيْبِ ; وَلَا يَلْزَمُ فِي الِاسْتِعَارَةِ أَنْ يَكُونَ جَلَاءُ وَجْهِ الشَّبَهِ مِنْ حَيْثُ ذَاتِهِمَا، بَلْ يَكْفِي الْجَلَاءُ الْحَاصِلُ مِنَ الْقَرَائِنِ الْحَاصِلَةِ، وَهُوَ هُنَا كَذَلِكَ. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَصَدُ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّ هَذِهِ الِاسْتِعَارَةَ مِنْ مِثْلِ رَسُولِ اللَّهِ فِي الْبَلَاغَةِ، وَلَوْ صَدَرَتْ مِنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ لَا بَلَاغَةَ لَهُ لَعِبْتُمُوهَا. قَالَ: وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِمَنْصِبِ أَبِي قِلَابَةَ. قُلْتُ: وَلَيْسَ مَا قَالَهُ الدَّاوُدِيُّ بَعِيدًا، وَلَكِنَّ الْمُرَادَ مَنْ كَانَ يَتَنَطَّعُ فِي الْعِبَارَةِ وَيَتَجَنَّبُ الْأَلْفَاظَ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْهَزْلِ. وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ الصَّحَابِيِّ لِغُلَامِهِ: ائْتِنَا بِسُفْرَةٍ نَعْبَثْ بِهَا، فَأَنْكَرْتُ عَلَيْهِ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: كَانَ أَنْجَشَةُ أَسْوَدَ وَكَانَ فِي سَوْقِهِ عُنْفٌ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَرْفُقَ بِالْمَطَايَا. وَقِيلَ: كَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ بِالْحُدَاءِ فَكَرِهَ أَنْ تَسْمَعَ النِّسَاءُ الْحُدَاءَ، فَإِنَّ حُسْنَ الصَّوْتِ يُحَرِّكُ مِنَ النُّفُوسِ، فَشَبَّهَ ضَعْفَ عَزَائِمِهِنَّ وَسُرْعَةَ تَأْثِيرِ الصَّوْتِ فِيهِنَّ بِالْقَوَارِيرِ فِي سُرْعَةِ الْكَسْرِ إِلَيْهَا.

وَجَزَمَ ابْنُ بَطَّالٍ بِالْأَوَّلِ فَقَالَ: الْقَوَارِيرُ كِنَايَةٌ عَنِ النِّسَاءِ اللَّاتِي كُنَّ عَلَى الْإِبِلِ الَّتِي تُسَاقُ حِينَئِذٍ، فَأَمَرَ الْحَادِي بِالرِّفْقِ فِي الْحُدَاءِ لِأَنَّهُ يَحُثُّ الْإِبِلَ حَتَّى تُسْرِعَ فَإِذَا أَسْرَعَتْ لَمْ يُؤْمَنْ عَلَى النِّسَاءِ السُّقُوطُ، وَإِذَا مَشَتْ رُوَيْدًا أُمِنَ عَلَى النِّسَاءِ السُّقُوطُ، قَالَ: وَهَذَا مِنَ الِاسْتِعَارَةِ الْبَدِيعَةِ ; لِأَنَّ الْقَوَارِيرَ أَسْرَعُ شَيْءٍ تَكْسِيرًا، فَأَفَادَتِ الْكِنَايَةُ مِنَ الْحَضِّ عَلَى الرِّفْقِ بِالنِّسَاءِ فِي السَّيْرِ مَا لَمْ تُفِدْهُ الْحَقِيقَةُ لَوْ قَالَ: ارْفُقْ بِالنِّسَاءِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هِيَ اسْتِعَارَةٌ لِأَنَّ الْمُشَبَّهَ بِهِ غَيْرُ مَذْكُورٍ، وَالْقَرِينَةُ حَالِيَّةٌ لَا مَقَالِيَّةٌ، وَلَفْظُ الْكَسْرِ تَرْشِيحٌ لَهَا. وَجَزَمَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ بِالثَّانِي وَقَالَ: شَبَّهَ النِّسَاءَ بِالْقَوَارِيرِ لِضَعْفِ عَزَائِمِهِنَّ، وَالْقَوَارِيرُ يُسْرِعُ إِلَيْهَا بكَسْر، فَخَشِيَ مِنْ سَمَاعِهِنَّ النَّشِيدَ الَّذِي يَحْدُو بِهِ أَنْ يَقَعَ بِقُلُوبِهِنَّ مِنْهُ، فَأَمَرَهُ بِالْكَفِّ، فَشَبَّهَ عَزَائِمَهُنَّ بِسُرْعَةِ تَأْثِيرِ الصَّوْتِ فِيهِنَّ بِالْقَوَارِيرِ فِي إِسْرَاعِ الْكَسْرِ إِلَيْهَا. وَرَجَّحَ عِيَاضٌ هَذَا الثَّانِي فَقَالَ هَذَا أَشْبَهُ بِمَسَاقِ الْكَلَامِ، وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَبِي قِلَابَةَ، وَإِلَّا فَلَوْ عَبَّرَ عَنِ السُّقُوطِ بِالْكَسْرِ لَمْ يَعِبْهُ أَحَدٌ. وَجَوَّزَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ الْأَمْرَيْنِ فَقَالَ: شَبَّهَهُنَّ بِالْقَوَارِيرِ لِسُرْعَةِ تَأَثُّرِهِنَّ وَعَدَمِ تَجَلُّدِهِنَّ، فَخَافَ عَلَيْهِنَّ مِنْ حَثِّ السَّيْرِ بِسُرْعَةِ السُّقُوطِ أَوِ التَّأَلُّمِ مِنْ كَثْرَةِ الْحَرَكَةِ وَالِاضْطِرَابِ النَّاشِئِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الأولى الهاء زائدةٌ، وفي الأُخرى منقلبةٌ عن الهمزةِ، أي: صبُّوها (وَاكْسِرُوهَا، فَقَالَ رَجُلٌ) لم يُسمَّ، أو هو عمر: (يَا رَسُولَ اللهِ أَوْ) بسكون الواو (نُهَرِيقُهَا) بضم النون وإثبات التحتية بعد الراء (وَنَغْسِلُهَا؟ قَالَ) : (أَوْ ذَاكَ) بسكون الواو، أي: الغسلُ (فَلَمَّا تَصَافَّ القَوْمُ) للقتالِ (كَانَ سَيْفُ عَامِرٍ) أي: ابن الأكوع (فِيهِ قِصَرٌ) بكسر القاف وفتح الصاد (فَتَنَاوَلَ بِهِ يَهُودِيًّا) وفي «غزوة خيبر» ساق يهوديٍّ [خ¦٤١٩٦] (لِيَضْرِبَهُ، وَيَرْجِعُ) بلفظ المضارع، ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «فرجعَ» بالفاء (١) ولفظ الماضي (ذُبَابُ سَيْفِهِ) أي: طرفهِ الأعلى، أو حدِّه (فَأَصَابَ رُكْبَةَ عَامِرٍ فَمَاتَ مِنْهُ، فَلَمَّا قَفَلُوا) رجعوا من خيبر (قَالَ سَلَمَةُ) ابن الأكوعِ: (رَآنِي رَسُولُ اللهِ شَاحِبًا) بالشين المعجمة وبعد الألف حاء مهملة مكسورة فموحدة، متغيِّر اللَّون (فَقَالَ لِي: مَا لَكَ) متغيِّرًا؟ (فَقُلْتُ: فِدًى لَكَ أَبِي وَأُمِّي زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ) بكسر الموحدة؛ لكونه قتلَ نفسهُ (قَالَ) : (مَنْ قَالَهُ؟ قُلْتُ: قَالَهُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ) ثلاثًا (وَأُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْرِ) بضم الهمزة، و «الحُضَير» بضم المهملة وفتح الضاد المعجمة، ولأبي ذرٍّ: «حضير» (الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : كَذَبَ مَنْ قَالَهُ، إِنَّ لَهُ لأَجْرَيْنِ) أجرُ الجهد في الطَّاعة، وأجر الجهادِ في سبيل الله (-وَجَمَعَ) (بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ- إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ) بكسر الهاء فيهما (قَلَّ عَرَبِيٌّ نَشَأَ) بالنون والشين المعجمة والهمزة، ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «مشى» بالميم والمعجمة والقصر (بِهَا) بالمدينة، أو الحربِ، أو الأرضِ (مِثْلَهُ) أي: مثلُ عامرٍ.

والحديثُ سبق في «غزوة خيبرَ» [خ¦٤١٩٦].

٦١٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو: ابن مُسَرْهدٍ قال: (حَدَّثَنَا

إِسْمَاعِيلُ) ابن عُلَيَّة قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّخْتِيانِيُّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف، عبدُ الله بن زيدٍ الجَرميِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ) أنَّه (قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ وَمَعَهُنَّ أُمُّ سُلَيْمٍ) أمُّ أنس (١)، وفي رواية حمَّاد بن زيد، في «باب المعاريض» [خ¦٦٢١٠] أنَّه كان في سفرٍ. ومن طريق شعبة عند الإسماعيليِّ والنَّسائيِّ وكان معهم سائقٌ وحادٍ. وفي رواية وهيب وأنجشةُ غلامُ النَّبيِّ يسوقُ بهنَّ [خ¦٦٢٠٢] (فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ) بفتح الهمزة والجيم بينهما نون ساكنة وبعد الجيم شين معجمة فهاء تأنيث، وكان حبشيًّا، يكنى أبا مارية (رُوَيْدَكَ سَوْقًا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «سوقَكَ» (بِالقَوَارِيرِ) وسقطَ من «الفرع التَّنكزي» (٢) لفظ «سوقك، وسوقًا» وعلى إثباته الشُّرَّاح، وهو الَّذي في «اليونينية» (٣)، و «رويدَكَ» مصدرٌ والكاف في موضعِ خفضٍ، أو اسم فعلٍ والكاف حرفُ خطابٍ، و «سوقك» بالنَّصب على الوجهين، والمراد حدوك إطلاقًا لاسم المسبِّب على السَّبب، وقال ابن مالكٍ: «رويدكَ» اسم فعلٍ بمعنى أرود، أي: أمهل، والكاف المتَّصلة به حرف خطابٍ، وفتحة داله بنائيَّة (٤)، ولك أن تجعلَ «رويدَكَ» مصدرًا مضافًا إلى الكافِ ناصبًا «سوقَكَ» وفتحةُ دالهِ على هذا إعرابيَّة، واختارَ أبو البقاء الوجه الأوَّل، والقواريرُ جمع قارورة، سمِّيت بذلك لاستقرارِ الشَّراب فيها، وكنَّى عن النِّساء بالقواريرِ من الزُّجاج لضعفِ بنيتهنَّ ورقَّتهنَّ ولطافتهنَّ، وقيل: شبَّههنَّ بالقواريرِ لسرعةِ انقلابهنَّ عن الرِّضا، وقلَّة دوامهنَّ على الوفاء، كالقواريرِ يسرعُ الكسرُ إليها، ولا تقبل الجبرَ، أي: لا تحسِنْ صوتك، فربَّما يقعُ في قلوبهنَّ فكفَّه عن ذلك، وقيل: أرادَ أنَّ الإبلَ إذا سمعت الحُداءَ أسرعتْ في المشي واشتدَّت فأزعجتِ الرَّاكب، ولم يؤمن على النِّساء السُّقوط، وإذا مشتْ رويدًا أمن على النِّساء، وهذا من الاستعارةِ البديعةِ؛ لأنَّ القواريرَ أسرعُ شيءٍ تكسُّرًا، فأفادتِ الكناية من (٥) الحضِّ على الرِّفق بالنِّساء في السَّير ما لم تفدْه الحقيقةُ لو قال: ارفق بالنِّساء، وقال في

«شرح المشكاة»: هي استعارةٌ لأنَّ المشبَّه به غير مذكورٍ، والقرينة حاليَّة لا مقاليَّة، ولفظ الكسر ترشيحٌ لها.

(قَالَ أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله الجرميُّ -بالسَّند السَّابق-: (فَتَكَلَّمَ النَّبِيُّ بِكَلِمَةٍ، لَوْ تَكَلَّمَ بِهَا بَعْضُكُمْ لَعِبْتُمُوهَا عَلَيْهِ) ثبت لفظ: «بها» لأبي ذرٍّ (قَوْلُهُ: سَوْقَكَ بِالقَوَارِيرِ).

قال في «الكواكب»: فإن قلتَ: هذه استعارةٌ لطيفةٌ بليغةٌ فلِمَ تعاب؟ وأجاب: بأنَّه لعلَّه نظر إلى أنَّ شرط الاستعارة أن يكون وجه الشَّبه جليًّا بين الأقوام، وليس بين القارورةِ والمرأة وجه شبهٍ ظاهرٍ، والحقُّ أنَّه كلامٌ في غايةِ الحُسن والسَّلامة عن العيوبِ، ولا يلزمُ في الاستعارةِ أن يكون جلاء وجهِ الشَّبه (١) من حيث ذاتهما، بل يكفِي الجلاءُ الحاصلُ من القرائنِ الحاصل للوجه جليًّا ظاهرًا (٢)، كما في المبحثِ، فالعيبُ في العائب:

وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلًا صَحِيْحًا … وَآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السَّقِيمِ

قال: يحتملُ أن يكون قصدُ أبي قِلابة أنّ هذه الاستعارة تحسُن من مثلِ رسولِ الله في البلاغةِ، ولو صدرتْ ممَّن لا بلاغةَ له لعبتموها، قال: وهذا هو اللَّائق بمنصبِ أبي قلابة، وقال الدَّاوديُّ: هذا قاله أبو قِلابةَ لأهل العراقِ لما كان عندهم من التَّكلُّف ومعارضة الحقِّ بالباطلِ.

ومطابقةُ الأحاديثِ لما ترجمَ عليه (٣) ظاهرةٌ. فإن قلت: قد نفى الله تعالى عنه في كتابه أن يكون شاعرًا، وفي الأحاديث أنَّه أنشد الشِّعر واستنشدَه؟ أُجيب بأنَّ المنفيَّ في الآية إنشاءُ الشِّعر لا إنشاده، ولا يقالُ لمن قاله متمثِّلًا أو جرى على لسانه موزونًا من غير قصدٍ: إنَّه شاعرٌ،

وقد دلَّ غير ما حديثٍ على جوازِ وقوع الكلام منه منظومًا من غير قصدٍ إلى ذلك، ولا يسمَّى مثل ذلك شعرًا ولا القائلُ به شاعرًا، وقد وقعَ كثيرٌ من ذلك في القرآنِ العظيمِ لكن غالبه أشطارُ أبيات، والقليل منه وقعَ وزن بيت تامٍّ، وللعلَّامة الشِّهاب أبي الطَّيِّب الحجازي «قلائد النحور في جواهر البحور» ذكر فيها ما استخرج من القرآن العزيز ممَّا جاء على أوزانِ البحور اتِّفاقًا، فمن ذلك قوله ممَّا هو من البحرِ الطَّويل:

أَيَا مَنْ طَوِيلَ اللَّيلِ بالنَّومِ قَصَّروا … أَنِيْبُوا وكُوْنُوا مِنْ أُنَاسٍ بِهِ تَاهُوا

وَإِنْ شِئْتُمُوا تَحْيوا أَمِيتُوا نُفُوسَكُم … وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ

ومن البحر الوافر:

صُدُورَ الجَيْشِ يُظْفِرُكم إِلَه … بِوَافِر سَهْمِكُم بالكَافِرِين

ويُخْزِهِم (١) وَيَنْصُركُم عَلَيهِم … وَيَشْفِ صُدُورَ قَومٍ مُؤْمِنِين

ومن الكامل:

مَاتَ ابْنُ مُوسَى وَهُو بَحْرٌ كَامِل … فَهَنَّاكُمُ (٢) جَمْعُ المَلَائكِ مُشْتَرك

يَأتِيْكُم التَّابُوتُ فِيهِ سَكِيْنَة … مِنْ ربِّكُم وبَقيَّةٌ ممَّا تَرَك

ومن الرَّمل:

أيُّهَا الأَرْمَلُ إِنْ رُمْتَ عَفَافًا … فَتَزَوَّجْ مِنْ نِسَاءٍ خَيِّرَاتٍ

مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ … تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ

ومن مجزوء الرَّمل:

أَسْعِدُوا المُرَمَّلَ تُجْزوا … ذَاكَ أَوْلَى مَا تُعِدَّون

لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى … تُنْفِقُوا مَمَّا تُحِبُّونَ

ومن السريع:

يَا أَهْلَ دِيْنِ اللهِ بُشْرَاكُمُ (١) … أَقَرَّ مَوْلاكُم بِهِ عَيْنَكُم

إِذْ أَنْزَلَ اللهُ عَلَى المُصْطَفَى … اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُم

ومن الخفيف:

لَا تَدَعِ اليَتِيمَ يَوْمًا وَكُنْ فِي … شَأْنِهِ كُلِّهِ رَؤوفًا رَحِيْمًا

أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكِذِّبُ بِالدِّيْن … فَذَاكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيْمَا

ومن المضارع:

وَضَارِعْ أُهَيْلَ خَيْر … تَنَل مِنْ رَبٍّ يَقِيْنَا

جِنَانًا مُزَخْرَفَاتٍ … وَهُمْ فِيْهَا خَالِدُونا

ومن المجتثِّ:

اجْتُثَّ قَلْبِي بِذَنْبِي … وَاللهُ خَيْرًا يَزِيْدُ

وَكَيْفَ أَخْشَى ذُنُوبِي … وَهُو الغَفُوْرُ الوَدُوْدُ

وفي «فتح الباري» جملة من الآيات (٢) من هذا المعنى، وكان الأولى بي ترك ذلك لكن

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَسلم، بالمدعين فَلَمَّا تكلمُوا رد على الْمُدعى عَلَيْهِ، وَلما لم يرْضوا بأيمانهم من جِهَة أَنهم كفار لَا يبالون بذلك عقله من عِنْده لِأَنَّهُ عَاقِلَة الْمُسلمين، وَإِنَّمَا عقله قطعا للنزاع وجبراً لخاطرهم، وإلَاّ فاستحقاقهم لم يثبت. قَوْله: (فوداهم) أَي: أعْطى لَهُم دِيَته من قبله بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: من عِنْده، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ من خَالص مَاله أَو من بَيت المَال.

قَوْله: (مربداً لَهُم) المربد بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: الْموضع الَّذِي يجْتَمع فِيهِ الْإِبِل. قَوْله: (فركضتني) أَي: رفستني وَأَرَادَ بِهَذَا الْكَلَام ضبط الحَدِيث وَحفظه حفظا بليغاً.

وَفِيه: أَنه يَنْبَغِي للْإِمَام مُرَاعَاة الْمصَالح الْعَامَّة، والاهتمام بإصلاح ذَات الْبَين، وَإِثْبَات الْقسَامَة، وَجَوَاز الْيَمين بِالظَّنِّ وَصِحَّة يَمِين الْكَافِر.

قَالَ اللَّيْثُ: حدّثني يَحْيَى عَنْ بُشَيْرٍ عَنْ سَهْلٍ قَالَ يَحْيَى: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: مَعَ رافِعِ بن خَدِيجٍ.

أَي: قَالَ اللَّيْث بن سعد: حَدثنِي يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ عَن بشير بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، وَهُوَ الْمَذْكُور عَن قريب، عَن سهل بن أبي حثْمَة ... إِلَى آخِره، هَذَا التَّعْلِيق وَصله مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث اللَّيْث بِهِ.

وَقَالَ ابنُ عُيَيْنَةَ: حَدثنَا يحيى عنْ بُشَيْرٍ عَنْ سَهْلٍ وَحْدَهُ.

٦١٤٤ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ الله حدّثني نافِعٌ عَن ابنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ مَثلُها مَثْلُ المُسْلِمِ تُؤْتِي أكْلُهَا كُلَّ حِينٍ بإذْن رَبِّها، وَلَا تحُتُّ وَرَقَها؟ فَوَقَعَ فِي نَفْسِي إنَّها النَّخْلَة، فَكَرِهْتُ أنْ أَتَكَلَّمَ، وَثَمَّ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، فلمَّا لَمْ يَتَكَلَّما قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: هِيَ النَّخْلَةُ. فَلَمَّا خَرَجْتُ مَعَ أبي قُلْتُ: يَا أبتاهْ، وَقَعَ فِي نَفْسِي إنَّها النَّخْلَةُ. قَالَ: مَا مَنَعَكَ أَن تَقُولَها؟ لَوْ كُنْتَ قُلْتها كانَ أحَبَّ إلَيَّ مِنْ كَذا وكَذا. قَالَ: مَا مَنَعَني إلَاّ أنِّي لَمْ أركَ وَلَا أَبَا بَكْرٍ تَكَلّمتُما، فَكَرِهْتُ.

أَي قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة: حَدثنَا يحيى هُوَ ابْن سعيد أَيْضا عَن نَافِع عَن عبد الله بن عمر ... إِلَى آخِره، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مُسلم وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث ابْن عُيَيْنَة، وَقد مر هَذَا الحَدِيث عَن قريب فِي: بَاب مَا لَا يستحي من الْحق، وَمضى أَيْضا فِي الْعلم، وإيراد هَذَا هُنَا لأجل أَن فِيهِ توقير الأكابر.

قَوْله: (وَلَا تَحت وَرقهَا) ، أَي: لَا تسْقط. قَوْله: (فَكرِهت) ، أَي: التَّكَلُّم مَعَ وجود الأكابر.

٩٠ - (بابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الشِّعْرِ والرَّجَزِ والحُدَاءِ وَمَا يُكْرَهُ مِنْهُ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يجوز أَن ينشد من الشّعْر وَهُوَ كَلَام مَوْزُون مقفى بِالْقَصْدِ، وَالرجز بِفَتْح الرَّاء وَالْجِيم وبالزاي وَهُوَ نوع من الشّعْر عِنْد الْأَكْثَرين، وَقيل: لَيْسَ بِشعر لِأَنَّهُ يُقَال: راجز وَلَا يُقَال: شَاعِر، وَسمي بِهِ لتقارب أَجْزَائِهِ وَقلة حُرُوفه، والحداء بِضَم الْحَاء وَتَخْفِيف الدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ يمد وَيقصر، وَحكى الْأَزْهَرِي وَغَيره كسر الْحَاء أَيْضا، وَهُوَ مصدر يُقَال: حدوت الْإِبِل حداء وإحداء، مثل دَعَوْت دُعَاء، وَيُقَال للشمال حد وَلِأَنَّهُ يَحْدُو السَّحَاب، وَهُوَ سوق الْإِبِل والغناء لَهَا، وغالباً يكون بالرجز، وَقد يكون بِغَيْرِهِ من الشّعْر، وَأول من حدا الْإِبِل عبدٌ لمضر بن نزار بن معد بن عدنان، كَانَ فِي إبل لمضر فقصر فَضَربهُ مُضر على يَده فأوجعه، فَقَالَ: يَا يدياه، وَكَانَ حسن الصَّوْت فأسرعت الْإِبِل لما سمعته فِي السّير فَكَانَ ذَلِك مبدأ الحداء، أخرجه ابْن سعد بِسَنَد صَحِيح عَن طَاوُوس مُرْسلا، وَأوردهُ الْبَزَّار مَوْصُولا عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَوْله: وَمَا يكره مِنْهُ، أَي: وَفِي بَيَان مَا يكره إنشاده من الشّعْر، وَهُوَ قسيم قَوْله: مَا يجوز.

وقَوْلِهِ تعالَى: وَالشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ إِلَاّ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُواْ اللَّهَ كَثِيراً وَانتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ وَسَيَعْلَمْ الَّذِينَ ظَلَمُو اْ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} (الشُّعَرَاء: ٢٢٤ ٢٢٧) [/ ح.

سيقت هَذِه الْآيَات الْأَرْبَعَة كلهَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة والأصيلي، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر بَين قَوْله: {يهيمون} وَبَين قَوْله: {وَإِنَّهُم يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} لفظ: وَقَوله وَهُوَ حَشْو بِلَا فَائِدَة وَذكر هَذِه الْآيَات مُنَاسِب لقَوْله: وَمَا يكره مِنْهُ لِأَنَّهَا فِي ذمّ الشُّعَرَاء الَّذين يَهْجُونَ النَّاس ويلحقهم الشُّعَرَاء الَّذين يمدحون النَّاس بِمَا لَيْسَ فيهم ويبالغون حَتَّى إِن بَعضهم يخرج عَن حد الْإِسْلَام، ويأتون فِي أشعارهم من الخرافات والأباطيل. قَوْله تَعَالَى: {وَالشعرَاء} جمع شَاعِر مَرْفُوع على الِابْتِدَاء وَقَوله: {يتبعهُم الْغَاوُونَ} خَبره. وقرىء: وَالشعرَاء، بِالنّصب على إِضْمَار فعل يفسره الظَّاهِر، وَقَالَ أهل التَّأْوِيل، مِنْهُم ابْن عَبَّاس وَغَيره: إِنَّهُم شعراء الْمُشْركين يتبعهُم غواة النَّاس ومردة الشَّيَاطِين وعصاة الْجِنّ ويروون شعرهم، لِأَنَّهُ الغاوي لَا يتبع إلَاّ غاوياً مثله، وَعَن الضَّحَّاك: تهَاجر رجلَانِ على عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَحدهمَا من الْأَنْصَار وَالْآخر من قوم آخَرين، وَمَعَ كل وَاحِد مِنْهُمَا غواة من قومه وهما السُّفَهَاء، فَنزلت هَذِه الْآيَة، وَقَالَ السُّهيْلي: نزلت الْآيَة فِي الثَّلَاثَة وَإِنَّمَا وَردت بالإبهام ليدْخل مَعَهم من اقْتدى بهم، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: أَرَادَ بهؤلاء شعراء الْكفَّار: عبد الله بن الزبعري، وهبيرة ابْن أبي وهب، ومسافع بن عبد منَاف، وَعَمْرو بن عبد الله، وَأُميَّة بن أبي الصَّلْت، كَانُوا يَهْجُونَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فيتبعهم النَّاس. قَوْله: {ألم تَرَ أَنهم} مَعْنَاهُ: إِنَّك رَأَيْت آثَار فعل الله فيهم: {أَنهم فِي كل وادٍ} من أَوديَة الْكَلَام، وَقيل: يَأْخُذُونَ فِي كل فن من لَغْو وَكذب فيمدحون بباطل ويذمون بباطل، يهيمون حائرين، وَعَن طَرِيق الْخَيْر والرشد وَالْحق جائرين. وَقَالَ الْكسَائي: الهائم الذَّاهِب على وَجهه، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الهائم الْمُخَالف للقصد. قَوْله: {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} أَي: يَقُولُونَ: فعلنَا، وَلم يَفْعَلُوا. قَوْله: {إلَاّ الَّذين آمنُوا} اسْتثْنى بِهِ الشُّعَرَاء الْمُؤمنِينَ الصَّالِحين الَّذين لَا يتلفظون فِيهَا بذنب، وَقَالَ أهل التَّفْسِير: لما نزلت هَذِه الْآيَة: {وَالشعرَاء يتبعهُم الْغَاوُونَ} جَاءَ عبد الله بن رَوَاحَة وَكَعب بن مَالك وَحسان بن ثَابت إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وهم يَبْكُونَ، فَقَالُوا: يَا رَسُول الله أنزل الله هَذِه الْآيَة وَهُوَ يعلم أَنا شعراء، فَقَالَ: اقرأوا مَا بعْدهَا: {إلَاّ الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات} الْآيَة، وَعَن ابْن عَبَّاس: {إلَاّ الَّذين آمنُوا} يَعْنِي: ابْن رَوَاحَة وحساناً. قَوْله: {وَذكروا الله كثيرا} أَي: فِي شعرهم، وَقيل: فِي خلال كَلَامهم، وَقيل: لم يشغلهم الشّعْر عَن ذكر الله تَعَالَى. قَوْله: {وانتصروا من بعده مَا ظلمُوا} أَي: من الْمُشْركين لأَنهم بدأوا بالهجاء، وكذبوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأخرجوا الْمُسلمين من مَكَّة. وَقَوله: {وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا} أَي: أشركوا وهجوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْمُؤمنِينَ. قَوْله: {أَي مُنْقَلب ينقبلون} أَي: مرجع يرجعُونَ إِلَيْهِ بعد مماتهم، يَعْنِي: يَنْقَلِبُون إِلَى جَهَنَّم يخلدُونَ فِيهَا، وَالْفرق بَين المنقلب والمرجع أَن المنقلب الِانْتِقَال إِلَى ضد مَا هُوَ فِيهِ، والمرجع الْعود من حَال إِلَى حَال، فَكل مرجع مُنْقَلب وَلَيْسَ كل مُنْقَلب مرجعاً.

وَقَالَ ابْن عَبَّاس: {فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ} فِي كُلِّ لَغْوٍ يَخُوضُونَ

يَعْنِي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير قَوْله: {فِي كل وَاد يهيمون} فِي كل لَغْو يَخُوضُونَ، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي حَاتِم وَالطَّبَرَانِيّ من طَرِيق مُعَاوِيَة بن صَالح عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {فِي كل وَاد} قَالَ: فِي كل لَغْو، وَفِي قَوْله: {يهيمون} قَالَ: يَخُوضُونَ.

١٦٨ - (حَدثنَا أَبُو الْيَمَان أخبرنَا شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ قَالَ أَخْبرنِي أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن أَن مَرْوَان بن الحكم أخبرهُ أَن عبد الرَّحْمَن بن الْأسود بن عبد يَغُوث أخبرهُ أَن أبي بن كَعْب أخبرهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ إِن من الشّعْر حِكْمَة) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن الشّعْر فِيهِ حِكْمَة فالحكمة إِذا كَانَت فِي شعر من الْأَشْعَار يجوز إنشاد هَذَا الشَّاعِر وَيَجِيء الْآن أَن المُرَاد بالحكمة هُوَ القَوْل الصَّادِق المطابق للْوَاقِع وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع وَأَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام المَخْزُومِي وَفِي هَذَا الْإِسْنَاد أَرْبَعَة من التَّابِعين قريشيون مدنيون على نسق وَاحِد وهم من الزُّهْرِيّ إِلَى أبي بن كَعْب

ولمروان وَعبد الرَّحْمَن مزية إِدْرَاك النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ولكنهما من حَيْثُ الرِّوَايَة معدودان من التَّابِعين والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه جَمِيعًا فِي الْأَدَب عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن الْمُبَارك عَن يُونُس بن يزِيد عَن الزُّهْرِيّ بِهِ قَوْله حِكْمَة قد مر تَفْسِيرهَا الْآن وَقيل أصل الْحِكْمَة الْمَنْع وَالْمعْنَى أَن من الشّعْر كلَاما نَافِعًا يمْنَع من السَّفه فَقَالَ ابْن التِّين مَفْهُومه أَن بعض الشّعْر لَيْسَ كَذَلِك لِأَن من تبعيضيه وَقَالَ ابْن بطال مَا كَانَ فِي الشّعْر وَالرجز ذكر الله تَعَالَى وتعظيمه ووحدانيته وإيثار طَاعَته والاستسلام لَهُ فَهُوَ حسن يرغب فِيهِ وَهُوَ المُرَاد فِي الحَدِيث بِأَنَّهُ حِكْمَة وَمَا كَانَ كذبا وفحشا فَهُوَ المذموم وَقَالَ الطَّبَرِيّ فِي هَذَا الحَدِيث رد على كَثْرَة الشّعْر مُطلقًا وَأخرج الطَّبَرِيّ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَمن كبار التَّابِعين أَنهم قَالُوا الشّعْر وأنشدوه واستنشدوه وروى التِّرْمِذِيّ وَابْن أبي شيبَة من حَدِيث جَابر بن سَمُرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يتذاكرون الشّعْر وَحَدِيث الْجَاهِلِيَّة عِنْد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَلَا ينهاهم وَرُبمَا تَبَسم

٦١٤٦ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدّثنا سُفْيان عَنِ الأسْوَدِ بنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْت جُنْدَباً يَقُولُ: بَيْنَما النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَمْشِي إذْ أصابَهُ حَجَرٌ فَعَثَرَ فَدَميَتْ إصْبَعُهُ، فَقَالَ: هَلْ أَنْتَ إلَاّ إصْبَعٌ دَميتِ. وَفِي سَبِيلِ الله مَا لقِيتِ. (انْظُر الحَدِيث ٢٨٠٢) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة.

والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن أبي عوَانَة.

قَوْله: (بَيْنَمَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يمشي) وَفِي رِوَايَة أبي عوَانَة: كَانَ فِي بعض الْمشَاهد، وَفِي رِوَايَة شُعْبَة عَن الْأسود: خرج إِلَى الصَّلَاة أخرجه الطَّيَالِسِيّ وَأحمد، وَفِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة عَن الْأسود عَن جُنْدُب: كنت مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي غَار. قَوْله: (فعثر) بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة والثاء الْمُثَلَّثَة أَي: سقط، يُقَال: عثر عثاراً من بَاب طلب. قَوْله: (فدميت إصبعه) بِفَتْح الدَّال وَكسر الْمِيم. قَالَ الْكرْمَانِي: أما التَّاء فَفِي الرجز مَكْسُورَة، وَفِي الحَدِيث سَاكِنة، وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ نظر. قلت: فِي نظره نظر، لِأَن غَيره قَالَ: إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، تعمد إسكانهما ليخرج الْقسمَيْنِ عَن الشّعْر، وَاخْتلف هَل قَالَه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم متمثلاً؟ أَو قَالَه من قبل نَفسه لإنشائه فَخرج مَوْزُونا؟ وَإِلَى الأول مَال الطَّبَرِيّ وَغَيره وَبِه جزم ابْن التِّين، وَقَالَ: إنَّهُمَا من شعر عبد الله بن رَوَاحَة، وَاخْتلف أَيْضا فِي جَوَاز تمثل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بالشعر وإنشاده حاكياً عَن غَيره، فَالصَّحِيح جَوَازه. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: الصحي فِي ذَلِك أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يتَمَثَّل أَحْيَانًا بِالْبَيْتِ، فَقَالَ:

(هَل أَنْت إِلَّا إِصْبَع)

إِلَى آخِره.

وَقَالَ: أصدق كلمة قَالَهَا الشَّاعِر:

أَلا كل شَيْء مِمَّا خلا الله بَاطِل

على مَا يَجِيء الْآن. وَقَالَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يتَمَثَّل من الْعشْر:

(ويأتيك بالأخبار من لم تزَود)

فَإِن قلت: قد رُوِيَ عَن جُبَير بن مطعم عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه كَانَ إِذا افْتتح الصَّلَاة يستعيذ من الشَّيْطَان: من همزَة ونفخه ونفثه وَفَسرهُ عَمْرو بن مرّة رَاوِيه قَالَ: نفثه الشّعْر ونفخة الْكبر وهمزه الموته، أَي: الْجُنُون، وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لما نزل إِبْلِيس إِلَى الأَرْض قَالَ: يَا رب! إجعل لي قُرْآنًا قَالَ: الشّعْر وَرُوِيَ ابْن لَهِيعَة عَن أبي قبيل المغافري، قَالَ: سَمِعت عبد الله ابْن عمر، يَقُول: من قَالَ ثَلَاثَة أَبْيَات من الشّعْر من تِلْقَاء نَفسه لم يدْخل الفردوس، وَقَالَ ابْن مَسْعُود: الشّعْر مَزَامِير الشَّيْطَان. قلت: قَالَ الطَّبَرِيّ: هَذِه أَخْبَار واهية) .

٦١٤٧ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّار حَدثنَا ابنُ مَهْدِيّ حَدثنَا سُفْيانُ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ حَدثنَا أبُو سَلَمَةَ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أصْدَقُ كَلِمَةٍ قالَها الشَّاعِرُ كَلِمَة لَبِيدٍ) .

ألَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا الله باطِلُ

وكادَ أُمَيَّةُ بنُ أبي الصَّلْتِ أنْ يُسْلِمَ. (انْظُر الحَدِيث ٣٨٤١ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ تلفظ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالشعر وَشَيخ البُخَارِيّ هُوَ مُحَمَّد بن بشار بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الشين الْمُعْجَمَة، وَفِي بعض النّسخ صرح باسمه، وَابْن مهْدي هُوَ عبد الرَّحْمَن، وَعبد الْملك هُوَ ابْن عُمَيْر الْكُوفِي، وَأَبُو سَلمَة ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف.

والْحَدِيث قد مضى فِي أَيَّام الْجَاهِلِيَّة عَن أبي نعيم.

قَوْله: (كلمة لبيد) ، بِفَتْح اللَّام وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وبالدال الْمُهْملَة ابْن ربيعَة بِفَتْح الرَّاء العامري الصَّحَابِيّ، عَاشَ مائَة وَأَرْبع وَخمسين سنة، مَاتَ فِي خلَافَة عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ. وَقَوله هَذَا من قصيدة من بَحر الطَّوِيل ذَكرنَاهَا بوجوهها فِي (شرح الشواهد الْأَكْبَر والأصغر) وَأُميَّة بن أبي الصَّلْت الثَّقَفِيّ وَاسم أبي الصَّلْت ربيعَة بن وهب بن علاج بن أبي سَلمَة من ثَقِيف، قَالَه الزبير بن بكار، وَقَالَ الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر: إسم أبي الصَّلْت عبد الله بن أبي ربيعَة بن عَوْف بن عقدَة أَبُو عُثْمَان، شَاعِر جاهلي، وَقيل: إِنَّه كَانَ صَالحا، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: إِنَّه كَانَ تنبأ فِي الْجَاهِلِيَّة فِي أول زَمَانه، وَأَنه كَانَ فِي أول أمره على الْإِيمَان ثمَّ زاغ عَنهُ، وَهُوَ الَّذِي أَرَادَ الله بقوله: {واتل عَلَيْهِم نبأ الَّذِي آتيناه آيَاتنَا فانسلخ مِنْهَا} (الْأَعْرَاف: ١٧٥) الْآيَة. قلت: الْمَشْهُور أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي بلعم بن باعوراء وَفِي الْمرْآة، وَكَانَ شعر أُميَّة ينشد بَين يَدي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَيُعْجِبهُ. وَقَالَ هِشَام: كَانَ أُميَّة قد آمن برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ بِالشَّام فَقدم الْحجاز ليَأْخُذ مَاله من الطَّائِف ويهاجره، فَلَمَّا نزل ببدر قيل لَهُ: إِلَى أَيْن يَا أَبَا عُثْمَان؟ فَقَالَ: إِلَى الطَّائِف آخذ مَالِي وأعود إِلَى الْمَدِينَة اتبع مُحَمَّدًا، فَقيل لَهُ: هَل تَدْرِي مَا فِي هَذَا القليب؟ قَالَ: لَا. قيل: فِيهِ شيبَة وَعتبَة ابْنا خَالك، وَفِيه فلَان وَفُلَان ابْنا عمك، وعدو لَهُ أَقَاربه فجذع أنف نَاقَته وهلب ذنبها وشق ثِيَابه وَبكى، فَذهب إِلَى الطَّائِف وَمَات بهَا، وَذكر فِي (الْمرْآة) وَفَاته فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة.

٦١٤٨ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حَدثنَا حاتِمُ بنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ يَزِيدَ بن أبي عُبَيْدٍ عَنْ سَلمَةَ ابنِ الأكوَعِ قَالَ: خَرَجْنا مَعَ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى خَيْبَرَ فَسِرْنا لَيْلاً فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ لِعامِرِ بنِ الأكْوَعِ: أَلا تُسْمِعُنا مِنْ هُنَيْهاتِكَ؟ قَالَ: وَكَانَ عامِرٌ رجلا شَاعِرًا، فَنزل يَحْدُو بالقَوْمِ يَقُولُ:

(اللَّهُمَّ لَوْلا أنْتَ مَا اهْتَدَيْنا ... وَلَا تَصَدَّقْنا وَلَا صَلَّيْنا)

(فاغْفِرْ فِدَاءً لَكَ مَا اقْتَفَيْنا ... وَثَبِّتِ الأقْدَامَ إنْ لَا فَيْنا)

(وألْقِيَنْ سَكِينَةً عَلَيْنا ... إِنَّا إذَا صِيحَ بِنا أتَيْنا)

وبالصِّياحِ عَوَّلوا عَلَيْنا

فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَنْ هاذَا السّائِقُ؟ قالُوا: عامِرُ بنُ الأكْوَعِ فَقَالَ: يَرْحَمُهُ الله. فَقَالَ رجلٌ مِنَ القَوْمِ: وَجَبَتْ يَا نَبِيَّ الله، لَوْلا أمْتَعْتَنَا بِهِ. قَالَ: فأتَيْنا خَيْبَرَ فَحاصَرْناهُمْ حَتَّى أصابَتْنَا مَخْمَصَة شَدِيدَةٌ، ثُمَّ إنَّ الله فَتَحَها عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا أمْسَى النَّاسُ اليَوْمَ الَّذِي فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ أوْقَدُوا نِيرَاناً كَثِيرَة، فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا هاذِهِ النِّيرَانُ؟ عَلَى أيِّ شَيْءٍ تُوقِدُونَ؟ قَالُوا: عَلَى لَحْمٍ. عَلَى أيِّ لَحْمٍ؟ قالُوا: عَلَى لَحْمِ حُمُر إنْسِيَّةٍ، فَقَالَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أهْرِقُوها واكْسِرُوها. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رسولَ الله! أوْ نُهَرِيقُها ونَغْسِلُها؟ قَالَ: أوْ ذَاكَ، فَلَمَّا تَصافَّ القَوْمُ كانَ سَيْفُ عامِر فِيهِ قِصَرٌ فَتَنَاوَلَ بِهِ يَهُودِيًّا لِيَضْرِبَهُ وَيَرْجِعُ ذُ بابُ سَيْفِهِ، فأصابَ رُكْبَة عامِرٍ فَماتَ مِنْهُ، فَلَمَّا قَفَلُوا قَالَ سلَمةُ: رَآنِي رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شاحباً فَقَالَ لي: مَا لَكَ؟ فَقُلْتُ: فِدًى لكَ أبي وأُمِّي، زَعَمُوا أنَّ عامِراً حَبِطَ عَمَلُهُ. قَالَ: مَنْ قالَهُ؟ قُلْتُ: قالَهُ فُلَانٌ وفُلانٌ وفُلَانٌ وأُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ الأنْصارِيُّ، فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم:

كَذَبَ مَنْ قَالَهُ، إِنَّ لَهُ لأجْرَيْنِ، وَجَمَعَ بَيْنَ إصْبَعَيْهِ إِنَّهُ لَجاهِدٌ مُجاهِدٌ، قَلَّ عَرَبِي نَشأ بِها مِثْلَهُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لاشْتِمَاله على الشّعْر والرجوز والحداء. وحاتم بن إِسْمَاعِيل الْكُوفِي سكن الْمَدِينَة، وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن أبي عبيد مولى سَلمَة بن الْأَكْوَع.

والْحَدِيث مضى فِي: بَاب غَزْوَة خَيْبَر، الحَدِيث الثَّانِي مِنْهُ أخرجه عَن عبد الله بن مسلمة عَن حَاتِم بن إِسْمَاعِيل ... إِلَى آخِره، وَبَين المتنين تفَاوت بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان.

قَوْله: (خرجنَا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) وَهُنَاكَ: مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (أَلَا تسمعنا؟) من الإسماع. قَوْله: (من هنيهاتك) جمع هنيهة، ويروى: هنياتك، بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف بعد النُّون. قَالَ الْكرْمَانِي: جمع الهنية مصغر الهنة إِذا صلها: هنو، وَهِي الشَّيْء الصَّغِير المُرَاد بهما الأراجيز. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: هن على وزن: أَخ، كلمة كِنَايَة وَمَعْنَاهُ: شَيْء، وَأَصله هنو. وَتقول للْمَرْأَة: هنة، وتصغيرها. هنيَّة، تردها إِلَى الأَصْل وَتَأْتِي بِالْهَاءِ، وَقد تبدل من الْيَاء الثَّانِيَة هَاء، فَنَقُول: هنيهة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي حَدِيث ابْن الْأَكْوَع وَلَا تسمعنا من هناتك، أَي: من كلماتك أَو من أراجيزك، وَفِي رِوَايَة: من هنياتك على التصغير، وَفِي أُخْرَى: من هنيهاتك، على قلب الْيَاء هَاء. قَوْله: (شَاعِرًا) ويروى: حداء. قَوْله: (يَحْدُو) أَي: يَسُوق. قَوْله: (اللَّهُمَّ) هَكَذَا الرِّوَايَة، قَالَ الْكرْمَانِي: وَالْمَوْزُون: لَا هم، وَقَالَ ابْن التِّين: هَذَا لَيْسَ بِشعر وَلَا رجز لِأَنَّهُ لَيْسَ بموزون، وَقَالَ بَعضهم: لَيْسَ كَمَا قَالَ بل هُوَ رجز مَوْزُون، وَإِنَّمَا زيد فِي أَوله سَبَب خَفِيف وَيُسمى الخزم بالمعجمتين. قَوْله: (فدَاء لَك) بِكَسْر الْفَاء وبالمد والتنوين أَي: لِرَسُولِك، وَقَالَ الْمَازرِيّ: لَا يُقَال لله تَعَالَى: فدَاء لَك، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يسْتَعْمل فِي مَكْرُوه يتَوَقَّع حُلُوله للشَّخْص فيختار شخص آخر أَن يحل ذَلِك بِهِ ويفديه مِنْهُ، فَهُوَ إِمَّا مجَاز عَن الرِّضَا كَأَن قَالَ: نَفسِي مبذولة لرضاك، أَو هَذِه الْكَلِمَة وَقعت فِي الْبَين خطابا لسامع الْكَلَام، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَلَفظ: فدى، مَمْدُود ومقصور ومرفوع ومنصوب، وَقَالَ ابْن بطال: فدى لَك، أَي: من عنْدك فَلَا تعاقبني، وَاللَّام للتبيين نَحْو لَام: هيت لَك. قَوْله: (مَا اقتفينا) أَي: اتَّبعنَا أمره ومادته قَاف وَفَاء، وَفِي الْمَغَازِي: مَا أبقينا من الْإِبْقَاء ومادته بَاء وقاف أَي: أفدنا من عقابك فدَاء مَا أبقينا من الذُّنُوب، أَي: مَا تَرَكْنَاهُ مَكْتُوبًا علينا، وروى: مَا اتقينا، من الاتقاء، وَمَا اقتنينا من الاقتناء، ويروى: مَا آتَيْنَا من الْإِتْيَان. قَوْله: (أَبينَا) من الإباء عَن الْفِرَار أَو عَن الْبَاطِل. قَوْله: (وبالصياح عولوا علينا) ، أَي: حملُوا علينا بالصياح لَا بالشجاعة، قَالَ الْكرْمَانِي: قد تقدم فِي الْجِهَاد أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ يَقُولهَا فِي حفر الخَنْدَق، وَأَنَّهَا من أراجيز ابْن رَوَاحَة، ثمَّ أجَاب بِأَنَّهُ لَا مُنَافَاة فِي وُقُوع الْأَمريْنِ وَلَا مَحْذُور أَن يَحْدُو الشَّخْص بِشعر غَيره. قَوْله: (وَجَبت) ، أَي: الشَّهَادَة وَقَالَ أَبُو عمر: كَانُوا قد عرفُوا أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا اسْتغْفر لأحد عِنْد الْوَقْعَة وَفِي الْمشَاهد يستشهد الْبَتَّةَ، فَلَمَّا سمع عمر رَضِي الله عَنهُ ذَلِك قَالَ: يَا رَسُول الله لَوْلَا أمتعتنا بعامر أَي: لَو تركته لنا فبارز يومئذٍ فَرجع سَيْفه على سَاقه فَقطع كحله فَمَاتَ مِنْهَا. قَوْله: (جمر) بِضَمَّتَيْنِ جمع حمَار. قَوْله: (إنسية) بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون النُّون وبفتحهما وَهُوَ من بَاب إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى صفته. قَوْله: (أهريقوها) ويروى: هريقوها، أَي: أريقوها، فَفِي الرِّوَايَة الأولى الْهَاء زَائِدَة، وَفِي الثَّانِيَة منقلبة عَن الْهمزَة. قَوْله: (أَو ذَاك) أَي: أهريقوها واغسلوها. قَوْله: (وَيرجع) بِالرَّفْع. قَوْله: (ذُبَاب سَيْفه) أَي: طرفه. قَوْله: (شاحباً) أَي: متغير اللَّوْن، يُقَال شحب يشحب سحوباً فَهُوَ شاحب، وَقَالَ صَاحب التَّوْضِيح: وَلَا يَصح أَن يكون بِالْجِيم كَمَا قَالَه ابْن التِّين، وَلَيْسَت هَذِه اللَّفْظَة فِي رِوَايَة الْمَغَازِي. قَوْله: (حَبط) بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: بَطل عمله. قَوْله: (وَأسيد) بِضَم الْهمزَة وَفتح السِّين مصغر أَسد بن الْحضير بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة. قَوْله: (إِن لَهُ لأجرين) وهما: أجر الْجهد فِي الطَّاعَة، وَأجر المجاهدة فِي سَبِيل الله، وَقيل: أحد الأجرين مَوته فِي سَبِيل الله، وَالْآخر لما كَانَ يَحْدُو بِهِ الْقَوْم من شعره وَيَدْعُو الله فِي ثباتهم عِنْد لِقَاء عدوهم. قَوْله: (لجاهد مُجَاهِد) كِلَاهُمَا بِلَفْظ إسم الْفَاعِل، الأول من الثلاثي، وَالثَّانِي من الْمَزِيد فِيهِ، وَالْمعْنَى: لجاهد فِي الْأجر وَمُجاهد للْمُبَالَغَة فِيهِ، يَعْنِي: مبالغ فِي سَبِيل الله، ويروى بِلَفْظ الْمَاضِي فِي الأول وبلفظ جمع المجهدة فِي الثَّانِي. قَوْله: (قل عَرَبِيّ نَشأ بهَا) قل عَرَبِيّ نَشأ فِي الدُّنْيَا بِهَذِهِ الْخصْلَة، وَالْهَاء عَائِدَة إِلَى الْحَرْب أَو بِلَاد الْعَرَب، أَي: قَلِيل من الْعَرَب نَشأ بهَا.

٦١٤٩ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا إسْمَاعِيلُ حَدثنَا أيُّوبُ عَنْ أبِي قِلَابَةَ عَنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله عَنهُ قَالَ: أَتَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى بَعْضِ نِسائِهِ وَمَعَهُنَّ أُمُّ سُلَيْمٍ، فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ رُوَيْدَكَ سَوْقاً بالقَوَارِيرِ، قَالَ أبُو قِلَابَةَ: فَتَكَلَّمَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِكَلِمَةٍ لَوْ تَكَلَّمَ بِهَا بَعْضُكُمْ لَعِبْتُمُوها عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: سَوْقَكَ بالقوَارِيرِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ حدو أَنْجَشَة بِالنسَاء. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن علية، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَأَبُو قلَابَة بِكَسْر الْقَاف عبد الله بن زيد الْجرْمِي.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن قُتَيْبَة بِهِ.

قَوْله: (أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، على بعض نِسَائِهِ) فِي رِوَايَة حَمَّاد بن زيد على مَا يَأْتِي عَن أَيُّوب: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ فِي سفر، وَفِي رو اية شُعْبَة عَن ثَابت عَن أنس: كَانَ فِي منزله فحدا الْحَادِي، وَأخرجه النَّسَائِيّ والإسماعيلي من طَرِيق شبة بِلَفْظ: وَكَانَ مَعَهم سائق وحاد، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت عَن أنس رَضِي الله عَنهُ كَانَ أَنْجَشَة يَحْدُو بِالنسَاء وَكَانَ الْبَراء بن مَالك يَحْدُو بِالرِّجَالِ، وَفِي رِوَايَة قَتَادَة عَن أنس كَانَ للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حادٍ يُقَال لَهُ أَنْجَشَة. وَكَانَ حسن الصَّوْت، وَفِي رِوَايَة وهيب: وأنجشة غُلَام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَسُوق بِهن، وَفِي رِوَايَة حميد عَن أنس: فَاشْتَدَّ بِهن فِي السِّيَاقَة، أخرجهَا أَحْمد عَن ابْن أبي عدي عَنهُ. قَوْله: (ومعهن أم سليم) بِضَم السِّين وَفتح اللَّام وَهِي أم أنس رَضِي الله عَنهُ وَفِي رِوَايَة وهيب عَن أَيُّوب كَمَا سَيَأْتِي: كَانَت أم سليم فِي النَّقْل وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيّ عَن أنس: كَانَت أم سليم مَعَ نسَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أخرجه مُسلم من طَرِيق يزِيد بن زُرَيْع، وَحكى عِيَاض أَن فِي رِوَايَة السَّمرقَنْدِي فِي مُسلم: أم سَلمَة، بدل: أم سليم. قيل: إِنَّه تَصْحِيف لِأَن الرِّوَايَات تظاهرت بِأَنَّهَا أم سليم. قَوْله: (وَيحك) قد مر غير مرّة أَن كلمة: وَيحك، كلمة ترحم وتوجع يُقَال لمن يَقع فِي أَمر لَا يسْتَحقّهُ، وانتصابه على المصدرية، وَقد ترفع وتضاف وَلَا تُضَاف، يُقَال: وَيْح زيد وويحاً لَهُ وويح لَهُ. قَوْله: (يَا أَنْجَشَة) بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْجِيم وبالشين الْمُعْجَمَة ثمَّ بهاء التَّأْنِيث، وَوَقع فِي رِوَايَة وهيب: يَا أنجش بالترخيم. قَالَ البلاذري: كَانَ أَنْجَشَة حَبَشِيًّا يكنى أَبَا مَارِيَة. وَفِي التَّوْضِيح: أَنْجَشَة غُلَام أسود للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَكرُوهُ فِي الصَّحَابَة. قلت: ذكره أَبُو عمر فِي الِاسْتِيعَاب: أَنْجَشَة العَبْد الْأسود كَانَ يَسُوق أَو يَقُود بنساء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَام حجَّة الْوَدَاع، وَكَانَ حسن الصَّوْت وَكَانَ إِذا حدا اعتنقت الْإِبِل فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: يَا أَنْجَشَة رويدك بِالْقَوَارِيرِ. وَأخرج الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث وَاثِلَة أَنه كَانَ مِمَّن نفاهم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من المخنثين. قَوْله: (رويدك) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيّ: رويداً، وَفِي رِوَايَة شُعْبَة: أرْفق، وَوَقع فِي رِوَايَة حميد: رويدك أرْفق، جمع بَينهمَا، وَوَقع فِي رِوَايَة عَن حميد كَذَاك: سوقك، وَهِي بِمَعْنى: كَفاك. وَقَالَ عِيَاض: رويداً مَنْصُوب على أَنه صفة لمَحْذُوف أَي: سُقْ سوقاً رويداً، أَو: أحد حدواً رويداً، أَو على الْمصدر أَي: أرود رويداً مثل: أرْفق رفقا، أَو على الْحَال أَي: سر رويداً، ورويدك مَنْصُوب على الإغراء أَو مفعول بِفعل مُضْمر أَي: إلزم رفقك. وَقَالَ الرَّاغِب: رويداً من أرود يرود كأمهل يُمْهل، وَزنه وَمَعْنَاهُ، وَهُوَ من الرود بِفَتْح أول وَسُكُون ثَانِيه، وَهُوَ الترود فِي طلب الشَّيْء بِرِفْق راد وارتاد، والرائد طَالب الْكلأ، ورادت الْمَرْأَة ترود إِذا مشت على هينتها، وَقَالَ الرامَهُرْمُزِي: رويداً تَصْغِير رَود، وَهُوَ مصدر فعل الرائد وَهُوَ الْمَبْعُوث فِي طلب الشَّيْء، وَلم يسْتَعْمل فِي معنى المهلة إلَاّ مُصَغرًا. قَالَ: وَذكر صَاحب (الْعين) أَنه إِذا أُرِيد بِهِ معنى الترديد فِي الْوَعيد لم ينون. قَوْله: (سوقك) كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة حميد: سيرك، وَهُوَ بِالنّصب على نزع الْخَافِض، أَي: أرْفق فِي سوقك، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: رويد أَي أرْفق، وسوقك مفعول بِهِ، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم: سوقاً، وَقيل: رويدك إِمَّا مصدر وَالْكَاف فِي مَحل خفض، وَإِمَّا إسم فعل وَالْكَاف حرف خطاب، وسوقك بِالنّصب على الْوَجْهَيْنِ، وَالْمرَاد بِهِ حدوك إطلاقاً لإسم الْمُسَبّب على السَّبَب. وَقَالَ ابْن مَالك: رويدك إسم فعل بِمَعْنى أرود أَي: أمْهل وَالْكَاف الْمُتَّصِلَة بِهِ حرف الْخطاب وفتحة داله بنائية، وَلَك أَن تجْعَل

رويدك مصدرا مُضَافا إِلَى الْكَاف ناصبها سوقك وفتحة داله على هَذَا إعرابية. قَوْله: (بِالْقَوَارِيرِ) جمع قَارُورَة من الزّجاج سميت بهَا لاستقرار الشَّرَاب فِيهَا، وَفِي رِوَايَة هِشَام عَن قَتَادَة: رويدك سوقك وَلَا تكسر الْقَوَارِير، وَزَاد حَمَّاد فِي رِوَايَته عَن أَيُّوب، قَالَ أَبُو قلَابَة يَعْنِي: النِّسَاء، وَفِي رِوَايَة همام عَن قَتَادَة: لَا تكسر الْقَوَارِير، قَالَ قَتَادَة: يَعْنِي ضعفة النِّسَاء. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: شبه النِّسَاء بِالْقَوَارِيرِ من الزّجاج لِأَنَّهُ يسْرع إِلَيْهَا الْكسر وَكَانَ أَنْجَشَة يَحْدُو وينشد القريض وَالرجز فَلم يَأْمَن أَن يصيبهن أَو يَقع فِي قلوبهن حداؤه، فَأمره بالكف عَن ذَلِك، وَفِي الْمثل: الْغناء رقية الزِّنَا، وَقيل: أَرَادَ أَن الْإِبِل إِذا سَمِعت الحداء أسرعت فِي الْمَشْي واشتدت فأزعجت الرَّاكِب وأتعبته، فَنَهَاهُ عَن ذَلِك لِأَن النِّسَاء يضعفن من شدَّة الْحَرَكَة. وَقَالَ الرامَهُرْمُزِي: كنى عَن النِّسَاء بِالْقَوَارِيرِ لرقتهن وضعفهن عَن الْحَرَكَة، وَالنِّسَاء يشبهن بِالْقَوَارِيرِ فِي الرقة واللطافة وَضعف البنية، وَقيل: سقهن كسوقك الْقَوَارِير لَو كَانَت مَحْمُولَة على الْإِبِل، وَقيل: شبههن بِالْقَوَارِيرِ لسرعة انقلابهن عَن الرِّضَا وَقلة دوامهن على الْوَفَاء كالقوارير يسْرع إِلَيْهَا الْكسر وَلَا تقبل الْجَبْر، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: هِيَ اسْتِعَارَة لِأَن الْمُشبه بِهِ غير مَذْكُور، والقرينة حَالية لَا مقالية، وَلَفظ الْكسر ترشيح لَهَا. قَوْله: (قَالَ أَبُو قلَابَة) هُوَ الرَّاوِي عَن أنس: تكلم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِكَلِمَة، وَهِي سوق الْقَوَارِير قَوْله: (لَو تكلم بهَا) أَي: بِهَذِهِ الْكَلِمَة: بَعْضكُم لعبتموها عَلَيْهِ، أَي: على الَّذِي تكلم بهَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: هَذِه اسْتِعَارَة لَطِيفَة بليغة فَلم تعاب؟ قلت: لَعَلَّه نظر إِلَى أَن شَرط الِاسْتِعَارَة أَن يكون وَجه الشّبَه جلياً بَين الأقوام وَلَيْسَ بَين القارورة وَالْمَرْأَة وَجه الشّبَه ظَاهرا، وَالْحق أَنه كَلَام فِي غَايَة الْحسن وَالسَّلَام عَن الْعُيُوب وَلَا يلْزم فِي الِاسْتِعَارَة أَن يكون جلاء الْوَجْه من حَيْثُ ذاتهما بل يَكْفِي الْجلاء الْحَاصِل من الْقَرَائِن الجاعلة للْوَجْه جلياً ظَاهرا كَمَا فِي المبحث، وَيحْتَمل أَن يكون قصد أبي قلَابَة أَن هَذِه الِاسْتِعَارَة تحسن من مثل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي البلاغة، وَلَو صدرت مِمَّن لَا بلاغة لَهُ لعبتموها، وَهَذَا هُوَ اللَّائِق بِمنْصب أبي قلَابَة، وَالله أعلم.

٩١ - (بابُ هِجاءِ المُشْرِكِينَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الهجاء للْمُشْرِكين، وروى أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان وَصَححهُ من حَدِيث أنس رَضِي الله عَنهُ رَفعه: جاهدوا الْمُشْركين بألسنتكم، وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عمار بن يَاسر: لما هجانا الْمُشْركُونَ قَالَ لنا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: قُولُوا لَهُم كَمَا يَقُولُونَ لكم فَإِن كُنَّا لنعلمه إِمَاء أهل الْمَدِينَة، فلأجل ذَلِك وضع البُخَارِيّ هَذِه التَّرْجَمَة وَأَشَارَ بهَا إِلَى أَن بعض الشّعْر قد يكون مُسْتَحبا والهجاء والهجو بِمَعْنى وَهُوَ الذَّم فِي الشّعْر، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الهجاء خلاف الْمَدْح وَقد هجوته هجواً وهجاء وتهجاء فَهُوَ مهجو، وَلَا تقل هجيته.

٦١٥٠ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ حَدثنَا عَبْدَةُ أخبرنَا هِشامٌ بنُ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا قالَتْ: اسْتأذَنَ حَسَّانُ بنُ ثابتٍ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي هِجاءِ المُشْرِكِينَ فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: فَكَيْفَ بنَسَبي؟ فَقَالَ حَسَّانُ: لأسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعَرَةُ مِنَ العَجِينِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد هُوَ ابْن سَلام، وَعَبدَة بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة هُوَ ابْن سُلَيْمَان.

والْحَدِيث مضى فِي الْمَغَازِي عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن عُثْمَان أَيْضا.

قَوْله: (فَكيف بنسبي؟) أَي: كَيفَ تهجوهم ونسبي الْمُهَذّب الشريف فيهم؟ فَرُبمَا يُصِيبنِي من الهجو نصيب. قَوْله: (لأسلنك) أَي: لَا تلطفن فِي تَخْلِيص نسبك من هجوهم بِحَيْثُ لَا يبْقى جُزْء من نسبك فِيمَا ناله الهجو كالشعرة إِذا انسلت من الْعَجِين لَا يبْقى شَيْء مِنْهُ عَلَيْهَا.

وعَنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ قَالَ: ذَهَبْتُ أسُبُّ حَسَّانَ عِنْدَ عائِشَةَ فقالَتْ: لَا تَسُبُّهُ فإِنَّهُ كانَ يُنافِحُ عَنْ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

هَذَا مَوْصُول بالسند الْمَذْكُور. قَوْله: (ذهبت أسب حسان) لِأَنَّهُ كَانَ مُوَافقا لأهل الْإِفْك. قَوْله: (ينافح) بِالْحَاء الْمُهْملَة أَي: يدافع عَنهُ ويخاصم عَنهُ، والمنافح المدافع، يُقَال: نافحت عَن فلَان أَي: دافعت عَنهُ.

٦١٥١ - حدَّثنا أصْبَغُ قَالَ: أَخْبرنِي عَبْدُ الله بنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبرنِي يُونُسُ عَنِ ابنِ شِهابٍ أنَّ الهَيْثَمَ بنَ أبي سِنانٍ أخْبَرَهُ أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ فِي قصَصِهِ يَذْكُر النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ: إنَّ أَخا لَكُمْ لَا يَقُولُ الرَّفَثَ، يَعْنِي بِذَاكَ ابنَ رَوَاحَةَ، قَالَ:

(وَفِينَا رَسُولُ الله يَتْلُوا كِتابَهُ ... إذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنَ الفَجْرِ سَاطِعُ)

(أرَانا الهُدَى بَعْدَ العَمَى فَقُلُوبُنا ... بِهِ مُوقناتٌ أنَّ مَا قَالَ واقِعُ)

(يَبِيتُ يُجافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ ... إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بالْكَافِرِينَ المَضاجِعُ)

(انْظُر الحَدِيث ١١٥٥) .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله:

إِذا استثقلت بالكافرين الْمضَاجِع

فَإِن هَذَا ذمّ لَهُم وَهُوَ عين الهجو. وإصبغ بالغين الْمُعْجَمَة ابْن الْفرج أَبُو عبد الله الْمصْرِيّ وَهُوَ من أَفْرَاده، والهيثم بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة ابْن سِنَان بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف النُّون الأولى.

والْحَدِيث مضى فِي التَّهَجُّد فِي: بَاب فضل من تعار من اللَّيْل فصلى، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب ... الخ.

قَوْله: (فِي قصصه) بِفَتْح الْقَاف وَكسرهَا فبالفتح الإسم وبالكسر جمع قصَّة والقص فِي الأَصْل الْبَيَان. قَوْله: (الرَّفَث) أَي: الْفُحْش. قَوْله: (ابْن رَوَاحَة) هُوَ عبد الله بن رَوَاحَة والأبيات الْمَذْكُورَة من الْبَحْر الطَّوِيل، والساطع الْمُرْتَفع، والعمى الضلال. قَوْله: (بالكافرين) فِي رِوَايَة الْكشميهني: بالمشركين. قَوْله: (استثقلت) من الثّقل بالثاء الْمُثَلَّثَة وَالْقَاف، وَفِي الْبَيْت الأول إِشَارَة إِلَى علم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفِي الثَّالِث إِلَى عمله فَهُوَ كَامِل علما وَعَملا، وَفِي الثَّانِي إِلَى تَكْمِيل الْغَيْر فَهُوَ كَامِل مكمل صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

تابَعَهُ عُقَيْلٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ

أَي: تَابع يُونُس عقيل بِضَم الْعين ابْن خَالِد فِي رِوَايَته الحَدِيث الْمَذْكُور عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَقد مر بَيَان مُتَابَعَته فِي التَّهَجُّد فِي الْبَاب الْمَذْكُور هُنَاكَ.

وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ: عَن الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ والأعْرَجِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ

الزبيدِيّ بِضَم الزَّاي وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال الْمُهْملَة هُوَ مُحَمَّد بن الْوَلِيد الشَّامي صَاحب الزُّهْرِيّ، وَسَعِيد هُوَ ابْن الْمسيب، والأعرج هُوَ عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز وَهَذَا أَيْضا قد مر فِي التَّهَجُّد فِي الْبَاب الْمَذْكُور.

١٧٥ - (حَدثنَا أَبُو الْيَمَان أخبرنَا شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ ح وَحدثنَا إِسْمَاعِيل قَالَ حَدثنِي أخي عَن سُلَيْمَان عَن مُحَمَّد بن أبي عَتيق عَن ابْن شهَاب عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أَنه سمع حسان بن ثَابت الْأنْصَارِيّ يستشهد أَبَا هُرَيْرَة فَيَقُول يَا أَبَا هُرَيْرَة نشدتك بِاللَّه هَل سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُول يَا حسان أجب عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اللَّهُمَّ أيده بِروح الْقُدس قَالَ أَبُو هُرَيْرَة نعم) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله أجب عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأخرجه من طَرِيقين أَحدهمَا عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ وَالْآخر عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس عَن أَخِيه عبد الحميد عَن سُلَيْمَان بن بِلَال عَن مُحَمَّد بن أبي عَتيق واسْمه مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ التَّيْمِيّ الْقرشِي الْمدنِي عَن ابْن شهَاب إِلَى آخِره والْحَدِيث قد مضى فِي الصَّلَاة فِي بَاب الشّعْر فِي الْمَسْجِد قَوْله نشدتك بِاللَّه أَي أَقْسَمت عَلَيْك بِاللَّه وَسَأَلْتُك بِهِ قَوْله أجب أَي دافعا عَنهُ قَوْله أيده من التأييد وَهُوَ التقوية قَوْله بِروح الْقُدس بِضَم الدَّال وسكونها هُوَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 3 صفر
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 19%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر