الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٢٠٤
الحديث رقم ٦٢٠٤ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب التكني بأبي تراب وإن كانت له كنية أخرى.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٦٢٠٤ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لَمَّا مَاتَ الذُّهْلِيُّ - يَعْنِي بِنَيْسَابُورَ - أَجْلَسُوا شَيْخًا لَهُمْ يُقَالُ لَهُ مَحْمِشٌ، فَأَمْلَى عَلَيْهِمْ حَدِيثَ أَنَسٍ هَذَا، فَقَالَ: يَا أَبَا عَمِيرٍ، مَا فَعَلَ الْبَعِيرُ؟ قَالَهُ بِفَتْحِ عَيْنِ عَمِيرٍ بِوَزْنِ عَظِيمٍ، وَقَالَ بِمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَدَلَ النُّونِ وَأَهْمَلَ الْعَيْنَ بِوَزْنِ الْأَوَّلِ فَصَحَّفَ الِاسْمَيْنِ مَعًا. قُلْتُ: وَمَحْمِشٌ هَذَا لَقَبٌ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ بَيْنَهُمَا حَاءٌ مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ مُعْجَمَةٌ، وَاسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ السُّلَمِيُّ، ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ وَقَالَ: رَوَى عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَغَيْرِهِ، وَكَانَتْ فِيهِ دُعَابَةٌ
١١٣ - بَاب التَّكَنِّي بِأَبِي تُرَابٍ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ كُنْيَةٌ أُخْرَى
٦٢٠٤ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: إِنْ كَانَتْ أَحَبَّ أَسْمَاءِ عَلِيٍّ ﵁ إِلَيْهِ لَأَبُو تُرَابٍ، وَإِنْ كَانَ لَيَفْرَحُ أَنْ يُدْعَى بِهَا، وَمَا سَمَّاهُ أَبُو تُرَابٍ إِلَّا النَّبِيُّ ﷺ؛ غَاضَبَ يَوْمًا فَاطِمَةَ، فَخَرَجَ فَاضْطَجَعَ إِلَى الْجِدَارِ في الْمَسْجِدِ، فَجَاءَهُ النَّبِيُّ ﷺ يَتْبَعُهُ، فَقَالَ: هُوَ ذَا مُضْطَجِعٌ فِي الْجِدَارِ، فَجَاءَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَامْتَلَأَ ظَهْرُهُ تُرَابًا - فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَمْسَحُ التُّرَابَ عَنْ ظَهْرِهِ وَيَقُولُ: اجْلِسْ يَا أَبَا تُرَابٍ.
قَوْلُهُ: (بَابُ التَّكَنِّي بِأَبِي تُرَابٍ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ كُنْيَةٌ أُخْرَى) وَذَكَرَ فِيهِ قِصَّةَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ فِي مَنَاقِبِهِ، وَفِيهِ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي سَبَبِ ذَلِكَ وَأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا مُمْتَنِعٌ، ثُمَّ ظَهَرَ لِي إِمْكَانُ الْجَمْعِ وَقَدْ ذَكَرْتُهُ فِي بَابِهِ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَالَ: أَنَا أَبُو حَسَنٍ.
وقَوْلُهُ فِي السَّنَدِ سُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ، وَقَوْلُهُ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِهَذَا السَّنَدِ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ، وَقَوْلُهُ: وَمَا سَمَّاهُ أَبُو تُرَابٍ إِلَّا النَّبِيُّ ﷺ قَالَ ابْنُ التِّينِ: صَوَابُهُ أَبَا تُرَابٍ. قُلْتُ: وَلَيْسَ الَّذِي وَقَعَ فِي الْأَصْلِ خَطَأٌ بَلْ هُوَ مُوَجَّهٌ عَلَى الْحِكَايَةِ، أَوْ عَلَى جَعْلِ الْكُنْيَةِ اسْمًا. وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَبَا تُرَابٍ وَنَبَّهَ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ فِي ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ الْمُشَارِ إِلَيْهَا آنِفًا بِالنَّصْبِ أَيْضًا. وَقَوْلُهُ: إِنْ كَانَتْ لَأَحَبَّ أَسْمَائِهِ إِلَيْهِ فِيهِ إِطْلَاقُ الِاسْمِ عَلَى الْكُنْيَةِ، وَأَنَّثَ كَانَتْ بِاعْتِبَارِ الْكُنْيَةِ. قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: إنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ وَكَانَتْ زَائِدَةٌ، وَأَحَبَّ مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ إِنْ، وَهِيَ وَإِنْ خُفِّفَتْ لَكِنْ لَا يُوجِبُ تَخْفِيفُهَا إِلْغَاءَهَا. قُلْتُ: وَلَمْ يَتَعَيَّنْ مَا قَالَ، بَلْ كَانَتْ عَلَى حَالِهَا. وَأَشَارَ سَهْلٌ بِذَلِكَ إِلَى انْقِضَاءِ مَحَبَّتِهِ بِمَوْتِهِ، وَسَهْلٌ إِنَّمَا حَدَّثَ بِذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ عَلِيٍّ بِدَهْرٍ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: وَأَنَّثَ كَانَتْ عَلَى تَأْنِيثِ الْأَسْمَاءِ مِثْلَ ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ وَمِثْلَ كَمَا شَرِقَتْ صَدْرُ الْقَنَاةِ كَذَا قَالَ، وَمَا تَقَدَّمَ أَوْلَى. وَقَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ لَيَفْرَحُ أَنْ نَدْعُوَهَا بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ وَدَالٍ سَاكِنَةٍ وَالْوَاوُ مُحَرَّكَةٌ؛ بِمَعْنَى نَذْكُرُهَا، كَذَا لِلنَّسَفِيِّ.
وَلِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ وَوَقَعَ فِي رِوَايَتِنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْوَقْتِ: أَنْ يُدْعَاهَا، وَهُوَ بِتَحْتَانِيَّةٍ أَوَّلُهُ مَضْمُومَةٌ، وَلِسَائِرِ الرُّوَاةِ: يُدْعَى بِهَا بِضَمِّ أَوَّلِهِ؛ أَيْ يُنَادَى بِهَا، وَهِيَ رِوَايَةُ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ عَنْ شَيْخِهِ الْمَذْكُورِ هُنَا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَكَذَا لِأَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ الْمَذْكُورَةِ، وَفِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ: أَنْ يَدْعُوَهُ بِهَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٢٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح اللَّام، البجليُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ (قَالَ (١): حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو حَازِمٍ) سلمةُ بن دينار (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) السَّاعديِّ الأنصاريِّ، أنَّه (قَالَ: إِنْ كَانَتْ أَحَبَّ أَسْمَاءِ عَلِيٍّ ﵁ إِلَيْهِ لأَبُو تُرَابٍ) «إن» مخففة من الثَّقيلة، ولفظ «كانت» زائدة كقولهِ:
وَجِيْرَانٍ لَنَا كَانُوا كِرَام
و «أحبَّ» منصوبٌ اسم «إنْ» و «إنْ كانَتْ» مخفَّفة لأنَّ تخفيفَها لا يوجبُ إلغاءها، قاله في «الكواكب»، وأنث «كانت» باعتبار الكُنية. وقال السَّفاقِسيُّ: أنث على تأنيثِ الأسماء مثل: ﴿وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [ق: ٢١] وفيه إطلاقُ الاسم على الكُنية، واللَّام في «لَأبو تراب» للتَّأكيد (وَإِنْ كَانَ لَيَفْرَحُ) بلام التَّأكيد أيضًا و «إن» مخفَّفة من الثَّقيلة أيضًا والضَّمير لعليٍّ (أَنْ يُدْعَى بِهَا) بضم أوله وفتح العين أي: ينادى بها، ولأبي الوقتِ: «أن يُدْعاها» وللحَمُّويي والمُستملي: «أن يدعُوها» بضم العين بعدها واو فهاء، أي: يذكرها، وفي «الفتح» عن رواية النَّسفيِّ: «أن ندعُوها» «بنون» بدل: «الياء»، أي: نذكُرها (وَمَا سَمَّاهُ أَبُو تُرَابٍ إِلَّا النَّبِيُّ ﷺ) برفع «أَبُو» على الحكايةِ، وصوَّب النَّصبَ السَّفاقِسيُّ على المفعوليَّة وهو ظاهرٌ. نعم، قيل: إنَّ في بعض النُّسخ بالنَّصب كذلك، وسبب تكنيتهِ بها أنَّه (غَاضَبَ يَوْمًا فَاطِمَةَ) زوجتَهُ ﵂ (فَخَرَجَ) من عندها خشية أن يبدو منه في حالة الغيظِ ما لا يليقُ بجنابِ فاطمة، فحسمَ مادَّة الكلام إلى أن تسكُنَ فورةُ الغضبِ من كلٍّ منهما (فَاضْطَجَعَ إِلَى الجِدَارِ إِلَى المَسْجِدِ) كذا في رواية النَّسفيِّ، كما قاله في «الفتح»، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «إلى الجدارِ في المسجد» بلفظ: «في» بدل: «إلى»، في الثَّاني، وللكشميهنيِّ: «في جدارِ المسجد» (فَجَاءَهُ النَّبِيُّ ﷺ يَتْبَعُهُ) بسكون الفوقية مخفَّفًا، كذا في فرع «اليونينية» كهي. قال في «الفتح»: قوله: يتَّبعه -بتشديد المثناة- من الاتِّباع، وقال العينيُّ: ويروى من الثُّلاثيِّ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «يَبْتغيه» -بموحدة ساكنة فمثناة فوقية فغين معجمة- من الابتغاء، أي: يطلبهُ (فَقَالَ: هُوَ ذَا) أي: عليٌّ (مُضْطَجِعٌ فِي الجِدَارِ، فَجَاءَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَ) الحال، أنَّه قد (امْتَلَا ظَهْرُهُ تُرَابًا، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَمْسَحُ التُّرَابَ عَنْ ظَهْرِهِ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
معترض بَين الصّفة والموصوف ويروى) فطيماً، بِالنّصب على أَنه مفعول ثَان لأحسبه. قَوْله: (وَكَانَ إِذا جَاءَ) أَي: وَكَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا جَاءَ، يَعْنِي: إِلَى أم سليم فِيمَا زح الصَّغِير فَيَقُول لَهُ. (يَا با عُمَيْر مَا فعل النغير) وَكَانَ قد مَاتَ. قَوْله: (نغر) . يَعْنِي النغير مصغر نغر بِضَم النُّون وَفتح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَهُوَ طير صَغِير كالعصافير حمر المناقير. قَوْله: (فَرُبمَا حضر الصَّلَاة) أَي: رُبمَا حضر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ... إِلَى آخِره، قد مر فِي كتاب الصَّلَاة.
١١٣ - (بابُ التَّكَنِّي بِأبي تُرَاب وإنْ كانَتْ لَهُ كُنْيَةٌ أخْرَى)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز التكني بِأبي تُرَاب وَإِن كَانَت لَهُ كنية أُخْرَى قبل ذَلِك، وَهَذَا فِي قصَّة عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ وَقد تقدّمت بأتم من ذَلِك فِي مناقبه.
١١٤ - (بابُ أبْغَضِ الأسْماءِ إِلَى الله)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أبْغض الْأَسْمَاء إِلَى الله عز وَجل، وَلم يبين مَا هُوَ أبْغض الْأَسْمَاء اكْتِفَاء بِمَا بَينه فِي حَدِيث الْبَاب.
٦٢٠٥ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا أبُو شُعَيْب حَدثنَا أبُو الزِّنادِ عَنِ الأعْرَجِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ
قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أخْنَى الأسْماءِ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ الله رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأمْلَاكِ. (انْظُر الحَدِيث ٦٢٠٥ طرفه فِي: ٦٢٠٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أخنى الْأَسْمَاء) لِأَن: أخنى أفعل من الخنى، وَهُوَ الْفُحْش من القَوْل، وكل فحش قَبِيح وكل قَبِيح مبغوض.
وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب هُوَ ابْن أبي حَمْزَة، وَأَبُو الزِّنَاد بِكَسْر الزَّاي وبالنون عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (أخنى الْأَسْمَاء) كَذَا وَقع فِي رِوَايَة شُعَيْب للأكثرين، وَوَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: أخنع، أما الأخنى فَهُوَ من الخنى بِفتْحَتَيْنِ مَقْصُورا، وَقد فسرناه، وَأما: أخنع، فَهُوَ من الخنوع وَهُوَ الذل وَقد فسره الْحميدِي عِنْد رِوَايَته بِهِ بقوله: الأخنع الْأَذَل. وَأخرج مُسلم عَن أَحْمد بن حَنْبَل، قَالَ: سَأَلت أَبَا عمر والشيباني، يَعْنِي: إِسْحَاق اللّغَوِيّ عَن أخنع، فَقَالَ: أوضع، والخانع الذَّلِيل من خنع الرجل إِذا ذل، وَورد عِنْد مُسلم بِلَفْظ أَخبث الْأَسْمَاء وبلفظ: أَغيظ الْأَسْمَاء، وَوَقع لِابْنِ أبي شيبَة عَن مُجَاهِد بِلَفْظ: أكره الْأَسْمَاء، وروى سُفْيَان عَن ابْن أبي نجيح عَن جَابر قَالَ: أكره الْأَسْمَاء إِلَى الله ملك الْأَمْلَاك، وَإِنَّمَا كَانَ: ملك الْأَمْلَاك أبْغض إِلَى الله وأكره إِلَيْهِ أَن يُسمى بِهِ مَخْلُوق لِأَنَّهُ صفة الله تَعَالَى، وَلَا يَلِيق بمخلوق صِفَات الله وأسماؤه، لِأَن الْعباد لَا يوصفون إلَاّ بالذل والخضوع والعبودية، وَقد روى عَطاء عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ مَرْفُوعا: لَا تسموا أبناءكم حكيماً وَلَا أَبَا الحكم فَإِن الله هُوَ الْحَكِيم الْعَلِيم، وَقَالَ الدَّاودِيّ فِي الحَدِيث: أبْغض الْأَسْمَاء إِلَى الله: خَالِد وَمَالك، وَذَلِكَ أَن أحدا لَيْسَ يخلد، وَالْمَالِك هُوَ الله عز وَجل، ثمَّ قَالَ: وَمَا أرَاهُ مَحْفُوظًا لِأَن بعض الصَّحَابَة كَانَ اسْمه خَالِدا أَو مَالِكًا قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَهَذَا عجب، فَفِي الصَّحَابَة خَالِد فَوق السّبْعين وَمَالك فِي الصَّحَابَة فَوق الْمِائَة وَعشرَة، والعباد وَإِن كَانُوا يموتون فالأرواح لَا تفنى ثمَّ تعود الْأَجْسَام الَّتِي كَانَت فِي الدُّنْيَا وتعود فِيهَا تِلْكَ الْأَرْوَاح، ويخلد كل فريق فِي أحد الدَّاريْنِ، وَفِي التَّنْزِيل: { (٣٤) وَنَادَوْا يَا مَالك} (الزخرف: ٧٧) الخازن النَّار، وَاعْترض عَلَيْهِ بَعضهم بقوله: احتجاجه بِجَوَاز التَّسْمِيَة بِخَالِد بِمَا ذكر من أَن الْأَرْوَاح لَا تفنى، فعلى تَقْدِير التَّسْلِيم لَيْسَ بواضح لِأَن الله سُبْحَانَهُ قد قَالَ لنَبيه: { (١٢) وَمَا جعلنَا لبشر. . الْخلد} (الْأَنْبِيَاء: ٣٤) والخلد الْبَقَاء الدَّائِم بِغَيْر موت فَلَا يلْزم من كَون الْأَرْوَاح لَا تفنى أَن يُقَال لصَاحب تِلْكَ الرّوح: خَالِد. انْتهى. قلت اعتراضه غير وَاضح وَلَا وَارِد لِأَن نفي الْخلد لبشر من قبل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا هُوَ فِي الدُّنْيَا. قَوْله: والخلد الْبَقَاء الدَّائِم بِغَيْر موت فِي الدُّنْيَا أَيْضا، والنتيجة الَّتِي بناها على تِلْكَ الْمُقدمَة الْفَاسِدَة عقيمة وَهِي قَوْله: فَلَا يلْزم ... إِلَى آخِره، بل يلْزم ذَلِك فِي الْآخِرَة فَافْهَم. قَوْله: (ملك الْأَمْلَاك) بِكَسْر اللَّام من ملك والأملاك جمع ملك بِكَسْر اللَّام أَيْضا، وَقيل: الْتحق بذلك قَاضِي الْقُضَاة وَإِن كَانَ اشْتهر فِي بِلَاد الْمشرق من قديم الزَّمَان إِطْلَاق ذَلِك على كَبِير الْقُضَاة، وَقد سلم أهل الغرب من ذَلِك، وَاسم: كَبِير الْقُضَاة، عِنْدهم قَاضِي الْجَمَاعَة. قلت: أول من تسمى قَاضِي الْقُضَاة أَبُو يُوسُف من أَصْحَاب أبي حنيفَة، وَفِي زَمَنه كَانَ أساطين الْفُقَهَاء وَالْعُلَمَاء والمحدثين فَلم ينْقل عَن أحد مِنْهُم إِنْكَار ذَلِك، نعم يمْتَنع أَن يُقَال: أقضى الْقُضَاة، لِأَن مَعْنَاهُ: أحكم الْحَاكِمين، وَالله سُبْحَانَهُ هُوَ أحكم الْحَاكِمين، وَهَذَا أبلغ من قَاضِي الْقُضَاة، لِأَنَّهُ أفعل التَّفْضِيل، وَمن جهلاء هَذَا الزَّمَان من مسطري سجلات الْقُضَاة يَكْتُبُونَ للنائب: أقضى الْقُضَاة، وللقاضي الْكَبِير: قَاضِي الْقُضَاة.
٦٢٠٦ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حَدثنَا سُفْيانُ عَنْ أبي الزِّناد عَنِ الأعْرَجِ عَن أبي هُرَيْرَةَ رِوَايَةً قَالَ: أخْنَعُ إسْمٍ عِنْدَ الله، وَقَالَ سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ: أخْنَعْ الأسْماءِ عِنْدَ الله رَجُلٌ تَسَمَّى بِمَلِكَ الأمْلاكِ. قَالَ سُفْيانُ: يَقُولُ غَيْرُهُ: تَفْسِيرُهُ شاهانْ شاهْ. (انْظُر الحَدِيث ٦٢٠٥) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه عَن عَليّ بن عبد الله بن الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن أبي الزِّنَاد عبد الله بن ذكْوَان عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة. قَوْله: (رِوَايَة) أَي: عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وانتصابه بِهِ على التَّمْيِيز أَي: من حَيْثُ الرِّوَايَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (وَقَالَ سُفْيَان) أَي: الرَّاوِي الْمَذْكُور. قَوْله: (غير مرّة) أَي: مرَارًا مُتعَدِّدَة. قَوْله: (يَقُول غَيره) أَي: غير أَبُو الزِّنَاد (شاهان شاه) ، وَمَعْنَاهُ بالعربي: ملك الْأَمْلَاك، لِأَن شاهان الْأَمْلَاك لِأَنَّهُ جمع شاه
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لَمَّا مَاتَ الذُّهْلِيُّ - يَعْنِي بِنَيْسَابُورَ - أَجْلَسُوا شَيْخًا لَهُمْ يُقَالُ لَهُ مَحْمِشٌ، فَأَمْلَى عَلَيْهِمْ حَدِيثَ أَنَسٍ هَذَا، فَقَالَ: يَا أَبَا عَمِيرٍ، مَا فَعَلَ الْبَعِيرُ؟ قَالَهُ بِفَتْحِ عَيْنِ عَمِيرٍ بِوَزْنِ عَظِيمٍ، وَقَالَ بِمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَدَلَ النُّونِ وَأَهْمَلَ الْعَيْنَ بِوَزْنِ الْأَوَّلِ فَصَحَّفَ الِاسْمَيْنِ مَعًا. قُلْتُ: وَمَحْمِشٌ هَذَا لَقَبٌ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ بَيْنَهُمَا حَاءٌ مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ مُعْجَمَةٌ، وَاسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ السُّلَمِيُّ، ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ وَقَالَ: رَوَى عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَغَيْرِهِ، وَكَانَتْ فِيهِ دُعَابَةٌ
١١٣ - بَاب التَّكَنِّي بِأَبِي تُرَابٍ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ كُنْيَةٌ أُخْرَى
٦٢٠٤ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: إِنْ كَانَتْ أَحَبَّ أَسْمَاءِ عَلِيٍّ ﵁ إِلَيْهِ لَأَبُو تُرَابٍ، وَإِنْ كَانَ لَيَفْرَحُ أَنْ يُدْعَى بِهَا، وَمَا سَمَّاهُ أَبُو تُرَابٍ إِلَّا النَّبِيُّ ﷺ؛ غَاضَبَ يَوْمًا فَاطِمَةَ، فَخَرَجَ فَاضْطَجَعَ إِلَى الْجِدَارِ في الْمَسْجِدِ، فَجَاءَهُ النَّبِيُّ ﷺ يَتْبَعُهُ، فَقَالَ: هُوَ ذَا مُضْطَجِعٌ فِي الْجِدَارِ، فَجَاءَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَامْتَلَأَ ظَهْرُهُ تُرَابًا - فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَمْسَحُ التُّرَابَ عَنْ ظَهْرِهِ وَيَقُولُ: اجْلِسْ يَا أَبَا تُرَابٍ.
قَوْلُهُ: (بَابُ التَّكَنِّي بِأَبِي تُرَابٍ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ كُنْيَةٌ أُخْرَى) وَذَكَرَ فِيهِ قِصَّةَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ فِي مَنَاقِبِهِ، وَفِيهِ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي سَبَبِ ذَلِكَ وَأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا مُمْتَنِعٌ، ثُمَّ ظَهَرَ لِي إِمْكَانُ الْجَمْعِ وَقَدْ ذَكَرْتُهُ فِي بَابِهِ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَالَ: أَنَا أَبُو حَسَنٍ.
وقَوْلُهُ فِي السَّنَدِ سُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ، وَقَوْلُهُ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِهَذَا السَّنَدِ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ، وَقَوْلُهُ: وَمَا سَمَّاهُ أَبُو تُرَابٍ إِلَّا النَّبِيُّ ﷺ قَالَ ابْنُ التِّينِ: صَوَابُهُ أَبَا تُرَابٍ. قُلْتُ: وَلَيْسَ الَّذِي وَقَعَ فِي الْأَصْلِ خَطَأٌ بَلْ هُوَ مُوَجَّهٌ عَلَى الْحِكَايَةِ، أَوْ عَلَى جَعْلِ الْكُنْيَةِ اسْمًا. وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَبَا تُرَابٍ وَنَبَّهَ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ فِي ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ الْمُشَارِ إِلَيْهَا آنِفًا بِالنَّصْبِ أَيْضًا. وَقَوْلُهُ: إِنْ كَانَتْ لَأَحَبَّ أَسْمَائِهِ إِلَيْهِ فِيهِ إِطْلَاقُ الِاسْمِ عَلَى الْكُنْيَةِ، وَأَنَّثَ كَانَتْ بِاعْتِبَارِ الْكُنْيَةِ. قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: إنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ وَكَانَتْ زَائِدَةٌ، وَأَحَبَّ مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ إِنْ، وَهِيَ وَإِنْ خُفِّفَتْ لَكِنْ لَا يُوجِبُ تَخْفِيفُهَا إِلْغَاءَهَا. قُلْتُ: وَلَمْ يَتَعَيَّنْ مَا قَالَ، بَلْ كَانَتْ عَلَى حَالِهَا. وَأَشَارَ سَهْلٌ بِذَلِكَ إِلَى انْقِضَاءِ مَحَبَّتِهِ بِمَوْتِهِ، وَسَهْلٌ إِنَّمَا حَدَّثَ بِذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ عَلِيٍّ بِدَهْرٍ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: وَأَنَّثَ كَانَتْ عَلَى تَأْنِيثِ الْأَسْمَاءِ مِثْلَ ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ وَمِثْلَ كَمَا شَرِقَتْ صَدْرُ الْقَنَاةِ كَذَا قَالَ، وَمَا تَقَدَّمَ أَوْلَى. وَقَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ لَيَفْرَحُ أَنْ نَدْعُوَهَا بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ وَدَالٍ سَاكِنَةٍ وَالْوَاوُ مُحَرَّكَةٌ؛ بِمَعْنَى نَذْكُرُهَا، كَذَا لِلنَّسَفِيِّ.
وَلِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ وَوَقَعَ فِي رِوَايَتِنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْوَقْتِ: أَنْ يُدْعَاهَا، وَهُوَ بِتَحْتَانِيَّةٍ أَوَّلُهُ مَضْمُومَةٌ، وَلِسَائِرِ الرُّوَاةِ: يُدْعَى بِهَا بِضَمِّ أَوَّلِهِ؛ أَيْ يُنَادَى بِهَا، وَهِيَ رِوَايَةُ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ عَنْ شَيْخِهِ الْمَذْكُورِ هُنَا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَكَذَا لِأَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ الْمَذْكُورَةِ، وَفِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ: أَنْ يَدْعُوَهُ بِهَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٢٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح اللَّام، البجليُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ (قَالَ (١): حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو حَازِمٍ) سلمةُ بن دينار (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) السَّاعديِّ الأنصاريِّ، أنَّه (قَالَ: إِنْ كَانَتْ أَحَبَّ أَسْمَاءِ عَلِيٍّ ﵁ إِلَيْهِ لأَبُو تُرَابٍ) «إن» مخففة من الثَّقيلة، ولفظ «كانت» زائدة كقولهِ:
وَجِيْرَانٍ لَنَا كَانُوا كِرَام
و «أحبَّ» منصوبٌ اسم «إنْ» و «إنْ كانَتْ» مخفَّفة لأنَّ تخفيفَها لا يوجبُ إلغاءها، قاله في «الكواكب»، وأنث «كانت» باعتبار الكُنية. وقال السَّفاقِسيُّ: أنث على تأنيثِ الأسماء مثل: ﴿وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [ق: ٢١] وفيه إطلاقُ الاسم على الكُنية، واللَّام في «لَأبو تراب» للتَّأكيد (وَإِنْ كَانَ لَيَفْرَحُ) بلام التَّأكيد أيضًا و «إن» مخفَّفة من الثَّقيلة أيضًا والضَّمير لعليٍّ (أَنْ يُدْعَى بِهَا) بضم أوله وفتح العين أي: ينادى بها، ولأبي الوقتِ: «أن يُدْعاها» وللحَمُّويي والمُستملي: «أن يدعُوها» بضم العين بعدها واو فهاء، أي: يذكرها، وفي «الفتح» عن رواية النَّسفيِّ: «أن ندعُوها» «بنون» بدل: «الياء»، أي: نذكُرها (وَمَا سَمَّاهُ أَبُو تُرَابٍ إِلَّا النَّبِيُّ ﷺ) برفع «أَبُو» على الحكايةِ، وصوَّب النَّصبَ السَّفاقِسيُّ على المفعوليَّة وهو ظاهرٌ. نعم، قيل: إنَّ في بعض النُّسخ بالنَّصب كذلك، وسبب تكنيتهِ بها أنَّه (غَاضَبَ يَوْمًا فَاطِمَةَ) زوجتَهُ ﵂ (فَخَرَجَ) من عندها خشية أن يبدو منه في حالة الغيظِ ما لا يليقُ بجنابِ فاطمة، فحسمَ مادَّة الكلام إلى أن تسكُنَ فورةُ الغضبِ من كلٍّ منهما (فَاضْطَجَعَ إِلَى الجِدَارِ إِلَى المَسْجِدِ) كذا في رواية النَّسفيِّ، كما قاله في «الفتح»، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «إلى الجدارِ في المسجد» بلفظ: «في» بدل: «إلى»، في الثَّاني، وللكشميهنيِّ: «في جدارِ المسجد» (فَجَاءَهُ النَّبِيُّ ﷺ يَتْبَعُهُ) بسكون الفوقية مخفَّفًا، كذا في فرع «اليونينية» كهي. قال في «الفتح»: قوله: يتَّبعه -بتشديد المثناة- من الاتِّباع، وقال العينيُّ: ويروى من الثُّلاثيِّ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «يَبْتغيه» -بموحدة ساكنة فمثناة فوقية فغين معجمة- من الابتغاء، أي: يطلبهُ (فَقَالَ: هُوَ ذَا) أي: عليٌّ (مُضْطَجِعٌ فِي الجِدَارِ، فَجَاءَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَ) الحال، أنَّه قد (امْتَلَا ظَهْرُهُ تُرَابًا، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَمْسَحُ التُّرَابَ عَنْ ظَهْرِهِ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
معترض بَين الصّفة والموصوف ويروى) فطيماً، بِالنّصب على أَنه مفعول ثَان لأحسبه. قَوْله: (وَكَانَ إِذا جَاءَ) أَي: وَكَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا جَاءَ، يَعْنِي: إِلَى أم سليم فِيمَا زح الصَّغِير فَيَقُول لَهُ. (يَا با عُمَيْر مَا فعل النغير) وَكَانَ قد مَاتَ. قَوْله: (نغر) . يَعْنِي النغير مصغر نغر بِضَم النُّون وَفتح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَهُوَ طير صَغِير كالعصافير حمر المناقير. قَوْله: (فَرُبمَا حضر الصَّلَاة) أَي: رُبمَا حضر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ... إِلَى آخِره، قد مر فِي كتاب الصَّلَاة.
١١٣ - (بابُ التَّكَنِّي بِأبي تُرَاب وإنْ كانَتْ لَهُ كُنْيَةٌ أخْرَى)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز التكني بِأبي تُرَاب وَإِن كَانَت لَهُ كنية أُخْرَى قبل ذَلِك، وَهَذَا فِي قصَّة عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ وَقد تقدّمت بأتم من ذَلِك فِي مناقبه.
١١٤ - (بابُ أبْغَضِ الأسْماءِ إِلَى الله)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أبْغض الْأَسْمَاء إِلَى الله عز وَجل، وَلم يبين مَا هُوَ أبْغض الْأَسْمَاء اكْتِفَاء بِمَا بَينه فِي حَدِيث الْبَاب.
٦٢٠٥ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا أبُو شُعَيْب حَدثنَا أبُو الزِّنادِ عَنِ الأعْرَجِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ
قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أخْنَى الأسْماءِ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ الله رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأمْلَاكِ. (انْظُر الحَدِيث ٦٢٠٥ طرفه فِي: ٦٢٠٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أخنى الْأَسْمَاء) لِأَن: أخنى أفعل من الخنى، وَهُوَ الْفُحْش من القَوْل، وكل فحش قَبِيح وكل قَبِيح مبغوض.
وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب هُوَ ابْن أبي حَمْزَة، وَأَبُو الزِّنَاد بِكَسْر الزَّاي وبالنون عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (أخنى الْأَسْمَاء) كَذَا وَقع فِي رِوَايَة شُعَيْب للأكثرين، وَوَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: أخنع، أما الأخنى فَهُوَ من الخنى بِفتْحَتَيْنِ مَقْصُورا، وَقد فسرناه، وَأما: أخنع، فَهُوَ من الخنوع وَهُوَ الذل وَقد فسره الْحميدِي عِنْد رِوَايَته بِهِ بقوله: الأخنع الْأَذَل. وَأخرج مُسلم عَن أَحْمد بن حَنْبَل، قَالَ: سَأَلت أَبَا عمر والشيباني، يَعْنِي: إِسْحَاق اللّغَوِيّ عَن أخنع، فَقَالَ: أوضع، والخانع الذَّلِيل من خنع الرجل إِذا ذل، وَورد عِنْد مُسلم بِلَفْظ أَخبث الْأَسْمَاء وبلفظ: أَغيظ الْأَسْمَاء، وَوَقع لِابْنِ أبي شيبَة عَن مُجَاهِد بِلَفْظ: أكره الْأَسْمَاء، وروى سُفْيَان عَن ابْن أبي نجيح عَن جَابر قَالَ: أكره الْأَسْمَاء إِلَى الله ملك الْأَمْلَاك، وَإِنَّمَا كَانَ: ملك الْأَمْلَاك أبْغض إِلَى الله وأكره إِلَيْهِ أَن يُسمى بِهِ مَخْلُوق لِأَنَّهُ صفة الله تَعَالَى، وَلَا يَلِيق بمخلوق صِفَات الله وأسماؤه، لِأَن الْعباد لَا يوصفون إلَاّ بالذل والخضوع والعبودية، وَقد روى عَطاء عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ مَرْفُوعا: لَا تسموا أبناءكم حكيماً وَلَا أَبَا الحكم فَإِن الله هُوَ الْحَكِيم الْعَلِيم، وَقَالَ الدَّاودِيّ فِي الحَدِيث: أبْغض الْأَسْمَاء إِلَى الله: خَالِد وَمَالك، وَذَلِكَ أَن أحدا لَيْسَ يخلد، وَالْمَالِك هُوَ الله عز وَجل، ثمَّ قَالَ: وَمَا أرَاهُ مَحْفُوظًا لِأَن بعض الصَّحَابَة كَانَ اسْمه خَالِدا أَو مَالِكًا قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَهَذَا عجب، فَفِي الصَّحَابَة خَالِد فَوق السّبْعين وَمَالك فِي الصَّحَابَة فَوق الْمِائَة وَعشرَة، والعباد وَإِن كَانُوا يموتون فالأرواح لَا تفنى ثمَّ تعود الْأَجْسَام الَّتِي كَانَت فِي الدُّنْيَا وتعود فِيهَا تِلْكَ الْأَرْوَاح، ويخلد كل فريق فِي أحد الدَّاريْنِ، وَفِي التَّنْزِيل: { (٣٤) وَنَادَوْا يَا مَالك} (الزخرف: ٧٧) الخازن النَّار، وَاعْترض عَلَيْهِ بَعضهم بقوله: احتجاجه بِجَوَاز التَّسْمِيَة بِخَالِد بِمَا ذكر من أَن الْأَرْوَاح لَا تفنى، فعلى تَقْدِير التَّسْلِيم لَيْسَ بواضح لِأَن الله سُبْحَانَهُ قد قَالَ لنَبيه: { (١٢) وَمَا جعلنَا لبشر. . الْخلد} (الْأَنْبِيَاء: ٣٤) والخلد الْبَقَاء الدَّائِم بِغَيْر موت فَلَا يلْزم من كَون الْأَرْوَاح لَا تفنى أَن يُقَال لصَاحب تِلْكَ الرّوح: خَالِد. انْتهى. قلت اعتراضه غير وَاضح وَلَا وَارِد لِأَن نفي الْخلد لبشر من قبل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا هُوَ فِي الدُّنْيَا. قَوْله: والخلد الْبَقَاء الدَّائِم بِغَيْر موت فِي الدُّنْيَا أَيْضا، والنتيجة الَّتِي بناها على تِلْكَ الْمُقدمَة الْفَاسِدَة عقيمة وَهِي قَوْله: فَلَا يلْزم ... إِلَى آخِره، بل يلْزم ذَلِك فِي الْآخِرَة فَافْهَم. قَوْله: (ملك الْأَمْلَاك) بِكَسْر اللَّام من ملك والأملاك جمع ملك بِكَسْر اللَّام أَيْضا، وَقيل: الْتحق بذلك قَاضِي الْقُضَاة وَإِن كَانَ اشْتهر فِي بِلَاد الْمشرق من قديم الزَّمَان إِطْلَاق ذَلِك على كَبِير الْقُضَاة، وَقد سلم أهل الغرب من ذَلِك، وَاسم: كَبِير الْقُضَاة، عِنْدهم قَاضِي الْجَمَاعَة. قلت: أول من تسمى قَاضِي الْقُضَاة أَبُو يُوسُف من أَصْحَاب أبي حنيفَة، وَفِي زَمَنه كَانَ أساطين الْفُقَهَاء وَالْعُلَمَاء والمحدثين فَلم ينْقل عَن أحد مِنْهُم إِنْكَار ذَلِك، نعم يمْتَنع أَن يُقَال: أقضى الْقُضَاة، لِأَن مَعْنَاهُ: أحكم الْحَاكِمين، وَالله سُبْحَانَهُ هُوَ أحكم الْحَاكِمين، وَهَذَا أبلغ من قَاضِي الْقُضَاة، لِأَنَّهُ أفعل التَّفْضِيل، وَمن جهلاء هَذَا الزَّمَان من مسطري سجلات الْقُضَاة يَكْتُبُونَ للنائب: أقضى الْقُضَاة، وللقاضي الْكَبِير: قَاضِي الْقُضَاة.
٦٢٠٦ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حَدثنَا سُفْيانُ عَنْ أبي الزِّناد عَنِ الأعْرَجِ عَن أبي هُرَيْرَةَ رِوَايَةً قَالَ: أخْنَعُ إسْمٍ عِنْدَ الله، وَقَالَ سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ: أخْنَعْ الأسْماءِ عِنْدَ الله رَجُلٌ تَسَمَّى بِمَلِكَ الأمْلاكِ. قَالَ سُفْيانُ: يَقُولُ غَيْرُهُ: تَفْسِيرُهُ شاهانْ شاهْ. (انْظُر الحَدِيث ٦٢٠٥) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه عَن عَليّ بن عبد الله بن الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن أبي الزِّنَاد عبد الله بن ذكْوَان عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة. قَوْله: (رِوَايَة) أَي: عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وانتصابه بِهِ على التَّمْيِيز أَي: من حَيْثُ الرِّوَايَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (وَقَالَ سُفْيَان) أَي: الرَّاوِي الْمَذْكُور. قَوْله: (غير مرّة) أَي: مرَارًا مُتعَدِّدَة. قَوْله: (يَقُول غَيره) أَي: غير أَبُو الزِّنَاد (شاهان شاه) ، وَمَعْنَاهُ بالعربي: ملك الْأَمْلَاك، لِأَن شاهان الْأَمْلَاك لِأَنَّهُ جمع شاه